الرئيسية / وجهات نظر / الحركة الوطنية المغربية اليوم
2b685611888f6634ce7de21a9cfaecbb

الحركة الوطنية المغربية اليوم

قبل ثمانين سنة على وجه التدقيق شهد المغرب المعاصر ميلاد «كتلة العمل الوطني». والكتلة هي الصيغة السياسية الأولى التي ظهر بها العمل السياسي المنظم، وفقا لما يقتضيه الوجود السياسي المعاصر وتستوجبه طبيعة الدولة الحديثة.
درج مؤرخو حركة التحرير الوطني في المغرب على اعتبار حدث 16 مايو (أيار) 1930 (تاريخ صدور «الظهير البربري») البداية الفعلية للحركة الوطنية المغربية من حيث إنها كانت، أول ما ظهرت، رد فعل قويا تلقائيا على صدور «الظهير» المشار إليه. الحق أن الأمر كان يكتسي خطورة قصوى، فقد كان قبول القانون التشريعي الذي أعلنت عنه الإدارة الحمائية الفرنسية يعني قبول تقسيم المغرب إلى عالمين متمايزين ومنفصلين انفصالا كليا: عالم العرب المغاربة أو الناطقين باللغة العربية، وعالم «البربر» الذين يتحدثون باللغة الأمازيغية وحدها – وتلك هي الآيديولوجيا التي كان الفرنسيون يروجونها بعد أن مهدوا لها سنوات عديدة قبل حلول الاستعمار الفرنسي في سنة 1912.
وخلاصة الآيديولوجيا الاستعمارية تلك هي أن المغاربة قد كان لهم، عبر تاريخهم الطويل منذ دخول الإسلام إلى المغرب في القرن الهجري الأول، موقفان اثنان من الدين الإسلامي: موقف ساكنة المدن والحواضر الكبرى (وغالبيتهم من العرب)، وموقف سكان البوادي والأرياف (وهم سواد المغاربة من البربر أو الأمازيغ). فأما إسلام العرب المغاربة فهو، في زعم الآيديولوجيا الاستعمارية، الدين الإسلامي كما يحدده القرآن وتشرحه السنة المحمدية. وأما إسلام «البربر» فهو مزيج من تعاليم إسلامية، مشوهة في الواقع، ومن العرف المقرر عند البربر (سكان المغرب الأصليين). وواقع الحال أن البربر يتحاكمون في بيوعهم وفي الأمور التي تتصل بالأسرة وتكوينها (زواجا وإرثا وتنظيما للعلاقات الأسرية كلها) إلى «أزرف»، أي العرف في اللسان الأمازيغي.
وليس هذا القانون التنظيمي الصادر عن إدارة الحماية الفرنسية سوى إحقاق للحق وإرجاع للأمور إلى نصابها الأصلي، ورد لها إلى الحالة الطبيعية التي كان عليها سكان المغرب الأصليون قبل «الغزو الإسلامي» للمغرب. العدل يقضي إذن أن يتحاكم العرب إلى القوانين الإسلامية، وأن يستمد البربر الأحكام العملية من العرف الذي عاشوا عليه قرونا عديدة متصلة، لا بل إنهم لم ينحازوا عنها في الحقيقة يوما من الأيام، وإنما هم كانوا واقعين تحت القمع والإكراه. يمكن القول في جملة واحدة إنه ليس هناك تجسيد عملي للمبدأ العام الذي يقول «فرق تسد» أفضل من مشروع القانون التشريعي الذي أراد الاستعمار الفرنسي إقراره في المغرب بغية إحكام طوق الاستعمار حول عنق المغرب والمغاربة.
