الرئيسية / وجهات نظر / القضية الفلسطينية والحراك العربي
f03ca4952a6fddc7ed70d7e4377d3688

القضية الفلسطينية والحراك العربي

مشاركتي في الملتقى الثقافي العربي في خريبكة المغربية بدورته الثانية
الحديث في موضوعة فلسطين، حديث ذو شجون، اضاعت المعالجات العاطفية للمشكلة الكثير من الحقائق التي لاشك ان معرفتها، او التركيز عليها، يوفر لنا القاعدة المنطقية للتعامل مع القضية بابعادها الحقيقة، كطريق للوصول لحلها. والاستغراق التاريخي في مناقشة المشكلة قد يبعدنا عن الواقع لكن هناك محطات اساسية يتوجب الوقوف عندها لمعرفة جذور المشكلة، مشكلة تراجع القضية الفلسطينية كهم في عقل الانسان العربي. لم يكن في الحقيقة سبب ذلك غفلة المواطن او عدم وعيه – الا انه وقد اثُقل وحُمل بالهموم الى حد اصبح وجوده في الكثير من الاقطار العربية مهددا – كما هي هويته، مقابل حيرة وضياع النخب العربية (الحاكمة او تلك المحسوبة على الثقافة والمعرفة)، يضاف لذلك الغموض في فهم حقيقة وابعاد المشكلة، وطريقة واسلوب منظمة التحرير حيالها. فبرزت وتبرز كل يوم اقوال تردد بان العرب قدموا لفلسطين الكثير، وان الفلسطينين هم من اضاع قضيتهم ورضوا بالتعايش مع المعتدي. وليس لاحد ان يساوم عليهم ما داموا هم من ارتضى التعايش مع الدولة العبرية..
لاشك ان حلم قادة الحركة الصهيونية كان دائما التطلع للقبول العربي بوجودهم كخطوة اولى، تعززت وتطورت الى حد التطلع الى ان يتحول هذا القبول بوجود الدولة العبرية الى قبول بقيادتها للامة العربية، فكل مذكرات قادة الحركة الصهيونية من مناحيم بيغن الى نتياهو لاتتردد في الاعلان عن رغبتها في تزاوج العقل اليهودي بالمال العربي، ولايخفى ما تتضمنه الفكرة من نظرة استعلائية ترى في العرب مصدر ثروات انعم الله عليهم بها، مع غياب العقل الذي يمكنهم من استخدام هذه الثروات استخداما عقلانيا لرفاهية شعوبهم ولا كيفية استثمارها وادارتها.
وكل المعطيات تؤشر اليوم الى قرب نجاح الهدف الصهيوني في قيادة الامة العربية والسيطرةعليها.
وللخروج من العموميات الى الوقائع المحددة، علينا ان نتوقف بسرعة عند محطات او مفاصل مهمة اثرت في مسار القضية.
ان نتذكر اولا ان ضياع فلسطين لم ياتي نتيجة للحلم الصهيوني بالعودة لارض الميعاد كما تم تصوير الامر، بل تشكل كارادة غربية قادتها بريطانيا العظمى منذعام 1840.عندما كانت تتطلع للسيادة على العالم كاكبر دولة عظمى تلزمها مصالحها في الحفاظ على الطريق التجاري للهند، وورثة ممتلكات الدولة العثمانية، لذلك جاء تطلع باشا مصر محمد علي الكبير لبناء دولة عربية كبرى تضم مصر والجزء الاسوي من المنطقة العربية كتهديد لهذه التطلعات البريطانية.باشر محمد علي اولى الخطوات لتحقيق تلك الطموحات بفتحه لكل من سوريا الطبيعية (سوريا الحالية ولبنان وفلسطين)، والحجاز. ولاشك ان دولة كبرى بهذا الحجم والامكانات والموقع الاستراتيجي المسيطر على اربعة من بحار العالم وثلاث منافذ بحرية. تشكل تهديدا للاطماع والاستراتيجيات البريطانية التي تتطلع للسيطرة المباشرة على المنطقة، وتخطط لاختصار طريق راس الرجاء الصالح من خلال مشروعين الاول فتح قناة من البحر المتوسط الى العراق لبربطها بالفرات ومن ثم شط العرب والخليج العربي، والثاني حفر قناة بحرية بين البحر المتوسط والبحر الاحمر (قناة السويس).لذلك وقفت بريطانيا بشدة وقوة ضد تطلعات محمد علي، وقامت بتشكيل تحالف دولي ضم كل من روسيا وبروسيا والنمسا والدولة العثمانية اضافة الى بريطانيا، لاعلان الحرب على محمد علي واجباره للانسحاب بجيوشه الى مصر. الا ان السير بالمرستون، رئيس الوزراء البريطاني في حينها، ادرك بخبرته المعروفه بالسياسة الدولية، على ما يبدو ان القضاء على محمد علي سوف لن ينهي المشكلة، ولايمنع ظهور محمد علي اخر لتنفيذ نفس المشروع واقامة الدولة العربية الكبرى، لذلك بدا يعمل على فصل مصر عن الجزء الاسوي من المنطقة العربية، بحاجز بشري، تلخص رسالته الى سفيره في استانبول مخططه هذا : “ان عودة الشعب اليهودي الى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته تشكل سدا في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي او من يخلفه “.
