الرئيسية / وجهات نظر / عن المدرسة في تونس
وزير-الثقافة-التونسي-المهدي-مبروك

عن المدرسة في تونس

تفيد إحصائيات نشرت، أخيراً، بأن عدد التونسيين الذين أقبلوا على التعليم الخاص بلغ، هذه السنة حدود 25 ألفاً، ويبدو أنه رقم غير مسبوق. وعلى الرغم من أن قرابة مليوني تلميذ يؤمّون المدارس العمومية هده السنة، فإن هذا الرقم كان بمثابة جرس إنذار يقرع بعنف.
قد لا يتبيّن القارئ العربي أين تكمن المشكلة، وهو الذي تعوّد في بلده على أنظمة تعليمية مختلطة، ومفتوحة على أنماط متعددة، هي أقرب إلى قطاع اقتصادي مفتوح على أشكال متعددة من الاستثمار والمبادرة الفردية: تعليم نظامي، تعليم أهلي، تعليم خاص، وتعليم جمعوي يستقبل الجاليات المقيمة، وغيرها في بلدان تزيد فيها عادة نسب الوافدين إليها عن السكان الأصليين.
ولكن تظل تونس، وربما بقية دول المغرب العربي، استثناء في عالمنا العربي، وقد يعود ذلك إلى تراث استعماري محافظ يؤمن بالتعليم العمومي، ويعلي المدرسة حجر زاوية في البناء الوطني. للمدرسة الجمهورية في التجربة الفرنسية سطوتها، وهي ما زالت تشكل في فرنسا الموضع الأكثر حساسية في صلب السياسات العمومية.
هناك افتتان تونسي بالمدرسة، إلى حد المرض، وقد عدّه بعض منظري “الشخصية التونسية” من ملامح الشخصية القاعدية للتونسيين. هذا أمر غير علمي، علاوة على ما فيه من مبالغات وانتقاءات مخلّة. ولكن، علينا أن نقر، أيضاً، أن شيئاً ما ربط مصير التونسيين بمصير المدرسة، هناك تناظر بنيوي عجيب. يعود هذا الافتتان إلى السنوات الأولى للاستقلال، حيث كان النفط في أكثر من بلد عربي، ومنها جاران، ينفجر جارفاً معه أشياء كثيرة. كان الرئيس الحبيب بورقيبة، على عيوبه العديدة، يردد في عليائه ما بين تحسر واعتداد أن رهانه/ تونس يظل على “المادة الشخمة”، وهي، في الحقيقة، ترجمة حرفية لعبارة فرنسية دالة على المخ، بالمعنى الطبي، أي العقل، والتفكير بالمعنى الذهني. قد نختلف مع الرجل في المنهج الذي اصطفاه في صناعة هذا العقل. ولكن، كانت تلك المسألة من فطنته التاريخية الخالصة.
وإذا كان التونسيون يجلون هذه المدرسة العمومية، فإنهم، ومند زمن قريب، في الوقت نفسه، أشد كفراً بها، وتلك شيزوفرينيا مدمرة، تفتك بأكثرهم بصيرة. يهجر التونسيون، على مضض، التعليم العمومي، ومن ظل مغلولاً إليه، فلعجز مالي، أو افتقاد لرأسمال ثقافي، يفتح له مسلكاً، و يهيئ له مقعداً في التعليم الخاص. أما أبناء الأثرياء، وخصوصا ذوي النزعات الفرنكفونية، فإن مدارس البعثات الأجنبية كانت لهم ملاذاً مريحاً.
تغيّر المشهد خلال السنوات الأخيرة، بعد رسوخ توجه متنامٍ، حتى في صلب الطبقات الوسطى، وحتى ما دونها، للتوجه نحو التعليم الخاص، بقطع النظر عن جودته. لذلك، لم يعد ممكناً، تحت أي مسوّغ، مواصلة التعويمات التي يقدمها بعضهم في تفسير ما يحدث، والعودة به إلى عيوب بنيوية في النظام التعليمي، وسيكون من المهم منهجياً أن ننخرط بحركة النزوح الأخيرة إلى التعليم الخاص. هذا إلى أسبابها المباشرة المرتبطة بفقدان المدرسة العمومية تدريجيا جاذبيتها، وبشكل درامي.

