الرئيسية / وجهات نظر / تونس.. إلى أين؟ تجربة انتقالية ناجحة للربيع العربي تستحق دعم العرب جميعاً
خير الدين حسيب

تونس.. إلى أين؟ تجربة انتقالية ناجحة للربيع العربي تستحق دعم العرب جميعاً

عدتُ أوائل الشهر الماضي من إجازة اضطرارية في الحمامات بتونس لمدة أسبوعين، وكنتُ أزور تونس باستمرار خلال السنوات الخمس الماضية، ولديَّ علاقات فكرية وعامة بأطراف رئيسية من نخبها.
* * *
كانت تجربة تونس مع «الربيع العربي» من أنجح التجارب، نسبياً، على الصعيد العربي، بسبب اجتماع ظروف موضوعية فيها، وبسبب توفر نخب سياسية فيها لم تتوفر مجتمعة في بعض الأقطار العربية الأخرى التي كان لها ربيعها!
فقد توفر لها من أشعل انفجار «كسر حاجز الخوف» الذي كان يهيمن على شعبها، وعلى شعوب عربية أخرى، رغم كل الظروف الموضوعية لحدوثه، وكان استشهاد محمد البوعزيزي، وبحرقه نفسَه، تلك الشعلة التي التقطها الشعب التونسي وثار و«كسر حاجز الخوف»، والذي أشع أيضاً على شعوب عربية أخرى كمصر وغيرها.

المزيد: أشعلها البوعزيزي.. فمن يطفئها؟

(*) الآراء الواردة في هذه الافتتاحية تمثّل وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية. تمثل هذه المقالة افتتاحية العدد الجديد لمجلة المستقبل العربي، وتنشر في “رأي اليوم” بالتنسيق مع مجلة المستقبل العربي.
وحدث هذا الانفجار الشعبي بعد كسر الشعب التونسي حاجز الخوف وسط «مجتمع متجانس» إلى حد كبير، نسبياً؛ فهو شعب مسلم من مذهب واحد «مالكي»، وهو أمر لم يتوفر في «بعض» الأقطار العربية الأخرى التي كسرت حاجز الخوف ولكنها لم تكن تتمتع بالقدرِ عينِه من الاندماج الاجتماعي، مثل سورية، والبحرين، وغيرهما، وكان ذلك أحد أسباب محدودية انتفاضة ربيعها فأثر ذلك في مسيرة ومستقبل انتفاضاتها.
وكان تبني الانتفاضة التونسية أسلوب «المقاومة اللاعنفية» سبباً ثالثاً في نجاحها النسبي، لأن استعمال العنف في الانتفاضة يعطي المبرر القانوني والعملي لاستخدام النظام نفسه أسلوب العنف رداً على عنف الانتفاضة، وهو، أي النظام، أكثر قدرة على استخدام العنف، ناهيك بتبريره.

