الرئيسية / وجهات نظر / نوبل والربيع العربي
حسن نافعة

نوبل والربيع العربي

بقلم: حسن نافعة*

لم يتوقع أحد فوز اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام لهذا العام، وذلك لسببين رئيسيين. السبب الأول، أن تاريخ هذه الجائزة يشير إلى أنها تُمنح، في الأحوال المشابهة، لأطراف الصراع الذين ينجحون في التوصل إلى اتفاقات تنهي أزمات تهدد السلم الأهلي أو الدولي، وليس للوسطاء في تسوية تلك الأزمات، أياً كانت أهمية الدور الذي يلعبونه. فجائزة نوبل للسلام مُنحت عام 1973 لكل من هنري كيسنجر ولي دوك تو، مكافأة لهما على التوصل إلى اتفاق وضع نهاية لحرب فيتنام، ومُنحت عام 1978 لكل من أنور السادات ومناحيم بيغن مكافأة لهما على التوصل إلى اتفاقيتي كامب ديفيد اللتين شكلتا إطاراً عاماً لحكم ذاتي للفلسطينيين ولمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، ومُنحت عام 1993 لكل من نيلسون مانديلا وفريدريك دي كليرك، مكافأة لهما على التوصل إلى اتفاق أنهى نظام الفصل العنصري وأعاد الاعتبار الى الغالبية السوداء في جنوب إفريقيا، ومُنحت عام 1994 لكل من ياسر عرفات وإسحق رابين وشيمون بيريز، مكافأة لهم على إبرام اتفاق أوسلو لتسوية القضية الفلسطينية. أما الأطراف التي توسطت لإنهاء تلك الصراعات فنادراً ما فازت بالجائزة، رغم قيامها أحياناً بدور أكثر فاعلية في التوصل إلى تسويات. فالرئيس الأميركي جيمي كارتر، على سبيل المثال، لم يكن من بين الفائزين بالجائزة عقب نجاح مفاوضات كامب ديفيد عام 1978، رغم دوره المحوري فيها. صحيح أن كارتر حصل عام 2002 على جائزة نوبل للسلام، لكن كمكافأة له على جهوده في الدفاع عن حقوق الإنسان في مناطق مختلفة من العالم وليس على جهوده كوسيط في مفاوضات كامب ديفيد. الحالة الوحيدة التي كوفئ فيها وسيط في تاريخ جائزة نوبل للسلام كانت، في حدود علمي، حين فاز بها الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت عام 1906 تقديراً لدوره في إنهاء الحرب الروسية اليابانية. ولأن رباعية تونس كانت وسيطاً في إنهاء الأزمة التي أنقذت «ثورة الياسمين»، وليست طرفا فيها، فقد جاء فوزها بالجائزة بمثابة استثناء لافت للنظر.
السبب الثاني، أن الإعلان عن فوز الرباعية بالجائزة المستحقة جاء متأخراً عن موعده بعام كامل. فالحوار الوطني الذي قادته، وأهَّلها للفوز بالجائزة، بدأ في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) عام 2013، وانتهى في أواخر كانون الثاني (يناير) عام 2014، وأسفر عن توصل أطراف الصراع إلى خريطة طريق تكفل إخراج تونس من أزمتها الخطيرة، وهو ما تجسد في الإعلان يوم 26 كانون الثاني عن توافق على الدستور ويوم 29 من الشهر نفسه عن توافق على تشكيل حكومة مستقلة. معنى ذلك أن الرباعية أنجزت المهمة التي استحقت عليها جائزة نوبل في بداية 2014 ومن ثم كانت مؤهلة للفوز بها في العام نفسه وليس في العام الذي يليه. يلفت النظر هنا أن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية الشهيرة قامت في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 بإدراج حسين العباسي، أمين عام الاتحاد التونسي للشُغل ومهندس الحوار الوطني التونسي، ضمن أفضل مئة مفكر عالمي لدوره في هذا الحوار. فلماذا إذن تأخر حصول رباعية تونس على جائزة نوبل للسلام حتى عام 2015 رغم أنها كانت تستحقها عن عام 2014؟
يقولون: تُعرف الأشياء بأضدادها! ويبدو أن القيمة الحقيقية للدور الذي لعبته الرباعية في تحقيق السلم والأمن الأهلي في تونس لم يتضح بكامل أبعاده إلا بعد تأكد وقوع دول «الربيع العربي» الأخرى في هاوية سحيقة من الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والثورات المضادة. ومن الطبيعي، في أجواء حالكة الظلمة ومثيرة للاكتئاب على هذا النحو، أن تبدو التجربة التونسية كبقعة ضوء قادرة على أن تشع قدراً من البهجة وأن تحيي بصيصاً من أمل على رغم استمرار آلام المخاض. لذا فربما تكون لجنة جائزة نوبل أرادت التيقن أولاً من نجاح عملية التحول الديموقراطي في تثبيت أقدامها في تونس، ومن قدرة تجربتها الوليدة على مواجهة كل ما يعترضها من تحديات، قبل أن تقرّر تكريم صانعي النجاح.

