الرئيسية / وجهات نظر / الدولة أم الشعب… من يسترجع الآخر في تونس؟
8d08e0465f3ed5a7d276fc804387789c

الدولة أم الشعب… من يسترجع الآخر في تونس؟

مشهد المصافحات الذي نقله التلفزيون التونسي مساء السبت في اعقاب جلسة صلح جرت داخل قصر قرطاج بحضور الرئيس وممثلين لقريتين جنوبيتين اشتعلت بينهما قبل ايام نيران الخلافات حول ملكية قطعة ارض ترغب احدى شركات البترول بالتنقيب عن النفط فيها، لم يكن بالامر العادي او المألوف.
حتى الان ظلت انباء مواجهات محدودة تنشب بين الحين والآخر في اكثر من منطقة، تزيدها عصبيات الجهة او القبيلة حدة واضطراما، واقع محزن ومؤلم لكنه مفهوم ومبرر امام الانفلات الشامل الذي انساقت اليه البلاد في مرحلة انتقالها الصعب والهش نحو الديمقراطية. ما لفت الانظار في هذه الازمة هو التدخل الرئاسي المباشر وبطريقة قد لا تختلف عما يفترض ان يقوم به شيخ بلدة او مختار قرية، ذلك النزول الفعلي للرئيس بثقله الاعتباري والرمزي من اجل جمع وجهاء القريتين الى طاولة مفاوضات في القصر الرئاسي وتحت اشرافه المباشر، ثم تصريح اعضاء الوفدين للصحافيين في ختام اللقاء بالوصول الى اتفاق يقضي بالاحتكام الى قرار مصلحة قيس الاراضي لترسيم الحدود بين الجانبين المتنازعين، رغم ما يحمله من ايجابيات ليس سوى وجه آخر لحالة الغموض السائدة الان في تونس. مصدر الغموض هو ذلك الشعور الذي يسود داخل قطاعات عريضة من ان الهوة ازدادت عمقا واتساعا بين الدولة ومواطنيها، وان سعيها من اجل استعادة الهيبة والسلطان لا يتقدم بالشكل المقنع والمطلوب، رغم كل الخطوات المقطوعة خلال الاشهر الاخيرة، بل يعطي في اكثر من مناسبة مفعولا عكسيا غير منتظر بالمرة. وفي اذهان الكثيرين هناك صورة ضبابية لهذا الهيكل الضخم والمترهل، اي الدولة، تختلط فيه الاجهزة ودواليب الادارة بالصلاحيات ومجالات النفوذ والاختصاص. جزء من تلك الصورة هو رواسب قديمة علقت ويحتاج رفعها الى متسع من الوقت، وجزء اخر هو تراكم لاخطاء ارتكبت خلال السنوات التي تلت هروب بن علي وتزعزع اركان حكمه.
في كلتا الحالتين لا يسمح التشوش الحاصل باعادة جسر الثقة المهزوزة وليس صعبا على المراقب ان يلمس ذلك الامر في ردة فعل الشارع ازاء أعلى سلطة في البلد، اي المجلس التأسيسي، او في اهتمامه بالدستور وبالمسار الانتقالي بوجه عام. لقد جوبه نواب المجلس الذين انتقلوا الى محافظة سيدي بوزيد لشرح فصول الدستور الجديد بغضب دفعهم لالغاء الزيارة. اما في احدى محافظات الجنوب فلم يتجاوز عدد الحاضرين لتلك الجلسات الثلاثين نفرا، ولا يحتاج قياس درجة اطمئنان الشارع لما يدور تحت قبة المجلس من صراعات، وحتى تبادل للشتائم العنيفة بين النواب، لكثير من الادلة. ومن الواضح ان جدول الاولويات يحتاج الى اعادة ترتيب سريعة تسمح بحد ادنى من التقارب بين تطلعات الناس وطموحات الدولة واكراهاتها، وذلك حتى لا تتواصل حالة الانفصام طويلا. هناك الان تنازع هجين وغير مفهوم داخل السلطة بين الرمزية والصلاحية. تمسك الحكومة التكنوقراط بناصية الجهاز التنفيذي، وتعلن تلميحا او تصريحا انها لا تلتفت لشيء اخر سوى المصلحة العاجلة والفورية، وليس مهما في ذلك مقدار قربها او ابتعادها عن مبادئ وقيم الدولة، وحادثة دخول السياح الاسرائيليين الاخيرة للبلد، ليست سوى واحدة من الامثلة الكثيرة على ذلك. اما رئاسة الدولة فلا يبدو ان ما رسم لها من ادوار يتخطى حدود جمعية حقوقية تختص فقط بكتابة بيانات التنديد والاستنكار او اعلان الحداد الوطني.
