الرئيسية / وجهات نظر / المملكة العربية السعودية ودول الخليج: هل يمكن ان تسير الدول الخليجية الستة معا؟
07de1368303c9802c2890f2299851723

المملكة العربية السعودية ودول الخليج: هل يمكن ان تسير الدول الخليجية الستة معا؟

دفعت الاضطرابات في العالم العربي والمخاوف بشأن تحسن مكانة إيران، العربية السعودية لمحاولات مختلفة للتعامل بشكل أكثر فاعلية مع التحديات في الداخل والخارج . وشملت هذه الجهود مبادرة لتحويل مجلس التعاون الخليجي والذي يضم أيضا الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة  وسلطنة عمان  إلى اتحاد سياسي كامل . ومع ذلك ، فثمة توترات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي تتجلى في الأزمة الأخيرة مع قطر ودعمها لجماعة الاخوان المسلمين ومع عُمان بسبب دورها في المفاوضات مع إيران، تجعل من الصعب تحقيق الاتحاد المنشود. الثقوب الحاصلة في الوحدة خلقت بسبب “الربيع العربي” و تجلى في جملة أمور، في المعارضة المشتركة للقذافي والأسد.
في اجتماع قمة مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر 2011، دعا العاهل السعودي الملك عبد الله دول الخليج ” للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد في كيان واحد ” بسبب التحديات القائمة. ولكن حتى من دون نشاط طهران التي تسعى للوقيعة بين ستة الدول والتوترات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي يجعل من الصعب صياغة موقف خليجي موحد. في حين أن دول الخليج ترى صعود إيران باعتباره تهديدا لاستقرارها ، لذلك اعتمدت سياسات مختلفة تجاه طهران نظرا للمصالح المختلفة والتوقعات الاستراتيجية منها. خلال السنوات الماضية فان المملكة العربية السعودية فضلت اتباع نهج أكثر تشددا تجاه إيران، الا ان سلطنة عمان وقطر اختارتا الحفاظ على علاقات طبيعية مع إيران.
في الواقع ، تعكس هذه السياسة حاجة هذه الدول لتحقيق التوازن بين تجنب المواجهة المباشرة مع إيران والخوف من الهيمنة السعودية. دول الخليج قلقون من أن المملكة العربية السعودية تسعى لزيادة نفوذها على المشيخات الصغيرة وإجبارهم على تبني السياسة الخارجية السعودية. البحرين هي الاستثناء في هذا الصدد، والتي تميل إلى جانب المملكة العربية السعودية، وخاصة أن إيران تعمل على تغذية التوتر بين الاغلبية الشيعية في البحرين والعائلة المالكة السنية، وأيضا بسبب الروابط التاريخية والجغرافية والعائلية مع المملكة العربية السعودية.
كان إنشاء مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981، نتيجة للعمليات الجارية من التعاون، كما حدده ميثاقها، وهدف إلى إرساء الأسس لتحقيق التكامل في جميع المجالات. وكان مجلس التعاون الخليجي يعبير ايضا عن المصالح المشتركة : الطابع الملكي للأنظمة، والعلاقات الدينية كمسلمين وسنة، والأصل العربي المشترك، وهمومهم الثورية التي يواجهونها، الشيعية، هم غير عرب ايرانيين. أنها تعكس محاولات لإيجاد صيغة متفق عليها لأمن الخليج، والجهود التي بدأت حتى قبل رحيل البريطانيين. في الممارسة العملية، ومع ذلك، كل بلد تنتهج سياسة أمنية خاصة بها، تحمي هيمنتها، وتعمل بدون استثناء تقريبا، وفقا لمصالحها الوطنية، والتي تحول دون التعاون الفعال على المستوى التنظيمي وتنفيذ الاتفاقات من حيث المبدأ.
لماذا، إذن، فكرة الاتحاد بقيت على جدول الأعمال؟ يعتبر التعاون السياسي والأمني تصعيد متزايد على الحاجة الملحة للسعودية بالنظر إلى التهديد الإيراني، والاضطرابات في المنطقة، والشكوك في التزام الولايات المتحدة بأمن المملكة. لفترة من الوقت، ولدت هذه التحديات تنسيق استراتيجي بين العديد من دول الخليج واعتماد موقف عاما أكثر حزما، والتي اعطت نفس حياة جديدة في هذا التحالف الفضفاض . علاوة على ذلك، من بداية الاضطرابات في المنطقة، أدركت النخبة السعودية الشائخة أنه في السنوات القليلة، فإنه يكون عرضة للتحد في بيئة مختلفة، مع المزيد من الأعداء وعدد اقل من الحلفاء. في رأيها ان الطرق التقليدية التي تستخدم لتشكيل بيئتها الاستراتيجية ليست كافية، وأنه يجب أن تنتهي السلبية النسبية  لتحييد المخاطر على أمنها القومي، وإلى جانب مصر، تحاول حتى قيادة العالم العربي.
هناك أيضا مبادرة قديمة جديدة على جدول الأعمال يتضمن ضم على ما يبدو الأردنيين ( وربما أيضا المملكة المغربية و مصر ) حيث انضم جنودها – الاردن – الى القوات المسلحة لدول الخليج في مقابل الحصول على مساعدات نقدية سخية. ( ويعتبر الجيش الأردني أكثر مهنية في الجيوش العربية، وخدم الجنود الأردنيين في دول الخليج في مناسبات مختلفة في الماضي. ) ومع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية لم تنجح بعد في الترويج لهذا أو المبادرات السابقة لتوحيد الممالك وضم الأردن والمغرب إلى دول مجلس التعاون الخليجي كأعضاء كاملي العضوية  بسبب معارضة أعضاء آخرين في مجلس التعاون، سواء بسبب العبء الاقتصادي أو بسبب الضرر في مكانتهم في المنظمة.