وزير التعليم العالي التونسي يحل مشكل البطالة
لجاذبية المدرسة، خصوصاً وأساسا التعليم العمومي، مبررات: تعليم يحرص على المساواة، وفيه الدولة مربية للجميع بدون تمييز. كانت حضانة المدرسة لأبناء الطبقات الشعبية تلطف من توظيفاتها السياسية، وإن حدث ذلك، فبدون شطط، فمدارسنا لم تكن محتشدات للنظم السياسية المتعاقبة، إلا على نحو طفيف. رأينا، في أنظمة شمولية مجاورة، كيف تحولت المدارس إلى ثكنات تخرج شبه أجنحة عسكرية للنظم القائمة.
لست مناصرا لوزير التربية الحالي في تونس. ولكن، علينا أن ننتبه إلى شعبيته المتزايدة في أكثر من استطلاع. هل قدم الرجل وصفة لعلل مدرستنا المتكاثرة؟ لم يفعل ذلك بعد، وربما لن يفعل، خصوصا أن شركاءه في برنامج الإصلاح التربوي الذي لم يبدأ بعد يغدرون به في أكثر من مناسبة. فعن سابق إصرار وترصد، تخير بعضهم موعد العودة المدرسية، وحولوها إلى ساحة اعتصامات. الهشاشة الوجدانية والنفسية للعودة المدرسية لا تجيز خطف الزمن المدرسي، وتحويله إلى موعد للتفاوض. العودة المدرسية طقس اجتماعي تونسي له ميقات، والتفاوض رهانات لها مواعيد، وما إن نخلط بين هذا وذاك، حتى تتحول الرهانات المشروعة إلى رهائن.

تونس: أزمة نقابة التعليم و الوزارة على طاولة البرلمان
يحتل وزير التربية الحالي الصدارة في استطلاعات الرأي العام، وهو أكثر الوزراء شعبية في حكومة الحبيب الصيد، على الرغم من كل الصعوبات. وأعتقد أن جزءاً واسعاً من الرأي العام يناصره لسببين: مقاومة الرجل نزعات الهيمنة لدى نقابيين ضاق الأولياء ذرعاً بتصرفاتهم، خصوصا بعد تهديد امتحانات السنة الفارطة، ومقاطعتهم لها، ومبادراته التي لا تخلو، أحياناً، من الشعبوية والدمغجة، لتحسين المدرسة صيانة وترميماً وتجهيزاً. قد تكون الحصيلة متواضعة، لكن الضجيج الإعلامي حوّل تلك المبادرات، على رمزيتها، صب في حسابه السياسي الخاص.

للمزيد:تونس: بعد أزمة التعليم الثانوي..63 ألف معلم يعتزمون الدخول في اضراب وايقاف الدروس
هناك شعور متنام لدى أولياء مليوني طفل أو زيادة، بالغلبة والقهر، من هياكل لم تراع حساسية التعليم لدى التونسيين. وأعتقد أن على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يقرأ هذا المؤشر جيداً. فالشعور بالعظمة قد يشل الحواس التي يفترض أن تكون مرهفة. جلدة الاتحاد العملاق قد تكون حاجزاً عن التقاط تلك الخلجات الرقيقة.
الإضراب الحالي بقطع النظر عن مبرراته يفتقد مبررات اختيار التوقيت. العودة المدرسية فرح تستعد له العائلات والمدارس، ولها طقوس شعائر: من الميدعة إلى جدران المدرسة المطلية تجملا.
تونس الشابة، كما كان يغني سيد مكاوي كلما حلّ بدول عربية، كانت مدرستها شابة، وما أن تهرّمت المدرسة، حتى تهرّم سكانها في تزامن عجيب أيضا.
تجديد المدرسة لن يتم بثقافة نقابيةٍ، شاخت بدورها، ولكن، في عقول شابة..