المزيد: هل يصمد الربيع العربي في تونس في وجه الإرهاب؟

وكان العامل الرابع في نجاح الانتفاضة هو «موقف الجيش» الذي لم يقمع الانتفاضة وبقي محايداً في تونس، لاعتبارات موضوعية بسبب صغر حجمه ووسائله وفقر خبرته في قمع التظاهرات الشعبية، وعدم تسييسه، مما أتاح للانتفاضة أن تأخذ مداها وتتسع.
* * *
هكذا ساهمت هذه العوامل الأربعة في أن تحصد الانتفاضة نتائجها سريعاً، وتجتاز مرحلة انتقالية أولى في إجراء «انتخابات حرّة» (للمجلس التأسيسي) متعددة الأطراف السياسية، وأن يتم الاتفاق على إعداد دستور جديد حَظِيَ بإجماع شعبي واسع عليه، ثم انتخاب مجلس تشريعي جديد على أساسه، ولولا أنَّ «أساسه وجود نخب سياسية»، كان لها من النضج السياسي وفهم طبيعة المراحل الانتقالية في الانتفاضات ومتطلباتها من الحاجة إلى «كتلة تاريخية» أو تجمع من القوى السياسية الرئيسية لاجتياز المرحلة الانتقالية، لما أمكن اجتياز الانتفاضة في تونس، وبنجاح نسبي، الجزء الأهم والأكبر من هذه المرحلة الانتقالية.
وقد أدت شخصيتان تونسيتان دوراً فاعلاً، وربما رئيسياً، في مسار الانتقال إضافة إلى أدوار أقل تأثيراً لشخصيات أخرى، وهاتان الشخصيتان هما راشد الغنوشي (رئيس حزب «حركة النهضة») والباجي قايد السبسي «رئيس حزب نداء تونس». فقد أدركا، وبدرجة عالية من الشعور بالمسؤولية الوطنية، طبيعة المرحلة والحاجة إلى اتفاق القوى السياسية في تونس على التعاون خلال هذه المرحلة الانتقالية، وهو ما ساعدهما على تصحيح بعض العثرات أثناء المسيرة. فقد استطاع راشد الغنوشي، بفكره المتقدم على سائر قوى الإسلام السياسي عموماً، وبتأثيرات لجوئه الاضطراري للإقامة في بريطانيا، لفترة طويلة نسبياً، وتأثره بممارساتها الديمقراطية، أن ينحو بحركة النهضة، التي ارتبطت بنوع ما من العلاقة مع حركة «الإخوان المسلمين»، منحىً مختلفاً عما مارسته حركة «الإخوان المسلمين» في مصر وما انتهت إليه تجربتُها من كارثة سياسية هناك، رغم محاولاته المتكررة والفاشلة لتصحيح مسارها، ورغم بعض الأخطاء التكتيكية التي ارتكبتها «حركة النهضة» أثناء الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية، إلا أنه استطاع، وبقدر كبير من المسؤولية والشجاعة، أن يعيد «حركة النهضة» إلى مسارها الصحيح، ويقدم حالياً نموذجاً هاماً للقيادة السياسية التي ترجح الأهداف الطويلة الأمد، وتلك الوطنية، على الأهداف القصيرة الأمد وعلى الشغف بالسلطة. كما تمكن الغنوشي من إنهاء الخطاب المزدوج الذي كان شطرٌ منه موجهاً إلى النهضة وشطرٌ آخر إلى الجمهور التونسي عموماً، واستطاع بنجاح توحيد خطاب النهضة المعلن لقواعدها وللرأي العام التونسي عموماً، كما يبدو أن هذا الخطاب الموحد المتميز بات يلقى قبولاً متزايداً أكبر داخل قواعد النهضة نفسها. كما تنتظر الغنوشي مهمة «عقلنة تيار الإسلام السياسي» خارج تونس، وربما كان الوحيد، في حدود معلوماتي، القادر على ذلك، وهذا قد يتطلب منه إبعاد «حركة النهضة» مؤسسياً عن حركة «الإخوان المسلمين» لتكون لديه حرية أكبر في الحركة لإنجاز هذه المهمة الصعبة، لكن غير المستحيلة.

