الرئيسية / وجهات نظر / المغرب: ذكرى 16مايو وسؤال السلفية الجهادية
4ad29f78affc6ab36c0c5ec438c5b76c

المغرب: ذكرى 16مايو وسؤال السلفية الجهادية

عندما هزت تفجيرات 16 أيار/مايو مدينة الدار البيضاء سنة 2003، لم يكن أحد يتصور أن الأمر يتعلق بشباب في مقتبل العمر خرجوا من هوامش مدينة الدار البيضاء يبتغون ‘الشهادة’ في سبيل الله، ويتوسلون لذلك بضرب منشآت سياحية بطريقة فيها الكثير من السذاجة والغباء..
قبل حوالي 20 سنة كتب فهمي هويدي كتابا سماه ‘جند الله في المعركة الغلط’ وذلك للدلالة على مفارقة صارخة بين نزعة الإخلاص القوية الموجودة لدى مجاهدي طالبان وبين سلوكهم العدواني في الميدان الذين يعتقدونه صوابا..
مع التحولات الجارية في العالم العربي في أعقاب الانتفاضات العربية خرج التيار السلفي بتلويناته المختلفة وكشف بشكل واضح عن تعبيراته السياسية والفكرية..
في مصر وتونس وليبيا وسوريا وقبلها في الجزائر مرورا باليمن والعراق وغيرها ظهر بأن هناك حالة سلفية مخيفة تتجسد في التيار الجهادي المرتبط بتنظيم ‘القاعدة’ ومشتقاتها..
في المغرب، ونحن نسترجع هذا اليوم ‘قصة’ ليلة دامية ذهب ضحيتها 45 ضحية، يبدو بأن الحالة السلفية تعيش استثناء حقيقيا مقارنة بشبيهاتها في الدول العربية الأخرى، فهناك شيوخ سلفيون تتسم اجتهاداتهم على العموم بالنزوع نحو السلمية ونبذ العنف والإيمان بقيمة العيش المشترك، وهم يساهمون في تأطير شريحة اجتماعية مهمة، خاصة في مجتمع يميل إلى المحافظة والتدين..
لكن، مع ذلك يمكن القول بأن تداعيات 16 ايار/مايو خلفت جروحا لم تندمل بعد، فهناك شبه إجماع بين المتتبعين للشأن الحقوقي والسياسي بالمغرب، على أن هناك بعض سمات التوتر التي تطبع علاقة السلفية بمحيطها السياسي والاجتماعي على مستويات متعددة، مما أفرز اليوم واقعا معقدا يترجم واقع الإحساس بالانتهاكات التي شابت عشرات المتابعات للعديد من أفراد التيار السلفي بالمغرب، منذ سنة 2001، في ظرفية دولية وإقليمية اتسمت بـ ‘الحرب على الإرهاب’؛ وبالتنسيق الأمني المتواصل مع الدول الكبرى في العالم..ومما يزيد في تعميق هذا التوتر تنامي الشعور بالمظلومية لدى العشرات من السجناء ضمن تيار ‘السلفية الجهادية’، وغياب مساعي مؤسساتية للحوار معهم ، بالرغم من أن عددا معتبرا منهم عبّر في مناسبات متعددة عن نبذه للعنف واستعداده للتعبير عن قناعات مخالفة للصورة الإعلامية النمطية السائدة، وبالرغم من كون أقلية منهم فقط – صرحت أو ما تزال تصرح باختياراتها المتصلة بالعنف..
في التعاطي الإعلامي، مازال تعميم التوصيف الجاهز للخطاب السلفي ضمن الخطابات المتشددة من طرف فاعلين إعلاميين وسياسيين؛ جاريا دون امتلاك القدرة على الفرز بين اختيارات سلفية متنوعة.
ورغم انخراط بعض الرموز السلفية في تنظيم سياسي معترف به فمازال الإحساس السائد عند جمهور السلفيين، أن هناك استبعادا مقصودا للسلفيين من المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، وعدم التفاعل الإيجابي مع بعضهم عندما قرر الانخراط في العمل المدني من خلال جمعيات أهلية.