ما تسببه هذه الوضعية الغريبة هو ألا احد يصل في النهاية لاتخاذ القرار المناسب و فرض توجه واحد او رؤية مضبوطة. كل ما يمكن لرئيس الدولة ان يفعله هو ان يستقبل أسر الشهداء والجرحى ويعرب لهم عن تضامنه الكامل، ويطالب بمراجعة الاحكام المخففة ضد قتلة ابنائهم، او ان يقدم اعتذارا باسم الدولة في خطاب رسمي لجميع ضحايا التعذيب طوال العقود الماضية. اما الحكومة فما يشغلها هو تحصيل السيولة المالية والرضوخ لضغوط بعض الاحزاب كلما اقترب موعد الانتخابات بالتطبيق الصارم لبنود خارطة الطريق، ومن ضمنها استرجاع المساجد التي خرجت عن سيطرة الدولة او فرض القانون بمراقبة مصادر تمويل بعض الجمعيات والاستمرار بملاحقة الارهابيين وكشف خلاياهم النائمة لكن المستنفرة للنشاط في كل لحظة.
هل يمكن للدولة اذن ان تواصل السير بساق واحدة والى متى يستمر هذا الجفاء المفزع والمخيف بينها وبين الناس؟
ما تروج له الاحزاب السياسية هو ان الامر سيحسم قريبا في الانتخابات المقبلة، حيث سيختار الشعب حكامه وفقا لبرامجهم وما يصرحون به من توجهات، لكن اعتبار تلك الانتخابات هي اقصى الاهداف والنهاية الحقيقية لكامل مسار التأسيس لدولة جديدة، ليس سوى مغالطة اخرى تنضاف لسجل المغالطات. هناك آلام وجراح لا يمكن تخطيها او تجاوزها بالتعويض المالي او حتى بالكلمات الرمزية والشعارات الثورية. فليست العدالة مجرد ترف زائد عن الحاجة، وحتى الوفاق السياسي الذي ارتضاه كبار اللاعبين السياسيين ليس بدوره مبررا مقنعا يسمح بتجاهل الفظاعات والجرائم التي ارتكبت زمن الاستبداد.
لقد رفعت عائلات الشهداء والجرحى اضرابا للجوع استمر لاسبوعين بناء على نصيحة من لجنة المراقبة الطبية للاضراب، حفاظا على ارواحهم بعد ان اوشك بعض كبار السن منهم على الهلاك، ولم يلتفت احد الى مطالب العائلات مثلما لم يجد احد وقتا لمحاسبة تسبق الدعوات اليومية لمصالحة وطنية تطوي صفحة الماضي للابد. اما اخر ما قررته السلطات فهو الاعلان عن نشر منظومة صحية في جزيرة جربة السياحية ‘تضم مركزي اسعاف مجهزين بالوسائل الضرورية ومركزا طبيا ميدانيا’، ودعمها بوسائل الاخلاء البرية والجوية وذلك لانجاح موسم الحج اليهودي الى معبد الغريبة، الذي ينطلق بعد يومين ويحضره فقط ما يقارب الالفي شخص. بوصلة الدولة مصوبة بالكامل نحو جذب رؤوس الاموال، اما رؤوس الناس وضمائرهم فهي على ما يبدو اخر ما يشغل اهتمامها. والمفارقة ان كل الخطوات التي تقطعها الدولة في ذلك الاتجاه لا بد ان تمر باستعادة سريعة لهيبتها المفقودة.
تلك الهيبة لا تتحقق للاسف من خلال حركات واشارات لاسترضاء الزوار الاجانب بكل السبل، بمن فيهم ضيوف المعبد اليهودي، او باخماد نزاعات الاراضي وخلافات الجهات والعروش باسلوب استعراضي ودعائي، بل بالالتفات مجددا الى شارع حائر ومشتت الافكار تتقاذفه هموم الحاضر واوجاع الماضي وحيرة المستقبل. متى تم التفطن الى ذلك يستطيع الشعب ان يسترجع دولته المفقودة، وتستطيع الدولة ايضا ان تستعيد شعبها الهارب والمشرد قبل فوات الاوان.
“القدس العربي”