الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا المنسية
b223fdd1f0451f5e236179a83cdb1ea4

ليبيا المنسية

تحولت ليبيا من الجماهيرية العربية الليبية العظمى، إلى المليشيات العربية الليبية، وبدلا من قذافي واحد، هنالك قذافي لكل مليشيا يقول: (أنا أو لا أحد)، وبدلاً من جماهيرية عظمى أصبحت هناك جماهيريات ليبية وعظمى أيضاً . وكل الذين ساهموا في إطاحة القذافي وقتله، انسحبوا بهدوء وتناسوا ليبيا وما تمخض عنها من (ليبيات)، وتركوها نهباً لجماعات مسلحة تعد بالعشرات، تمنع إقامة دولة ذات سيادة على كل أراضيها، وتمنع الليبيين من العيش بسلام واطمئنان .
يوم الجمعة الماضي، نشب قتال ضار بين الجيش الليبي وإحدى المليشيات في مدينة بنغازي الساحلية، راح ضحيتها حوالي عشر ضحايا من الطرفين . المعارك جاءت بعد يوم من تفجير انتحاري لحافلة صغيرة ملغومة خارج معسكر للجيش الليبي بمدينة بنغازي، قامت به جماعة أنصار الشريعة الإسلامية، التي صنفتها واشنطن منظمة إرهابية، بعد أن كان مقاتلوها يُنعتون بالثوار والمجاهدين خلال الحرب مع القذافي .
وفي أواخر الشهر الماضي، اقتحم مسلحون، مبنى المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان) أثناء الاستعداد لإجراء دورة ثانية لانتخاب رئيس وزراء جديد، ووقع إطلاق النار داخل البرلمان .
وفي السادس من شهر أبريل الماضي، تم الإعلان عن تأسيس مجلس شورى شباب الإسلام الذي يضم عدداً من السرايا المسلحة لإدارة مدينة درنة الواقعة شمال شرق ليبيا، وفق الشريعة الإسلامية، وقد ترددت أنباء عن وجود أيمن الظواهري، زعيم القاعدة في المدينة ذاتها .
وفي 21 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، أعلنت جماعة مسلحة كبيرة عن اتفاق مع الأمريكيين لبيعهم النفط مباشرة، وقالت مصادر في ميناء السدرة التابع لإقليم برقة، بأن رئيس مجلس برقة التنفيذي إبراهيم جضران زار الميناء برفقة الخبير النفطي الأمريكي ديفيد ليفكو، الذي استفسر عن خطوط شحن النفط الليبي من الميناء وعن الكميات المتوافرة في خزانات النفط، كما طلب نسخة من وثائق الشحن السابقة، مستوضحاً عن الترددات التي تستعمل في التواصل مع البواخر قبل دخولها إلى الرصيف، وأوضح ليفكو رداً على سؤال بعض العاملين في الميناء بأنه يستعد لتصدير النفط الليبي لمصلحة إقليم برقة ورئيسه إبراهيم جضران، ويرفض هذا الأخير الامتثال إلى قرار السلطتين التشريعية والتنفيذية الداعي إلى فك الحصار المفروض على منابع النفط وموانئ تصديره .
ونقلت صحيفة “اليوم السابع” المصرية عن صحيفة “الأبزيرفر” البريطانية في 16 مارس/آذار الماضي تقريراً عن ليبيا قالت فيه إن تقسيم البلاد يلوح في الأفق، بعدما أثار الاقتتال على النفط انقساماً جديداً، وأشارت إلى أن المعركة الهزلية بين حكومة طرابلس والمليشيا المتمردة على التزود بالوقود من ناقلة كشفت الدور المركزي الذي يلعبه النفط في الانقسامات والتوترات التي تربك البلاد . ونقلت الصحيفة البريطانية عن المتحدث باسم قائد المتمردين إبراهيم جثران، قوله إنهم لا يريدون الاستقلال، لكن لو أن الإخوان المسلمين أقوياء بشكل كبير يؤدي إلى حرب أهلية، فإنهم سيضطرون إلى أن يصبحوا دولة مستقلة!
وبالعودة إلى الوراء، نشرت صحيفة “النهار” اللبنانية في 18 مارس 2011 مضمون وثيقة سرية لجهاز المخابرات الخارجية في بريطانيا المعروف باسم “MI5″، مؤرخة عام 1995 تكشف ضلوع الحكومة البريطانية في مخطط لفرض خريطة جديدة في منطقة المغرب العربي، من خلال تقسيم ليبيا إلى عدة دويلات متحدة تحت إطار حكم فيدرالي .
