الرئيسية / وجهات نظر / لكي لا يبقى الليبيون كالعيس في البيداء

لكي لا يبقى الليبيون كالعيس في البيداء

بقلم: أحمد إبراهيم الفقيه*

حملت صحف الصباح خبرا يقول أن نصف سكان ليبيا في حالة عوز واحتياج، ونقلت ذلك عن تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي يقول أن أكثر من 3 ملايين شخص تأثروا سلبا بالنزاعات المسلحة، وأن العدد الأكبر ويصل إلى قرابة المليونيْن ونصف المليون مواطن في وضع يستلزم حماية ومساعدة إنسانية، بمعنى أنهم مثل اللاجئين في المخيمات من ضحايا السيول والحروب والزلازل، غير أنها زلازل صنعها الليبيون بأنفسهم، ووقعوا ضحايا كوارث من عمل أيديهم، ليظهر هذا التقرير-الفضيحة الذي يتحدث عن معاناة شعب يعيش في أغنى بلد في المنطقة وفي قارة أفريقيا التي ينتمي إليها. وهي حالة ينطبق عليها بيت الشعر الشهير:

كالعيس في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول

ولعن الله كل من يتأخر في إنهاء هذه الحالة من أهل الحراك السياسي، والامتناع عن توقيع اتفاق المصالحة، والمسارعة بتأليف حكومة الوفاق الوطني التي تشكل بداية الطريق إلى الاستقرار وإنهاء النزاع.

المزيد: الليبيون هم من صنع الثورة

لا نستطيع إعفاء أنفسنا كمواطنين من المسؤولية، ولعله ينطبق علينا ما ورد في بيت الشعر من أننا أشبه بالعيس، إذا لم نع مسؤوليتنا ونرفض الخضوع لأهل المغالبة والسلاح وفرض حالة الفوضى بالقوة، ونرفض أن نكون قطعان إبل يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورنا محمول، بسبب حفنة من “البلطجية” والمجرمين من أهل السلاح حتى وإن تسموا -زورا وكذبا- بأنهم ثوار، فقد انتهت الثورة بعد سقوط النظام ولم يبق إلا من يريد أن يحمل السلاح ضد أهل البلاد وضد القانون وضد المستقبل.
لقد توافق العالم أجمع شرقه وغربه، من روسيا إلى أميركا، وعربه وعجمه، بدءا من الجامعة العربية إلى الاتحاد الأوروبي، إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بأن الأزمة الليبية يجب أن تصل إلى حل، وعلى أيدي الأطراف الليبية، وبدعم ومباركة وعون وتشجيع من قوى العالم، التي وعدت بتقديم كل ما سوف تطلبه ليبيا للتغلب على أزماتها، بما في ذلك الاقتصادية والمعيشية، غير الأمنية والعسكرية والسياسية.
فماذا ينتظر الليبيون، الموجودون في الحراك السياسي القيادي، غير هذه المباركة الدولية وهذا الدعم الأممي، لاجتياز ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وصولا إلى بناء الدولة ومؤسساتها الدستورية، والعودة إلى الشعب في كل ذلك، باعتباره صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون بلاده وكيفية إدارة دولته ورسم سياساتها.

المزيد:الأمم المتحدة تطالب بتسريع التوقيع على الاتفاق الليبي

لن أعرج على أصحاب الدعاوى الفوضوية، ولن أشير في هذه العجالة إلى العملية التي لا تتفق مع منطق العصر، بل لا أعتقد أنها تجوز دستوريا، والتي قام بها بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق، إذ أننا نسمع بإحالة أوراق المحكوم عليه بالإعدام إلى المفتي، ولكن أن نسمع باتفاق مصالحة بين من يدعون تمثيلا لقطاعات من الشعب بإحالة الاتفاق إلى المفتي، فهو أمر يدخل في أمور البدعة، وكل بدعة ضلالة.
إذا تكلمنا معهم بمنطقهم السقيم العليل، لأن المفتي ليس إلا فردا، وأنت تدعي تمثيل قطاعات من الشعب، فكيف تضع صوت المفتي مقابل صوت الشعب؟ ولكن مع ذلك نرجو أن يبصر الجميع حجم الكارثة التي سوف تترتب عن ترك هذه الفرصة تضيع، لأن العالم نفسه الذي أفصح عن هذا الدعم والمباركة سوف يدير لليبيا ظهره، إذا تجاهل السياسيون دعوته وأنكروا نداءاته المتكررة بالصلح، بل وربما لا يكتفي بذلك بل بالعمل على تزكية البديل الأسوأ عملا بالمثل الليبي الذي يقول “اللي إيدير بيده ربي ايزيده” وإذا كانت أطراف كثيرة تستطيع أن تدعي عدم المسؤولية على ما يحدث من فوضى وارتباك وانهيار أمني فيما مضى، فإنها لن تستطيع تبرئة نفسها من المجهول الذي يحمل احتمالات الكارثة والوصول إلى الدرك الأسفل من الهول والرعب إذا لم تتحقق هذه المصالحة الآن وهنا، يا أهل الصخيرات.

*كاتب ليبي/”العرب”

loading...