الرئيسية / وجهات نظر / تونس السطح وتونس القاع
f77892745ea18687d7c96ab720cd14bd

تونس السطح وتونس القاع

كل ما استطاعت فرنسا ان تعطيه للمهدي جمعة، وهو يزورها اواخر الشهر الماضي للمرة الاولى منذ ان استلم منصب الرئاسة في حكومة تونس الجديدة، هي سلة اخرى من وعود الدعم والاسناد، وضعت على طبق دعوة غير مسبوقة لعقد مؤتمر بداية الخريف القادم تحت مسمى ‘اصدقاء تونس′، بهدف توسيع دائرة الممولين المفترضين لاقتصاد معطل الدواليب. اما اكثر الاشياء التي حاول رئيس الحكومة التونسية تجنب الخوض فيها امام الصحافيين، الذين التقاهم في القاعة الشرفية لمطار تونس قرطاج فور عودته من باريس، فكانت الحديث عن مكاسب فورية ومباشرة للزيارة.
تكرر الجولات الخارجية للرؤساء الثلاثة بشكل لافت في الاسابيع الاخيرة، بات يراه معظم التونسيين انسياقا اعمى وراء ما اصبح معروفا بدبلوماسية ‘الايدي الممدودة’، اي تلك التي تقتصر على مجرد البحث المحموم بكل السبل وفي كل الاتجاهات عن السيولة المالية المفقودة لدولة منهكة ومنهوبة. مثل ذلك التصور لم يكن ليغيب عن رئيس الحكومة وهو يشدد، في نفس المؤتمر الصحافي بكثير من الثقة والحزم، على ان الغاية من كل تلك الزيارات لم تكن ابدا جمع المساعدات بقدر ما كان هدفها فقط ‘توضيح الصورة’ على حد تعبيره.
ولاشك في ان كلام جمعة قد يقنع البعض، وقد يبدو للبعض الاخر بعيدا عن الواقع ومجانبا للحقيقة، لكن المهم الان ان كثيرا من المسائل التي اكتنفها الغموض واحاطت بها المخاوف من كل صوب في السابق بدأت تأخذ قدرا من الوضوح المطلوب وتنزاح معها العقبات والمطبات التي اوشكت في وقت ما ان تصيب مسار الانتقال الديمقراطي في مقتل، واخر تلك المسائل العاجلة المهمة هي مصادقة المجلس التأسيسي على القانون المنظم للانتخابات، بشكل سمح بانتعاش الآمال بانجازها اواخر العام الجاري بحسب ما هو مقرر بالدستور.
ما يطفو على السطح طوال الشهور الاخيرة، اي منذ استلام الحكومة الجديدة لمهامها بعد المصادقة على الدستور، هو نوع من الهدوء الحذر وتبادل محكم للادوار والمواقع يشبه الى حد بعيد رقصة ‘فالس′ فائقة الدقة والبراعة تجمع التكنوقراط بالسياسيين، تصحبها تنقلات مضبوطة السكنات والحركات تقضي بتقدم الفريق الاول احيانا خطوتين الى الامام، ليتراجع الفريق الاخر في احيان اخرى ثلاثا الى الوراء، ثم تنقلب الادوار في ما بعد بشكل متسارع وتتداخل حتى يصبح الفصل بين السياسي والتكنوقراطي امرا عسير المنال. لا شيء حتى الان يبعث على القلق من ان يتعثر اي واحد منهما في اتمام دوره على الوجه المطلوب ووفقا للخطة المرسومة. غير ان استباق الحكم على اعقد الفصول واكثرها صعوبة ومشقة في تاريخ تونس المعاصر لا يبدو مناسبا في منطقة تعرف بتقلباتها المجنونة والعنيفة، التي غالبا ما تخرج عن كل رصد او توقع. فبعيدا عن نشوة الدستور ثم القانون الانتخابي وحالة الوفاق التي تبدو السمة الابرز في التجربة التونسية، هناك في القاع اكثر من بركان ساكن وخامد ينتظر الظهور على السطح في اول فرصة، وقد تكون هزة غير معلومة التوقيت والمصدر هي من ستأتي على البنيان من القواعد بلا سابق تحضير او انذار، او قد تكون رصاصة طائشة مثلما وصفها يوما زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، هي التي ستجهض المسار وتعيق استكماله. لا احد يدري بالضبط لكن هناك هشاشة لا تخطئها العين، فلا الرمال المتحركة للجارة ليبيا وما تلقي به من ارتدادت مباشرة وفورية على الاستقرار والهدوء المطلوب، ولا الغموض الكثيف الذي يلف مستقبل الجارة الكبرى الجزائر، بعد اعادة انتخاب بوتفليقة لعهدة جديدة، يسمح بدوره بالاسترخاء التام والاطمئنان الكامــل الى صلابة البلد وقدرته على الصمود طويلا بوجه اعاصير الخارج، خصـــــوصا ان ما يلوح توافقا صعبا ورخوا بين الاسلاميين ممثلين في حركة النهضة، والآلة القديمة مجسمة بحركة نداء تونس، ما هي حتى الان سوى مناورة تكتيكية قبلت بها القيادات لكنها قد تفقد بمرور الوقت كل الزخم المعهود في غياب او انسحاب رموز معروفة كالشيخ راشد الغنوشي او الاستاذ الباجي قائد السبسي لسبب او لاخر.
جميع السياسيين يرون الانتخابات الملاذ الامن الوحيد للديمقراطية الوليدة، اما التكنوقراط الماسكون بناصية الحكومة فيرونها خاتمة تستحق ان يبذل من اجل الوصول اليها كل غال ونفيس، ولكن ادارة الظهر لجراح وآلام الماضي، ومحاولة طي الصفحة بقدر كبير من العجلة والتسرع، سوف يقوي مشاعر اليأس والاحباط وقد يشعل نار الثأر والانتقام، خصوصا اذا ما فقد الضحايا ثقتهم في عدالة الارض. كما ان فتح الملف بالحرص اللازم والجدية المطلوبة قد ينسف فرص نجاح تلك الانتخابات ويقوضها بالكامل، وقد يدق المسمار الاخير في نعش توافق هش وهجين.
يبدو الحفاظ على هدوء السطح، اي مجرد تلك الصورة الناصعة التي تسوق في الخارج لجلب رؤوس الاموال وانعاش السياحة، امرا مفيدا للخروج الظرفي من الازمة، ولكن الالتفات ولو قليلا الى القاع واخماد الحرائق المستعرة في المهد قبل ان تتسرب بعنف الى السطح وتأكل الاخضر واليابس، هو المهمة الاشد مشقة وصعوبة. حتى الان كل ما يهم الطبقة الحاكمة من تكنوقراط وسياسيين هي تلك القشرة الجذابة، اما اللب فليس من الواضح انه يسترعي اهتمام احد في تونس، بعد ان تحول اهتمام معظم التونسيين من البحث عن حرية وكرامة مفقودة الى اللهث خلف لقمة عيش تزداد مشقة ووعورة. من اجل ذلك كله تظل الجولات الخارجية للرؤساء الثلاثة في نظر الكثيرين مسكنات محدودة الاثر قد تخفف ولو بعد حين من معاناة السطح ولكنها لن تستطيع بكل تأكيد ان تعالج امراض واتعاب القاع المنسية.
“القدس العربي”