وتكشف الوثيقة كيف أن مكتب رئيس الوزراء البريطاني في منتصف التسعينات كان على علم كامل بالمخطط الذي أشرفت عليه المخابرات البريطانية ويتكفل بتنفيذه خمسة ضباط في الجيش الليبي، يحملون رتبة عقيد من وحدات مختلفة في الجيش الليبي، يعتزمون القيام بانقلاب عسكري على القذافي، مضيفة أن الانقلاب كان مخططاً له أن يتم بالتزامن مع عقد المؤتمر الشعبي العام في ليبيا في بداية عام 97 وتحديداً في شهر فبراير، ويوضح التقرير السري أن خطة الانقلاب على القذافي كانت تتمثل في شن هجمات على عدد من المنشآت العسكرية والأمنية في ليبيا، مثل القاعدة العسكرية في مدينة ترهونة، إضافة إلى القيام بتدبير “اضطرابات مدنية'” متزامنة في عدد من المدن، منها بنغازي، مصراتة وطرابلس .
ولفت التقرير السري إلى أن الانقلابيين يعتزمون بعد إطاحة القذافي تشكيل حكومة انتقالية ثم إجراء حوار مع قادة وزعماء القبائل، لإقناعهم بتشكيل نظام فيدرالي مكون من عدة دول لكل منها برلمان وحكومة .
نضع هذه المعلومات من دون تعليق لأنها تدل مباشرة على خطورة الوضع في ليبيا، والأحداث اللاحقة تثبت صحة الوقائع الراهنة، وهذا لا يعني أن بريطانيا وحدها كانت تعلم بما ستؤول إليه الأحداث في ليبيا، أو أنها وحدها التي كانت تخطط لإطاحة القذافي، فالرجل كان مستهدفاً، ربما ليس لذاته، وإنما كدولة، وتقول التقارير إنّ عدم تقسيم ليبيا فعلياً حتى الآن، يعود إلى كميات الغاز الهائلة التي تختزنها الأراضي الليبية، والتي تمد إيطاليا بشكل رئيسي بالغاز .
لا ينفع اللوم الآن، وهذه مهنة التاريخ والمؤرخين، وستتضح حقائق كثيرة بعد مرور الفترة الزمنية الكافية للكشف عن الوثائق السرية، والمؤامرة التي تعرضت لها ليبيا ولا تزال، طمعاً في نفطها وغازها وثرواتها .
الجماعات المسلحة وجدت الظروف فرصة ذهبية لتعزيز وجودها والانطلاق إلى ساحات أخرى، وخاصة تلك الجماعات التي تدّعي الإسلام في الظاهر، وتتاجر بالنفط من وراء ظهر الحكومة المركزية في الباطن والظاهر، وإن تُركت ليبيا لمصيرها، فإنها لن تكون لأحد، وبدلاً من تقسيمها إلى دول ثلاث، فإنها ستُقسّم إلى عشر دول متناحرة ومتصارعة، لأن من بين تلك الدويلات دويلة صغيرة في جزء من طرابلس، ستدعي أنها الحكومة المركزية، وستواصل حربها ضد الجماعات المسلحة لاستعادة السيطرة على باقي الأراضي الليبية الشاسعة والغنية، وهي مهمة صعبة وشبه مستحيلة، ليس لقوة الجماعات، ولكن بسبب غياب الدعم العربي والدولي لمركزيتها .
إن ترك ليبيا لمصيرها أمر مستهجن، خاصة من قبل الدول العربية بشكل عام، ومصر وتونس بشكل خاص، لاسيّما بعد الأحاديث التي تسربت عن وجود “جيش مصري” حر يتدرب في ليبيا لشن هجمات على الجيش المصري ومنشآت مصر الحساسة، وحتى لو لم تصدق الأنباء بشأن هذا الجيش، فإن عدم وجود دولة قوية في ليبيا سيشكل خطراً كبيراً على مصر وتونس والجزائر أيضاً، من حيث تهريب السلاح للمتشددين، أو تسلل المقاتلين والمسلحين إلى الدول الثلاث .
الجامعة العربية يجب أن تتحمل مسؤولياتها الآن، كما فعلت حين ساهمت في إطاحة القذافي، وكذلك دول حلف الناتو التي دمرت الجيش الليبي، ومجلس الأمن الذي أصدر قرار منطقة الحظر الجوي بكل سهولة ويسر، جميعهم مسؤولون عما يحدث في ليبيا من عدم استقرار، وسيتحملون مسؤولية تقسيم ليبيا إذا ما حدث فعلياً على أرض الواقع .
كان من المفترض أن يكون التغيير إلى الأفضل، وليس إلى الأسوأ، وكان الليبيون ينتظرون الحرية والكرامة، وأن تكون بلادهم آمنة، لا أن تكون دولة لا يأمن فيها حتى الدبلوماسي على نفسه، ولنا في خطف الدبلوماسيين التونسيين والأردنيين والمصريين خير مثال .
ليبيا الآن بلد منسي من قبل الجميع باستثناء تجار النفط والغاز، وتستحق أن يتذكرها من ساهم في وضعها في هذا المأزق .
“الخليج” الاماراتية