المزيد: الغنوشي يدعو التونسيين للالتفاف حول الجيش

وعلى الجانب السياسي أيضاً، توفر لهذه المرحلة الانتقالية قائد سياسي آخر، كبير الخبرة والممارسة السياسية، هو الباجي قايد السبسي؛ الذي استطاع أن يجمع طيفاً واسعاً من النخب السياسية التونسية تحت مظلة «نداء تونس»، وساهم حتى الآن بقسط كبير، من خلال تجربته وحكمته الكبيرتين، في اجتياز القسم الأصعب من المرحلة الانتقالية، وسيحتاج في خلال المؤتمر القادم لـ «نداء تونس» في أواخر العام الحالي، أو أوائل العام القادم، أن يُحْرِز نجاحاً في تحقيق قدر من الانسجام المبدئي والعملي بين الأطراف المختلفة، وأحياناً المتناقضة، التي يضمها حزبه، ليخرج بصيغة تنظيمية وبرنامج عملي يُمَكِّنه من الحفاظ على استمرار حزبه، وعلى قدر معقول من الانسجام؛ وهي عملية ليست سهلة ولكنها، أيضاً، غير مستحيلة.
أما «القوى السياسية الأخرى» فقد مارست، وبدرجات مختلفة، قدراً كبيراً من المسؤولية الوطنية الديمقراطية أثناء ما مرّ من المرحلة الانتقالية، وتحتاج هذه القوى إلى إعادة النظر في برامجها وتحالفاتها، وحتى في سلامة وقدرة بعضها على الاستمرار.
* * *
يبقى هناك «الوضع الاقتصادي» المأزوم حالياً، الذي لم يكن أحسن كثيراً قبل «ربيع تونس»، والذي ساهمت الأعمال الإرهابية التي حصلت مؤخراً في أحد فنادق تونس أثناء «عزّ» فترة الصيف، وكان معظم الضحايا من البريطانيين، وما صاحبها من تغطية إعلامية واسعة نجم عنها إحجام السواح الغربيين عن الذهاب إلى تونس وإلغاء الحجوزات السابقة، وتأثير ذلك، سلبيّاً، في بقية الموسم السياحي عموماً. وقد خفف من الأثر السلبي لذلك، توجه السواح الجزائريين بأعداد كبيرة إلى تونس، وكان وجودهم الواسع في المصايف التونسية واضحاً. كما ساهم في تقليل أثر توقف السياحة الأجنبية، حصاد موسم الزيتون الجيد استثنائياً، الذي ساهم في زيادة الصادرات والحصول على بعض العملة الأجنبية.
* * *
ويشير موضوع تخفيف السياحة الجزائرية في تونس من وطأة غياب السياحة الأجنبية، إلى أنه لو كانت الأوضاع في ليبيا عادية، لتمكن السواح الجزائريون والليبيون من التعويض لتونس عن السياحة الأجنبية إلى حد كبير. كما كان من الممكن أن تساهم السياحة والاستثمارات العربية الأخرى، وخاصة الخليجية منها، في دفع عجلة الاقتصاد التونسي أيضاً، ولكن يبدو أنه ليس في تونس من «الإغراءات» الكافية لجذب بعض السياحة الخليجية، ولكن ذلك يفترض أنه لا ينطبق على الاستثمارات التي يجب أن تبنى على اعتبارات اقتصادية.
وقد ساعد على تدفق السواح الجزائريين أنه نتيجة لقيام «اتحاد المغرب العربي» في أواخر ثمانينات القرن الماضي (18 شباط/فبراير 1989)، فقد أُلْغِيَتْ تأشيرات الدخول بين بلدان الاتحاد، وكان ذلك أحد أهم إنجازات ذلك الاتحاد حتى الآن. وهذا يضعنا أمام نتائج عدم تفعيل «اتحاد المغرب العربي»، الذي يبدو أن «قضية الصحراء» القائمة بين الجزائر والمغرب هي العقبة الأساسية أمام تنفيذه وحصد نتائجه الاقتصادية الإيجابية المختلفة. ولعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد يُحْسِن إنهاء ولايته السياسية بإزالة هذه العقبة وتفعيل هذا الاتحاد، على غرار الاتحاد الأوروبي، مع استكمال ربط بلدان الاتحاد بشبكة طرق برية وسكك حديد، تكون جزءاً من شبكتين عربيتين مماثلتين تربطان المغرب العربي بالمشرق والخليج العربيَّين.
* * *
ومهما كانت الصعوبات التي مرّت بها التجربة التونسية مع الربيع العربي، فإنها تبقى، بالمعايير النسبية، أفضل التجارب العربية في هذا المجال حتى الآن، وبإمكان العرب الاستفادة منها ومن دروسها، وبخاصة من دستورها الجديد والتوافق الذي يسيّرها، كما أنها لا تزال في مرحلتها الانتقالية وفيها دروس للعرب الآخرين.

*رئيس اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية/”رأي اليوم”