الرئيسية / وجهات نظر / الرجاء والجديدة، الدرس المغاربي الجميل فوق رقعة الملعب
1d7c06e3cc12818be87e20e590111533

الرجاء والجديدة، الدرس المغاربي الجميل فوق رقعة الملعب

لكل مقابلته.. لكن الدرس الذي صنع مساء الأحد الماضي بالمركب الرياضي محمد الخامس بالدارالبيضاء، من خلال التفاصيل المحيطة بمباراة فريقي الرجاء البيضاوي والدفاع الحسني الجديدي (المؤجلة عن الدروة 23)، غير مسبوق عنوانا لاحتفالية “فوق رياضية”، سلوكية رفيعة، لا يتردد المرء في الجزم بالقول حولها: إنها فقط رائعة. كانت كل التوابل متكاملة كي تكون المباراة تلك في قمة التنافسية والتشويق، لأنها مباراة قفل للرجاويين، وخطوة أخرى في طريق اشتداد التنافس الرياضي للفوز ببطولة الدوري الإحترافي المغربي بين “نسر البيضاويين” (الرجاء) و “حمامة تطوان” (المغرب التطواني). وفي مكان ما كان الأب جيكو جالسا جوار عبد الخالق الطريس يتأملان فرحين ما يصنعه الأحفاد من سلالة مدرسة الوطنية عبر بوابة الرياضة وكرة القدم. ألم تكن الرياضة بالنسبة لذلك الجيل، جيل الوطنية والفداء، واجهة من واجهات التربية على القيم العمومية ل “تامغربيت”. ولم يخطئ، في مكان ما أيضا، ذلك الشعار المرفوع لجمهور “المكانة” البيضاوي، الذي يقول: “أنزلوا الأشرعة، نحن على أبواب أرض الحمام”، لأنه قليلا ما ننتبه أن لغة التنافس الرياضي في هذا الموسم كرويا، هي بين شطين من شواطئ المغرب، لا تتوفر سوى لبلاد قليلة في العالم، هما الأطلسي والمتوسطي. إذ، كما لو أن نوارس “سانية الرمل”، نعم هناك قرب جبل “درسة”، ذلك العالي المطل على بلاد جبالة وعلى بلاد الريف، ذاك الذي عنده تنقسم ريح الشمال العابرة المضيق كي تخلق تيارا هوائيا يمتد حتى السعيدية ووهران، ذاك الذي يظل يناجي بلا تعب منذ غابر الأزمنة جبل طارق هناك في الضفة الأخرى للمتوسط.. كما لو أن نوارسه، تسابق في المدى نوارس الأطلسي، تلك التي تقف عند آخر نتوء للأرض المغربية في الأطلسي (الدارالبيضاء)، قبل الإنعطافة نحو رياح ليزاليزي النازلة صوب آسفي والصويرة، التي توقف هبوبها الشمالي جبال الأطلس الكبير وهي تموت في المحيط عند “سيدي كوكي” وقرية “الديابات” ببلاد حاحة.
يكفي الجلوس هناك لتأمل المشهد، في دائرية رقعة الملعب، وأصوات الحناجر تصعد في السماء، وأغاني اللحظة التي يبتدعها مكر عشاق الكرة، والأجساد تخرج ما هو مخزن فيها من أمل وفرح وقوة روح، لتستشعر أن الأمر أشبه بأي احتفال للأولمب. ذلك الفعل القديم للإنسان، حين يجلس في مدرجات دائرية كي يفرغ ما تجمع فيه من طاقة (حتى من غضب وتعب) في طريق الحياة، ثم يغادر بعد صفارة الحكم النهائية، وقد اغتسل داخليا من كل تعب الوقت والطريق . فكان ذلك لحظة لتأمل الإنسان في امتداد إنسانيته التي بلا سقف غير السماء. كان المغاربة يصنعون، من خلال رقعة ملعب كرة، ومن خلال طقوسية مباراة رياضية، معنى حياة جميل. وكان لابد من الإنتباه لواضعي الموسيقى تلك، لقادة الأوركسترا، الذين يجتهدون في إبداع النوتات، تلك التي تخيطها أقدام اللاعبين على رقعة الملعب، وهم يدفعون الكرة هنا وهناك، وهم يخيطون البقعة الخضراء جيئة وذهابا مثلما تفعل يد محترفة لغزل الصوف، كي تمنحنا في الختام زربية منسوجة كاملة من الجمال. كان لابد من الإنتباه، لرقصة المدربين. واحد يكاد يخرج من جلده تفاعلا وحرصا على احترام واجبات العزف (البنزرتي)، ثم الذي لم يجلس قط طيلة المباراة، والذي تكاد تحسه كم يتمنى لو يسمح له بالدخول للمشاركة في العزف، من كثرة ما وقف عند خط الملعب في الشط (بنشيخة). بل، إنك تنتبه حتى للعبة القدر الجميلة، تلك التي جعلت أحدهما من تونس والآخر من الجزائر. لتكتشف أنك أمام لوحة مغاربية مبهرة.
في ذلك المساء البيضاوي الربيعي الجميل، وغيم شهر ماي البارد المعتاد، الصاعد من المحيط، يغطي المدى، رأينا فعلا حفلا مغاربيا رفيعا، رسالة عن أن الممكن المغاربي لصناعة المعاني الجميلة ممكن جدا. لأنه حين التقى المغربي والجزائري والتونسي، صنعوا مجد الأولمب. تلك كانت المباراة الأكبر المربوحة في ملعب محمد الخامس بكازابلانكا، والباقي تفاصيل. لأن البطولة في نهاية المطاف ستذهب لمن استحقها، أما المعنى المغاربي الذي نسج في سماء المدينة، ذلك المساء، فهي البطولة الأخرى التي تكفيني كمغاربي.