الرئيسية / وجهات نظر / في ذكرى أحداث 11 سبتمبر
د-.-إدريس-لكريني

في ذكرى أحداث 11 سبتمبر

 قادت الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، حملة كبيرة وواسعة النطاق؛ لمواجهة ما تسميه إرهاباً، سخرت لها إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة، ضمن مقاربة طغى عليها الطابع الأمني والزجري.

ومع حلول ذكرى هذه الأحداث، يطرح السؤال من جديد حول مدى نجاعة وفعالية التدابير المختلفة التي اتخذتها هذه الدولة في هذا الصدد؛ وبخاصة مع تزايد انتشار الظاهرة في مناطق مختلفة من العالم، وتفاقم مخاطرها بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة.
أبرزت الأحداث المروّعة التي استهدفت مدناً ومواقع أمريكية حيوية، أن القوة العسكرية والمخابراتية والتكنولوجية والاقتصادية إضافة إلى المحيطين الهادي والأطلسي لم تكن كافية لتأمين التراب الأمريكي من خطر «الإرهاب» الذي تطور وتحول من شكله التقليدي، إلى خطر حقيقي يوازي بتداعياته دمار الحروب..
برزت في أعقاب هذه الأحداث، ثلاثة مواقف داخل المجتمع الأمريكي، فهناك الموقف الانعزالي، الداعي إلى تخلي الولايات المتحدة عن المشاركة في عمليات حفظ السلام والأمم المتحدة والمؤسسات السياسية والمالية الدولية، وهو أمر كان صعب التحقق، بالنظر إلى ارتباط الاقتصاد الأمريكي بالاقتصاد العالمي، وما يمكن أن ينتج عنه من فوضى دولية، بفعل هذه السياسة الانعزالية، مما قد يضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وهناك الموقف الثاني الذي دعا إلى المزيد من التفرد في اتخاذ القرارات الدولية بنفس التسلط الذي ظل سائداً حتى تفجر الأحداث، وهو ما سيتيح تنامي العداء الدولي لسياسات هذا البلد الخارجية، ثم هناك الرأي الذي يدعو إلى ضرورة تعزيز العلاقات مع أطراف المجتمع الدولي كافة والمساهمة في حل مشاكله، وهو الأمر الذي قد يسهم أيضاً في المحافظة على المصالح الاستراتيجية لهذا البلد.
وبغض النظر عن هذه المواقف، فمباشرة بعد وقوع الأحداث داخل العمق الأمريكي ساد اعتقاد قوي في كل أرجاء العالم؛ بل وحتى في الداخل الأمريكي أيضاً، بأن الولايات المتحدة ستغيّر أو ستراجع سياساتها تجاه العديد من القضايا الدولية، وبلورة مواقف أكثر إنصافاً وموضوعية، غير أن التطورات المتلاحقة والممارسة الميدانية التي أعقبت هذه الأحداث مباشرة أو بعدها، أثبتت بالملموس أن الولايات المتحدة وإن كانت تعلم تماماً أن سياساتها المنحرفة تجاه العديد من القضايا الدولية، هي التي تقف مسؤولة في جزء كبير منها خلف الأحداث، ظلت مصرّة على الاستمرار في سياساتها التعسفية المعهودة؛ بل وضاعفت من حدّتها (التدخل العنيف في أفغانستان، وغض الطرف عن جرائم «إسرائيل» في الأراضي العربية المحتلة، توظيف مجلس الأمن داخل الأمم المتحدة لمصالحها الضيقة ولحماية «إسرائيل»، عدم الانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية..)..
استثمرت الولايات المتحدة هذه الأحداث لتضع مكافحة «الإرهاب» على رأس قائمة أولوياتها؛ حيث اقترن ذلك بالتدخل الفعلي بشتى الأشكال في الشؤون الداخلية للدول التي ينتمي إليها الضالعون أو يستقرون فيها..؛ بعدما سعت لكسب تعاطف دولي واسع، استثمرته بشكل كبير في بلورة ردة فعلها في أفغانستان؛ وتعزيز الضغوطات على عدد من الدول كباكستان.. وغيرها بذريعة التضييق على الإرهابيين والقضاء على معسكرات تدريبهم.
أمام قصور ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في مكافحة الإرهاب في ظل غياب تعريف دولي شامل متفق عليه حول الظاهرة، وتزايد المخاطر التي تطرحها على السلم والأمن الدوليين؛ أصبحت العمليات الإرهابية – في خضم هذه التطورات- تشكل ذريعة للتدخل بكل أشكاله في الشؤون الداخلية للدول؛ سواء بشكل جماعي في إطار الأمم المتحدة أو بصورة انفرادية من قبل بعض الدول «المتضررة».
وفي هذا السياق؛ حرصت ««إسرائيل»» على تكريس سلوك خاص بها للرد على «الإرهاب» في إطار ممارسة حق الدفاع الشرعي الذي تنص عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في سياق تكريس احتلالها للأراضي العربية؛ وتضييقها على نشاط المقاومة الفلسطينية المشروعة، وهو ما يطرح مجموعة من الإشكالات القانونية؛ في علاقتها بالمشروعية الدولية التي تعني مطابقة التصرف للقاعدة القانونية الدولية.
إن ما يكرس العشوائية في مكافحة «الإرهاب»، هو انخراط مجلس الأمن في إصدار عدد من القرارات التي حاولت ضبط انتشار هذه الظاهرة في غياب تعريف محدد لها أو استثناء للعمل التحرري المشروع منها، وفي هذا الصدد، سبق للمجلس أن أصدر قراره رقم 1373 بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2001 الذي أكد ضرورة مواجهة مخاطر «الإرهاب الدولي» بكل الوسائل السياسية والزجرية، بما في ذلك تجميد أموال المشتبه في علاقاتهم بالإرهاب، دون التمييز بين هذا الأخير كعمل محظور وحق الكفاح المشروع ضد الاحتلال.
لم تكن هذه الجهود على قدر من الفعالية للحد من «الإرهاب» الذي تصاعدت وتيرته بشكل مكثف في العقود الأخيرة، وتمددت الكثير من الجماعات المسلحة في مختلف المناطق من العالم، مستغلة في ذلك الصراعات والأزمات الممتدة عبر منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا؛ مما كلّف هذه المناطق وشعوبها الكثير من الكوارث والمعاناة (صراعات طائفية؛ تدخلات دولية..).
إن النتائج العكسية التي تمخضت عن المكافحة الأمريكية «للإرهاب» خلال السنوات التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر؛ تجد تفسيرها في التركيز على المقاربة الانفرادية والأمنية، وغياب استراتيجية جماعية تقف على أسباب الظاهرة في مختلف تجلياتها وأبعادها.
أبرزت أحداث 11 سبتمبر2001 أن أي إجراء أمني مهما توافرت له الإمكانيات البشرية والتكنولوجية والمادية والعسكرية، لا يمكنه الحد من الإرهاب ؛ بعدما أصبح القائمون بهذه الأعمال يطورون آلياتهم ووسائلهم ويستغلّون وبتحايل كبير أضيق الفرص والفجوات لتنفيذ أعمالهم.
إن بلورة استراتيجية حقيقية لمكافحة الإرهاب يفترض أن تبدأ بإيجاد مفهوم عالمي محدد للظاهرة، وتجاوز المقاربة الأمنية التي تركز على الفاعل والفعل التي أثبتت إفلاسها؛ إلى مقاربة استراتيجية وشمولية في إطار من التنسيق والتعاون الدوليين، تقف على المسببات والدوافع الحقيقية للظاهرة في شتى أبعادها وتجلياتها النفسية والاجتماعية والتربوية..