الرئيسية / وجهات نظر / حوارات تونس
98a284ded0878afdf51a0f1af8df8aed

حوارات تونس

ظلت تونس موقعاً مهماً للعقلنة في العالم العربي حتى وهى تشهد أقسى التحولات، هذا ما لمسته خلال زيارة قصيرة لتونس مؤخراً. فديكتاتورية بورقيبة نفسه كانت مغلفة بالتحديث ولجم الطبقة التقليدية. وحتى «بن علي» لم يستطع إلا أن يبدو عقلانياً لعامين أو ثلاثة، مبشراً بالتغيير والحوار، ثم ادعاء «مقرطة» الواقع السياسي، حتى انفرد ليجعل الحداثة هي فقط الطريق للضبط الأمني، والنهب المنظم، وتنمية الطبقة الوسطى لتسكت على ما يجري! ثم كانت «الثورة» أو قل «الانتفاضة الشعبية»، التي فتحت الباب للفرز الاجتماعي، واكتشاف أن تنظيم المجتمع هم عقلي بقدر ما هو اجتماعي، عند كثير من الفئات الاجتماعية.
ولذا تلعب الصياغات الفلسفية قدراً واضحاً في العمل العام في تونس بما يبعد أحياناً عن المدركات الاجتماعية المباشرة التي يجيد آخرون اللعب بها. ويمكننا النظر بسرعة إلى الخريطة التي تبرز فاعليتها كل يوم الآن على سطح الحياة السياسية، وسنعود لأثرها في حركة التفاعل الجاري. هناك الآن عدة عناصر واضحة وذات تاريخ في العملية السياسية، أولها الأحزاب السياسية التي تشكل «الترويكا» أي الثلاثية الحاكمة : حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»- «التكتل الديمقراطي»- النهضة). وفي الساحة أو الفضاء السياسي تقف أيضاً أحزاب: «الجمهوري» (الاشتراكي سابقاً)- «التجديد» أو المسار الشيوعي سابقاً)، والعمال الشيوعي… الخ
ثمة قوى أفرزتها الثورة ثم الثورة المضادة إنْ جاز التعبير مثل قوة «الجبهة الشعبية» من جهة، وقوة «الدستوريين» التي باتت تعنى حضور دستوري «بورقيبة» و«بن علي» بقوة الآن على السطح كأحزاب «الفلول» بالتعبير المصري،
وإلى جانب هذا الطرف الحزبي السياسي: هناك قوة شديدة التفاعل أيضاً وهى «الاتحاد التونسي للشغل»، والمنظمات الحقوقية (حقوق الإنسان خاصة). وهي ما يكاد يمثل بيت الحوار الوطني.
ما يلفت النظر أن معظم هذه القوى بدت وكأنها لفترة تعتمد على تاريخيتها، فباتت كأنها الماضي، مما جعل «حزب النهضة» بقيادة راشد الغنوشي وهو المحافظ النهضوي كأنه التنظيمي الحداثي وحده! فحضر برلمان أكتوبر 2012 بأغلبية نسبية (أكثرية) وليست مطلقة، وكان ذلك وقتها و«ستر الرب» على شعب تونس! لأنه دفع الإسلاميين هناك إلى ضرورة «التوقف للتفكير» وعقلنة التطور في كل لحظة رغم إغراء «التمكين»، الذي اندفعوا فيه بدورهم مثل «الإخوان» في مصر، لكن القدرة على التراجع «المعقلن» باتت واضحة. وخاصة حين اندفعت بعض أطراف الأسلمة أو المحافظة لاغتيالات «بلعيد» و«الإبراهيمي»، ربيع وخريف 2013. فبدا «المتمكنون» أشراراً يتوجب على الحركة السياسية كلها لمهم. وعندئذ أعتقد أن الإسلاميين أدركوا أهمية «الوطني»، في أسبقيته على الأممي أو الدولي تيسيراً لفهم التحالفات وتقدير التنازلات وهذا ما ثبتت جدواه لهم.
لعب احتكار واحتقان الموقف السياسي والاجتماعي الاقتصادي دوراً في إظهار أزمة الانفراد الإسلامي بالسلطة، وبدأت التحالفات تهتز كراسيها، حتى جاءت أحداث ثورة يونيو- يوليو 2013 في مصر، لتساعد في قلب تصورات «إخوان تونس» عن آفاق الانفراد، وبينما اسموا ما حدث انقلاباً في مصر، فإنهم راحوا يبحثون عن دروسه بإحداث الانقلاب في تحالفاتهم إزاء إدراكهم للسخط الشعبي تجاههم بنفس القدر! فقفز راشد الغنوشي إلى فلسفة ما أسماه البعض «ملاعبة الثعابين»، وهو يدرك أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بالاقتراب من «الطبقات القديمة وعناصر الدولة العميقة»، وكأن هؤلاء قد سبقوه إلى تنظيم صفوفهم فيما سمى فترة «الاتحاد من أجل تونس»، وثم «نداء تونس» (لاحظ مسميات الفلول في الصراخ باسم مصر). بقيادة باجي قايد السبسي (البورقيبي الليبرالي القديم). وذهب الغنوشي ليعود السبسي المريض في باريس (أغسطس 2013) وكان ما سمى بلقاء «الشيخي» أي تحالف الجبهات المحافظة تماماً… (سواء كانوا ثعابين أو أمنجية !). تمثلت «شطارة» الغنوشي في لعبة «العقلنة» وشطارة الليبرالي «قايد السبسي» في ضم بعض ما يعتبر في تونس وجوهاً ديمقراطية أو يسارية دولية ليصبح «نداء تونس» مرشحاً جامعاً لقيادة الدولة في ثوبها الجديد بتحالف المحافظين القدامى والجدد!
