الرئيسية / وجهات نظر / إعلام… وسلطة الجزائر خارج القانون..!
سامي-قاسمي

إعلام… وسلطة الجزائر خارج القانون..!

بقلم: سامي قاسمي*

لماذا سمحت السّلطات الجزائرية، لقنوات فضائية جزائرية، بالعمل داخل البلاد، على أساس أنها أجنبية؟ ما المغزى من وراء ذلك؟ وهل الهدف هو سهولة ملاحقة هذه القنوات قانونياً، عندما تتعارض أجندتها مع مصالح سدنة البلاط؟ وهل نحن في الجزائر أمام عددية أم تعددية إعلامية؟
أثارت تصريحات قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ سابقاً، مدني مزراق، عبر قناة الوطن الجزائرية، جدلاً واسعاً في البلاد، بعد تهديداته للحكومة، برد مجنون وغير مسبوق، طالما أنها لم تمكنه من تأسيس حزب سياسي، يضم سياسيين سابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المحظورة، وأشخاصاً رفعوا السلاح، خلال العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر، لا بل ذهب مزراق، إلى أبعد من ذلك، عندما توعد الرئيس بأنه “سيسمع منه ويرى ما لا يتصوره إطلاقاً” إذا لم يُحقق تلك الغاية.
صحيح أن كلام مدني مزراق، مثير وجريء، لكن المستغرب أن السّلطات الجزائرية، بدلاً من استجواب المعني بإلقاء قنابله الصوتية ضد الرئيس، أقدمت على إغلاق بث القناة التلفزيونية، وحجز محتوياتها، وطرد الصحفيين والعاملين فيها، بحجة أن القناة تعمل بطريقة غير قانونية، وتبث مضامين تمس برموز الدولة.

للمزيد:حوار مدني مزراق يتسبب في إغلاق مقر قناة “الوطن” الجزائرية

عندما نتمعن جيداً في التبريرين اللذين قدمتهما السّلطات العمومية، لتشميع قناة الوطن، فإننا نجدهما من المضحكات المبكيات، وأبعد ما يكونان عن الواقع، لأن المنطق يجعلنا نتساءل: أين كانت وزارة حميد قرين طوال نحو عامين، عندما كانت القناة تعمل خارج القانون؟ أليس هذا انتهاكاً لعدم تطبيق القانون؟ وماذا عن القنوات الـ 16 الأخرى، التي قال وزير الاتصال إنها تعمل بطريقة غير قانونية؟! وهذا التساؤل ليس دعوة لغلق باقي القنوات، لأننا مع الانفتاح الإعلامي، لكن لكشف الغطاء عن التناقض الصارخ في ما يقوله المسؤولون..!
أمّا عن كون “الوطن” تبث مضامين، تمس برموز الدولة والمقصود هو (رئيس الجمهورية) فنتساءل: هل القناة مسؤولة عن تصريحات ضيوفها، ووجهات نظرهم، خصوصاً عندما يكون هذا الضيف، شخصية وطنية، ويتم الاعتداد برأيها، في مشروع الدستور، وتتم استضافتها في أروقة الجمهورية؟
اقتحام قناة الوطن، ومصادرة محتوياتها، وقمع صحفييها، بتلك الطريقة المُهينة والمشينة، يثير مشاعرنا ويستفزنا كأصحاب مهنة، ويبرق لنا برسائل خاطئة أن الطبقة الحاكمة، تريد تحويل الصحافة، التي حلمنا بها يوماً، إلى مهنة استرزاق وارتزاق.
لا يوجد تفسير لما حدث، إلا أن الحُكومة لديها نية مبيتة، لتصفية خصومها، وإسكات الصّوت الحر، وتطويعه لخدمة أجندتها، وهذا بلا شك، تدهور خطير في الحريات، ويطرح أكثر من تساؤل عن العودة إلى حكم الفرد الواحد، بعد كفاح مرير في سبيل جني ثمرات الديمقراطية والتعددية، ودفعنا ثمنا لذلك أنهاراً من الدماء، وقدمنا قوافل من الضحايا، وعلى رأسهم شهداء المهنة.
لا نرغب أن يكون مسؤولونا، عبارة عن قُطّاع طرق، يحكموننا بشريعة الغاب، ويصادرون حقنا في ممارسة المهنة، ويسلطون سيوفهم علينا، من خلال قانون العقوبات عندما لا يوافق خطابنا الإعلامي وخطنا التحريري أهواءهم ومصالحهم، بل نريد تشريعات وقوانين واضحة، تضبط الممارسة الصحفية، وتحمي الصحفي، وفق الدستور والمواثيق والأعراف الدولية.

للمزيد:مزراق: “بوتفليقة أرغمنا على القيام برد شديد اللهجة”

فتح المجال السمعي البصري في الجزائر، أمام القطاع الخاص، لا ينبغي أن يكون الشجرة التي تغطي غابات الاختلالات في هذا القطاع، وأبرزها الادعاء الكاذب، بأن هناك تعددية، لكن الواقع يثبت أننا أمام عددية إعلامية ليس إلا، وهذا ما يعزز شكوكنا في نوايا السلطات الحاكمة، التي تخاف رؤية إعلام نزيه ومستقل، يكشف الحقائق للرأي العام.
يؤسفنا أن تعيدنا حكومات بوتفليقة إلى نقطة الصفر، وأن تدرج مؤشرات حرية الصحافة، الجزائر، ضمن الخانة الحمراء، وفي مرتبة متأخرة عن بقية دول العالم (119).. وأولهم الجارة موريتانيا.
مَـنْ يسعى لقمع الصحافة، وتكميم الأفواه، وقطع الدّعاية عن الصحف، لدفعها للإفلاس، لديه ملفات ثقيلة، يريد إخفاءها، أما مسألة الحد من سطوة المخابرات على الحياة السياسية، والسعى إلى إرساء دولة مدنية، ففرية لا يمكن أن تنطلي علينا.. لأننا اليوم أمام مشهد يعيدنا إلى دولة البوليس السياسي بامتياز.
بكل مرارة وأسى، نقول إنه باغتيال قناة الوطن فإن السلطات الجزائرية، تطلق رصاصة الرحمة، على حلم جيل كامل بجزائر حُرّة.. ديمقراطية.

* صحفي جزائري/”رأي اليوم”