تابع تلامذة بالمرستون ديزرائيلي، وتشمبرلين وتشرشل وبلفور الفكرة.
تابع رئيس الوزراء البريطاني عام 1905،السير كامبل بنرمان، فكرة بالمرستون وقام بتشكيل لجنة من العلماء الاوربيين بمختلف الاختصاصات لتدارس كيفية الحفاظ على سيادة اوربا للعالم، وابعاد الاخطار التي تهدد الحضارة الاوربية بالانهيار، فجائت توصيات اللجنة تحذر من نهوض قوة كبرى في الوطن العربي، وان الخطر الاساسي لاوربا ياتي من العرب، ما يتطلب تقسيمهم، وكان تشكيل الدولة العبرية احد اهم توصيات المؤتمر.
كما تلاقف فكرة بالمرستون بعض الكتاب والنخب اليهودية وتبنوا المطالبة بالعودة الى فلسطين، الا ان الفكرة بقيت معزولة ومحدودة التاثيرالى ان تبناها او انتبه لها وتبناها تيودور هرتزل متاثر بالمجازر التي تعرض لها يهود روسياعام 1881. فنشط بالدعوة لبناء دولة يهودية لحمايتهم من القمع الذي يتعرضون له، وعقد مؤتمره في مدينة بازل السويسرية في 27 /8/1897، اي بعد 47 سنة من دعوة بالمرستون.
ماذا يعني هذا، غير ان فلسطين راحت ضحية الخوف من انتصار الفكرة العربية في بناء دولة قومية واحدة تضم الطرفين الاسوي والافريقي، ولم تكن موضوعا لتطلعات يهودية او وعود صهيون بالعودة لارض الاباء كما يقولون. بل ان قدر فلسطين والسبب في ضياعها لاعلاقة له بالاساطير اليهودية عن ارض الميعاد بل لانها عربية الهوية وتقع في قلب العالم العربي.
الغريب انه وبعد زيارة السادات لتل ابيب ظهرت الكثير من المقولات التي تردد ان مصر قدمت كثيرا وما يكفي من التضحيات من اجل فلسطين، متغافلين عن حقيقة ان فلسطين ضاعت خوفا من قيادة مصر للامة العربية. اي العكس تماما لما قالوه. ان فلسطين ضاعت من اجل منع تلاحم مصر مع امتدادها العربي في اسيا.
وهذا ما يجعل المدركين والواعين لطبيعة واساس المشكلة يؤكدون على ان فلسطين هي القضية المركزية للعرب. الا انه وللاسف عدم وعي القيادات الفلسطينية لهذه الحقيقة، او لاسباب اخرى دفعهم لان يجردوا القضية من اطارها العربي ويعزلوها في موقعها الذي هي فيه الان..