وهناك قضايا ظلت حجر عثرة في العلاقات بين الدول، ولا سيما دور الإسلام السياسي والموقف تجاه جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات التابعة لها. في 5 مارس 2014، أعلنت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين أنهم سحبوا سفرائهم من قطر بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، والذين يعتبرونها منظمة تخريبية تعرض الشرعية الدينية والاستقرار للخطر ( وكوسطاء فان الكويت وعمان لن تنضم لهذه الخطوة ). بعد عدة أيام، وضعت المملكة العربية السعودية جماعة الإخوان المسلمين على قائمتها للمنظمات الارهابية واعتقلت عددا من مؤيديها . وكانت العلاقات بين المملكة العربية السعودية و قطر متوترة لسنوات، وذلك بسبب النزاعات الحدودية (بما في ذلك حادث قتل عدد من الجنود القطريين ) ، و منذ استولى حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في قطر في عام 1995 وتأسيس الجزيرة في عام 1996.
في البداية، تمسكت الأطراف بمواقفها. الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الجديد، أشار الى أنه لن يغير السياسة الخارجية لدولة قطر، في حين أعلنت المملكة العربية السعودية أن الأزمة ستستمر طالما قطر لم تغير سياستها، ملمحة إلى خطوات إضافية ضد الدوحة. وبالتالي حتى لو قطر لم تغيير جذريا في السياسة الخارجية ” المستقلة ” ، يبدو أنها ستضطر في نهاية المطاف الى التراجع ( تكتيكيا ) عن موقفها بسبب عزم المملكة العربية السعودية، على الرغم من هذا التراجع قد يكون بطريقة تدريجية تسمح قطر لحفظ ماء وجهها . خلاف ذلك، سوف تجد قطر نفسها معزولة.
يبدو ، إذن، أن الجانبين قد وصلت إلى تسوية مؤقتة تسمح لهم بتجاوز الأزمة الأخيرة – على الأقل مؤقتا. عقب اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون في الرياض الأسبوع الماضي،حيث  وافق الأعضاء على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر وعدم تقويض الآخر في المصالح والأمن والاستقرار. وبعد بضعة أيام ، فان العالم الديني للإخوان المسلمين الداعية يوسف القرضاوي، الذي انتقد المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وكان سبب الأزمة مع قطر، ارسل خطاب اعتذار مكتوب للبلدين، مشيرا إلى أن الخطبه ( التي لديه علقت لفترة معينة من الزمن بناء على تعليمات من حاكم قطر ) وان ما جاء في الخطبة يعكس آرائه فقط.
ومع ذلك ليس فقط قطر جعلت من الصعب توحيد مواقف المجلس في ستة ممالك. منذ أن تم طرح فكرة الاتحاد السياسي الكامل، و سلطنة عمان تبدي تبجحا غير معهود ، وقد قاد المعارضة الشعبية القوية لهذه الخطوة. خلال القمة السنوية لقادة دول الخليج في ديسمبر كانون الاول عام 2013، أكد وزير الخارجية العماني معارضة بلاده لاتحاد الخليج، بل وهدد بالانسحاب من دول مجلس التعاون الخليجي إذا اتخذ مثل هذا القرار. مما اثار حفيظة المسؤولون السعوديون. علاوة على ذلك، عندما عقدت القمة الخليجية الأخيرة، كانت المملكة العربية السعودية بالفعل غاضبة من عمان بسبب دورها في التوسط بين الولايات المتحدة وإيران من وراء الكواليس والسير في المفاوضات مع إيران. المملكة العربية السعودية حتى اتهمت عمان انها تعمل من وراء ظهرها وهذا خيانة لها.
يبدو أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال بعيدا عن التوصل إلى توافق في الآراء بشأن قضايا الأمن القومي، نظرا للأزمات الأخيرة، وبالتأكيد عند وقوعها على خلفية المنافسة بين القبائل والنزاعات الإقليمية التي كانت في سبات عميق. على وجه التحديد التحديات التي تواجهها دول الخليج من خلال المفاوضات مع ايران حول اتفاق دائم، والاضطرابات في المنطقة، و الشكوك بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنها، يبدو أنها خلقت جوا أكثر صعوبة من أي وقت مضى لدول الخليج لتكون جبهة موحدة. وفكرة الاتحاد الخليجي لا تزال رؤية بعيدة إذا لم يكن هناك رؤية استراتيجية مشتركة، وبدون هذه الرؤية الاستراتيجية بالتأكيد لن يؤدي إلى تغيير جوهري في مساهمة دول مجلس التعاون الخليجي في الأمن الإقليمي . الأزمة الأخيرة بين قطر والعديد من جيرانها هي واحدة من أخطر الحوادث منذ نشأت مجلس التعاون الخليجي، و ذلك يلقي بظلاله على فكرة الوحدة الخليجية. ومع ذلك، فإنه يوفر أيضا اختبارا لدور السعودية القيادي: إذا السعوديون لم ينجحوا في ضمان الهدوء في بلداهم فلن تكون قادرة على قيادة العالم العربي.
*تغريد سعادة: المدير المساعد / مركز غزة للدراسات السياسية والاستراتيجية – رام الله