قبل حوالي سنة من هذا التاريخ، عملت بعض الجمعيات الحقوقية على إثارة الانتباه إلى الحالة السلفية، ليس فقط من الزاوية الحقوقية، ولكن من زاوية المساهمة في إطلاق مبادرة للتفكير الهادئ حول مختلف الإشكاليات السابقة من أجل العمل على خلق فهم مشترك من زوايا متعددة والتفكير في إيجاد بعض المسالك الممكنة لحل الإشكاليات العالقة ذات الصلة بالحالة السلفية، وذلك في أفق تقليص التوترات والتقاطبات الفكرية الحادة داخل المجتمع، والتحفيز على الإدماج الإيجابي لها في الحياة العامة..وهكذا التقت إرادة مجموعة من الفعاليات العاملة في مجال حقوق الإنسان للتشاور والتداول حول مختلف عناصر هذه الإشكاليات بحضور مختلف الفاعلين الحقوقيين من مشارب سياسية مختلفة بهدف رسم خارطة طريق لتسوية شاملة لهذه القضية، وبحضور أيضا رموز التيار السلفي الذين استفادوا من عفو ملكي في أعقاب تشكيل الحكومة الجديدة التي جاءت في سياق الثورات العربية، وبحضور معتقلين سابقين وممثلين لعائلات المعتقلين وباحثين مهتمين بالظاهرة السلفية.
إن الهدف الرئيسي لهذه المبادرة كان يتمحور حول رسم خارطة الطريق بشأن محاولة إيجاد تسوية شاملة ومتعددة المستويات ومتوافق عليها بخصوص السلفيين المعتقلين في إطار قانون مكافحة الإرهاب، و هي خارطة الطريق التي أريد لها أن تكون تتويجا لمسار تشاوري بين مختلف الفاعلين المعنيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتدبير هذا الملف، على مستوى الدولة من وزارات ومؤسسات وطنية ذات صلة بالملف، وعلى مستوى الفاعلين بالأحزاب السياسية، والهيئات العاملة في مجال حقوق الإنسان ، وكذلك على مستوى التيار السلفي، من شيوخ سلفيين وممثلي المعتقلين ضمن هذا التيار.
وتهدف خارطة الطريق، باعتبارها مجموع العناصر والإجراءات الخاصة بهذه المبادرة، إلى التدرج في إعمال مقاربتها من خلال عدة مستويات وهي:
ـ تطبيع تمتيع باقي المعتقلين، على مستوى وضعيتهم بالسجن، بالحقوق والواجبات كما هي متعارف عليها في القانون وفي المعايير الدولية ذات الصلة؛
ـ إعمال مبدأ التأهيل الاجتماعي و المصالحة، مع المعتقلين السلفيين المفرج عنهم.. وتوفير الدعم في اتجاه الاندماج في الحياة العامة. وهذه النقطة ظهرت أهميتها بشكل بالغ مع الفراغ الذي وجده عدد من المعتقلين الذين قضوا مدة محكوميتهم، فوجدوا الطريق معبدا أمامهم للذهاب إلى سوريا من أجل القتال إلى جانب المجموعات الجهادية المرتبطة بتنظيم ‘القاعدة’ أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
ـ العمل على التأسيس لسياسة تصالحية لتصحيح الوضع المتوتر بين الأطراف ذات الصلة بهذا بالملف؛ في أفق إطلاق سراح معتقلي السلفية ممن لم يتورطوا في العنف وفي جرائم الدم..
جرت العديد من اللقاءات مع المسؤولين الحكوميين، من بينهم رئيس الحكومة..
هذه اللقاءات كشفت على حقيقة واحدة وهي أن هذا الملف تتداخل فيه الكثير من المعطيات المعقدة: سياسية وأمنية وفكرية وحقوقية واجتماعية، وامتلاك القدرة على تفكيكها وتصنيفها وحلها عقدة عقدة وفق منهجية تدرجية هو الوحيد الكفيل بنزع فتيل التوتر مع الحالة السلفية، وتقديم وصفة للعالم على إمكانية العيش المشترك تحت سقف واحد يحتضن مختلف التيارات الفكرية والسياسية إذا نجحت في انتزاع الاعتراف بالرشد والنضج…
“القدس العربي”