الرئيسية / وجهات نظر / فرصة جديدة للجزائر والمغرب
f5fb95b0aaf3baa29a711f885602cd42

فرصة جديدة للجزائر والمغرب

في السياسة كما الحياة، يكون الانتقال من عمر إلى آخر علامة نضج وتجربة. ولم يهدر المغرب والجزائر فرصة سانحة لتحقيق الانفراج. كما حدث في الأيام الأخيرة لمرض الرئيس الراحل هواري بومدين. اتفق البلدان على أجندة حوار وتفاهم، لم يكن ملف الصحراء والعلاقات الثنائية بعيداً منها، لكن مرض الرئيس أجهز على الآمال التي كان يعول عليها.
قال الحسن الثاني وقتذاك إنه فقد نصفه الآخر، لأنه كان يجد في الرئيس بومدين الخصم والمحاور، وأن السلم والأمن يكون لهما قابلية التحقق بين أشد الخصوم عناداً. وعلق الحوار سنوات في غضون استمرار استنزاف الجهود والأموال والفرص. وبعد مرور عقدين جاء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية، وكانت أول زيارة له إلى الخارج اتجهت نحو الرباط للمشاركة في تشييع جنازة الملك الراحل. وبدا حينذاك أن ملكاً جديداً في الرباط ورئيساً بالمواصفات نفسها في الجزائر يمكن أن يلتقيا عند منتصف الطريق لإقرار مصالحة تاريخية، تنقل علاقات بلديهما إلى ضفاف التفاهم والانفراج.
المفارقة أنه على سعة الأحلام التي سادت، اتسعت رقعة الخلافات أكثر، ولم يعد نزاع الصحراء، وحده يفرق بين الجارين، بل أضيف إليه ملف الحدود المغلقة وتباين المواقف إزاء التعاطي والتحديات الأمنية في الساحل، وركام تناقضات أبعدت الجارين أكثر عن بعضهما. ما إن يستنفدان فتح كتاب المغايرة، حتى تطفو صفحات كتاب آخر يزيد في حجم التشنج وتداعيات الفرقة والانكفاء. لكن العاهل المغربي الملك محمد السادس باختيار أن يكون في مقدم مهنئي الرئيس الجزائري المنتخب عبدالعزيز بوتفليقة بولايته الرابعة، أزاح جانباً من نقاط الظلال، أقله دعم الشعب الجزائري في تدبير اختياره السيادي، وإبداء الاستعداد مجدداً للسير سوياً على طريق واحدة، ثنائياً ومغاربياً.
موقف الرباط له أكثر من رمزيته، ليس أبعدها نزع الحساسية التي تطاول مواقف البلدين، حين يتعرضان لاستقراء أوضاعهما الداخلية. وكما أن أكثر ما يثير حساسية الجار الجزائري أن ينبري المغرب للتعبير عن موقف يطاول سياسته الداخلية، فالأمر ينسحب بالحدة نفسها على ما يعتبره المغاربة تدخلاً في شؤونهم الداخلية من طرف الجزائر. وإن كان الراجح أن في زمن العولمة وتشابك المصالح وتداخلها، لم يعد الهاجس المحلي، وفق منطق حواجز الحدود والجمارك قائماً.
بهذا المعنى، فإن مجرد العودة إلى سياسة اليد الممدودة، يرجح فرضية أن السلطة الجزائرية التي نجحت في جعل الوئام الداخلي عنصراً مشجعاً لتثبيت الاستقرار، يمكن أن تلتفت إلى الوئام الإقليمي، كونه الغائب في معادلة الوئام الذي ينقل المنطقة إلى مراتب جديدة، بخاصة في ظل تنامي التحديات الأمنية الناتجة عن الانفلات وتدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا وامتدادات الساحل، ولعل الإشارة المشجعة التي تضمنها القرار الدولي الرقم 2152 حول الصحراء، لناحية دعوة دول الجوار إلى التعاون في مواجهة أزمات الساحل جنوب الصحراء، له أكثر من دلالة. أقربها أن خلافات الملف الصحراوي يمكن تذويبها عبر جهود تفاهمات الحرب على الإرهاب التي لا تستثني أي طرف.
في إمكان القائدين أن يصبحا سيدي ميدان واحد. إنه وضع القدم في مربع الخطوة الأولى نحو الانفراج. وما يشجع اعتقاداً كهذا أن البلدين استنفدا كل أدوات الصراع. وبقي عليهما أن يجربا استخدام صراع من نوع جديد، يكون بالدرجة الأولى موجهاً ضد الأسباب التي تعيق تقاربهما، كي لا يعاود التاريخ تسجيل المزيد من الفرص الضائعة التي انعكست سلباً على المجال الثنائي والفضاء الإقليمي والعربي.
“الحياة” اللندنية