المحطة الرئيسية الثانية في القضية الفلسطينية التي اثرت كثيرا في تراجع القضية. هو ما حصل بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وما كان يمثله من زخم واندفاع في سبيل الدعوة لتحرير فلسطين او على الاقل اعادة الحقوق المغتصبة وعودة اللاجئين لديارهم، ونتيجة للفشل الذي عانته منظمة التحرير خلال مسيرتها النضالية تحولت القضية من موضوعة التحرير الى قضية من يمثل الشعب الفلسطيني، خطوة كانت توحي، وثبت صحة ما اوحت به في انها ليست الا استعداداوتهيئة لتسوية القضية وحلها على حساب الحقوق العربية، وسواء كان الدافع لمنظمة التحرير تبني هذا الشعار بسبب الاحباطات وعمليات الفشل الذي عانت منه، او بسبب ضغوطات عربية كانت تتطلع لتصفية القضية،فان ما اعتبره البعض انتصارا لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وماتلاه من حصار وضغوطات على منظمة التحرير من قبل الدول التي تميل لتسوية القضية.ان ما كشفته خيارات المنظمة نفسها، في انها اصبحت اكثر ميلا للتسوية باي ثمن. وتخلى العرب عن اي دعم للقضية تحت غطاء احترام ارادة الشعب الفلسطيني ممثلا بممثله الشرعي الوحيد وبدئنا نسمع من يقول انه مع خيارات الشعب الفلسطيني وان القضية قضيتهم يتخلون عنها او يقاتلوا في سبيلها – نحن لايمكن ان نكون بدلاء عنهم، وعلينا احترام خياراتهم باعتبارهم هم المعنيين بالقضية، والمنظمة هي المسؤولة الاولى عن القضية والاكثر فهما لطبيعة الصراع العربي الاسرائيلي، الذي تحول مباشرة الى مفهوم الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، ما يعني حيادية العرب في هذا الصراع.
وهكذا لم نسمع اي اعتراض او استنكار من اي نظام عربي يساوي ويعادل ما جابهه السادات في زيارته للقدس واجراء الصلح مع الدولة العبرية، عندما اعلن ياسر عرفات عن قبوله لاتفاقات اوسلو مع كل مافيها من تنازلات.
فالنظام الرسمي العربي ما عاد خائفا من جماهيره، ليس هو ولا اي من انظمته الفرعية من سار في طريق الصلح بل الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
واصبح القول بتحرير فلسطين، او ضمان الحقوق العربية في فلسطين، كحق العودة، والتعويض، وكانه تدخل غير مشروع في شؤون السلطة التي لاتمتلك من القوة شئ يمكنها من الدفاع عن اي حق من الحقوق الفلسطينية، فهي سلطة مسخ تعتمد في ميزانيتها على ما تقدمه الدولة العبرية من مساعدات، ولايستطيع حتى رئيسها السفر او التحرك حتى في المدن التابعة للسلطة الابموافقة من ضابط الامن الاسرائيلي، كما ان السلطة بحكم اتفاق اوسلو اصبحت مسؤولة عن امن اسرائيل، واي تحرك او تغاضي عن هذا الدور سيعتبر اخلال بالاتفاق.
لاشك ان هذا العزل للقضية الفلسطينية عن اطارها العربي خلق الكثير من التشوش عند المواطن العربي. هذا احد اسباب الرئيسية في ما نراه من تراجع حقيقي للقضية الفلسطينية وغياب يكاد ان يكون تاما للحديث عنها. فبعد كل التضحيات والخسائر التي قدمها العرب، اختزل السادة في رئاسة منظمة التحرير , السيادة الفلسطينية بسجادة حمراء تفرش لهم في زياراتهم للدول العربية او لاحدى المدن الفلسطينية.
أن نخب وقياداتالدولة العبرية التي تعرف جيدا اسباب نشوئها، ودعم الغرب واميركا لها في كونها تمثل حاجزا بشريا لمنع العرب من تحقيق وحدتهم او بناء دولته ولو بشكل اتحاد فدرالي. وقد ضمنت سكوت الفلسطينيين عن حقوقهم، والتراجعات المستمرة للسلطة عن هذه الحقوق. يعرفون جيدا ان الشعب الفلسطيني الذي لم يجني شيئا من من اعلان سلطته، في انه سيظل معبا بالثورة مع اي تغير في ميزان القوى لصالح العرب. انتقلت التوجهات الاسرائيلية الى خطوتها التالية في تدمير الجيوش العربية، تلك التي من المحتمل ان تتطور قدراتها الى مرحلة حيازة القدرة على التوازن مع الدولة العربية.فكانت فرصة هذا الحراك الذي اسماه اوباما بالربيع العربي.
