الرئيسية / وجهات نظر / الإسلاميون وسؤال المرجعية
HAMI DINE

الإسلاميون وسؤال المرجعية

الانتصار الكبير الذي حققه «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات البلدية والجهوية الأخيرة دفع بعض الجهات إلى إثارة المخاوف من هيمنة «الإسلاميين» على تدبير المدن المغربية..
بعض الصحف الفرانكفونونية خصصت ملفاتها الأسبوعية لبعث الخوف على بعض المكتسبات «الحداثية» التي أصبحت «مهددة» بعد ما سمته بـ «تسونامي العدالة والتنمية» بالمدن الكبرى المعروفة بطابعها السياحي والترفيهي كمراكش والدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس وطنجة وأكادير…وغيرها..
الجواب لم يتأخر كثيرا، بحيث سارعت قيادة حزب العدالة والتنمية نهاية الأسبوع الماضي إلى عقد اجتماع مستعجل مع رؤساء الجماعات والجهات الجدد، قبل تولي مهامهم بصفة رسمية وقبل مباشرة اختصاصاتهم اليومية.
عبد الإله بنكيران كان واضحا أمام رؤساء الجماعات والجهات الذين يتحملون اليوم مسؤولية تدبير الشأن المحلي والجهوي باسم حزب العدالة والتنمية، ووجه لهم رسالة قوية لا لَبْس فيها، مفادها عدم التدخل في تدين الناس. فدور المسؤول عن تدبير الشأن العام سواء كان محليا أو وطنيا ليس هو تدين المواطنين، باعتبار مسألة التدين مسألة شخصية تشرف عليها من الناحية المؤسساتية جهات مختصة مثل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تباشر مهامها تحت إشراف الملك بصفته أميرا للمؤمنين.
هذه الرسالة هي الترجمة الفعلية لنظرية الفصل بين المجال الدعوي والمجال السياسي المسطرة في أدبياته الفكرية والسياسية..

المزيد: فوز العدالة والتنمية يفرض على المعارضة الاستعداد الجيد لانتخابات 2020!!!

والحقيقة أن مستلزمات العمل السياسي والنهوض بواقع التدبير تندرج ضمن الشأن الدنيوي وتفرض التمييز الدقيق بين مجال الدعوة ومجال السياسة، بين الشأن الخاص والشأن العام، ذلك أن مسألة التدين تعود للأفراد وتندرج ضمن دائرة « الحريات الفردية» المضمونة لهم بقوة القانون والدين: «لا إكراه في الدين»، ولا مجال فيها للتسلط على الناس باسم الدين أو إكراههم على نمط معين من العيش، أو على أسلوب محدد في الحياة..
والحقيقة أن النخبة المدينية المغربية اختارت دعم المسار الإصلاحي الذي دعا إليه الحزب في تدبير الشأن العام على المستوى الحكومي وعلى المستوى المحلي أيضا، وفقا لمنهجه القائم على التعاون والتشارك والتدرج، والجرأة في مباشرة الإصلاحات الضرورية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وقررت منحه فرصة جديدة لمواصلة الإصلاح في ظل الاستقرار وفي ظل المؤسسات القائمة، ولم تكن بواعث تصويتها نابعة من خلفيات دينية. ومن المؤكد أن بعض الفئات المتحررة في بعض الأحياء الغنية كانت دوافعها مرتبطة بالنزاهة وحسن التدبير، وانتظاراتها من العدالة والتنمية مرتبطة بإصلاح واقع المدن والنهوض بتنميتها ونظافتها….
في نفس الوقت هناك حاجة للتأكيد بأن سر نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة يعود إلى مرجعيته الإسلامية بالدرجة الأولى وقد شكلت مصدر قوة أساسية في أدائه السياسي والتنظيمي.. كيف ذلك؟
هل بحضور هذه المرجعية في البرنامج؟ أم في الخطاب أم في الروح والعلاقات التي تخترق التنظيم؟

المزيد: وهبي: المغرب هو الفائز الحقيقي في الانتخابات

في الحقيقة، حضور المرجعية في البرنامج هو حضور محدود جدا، فليس هناك مجال للتكلف أو التصنع، بل إن الأهداف التي سطرت في البرنامج كلها تجد مستنداتها في القيم والمعاني الإسلامية، بدون حاجة للتعبير عنها بلغة فقهية لا تنسجم مع طبيعة المجال، ولذلك فإن تحالفات الحزب مع الأحزاب الأخرى ليست مبنية على أساس إيديولوجي، ولكنها مبنية على أساس برامج اقتصادية واجتماعية تستهدف تحقيق التنمية وتحسين عيش الساكنة وإصلاح البنيات التحتية والنهوض بالشرائح الاجتماعية الفقيرة وغير ذلك، وهذه أهداف لايمكن للعقلاء أن يختلفوا عليها.
ما من شك بأن المرجعية الإسلامية التي يعتز الحزب بالانتماء لها، تعبر عن حضورها من خلال قيم التشاور والديمقراطية الداخلية ومن خلال العلاقات التنظيمية التي تجد أسسها في قيم الأخوة والتعاون والتضحية وخفض الجناح وحسن الظن قبل أن تجدها في القوانين الداخلية للحزب..
وما من شك أيضا، بأن حضور هذه المرجعية في العمل السياسي من خلال قيم الصدق والنزاهة والشفافية والتفاني في خدمة الناس والتضحية من أجل إسعادهم، وكف اليد عن المال العام والتواضع في العلاقة بالناس…كل هذه القيم تمثل مصدر قوة إضافية للتنظيمات السياسية الإسلامية..

٭ كاتب من المغرب/”القدس العربي”