نعم، كان لصدور الظهير البربري رد فعل قوي وتلقائي استطاع أن يشعل فتيلا أجج الشعور الوطني في المغرب، وأن يعمل على مجاوزة حال الصدمة النفسية (مع العلم بأن المقاومة المسلحة كانت لا تزال مستعرة في البوادي المغربية خاصة)، غير أن الحركة الوطنية المغربية أو ميلاد الوعي السياسي في صورته المعاصرة لم يتمكن من التبلور الفعلي إلا مع ميلاد كتلة العمل الوطني أربع سنوات بعد ذلك. لست أريد اليوم أن أبسط القول في ميلاد الحركة الوطنية ونشأتها وتطورها، بل إن ما يعنيني – تحديدا – هو القيام بوقفة تأملية عند قضية أجد أنها تشغل، في أيامنا هذه من العمل السياسي في المغرب، مكان الصدارة ومن الشعور العام بؤرته. والقضية تقبل الصياغة في سؤال عام يصح طرحه على النحو التالي: ماذا بقي اليوم في المغرب من الحركة الوطنية المغربية بعد مرور ثمانين سنة على ميلادها، وبعد أن أصبحنا قيد سنتين اثنتين من استرجاع المغرب لاستقلاله؟
سنحت لي الفرصة في أحاديث كثيرة (كان بعضها من خلال هذا المنبر ذاته) للقول إن الحركة الوطنية المغربية لم تكن حركة تستهدف التحرر السياسي واستعادة المغرب لاستقلاله، بل إنها حركة تستهدف العمل السياسي من حيث صلته بالتحرير الفكري، والتحرير الفكري كان يعني، في البرنامج الشامل للحركة، خوض معركة التحديث السياسي، والتغيير الاجتماعي، والتجديد الديني. فأما التحديث السياسي فيعني تكون الدولة المغربية الحديثة، دولة الاستقلال – وفي خطاب الحركة الوطنية المغربية ليست هذه الدولة نمطا آخر من الحكم سوى نمط الملكية الدستورية: اعتبارا لكون الملكية المغربية مؤسسة ارتضاها المغاربة قرونا عديدة متصلة وهذا من جهة أولى.. واعتبارا، من جهة ثانية أكثر أهمية وارتباطا بتاريخ حركة التحرير، لكون الملكية كانت قائدة حركة التحرر الوطني ممثلة في الملك محمد الخامس الذي ما هادن الاستعمار يوما فدخل معه في صراع غير متكافئ قاده إلى النفي والإقصاء فاستطاع بعمله (في تنسيق كامل مع شباب الحركة الوطنية) أن يقود الكفاح السياسي، وأن يكون رمزا لوحدة المغرب وسلامة جسمه السياسي.
وأما التغيير الاجتماعي فالنظر لكونه ضرورة يستوجبها بناء الدولة الحديثة من جانب أول، ولكون الروابط الاجتماعية العتيقة (في عناصر فاعلة منها) كانت تقوم بعمل مقاومة التحديث، لا بل إن القوى ذات المصلحة في الحضور الاستعماري كانت ترى في تلك الروابط حصنا تحتمي به وهذا من جانب ثان. وأما التجديد الديني فالقول فيه يطول ويتشعب بطول الصلة في الفكر العربي الإسلامي الحديث بين حركة الإصلاح الديني التي أخذت في التبلور منذ المرحلة التي ننعتها بعصر لنهضة، وبتشعب الصلة النوعية التي نشأت في المغرب المعاصر بين الحركة السلفية والحركة الوطنية، مما يستوجب القول فيه إفراده بحديث خاص.
ومن حيث الجوانب الثلاثة المذكورة (التحديث السياسي، التجديد الديني، التغيير الاجتماعي) يسهل التقرير بأن الحركة الوطنية المغربية لا تزال بعيدة عن استكمال البرنامج الذي خطته لنفسها في أول تكونها ولا تزال المعركة – في المجالات الثلاثة – معركة طويلة. لكن السؤال، في شق آخر منه، يستوجب طرح أسئلة جديدة تستوجب بدورها قدرة على التصريح وجرأة في خلخلة العديد من القناعات الراسخة ظاهريا المرتبكة والمتهالكة جوهريا.
في المغرب أحزاب تصنف نفسها في دائرة الأحزاب الوطنية، في المعنى الذي يفيد بأن كلا منها يعتبر نفسه المكمل الشرعي أو الطبيعي (أو هما معا) لكتلة العمل الوطني، الوليد الأصلي للحركة الوطنية المغربية. والسؤال اليوم هو: في حال الفوضى وانعدام الديمقراطية الداخلية وفي ظل «الزعامات الموهومة» التي تفتقد إلى الشرعية، ما المبرر الذي لا يزال عند تلك الأحزاب حتى ترى في كياناتها الحالية وريثا شرعيا للحركة الوطنية المغربية؟
“الشرق الاوسط”