شكل ما يسمى بالربيع العربي تطبيقا لمشروع طرحه كل من شارون وايتان عام 1982، تحت عنوان ” استراتيجية اسرائيل بالثمانينات وتسعينات القرن العشرين ” عندما اعلنوا ان خروج مصر باتفاقية كامب ديفد كطرف بالصراع، وانشغال العراق بالحرب مع ايران، وانشغال الجيش السوري في الحرب اللبنانية، يوفر لهم الفرصة للعمل على اعادة تقسيم الدول العربية الكبرى، العراق وسوريا والسعودية ومصر وحتى لبنان الى دول صغيرة متناحرة على اساس ديني وطائفي. وبدات منذ ذلك الحين حملة الترويج للخلافات المذهبية والدينية، وتم تجنيد الكثير من الكتاب العرب ليلعبوا لعبة اثارة النزعات الطائفية تحت عناوين مختلفة مثل مظلومية الشيعة عند البعض، والتهديدات الطائفية الايرانية عند الطرف الاخر.
اتذكر على ما اعتقد باحد اعداد شهر ابريل / نيسان عام 1982 او 1983، اجرت مجلة المستقبل اللبنانية حوار مع المرحوم ياسر عرفات قال فيه :” ان تيتو اخبرني في انه سال كيسنجر لماذا لم يتمكن من حل القضية الفلسطينية حلا نهائيا، فاجابه كيسنجر : وجدت ان القضية الفلسطينية متغلغلة وتسيطر على كل فرد من العرب، وما لم نخلق لهم مشاكل الكبرى ما يجعلهم ينسون القضية الفلسطينية، لايمكن حلها الان.”
نحن نشاهد الان ونرقب كيف ان نبوءة او تخطيط كيسنجر وصلت الى حد ان المواطن العربي ينتحر، ولا يضمن لنفسه العيش لليوم التالي، ان ارسل ابنه الى المدرسة لايضمن ان يعود لبيته ليجده سالما. فمن اين له فسحة من الفكير ليتذكر فلسطين وهو يعيش ماساته اليومية بالتهديد بالقتل. وتشرد الملايين من اوطانهم. هناك الان لاجئ عراقي، واخرسوري، وليبي، ويمني، وبالملايين. وهو الاولى في ان يضمن حقه بالعودة الى بلده من الفلسطيني. ويغدو الحديث عن حق العودة الفلسطيني اقرب للنكتة من كونه قولا معقولا. خاصة وان هناك مايجري من حديث هنا وهناك ان كل ذلك يحصل خدمة لحماية اسرائيل، وتحقيق امنها القومي،ما يجعل هذا المشرد يلعن الف مرة ابو اسرائيل وحتى فلسطين، والعرب والقومية العربية. وليس خافيا الان من خلال المذكرات والدراسات التي ظهرت في ان الغاية من العدوان على العراق واحتلاله ليس الرغبة الاميركية الغربية للسيطرة على النفط، بل لتدمير التطلعات العراقية للمساهمة في تحرير فلسطين، ولجم التجاوزات والعنجهية الاسرائيلية.
هذا من جانب المواطن العادي الذي تشرد بفعل عمليات الارهاب وما يواجهها من رد حكومي. وبدات اطراف مختلفة تروج لموضوعة الفيدراليات، استعدادا لاعادة تقسيم البلدان العربية، بحجة الديمقراطية وحقوق الانسان والتخلص من الدكتاتوريات، وكان حقوق الانسان لايمكن ان تتحقق الا بدول ضعيفة تعوزها الكثير من مقومات الدولة، ما يلزمها على البحث عن راعي خارجي يضمن ديمومة بقائها.
