الرئيسية / وجهات نظر / تونس.. بين المؤقت والدائم
ماجد البرهومي

تونس.. بين المؤقت والدائم

تستعد تونس لتنظيم الانتخابات المحلية التي يطلق عليها التونسيون تسمية الانتخابات البلدية، ومن المتوقع أن تجرى مع نهاية سنة 2016 لتقطع معها البلاد فعليا مع مرحلة الوضع المؤقت، نحو انتخاب مؤسسات الدولة الدائمة.
فبخلاف ما يُنظَر له كثير من التونسيين من أنهم خرجوا من مرحلة الحكم المؤقت بمجرد انتخاب رئيس للجمهورية وبرلمان انبثقت عنه حكومة نهاية العام الماضي، فإنه لا يمكن الحديث عن نهاية للمرحلة المؤقتة إلا بعد إجراء الانتخابات المحلية.
ويذهب البعض إلى اعتبار أنه حتى إن تم استكمال إجراء الانتخابات البلدية، فإن الوضع المؤقت أو الانتقالي يبقى قائما مادامت بعض المؤسسات الدستورية لم يتم الاتفاق بشأن تركيبتها، على غرار المجلس الأعلى للقضاء، وكذلك المحكمة الدستورية العليا وغيرها. كما نص الدستور التونسي الجديد على شكل جديد من أشكال الحكم المحلي وهو الأقاليم، وإلى حد الآن لم يقع تحديد مفهوم الإقليم وعلى أي أساس سيتم اختيار القائمين عليه. كما تطرح استفهامات كثيرة بشأن المجلس الجهوي المنتصب بكل ولاية (محافظة) من ولايات الجمهورية، الذي يرأسه الوالي (المحافظ) رغم أن المجلس الجهوي هو سلطة لا مركزية والوالي هو ممثل للحكم المركزي في العاصمة، في إطار ما يسمى في تونس بـ»اللامحورية». هل سيتواصل العمل بالمجالس الجهوية في ظل وجود الأقاليم؟ وهل سيكون أعضاء هذا المجلس منتخبون بما في ذلك رئيسهم، وبالتالي تنزع من الوالي صلاحية ترؤس المجلس الجهوي؟ أم هل سيتم إلغاء المجالس الجهوية لصالح الأقاليم؟ جميعها أسئلة وتحديات تطرح أمام المشرعين خلال الأيام والأشهر المقبلة ليتم البت بشأنها.

المزيد: تونس.. مشروع قانون المصالحة والإشكاليات المطروحة

وتطالب أطراف تونسية بأن يتم التخلي عن منطق التعيين، سواء في المجالس الجهوية أو في مجالس الأقاليم التي سيتم إنشاؤها. وبالتالي فإن رئيس المجلس الجهوي، ووفقا لهذا الطرح لن يكون الوالي المعين، وإنما شخصية أخرى منتخبة تفوض لها صلاحيات واسعة تمكنها من تسيير الجهة في أفضل الظروف، من دون الرجوع إلى المركز لتلقي التعليمات، المنتخب أقوى من المعين ويستمد قوته من الجماعة التي فوضته شؤونها.
ويقتدي هؤلاء بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تتعدد فيها المناصب الخاضعة للانتخاب عملا بمبدأ ضرورة إدارة الناس لشؤونهم بأنفسهم. فكلما ازداد عدد المناصب الخاضعة للانتخاب، بحسب هؤلاء، ترسخت الثقافة الديمقراطية في المجتمع وتدرب المواطنون على التداول السلمي على المناصب، وعلى القبول بنتائج الصندوق في كل الأحوال. لكن في المقابل فإن للإكثار من المناصب الخاضعة للانتخاب مساوئ عديدة، لعل أهمها الإجهاد الذي قد يصيب الناخبين ويؤدي بهم إلى العزوف عن التحول إلى مراكز الاقتراع. وقد عاش التونسيون في الماضي القريب تجربة إجراء الانتخابات التشريعية فالرئاسية على دورتين، أي أنهم توجهوا في مدة محدودة زمنيا ثلاث مرات إلى صناديق الاقتراع، وكانت نسب الإقبال المسجلة في الانتخابات التشريعية تفوق بكثير تلك التي تم إحصاؤها في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
ولا يصيب الإجهاد الناخبين فحسب، بل يطال جميع المتدخلين في العملية الانتخابية على غرار المنظمين والمشرفين وأجهزة الأمن وعناصر الجيش وغيرهم. كما تتسبب كثرة الانتخابات في إنفاق الكثير من المال، الذي تبدو المناطق الأقل تنمية بحاجة إليها لتحسين بناها التحتية والمرافق الخدماتية الموجهة إلى المواطن، لذلك فإن ما يمكن أن يعتبر حلا أمثل للمشرعين عند سن القوانين المتعلقة بالجماعات المحلية والجهوية وبالأقاليم، وكل ما له علاقة بالحكم اللامركزي في تونس هو اعتماد طريقة لا تجهد مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، وتضمن في الوقت نفسه حدا أدنى من مشاركة المواطنين في اختيار ممثليهم في مختلف المجالس، أي عدم الذهاب باتجاه تقليد الولايات المتحدة ذات التجربة الديمقراطية العريقة والإمكانيات المادية واللوجستية الهائلة أو التقليل من المناصب الخاضعة للانتخاب، على غرار ما هو حاصل في بريطانيا، حيث يتم انتخاب أعضاء مجلس العموم والمجالس المحلية لا غير.
فعلى سبيل المثال يمكن أن تتم المواصلة في اعتماد النظام القائم حاليا فيصل إلى عضوية المجلس الجهوي رؤساء البلديات وأعضاء مجلس النواب عن الجهة وغيرهم، فهؤلاء غير معينين ويتمتعون بقوة المنتخب، كما أنهم باتوا آليا أعضاء في المجلس الجهوي، من دون الحاجة إلى خوض انتخابات إضافية قد ترهق الناخب وكذا باقي المتدخلين في العملية الانتخابية. ويبقى الإشكال متعلقا برئيس المجلس الجهوي الذي تعالت أصوات عديدة تدعو إلى اختيار شخص آخر غير والي الجهة ليضطلع بهذه المهمة، باعتبار أن الوالي هو ممثل السلطة المركزية ولا يجوز له أن يجمع بين خطتين، خاصة ونحن نروم البحث عن استقلالية في القرار للسلطة اللامركزية. كما أن الوالي معين والتعيين لا يجوز في الديمقراطية القائمة بالأساس على حكم الشعب لنفسه بنفسه أو من خلال ممثلين له يفوضهم إدارة شؤونه.
يرى البعض أن بإمكان أعضاء المجلس الجهوي من النواب ورؤساء البلديات (المنتخبين) أن يصوتوا في ما بينهم على اختيار رئيسهم أو أن تكون الرئاسة دورية بين هؤلاء الأعضاء. وفي هذه الحالة يحضر الوالي اجتماعات المجلس الجهوي لا بوصفه رئيسا، ولكن كممثل للسلطة المركزية ينقل توصياتها غير الملزمة إلى أعضائه، من دون أن يرأس المجلس، كما يمكن منحه سلطة ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك في حال تساوت الأصوات حول قرار حصل خلاف بشأنه.

٭ كاتب تونسي/”القدس العربي”