المزيد: تونس… ما بعد “نوبل”

بقي أن نشير هنا إلى أن لجنة جائزة نوبل للسلام لم تكن دائماً فوق مستوى الشبهات. فكثيراً ما تثير خيارات هذه اللجنة جدلاً وانقساماً في العالم بسبب ما قد تلعبه اعتبارات المجاملة أو المواءمات والتوازنات السياسية من دور في تحديد تلك الخيارات أحياناً. ويكفي أن نتذكر أن لجنة نوبل للسلام لم تتردد في منح جائزتها المرموقة لإرهابي عتيد ومجرم حرب من نوع مناحيم بيغن، أو لشخصيات إسرائيلية تنتمي إلى المؤسسة الحاكمة، من أمثال بيريز ورابين، وهي شخصيات لا تستحقها في تقديري لأنها، شأنها شأن كل شخصية رسمية إسرائيلية، تسببت في قتل وتشريد ملايين الفلسطينين. بل إن بعض الشخصيات العربية التي فازت بها، من أمثال أنور السادات وياسر عرفات، لا تستحقها أيضاً، لأنها تنازلت عن بعض حقوق شعوبها غير القابلة للتصرف، ما أدى إلى مزيد من التصلب الإسرائيلي أعاق الوصول إلى سلام حقيقي، وبالتالي لم تكن سوى غطاء لإظهار الإسرائيليين الذين حصلوا عليها بمظهر صانعي السلام.
قرار لجنة نوبل للسلام منح رباعية تونس جائزتها لهذا العام كان، بعكس ما حدث في حالات كثيرة سابقة، قراراً حكيماً لا تشوبه شبهة انحياز أو مجاملة. فهناك ما يشبه الإجماع العالمي على أن الدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني الأربع، بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، كان أساسياً في إنجاح تجربة التحول الديموقراطي في تونس وفي تجنيب هذا البلد الصغير المصير الذي لاقته ثورات «الربيع العربي» الأخرى. صحيح أن هذا الدور لم يكن متفرداً أو وحيداً وإنما ساعدته أدوار لمؤسسات مهمة أخرى، في مقدمها المؤسسة العسكرية وحركة «النهضة». فالجيش التونسي، من ناحيته، التزم الحياد التام في الأزمة السياسية من دون تفريط في واجبه بالحفاظ على سلامة الدولة. أما حركة «النهضة»، والتي فازت بغالبية المقاعد في أول انتخابات أجريت بعد الثورة وآلت إليها قيادة حكومة «الترويكا»، فقد أظهرت من ناحيتها قدراً كبيراً من النضج السياسي، بتغليبها مصلحة تونس العامة على مصالحها الحزبية الضيقة، دفعها إلى الاقتناع بأن عليها تقديم القدر الأكبر والأكثر إيلاماً من التنازلات لإنجاح الحوار. ومع ذلك فما كان لهذا الحوار أن ينجح من دون الدور الحاسم لرباعية المجتمع المدني. فلم تكتف هذه الرباعية بدور ساعي البريد بين الأطراف ولكنها لعبت دوراً ناشطاً ووازناً في الحوار، أهَّله ثقل جماهيري واضح عكسه التفاف قطاع عريض من نخبة تونسية واعية أدركت أنه ليس هناك من سبيل آخر سوى التعايش وبناء نظام يشارك فيه الجميع. وهكذا اضطرت الأطراف المتصارعة كافة إلى التوافق في نهاية المطاف.
كان جميلاً أن يبعث الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، رسالة إلى لجنة جائزة نوبل ترشح الرباعية للحصول على الجائزة، وكان محقاً في تبريره لهذا الترشيح، حين قال في رسالته إن حصول الرباعية على هذه الجائزة «سيكون تكريماً لتونس، البلد الصغير الذي قدم للعالم درساً في الشجاعة والمثابرة، وهو الطريق التي أدى إلى ثورة الياسمين»، و»سيعيد الاعتبار إلى قيم الحوار والتوافق في عالم تطغى عليه النزاعات… وفي حاجة ملحة اليوم إلى الحوار والتوافق والأمل والتسامح».
التهنئة واجبة للرباعية، ومن خلالها، للنخبة التونسية وللشعب التونسي كله، على هذه الجائزة المستحقة، ونأمل بأن تعي كل النخب في العالم العربي دروس التجربة التونسية في التحول الديموقراطي وأن تعمل جاهدة على الاستفادة منها.

*كاتب مصري/”الحياة”