كان لابد من اختبار هذا المكون الجديد.. وقوى «الثورة» في الشارع ويدها على قلبها من هذا التركيب والتفتيت المتسارع نحو استقطاب غير مأمون النتائج. أصبحت جبهة «الترويكا» تتهاوى مع رئيس يعتبرونه نزقاً مثل منصف المرزوقي وحزبه «المؤتمر» أو بمحافظ آخر فقيادة حزب «التكتل» «بن جعفر». من جهة وأمامها قوة الجبهة الشعبية، التي قفزت إلى الأمام بلغتها الحادة بعد مقتل الرموز الوطنية. ويكاد يساند ذلك التطور جبهة يسار تقوى ثانية وتدريجياً حاملة مسميات جديدة من: المسار أو القطب الحداثي اليساري إلى الديمقراطي التقدمي إلى آفاق تونس، والوطن والناصريين والبعثيين… الخ).
وكان الاختبار متراوحاً، فالضغط الشعبي يريد التأكد من عدم انفراد حزب «النهضة» أو قل «الإخوان المسلمين» بعد تجربة مصر بالسلطة ممثلة في الحكومة «التي كانت قائمة» حتى يناير 2014، بل والأمل في مزيد من إضعافها- حسب التنبؤات المتفائلة- في انتخابات البرلمان القادم 6-9 شهور! «والغنوشي» من جهة أخرى يواصل ملاعبة الثعابين، ويريد التصدي لآمال البعض في خلع النهضة من تونس على طريقة مصر.. ولذا يسارع بالموافقة علي انقلاب «مدني فعلي» بسحب حكومته أو ما سمي شعبياً إسقاط حكومة “الإخوان” والتوافق حول تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة شكلها «المهدي جمعة» بعد لأي في يناير 2014 وبها من الوجوه المثقفة ما يطمئن بالفعل. وأهميتها في مقولة العقلنة التونسية، أنها تمثل بالفعل معنى القبول «الحداثي» بالحكومة الانتقالية، التي لا تشارك في العمل السياسي ولا الإعلام له وإنما هي آلية محايدة- ولو نسبياً- لإجراء الانتخابات القادمة وحسب. ولنقارن بالحكومات الانتقالية في بلاد أخرى مثل لبنان أو مصر لنقدر ما يجرى في تونس.
إذن يكاد ينجح الاختبار الأول لمدى «عقلنة» سلوك الفلول والغنوشية في زحفهم على السلطة والمجتمع معاً، ويتصدون عملياً لضغط المعارضة الشعبية عليهم رغم تفتتها، جاء الاختبار الثاني كاشفاً أكثر. فثمة مواجهة تحركها «العقلنة المحافظة» أو الثورة، أقصد عقلنة المحافظين لفهم «الواقع»! أو انطلاق عقال التمرد مثلما كاد يحدث بعد اغتيالات صيف 2013! ووقع الاختبار الفعلي خاصاً بقانون تنظيم الانتخابات وتحرك التحالف الجديد من المحافظين ضد تمرير المادة 168 عن العزل السياسي الذي سيشمل كثيراً من وجوه «نداء تونس» حتى من يساره أحياناً، بل وبعض المتعاطفين مع الإسلاميين… الخ. ممن يهددون بغزو البرلمان القادم بعد عدة شهور. وقد تركت تونس ويكاد يكون قد تقرر إسقاط المادة التي أسماها «الغنوشي» نفسه «المادة الإقصائية» وليست مادة العزل. بعد تسليمه بقوة تحالف النهضة مع أعمدة النظم السابقة في إطار مزعوم للوحدة الوطنية، ورغم تهديد بانقسام في «النهضة» يثق في معالجته.
والجدل في تونس كثيف، حول تبلور ثورة تونس الرائدة إلى هذا المصير، حيث تحتشد القوى «المحافظة» في تنسيق وتناغم، بينما تنشغل قوى وطنية وديمقراطية بترشيحات الرئاسة أو أوضاع القيادات في مناصب المعارضة!
يبقى أمل التميز التونسي، في الرباعية الشعبية المعروفة والاتحاد التونسي للشغل، والمنظمات الحقوقية لحقوق الإنسان والمرأة.. الخ.. وفي دول التحديث الحقيقية تحتل فيها هذه التنظيمات مكانتها السياسية الديمقراطية المناسبة بمثل انشغالها القانوني تماماً على غير ما يتصور بعضهم في مصر.
“الاتحاد” الاماراتية