الرئيسية / وجهات نظر / الواقعيّة السياسيّة وتسطيح السياسة
c8b574eb3bf2ed76c1405d112a5e841f

الواقعيّة السياسيّة وتسطيح السياسة

صرّح لطفي زيتون القيادي في حركة النهضة هذا الأسبوع أنّ ظهور حزب الباجي قائد السبسي أعاد الأمل للتونسيّين في السياسة، لأنّهُ أصبح بامكان من يُعارض النهضة أن يقوم بذلك عبر آليات ديمقراطية وفي حزب كبير قادر على تحقيق التداول السلمي على السلطة، وأضاف أنّ انقسام حزب نداء تونس أو غيره من الأحزاب لا يجبُ أن يكون أبدا مدعاة للفرح لأنّ البلاد في حاجة الى أحزاب قويّة قادرة على خدمة البلاد.
في مثل هذه التصريحات تشخيص سياسي سليم ورهان استشرافي على الآليات التي تكفل الوصول الى «بيت ديمقراطي وفاقي» قادر على حماية الشجرة العربيّة الأخيرة الواقفة في غابة محطّمة، وأعتقدُ أنّ الغبيّ فقط سيرى أنّ تصريحات لقيادي حزبي بحجم زيتون في تاريخ حركة النهضة ومؤسساتها هي عمل ضدّ مصلحة حزبه أو هي مُخالفة لمبادئه، وأنّ الرجل بما له من تجربة سيُقدّم يوما هدايا مجانية لخصومه.
زيتون كان أوّل قيادي نهضوي يتجرأ على الحديث علنا عن امكانية التعامل ديمقراطيا مع نداء تونس، وأول قيادي يصرح على صفحات الشروق منذُ أكثر من سنة أنّهُ «لا اقصاء دون قضاء»، وكلامه الأخير يبدو أنّهُ فُهم خطأ في بعض الأوساط، من اليمين ومن اليسار، والتي ردّت عليه بحملة تشويهيّة بمنطق المزايدة والتخوين ولكن استقبلتهُ أطراف أخرى أكثر أهمية بالارتياح واعتبرته خطوة اضافية نحو «تونسة النهضة» وتجذّرها في منهج الواقعيّة السياسيّة.
وفي الحقيقة فانّ مثل هذه التصريحات تُثبتُ توّجها كاملا نحو صورة جديدة لا تُبقي حركة النهضة أسيرة خطاب ثورجي أقلي لا ينظر الاّ الى الحظوظ في نيل جزء من كعكة السلطة في المستقبل، ويُثبتُ أيضاً أنّ  النهضة لا تمارس سياسة المُناورة وهي مُدركة بالفعل أنّها لم تعد «جماعة» أيديولوجية منغلقة وأنّ الواقعية السياسيّة لا تمثّلُ مجرّد جناح داخلها بل هي التيار الأغلبي بعد أن أضحى الكثير من قياديّيها يتحدّثون لغة عقلانيّة جنّبت البلاد الوقوع في الفخاخ المنصوبة، هي نهضة جديدة مُختلفة عن نهضة التسعينات كما وصفها العجمي الوريمي تتقدّم نحو كسب ثقة مُتزايدة والمساهمة الجادّة في بناء مشهد سياسي متوازن.
ولكنّ هذا التقدّم تواجههُ عراقيل من داخل النهضة ومن خارجها وخاصة من الأطراف التي تخشى «التوافق التاريخي»بين الاسلاميين والدساترة وتدركُ أنّ ظهور مفردات جديدة بعيدة عن التحريض والشتم والتشكيك خطر استراتيجي على مصالحها الضيقة، وكذلك من الأطراف التي تهوى تسطيح السياسة، والعيش بمنطق صدامي مثلما كان الحال في الجامعة قبل عقود.
الواضح أنّ النهضة مع عدد من الشركاء الجديّين يسيرُون الآن في الاتجاه الصحيح وأنّ التحاق البقية بركب الواقعيّة السياسيّة لا يعني مصلحة حزبيّة بل مصلحة تونس أوّلا واستجابة طبيعية لحاجة الشعب الذي ملّ «تسطيح السياسة» والثورجة الزائفة وصراع الديكة الذي قاد أصحابه الى الهامش.
المراهقة السياسية والمناورات الخبيثة ما تزال تستهوي للأسف البعض، ولكنّ المعركة معها متواصلة أيضاً وتحتاجُ المزيد من الشجاعة والجرأة من كل المؤمنين بأنّ تونس لا تُحكمُ الاّ بالوفاق، وبأنّ الرهان على ركوب الثورة أو محاولة اجهاضها رهان خائب بل مجرم ويجبُ التصدي له من منطق الوطنيّة والدفاع عن الثورة وأهدافها النبيلة.
“الشروق” التونسية