الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: الكلمات الأخيرة للمندوب الأممي
إبراهيم الفقيه

ليبيا: الكلمات الأخيرة للمندوب الأممي

في حالات النزاع بين الجماعات المحلية، مسلحة أو غير مسلحة، كما يحدث الآن في ليبيا، وحدث قبلها في أماكن كثيرة بينها لبنان والسودان والعراق وسوريا في عالمنا العربي، أو في حالات النزاع بين الدول كما هي طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، فإن طرفا خارج دائرة الصراع، غالبا ما يدخل للوساطة والإشراف على عملية المصالحة وإدارة المفاوضات، بأمل تحقيق المصالحة وإنجاز السلام بين هذه الأطراف المتنازعة المتصارعة.
أكثر هذه الأطراف التي تتصدى للوساطة، قبولا، هي هيئة الأمم المتحدة، التي تلعب أمانتها هذا الدور باعتبارها جهة محايدة، لا تتوخى ربحا ولا منفعة من القيام بهذا الدور، سوى إحلال السلام في هذا البلد أو ذاك، أو هذه المنطقة من العالم أو تلك، لكي لا يكبر النزاع ويهدد السلم العالمي كما حصل في مناسبات كثيرة بينها النزاع العربي الإسرائيلي.
وكان السؤال الذي يطرح في هذا السياق، هو هل هذا الطرف الأممي، حقا وسيطا نزيها محايدا، يتمتع بقيم الأمانة والنزاهة، مجرد من الغرض، ولا يخضع لأي تأثير أو نفوذ إلا ضميره، أو لا يتوخى إلا الصالح العام للجهة التي يسعى للصلح بين أطرافها أو ما يخدم السلم العالمي؟
هناك الآن ثلاثة مندوبون للأمين العام للأمم المتحدة يتولون هذه المهمة، أي الوساطة بين الأطراف المتنازعة في المنطقة العربية، تحديدا سوريا واليمن وليبيا، وهؤلاء المندوبون سبقهم، مندوبون انتهت مدتهم دون الوصول إلى نتيجة، في كل هذه البلدان، وبعضهم وسطاء من ذوي الوزن الثقيل مثل كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، وباءت مهمتهما بالفشل الذريع، وليبيا ليست استثناء من مثل هذا الوضع، فقد سبق برناردينو ليون، مندوب آخر هو طارق متري، الذي انتهت مهمته وليبيا تنتقل من سوء إلى سوء، وخلفه المندوب الجديد الذي وجد أمامه في ليبيا وضعا متفجرا وصراعا مسلحا وأطرافا بعضها لا يحتكم إلى أي مشروعية ولا يخضع لأي قانون أو نظام.

المزيد: ليون: خروج ليبيا من أزمتها رهين بتواجد حكومة وحدة وطنية

مهمة صعبة تلك التي تصدى لها، إلا أن الرجل لم يكن غريبا على المناخات والأجواء العربية، فقد قضى أغلب عمره السياسي يتعامل مع المنطقة العربية، فقد عمل مندوبا خاصا لدى الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بعلاقات هذا الاتحاد بدول جنوب البحر الأبيض المتوسط، كما عمل قبل ذلك مستشارا خاصا لدى مندوب الاتحاد في مساعي السلام العربي الإسرائيلي، وأمضى وقتا في مؤسسة أسبانية-مغربية لتعزيز التواصل الثقافي بين الشمال والجنوب، وكان قبل انتدابه لهذه المهمة في ليبيا، وزير دولة في خارجية بلاده معنيّا بحوار الغرب والشرق، وفي أغسطس العام الماضي استلم مهمته التي وصلت الآن إلى ختامها قبل أن نرى زبدة المخاض الطويل الذي عاشه مع أطراف النزاع، مشرفا على جلسات المفاوضات عبر عدد من المسارات السياسية والشعبية والعسكرية، للوصول إلى توافق ليبي.
من الصعب تبرئة المندوب الأممي من خضوعه لتجاذبات من خارج الدائرة الليبية التي يسعى لوجود سلام بين أطرافها، وقد كان الجميع يشاهدون ما كانت تمارسه ديبورا جونز، السفيرة الأميركية في ليبيا، وكيف كانت تدخل مفاوضات مع أطراف ليبية وتقوم بتقديم تعهدات تتولى البعثة الأممية تطبيقها، أو على الأقل هذا ما نقلته أطراف تشارك في الحوار مع ليون وتعترض على تدخلات السفيرة الأميركية لصالح جماعات الإسلام السياسي، وتتهمه بأنه كان يمالئ تلك السفيرة، وأنه ليس محايدا ولا بريئا في التعامل مع الحالة الليبية، ولأن المجال لا يتسع لاستعراض سجل هذا المندوب خلال عام من تعامله مع الحالة الليبية، أتوقف فقط عند حالتين رآهما المراقبون خطا يظهر تحيزه، أساء بهما إلى مهمته، وقوض مشروعا للمصالحة كاد أن يصل إلى خواتيمه.

المزيد: ليبيا: سراب المندوب الأممي

الخطأ الأول هو أنه بعد أن انتهى من إنجاز مسودة للحوار أخذ عليها التوقيعات بالأحرف الأولى من 80 بالمئة من المشاركين في الحوار، وتعهد بأنه لن يعود إلى فتحها، خالف ما تعهد به، وقام إرضاء للمؤتمر المنتهية ولايته بإعادة النظر فيها وإدخال التعديلات التي طلبها ذلك المؤتمر، الممثل لتيارات للإسلام السياسي في البلاد.
أما الخطأ الثاني الذي أثار ثائرة البرلمان الشرعي المعترف به دوليا، هو إصداره بيانا باسم بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، يدين فيها المعركة التي يخوضها الجيش الرسمي التابع للحراك الشرعي ضد جماعات إرهابية في بنغازي.
وفعلا شاهدنا جميعا كيف أن هذين العملين، مثلا تهديدا لكل ما وصل إليه الحوار من نتائج، بل تقويضا للعملية السلمية التي يتولى قيادتها، إلا أنه إنقاذا لما يمكن إنقاذه من مهمته التي أوشكت على الانتهاء، كتب رسالة إلى البرلمان يؤكد فيها مكانة البرلمان ككيان شرعي له الاعتبار الأول في نتائج الحوار، وأكد أن المسودة التي تم الاتفاق عليها باقية على حالها، ثم ظهر يوم الاثنين الماضي في مقر المباحثات في الصخيرات المغربية، يقول إنه وصل الآن إلى صيغة نهائية يضعها أمام الأطراف الليبية، تضمنت كل نقاط الاتفاق التي استخلصها من كلام المتفاوضين الليبيين، وباعتباره وسيطا صاغها في وثيقة لا تقتضي تعديلا ولا تحويرا ولا تعديلا، ويراها أساس المصالحة وبناء الثقة والانطلاق في العبور إلى بناء الدولة، وقال إنه سيتبعها بأخذ الأصوات على الأسماء الخمسة لرئيس الحكومة القادمة، التي ستكون هي بداية الخلاص الحقيقي للبلاد من أزمتها والخروج بها من النفق الذي دخلت فيه، ولا بديل لهذه الصيغة، كما يقول ليون، إلا المزيد من الفوضى والدمار.

*كاتب ليبي/”العرب”