اما الطرف الاخر الفاعل على الارض، ما يمكن ان نسميهم متمردين او ارهابيين، او حتى ثوار كما يحلو للبعض تسميتهم.ليس خافيا انهم تلبسوا اسلاما لاعلاقة له بما نعرف من الاسلام، واصبح دينهم الجديد هو القتل والذبح امام كاميرات الفيديو وتخريب البلدان وسرقة وتخريب المصانع ومحاربة وارهاق الجيوش العربية وانهاكها،وكأن لادين لهم “الا ان يقتل العرب “، كما وصف نصر بن سيار الشعوبيين العاملين على تدمير الدولة العربية الاموية.
لم يعد خافيا ونحن نتابع البحوث والوثائق التي تصدر يوميا اضافة الى سلوك هذه الحركات المتاسلمة، انها في قياداتها على الاقل نُظمت وتم توجيهها للقتال نيابة عن اسرائيل واعداء العرب، وتدمير الجيوش العربية التي تشكل تهديدات محتملة للدولة العبرية ومتابعة ما فعلته اميركا في العراق.فالملاحظ ان هذه الحركات نشطت فقط في البلدان العربية التي كانت ما زالت ترفع شعار تحرير فلسطين او تمتنع على الاقل القبول بواقع وجود الدولة العبرية واقامة علاقات معها : العراق، سوريا، ليبيا، اليمن. مع غياب كلي لذكر فلسطين او اي حق ديني اسلامي او عربي فيها، في اي من شعارات واقوال وتصريحات هؤلاء المتمردين، قادة او افراد، وصنعوا من الاختلافات المذهبية التي تعايشت شعوب المنطقة لمئات السنين دون ان تكون هذه الخلافات مصدرا لحروب متماثلة او تتحول لاحتلاف متصارع.لكنا نجد من يرى ويصرح في اطراف المتمردين السوريين بالعلاقات مع الدولة العبرية، وتسوية الصراع معها، ومن ينادي بتقليص حجم الجيش السوري الى 15الف جندي، اي اصغر من اي مؤسسة بوليسية في اصغر بلدان العالم. وبدل المطالبة بتحرير فلسطين اصبح الشعار السائد ( العلوية للتابوت والمسيحية لبيروت ) اي قتل العلويين جميعا وترحيل المسيحيين جميعا الى لبنان.
لااريد ان اطيل او اخرج عن الوقت المحدد لمشاركتي، لكن ما اود التنبه له، ان حجم الانفاق وطولها التي تكتشفهاوسائل الاعلام كل يوم، ووفرة العتاد والاجهزة والاسلحة الحديثة، كما هي التكتيكات القتالية المتبعة في تحركات المتمردين وهجماتهم، وسهولة تنقلهم في كل انحاء العالم، كلها امور تؤشر هي الاخرى الى انها لايمكن ان يكون مصدرها التمويل الذاتي، طبعا لااحد ينكر دور الاموال العربية لدول كانت منذ البداية تتبادل الدعم والتعاون مع اسرائيل، ويدرك حكامها ان مصيرهم مرتبط جدليا بمصير اسرائيل، فهم بدولهم ومواقعهم نتاج وتصنيع نفس الدولة او الدول التي صنعت اسرائيل ولنفس الاسباب، وهي منع ظهور او نمو دولة عربية كبرى. ولعل تطور القضية الفلسطينية وعودتها الى مكانها الطبيعي كقضية مركزية للعرب جميعا، يشكل تهديدا لوجودهم وكياناتهم اكثر من الخطر الاسرائيلي. واللقاء بينها وبين الدولة العبرية غير خاف على احد وان لم تعقد اتفاقات معلنة، فكل منهم يعرف دوره في لعبة تدمير الامكانات العربية وتضييع الهوية العربية، حقد شعوبي تجسده بوضوح الرسالة التي بعث بها الملك فيصل، ملك السعودية الى الرئيس جونسون يطالبه فيها بتدمير الجيش المصري، والسوري، وتقسيم العراق، كما نقلها الباحث المصري حمدان حمدان في كتابه ( عهود من الخيبات ) تؤشر الى وحدة الهدف والتوجه والغايات المطلوبة من وجود الدولة القطرية العربية كحليف استراتيجي لاسرائيل، وتغدو الوحدة العربية هي العدو المستهدف من قبل هذه التحالفات الشعوبية بين اسرائيل وبعض الدول العربية التي تخيفها الوحدة اكثر من اي خطر اخر.
باختصار اود ان اشير الى ان بعض الدول الاسلامية المجاورة او المحيطة بالوطن العربي تركيا وايران، هي الاخرى معنية بدعم وجود اسرائيل وقوتها واضعاف الطرف العربي، فكل منهما تغتصب اراضي عربية ( الاسكندرونة والاحواز ) تزيد مساحاتها على مساحة فلسطين بعشرات المرات، وهي تدرك ان نمو اي بلد عربي او قيام اي وحدة عربية بين قطرين او اكثر سيشكل تهديدا لها، بقدر ما هو تهديد لاسرائيل، فهي تلتقي من خلال المجموعات الطائفية المرتبطة بها لتميع الحق العربي في فلسطين، كما انها معنية مباشرة بالحفاظ على وجود العبرية كضمان لمصالحها.
كشف الخبير الاسرائيلي ارون كليمان في كتابه ” اسرئيل تصل للعالمية ” او ( اسرئيل ريج كلوبال )، الصادر من جامعة تل ابيب عام 1985، كيف ان ايران وتركيا ورغم العداء الظاهر لاسرائيل هما حليفان استراتيجيان لاسرائيل لان كل منهم تغتصب اراضي عربية، وان نمو اي قوة عربية في اي بلد عربي يشكل تهديدا للاطراف الثلاثة. فمهما كانت هوية التنظيم الديني الطائفية، المدعوم من قبل ايران او تركيا، هو ملزم بتوجهات رعاته في ضرورة الدفاع عن اسرائيل او الابتعاد كليا عن التعرض لها، قد يشكل حزب الله استثناء غريب، يفسر احيانا بحاجة ايران للوصول للعالمية ايضا، لا ارتباطا او رغبة في مواجهة اسرائيل >
وجائت حماس التي ظلت تنطنط وتقفز في ارتباطاتها من ايران الى تركيا الى الغرب الديمقراطي، لتؤكد او توحي للانسان العربي ان مسالة التمتع بامتيازات الحكم حتى ضمن حكومة مسخ هي اهم عندها من كل فلسطين، والحق العربي في فلسطين الى حد الاستعداد الى تقسيم كم مئة كليومتر المتبقية من الاراضي الفلسطينية الى دولتين، فالقاب الرئاسة والسجادة الحمراء اهم على مايبدو عند النخب الفلسطينية من كل فلسطين، والنتيجة ان الكل مهما كانت دعاويه وشعاراته هو سائر بنفسه ورضاه في طريق خدمة العدو الصهيوني، ومستعد لكل التنازلات مادامت توفر لقياداتها التمتع بالاعلام والشهرة وكسب الاموال، وتكديسها في الخارج باسم فلسطين، التي تظل هي في حقيقتها اول ضحايا نرجسية وخيانة قياداتها التي لاتخجل الى حد تقسيمها وهي تحت الاحتلال الى سلطتين ممسوختين.
تتعاون بعض الدول القطرية العربية مع دول الجوار هذه لمنع ظهور اي قوة عربية يمكن ان تشكل خطرا على كياناتها، اتضح ذلك بوضوح من خلال تمويل بعض دول الخليج العربي بناء السدود التركية على نهري دجلة والفرات، لخنق العراق وسوريا مائيا، كما ان الدعم المالي من قبل بعض الدول الخليجية للحركة الانفصالية لاكراد شمال العراق لم يتوقف، تصاعد بشكل مكشوف ومعلن بعد ازمة الكويت عام 1991.
امام هذا الحجم من التامر والتحالف العربي – الاسرائيلي – الغربي، لايتراجع الانسان عن القول في ان ما يسمونه بالربيع العربي ليس الا خريفا عربيا وربيعا لاسرائيل وكل التوجهات الشعوبية المعادية لطموحات الامة العربية، وكنت في شهر سبتمبر عام 2012 وفي محاضرة دعتني لالقائها جمعية منتدى الافاق للثقافة والتنمية تحت عنوان ” ترسيخ ثقافة الوحدة في ظل الثورات العربية “، وفي هذه القاعة ايضا قلت ذلك انه خريف عربي وربيع اسرائيلي. وجاءت كل الدلالات والأحداث التالية لتؤكد صحة قولي..