الرئيسية / وجهات نظر / الربيع العربى.. نجاحات وخيبات
ae623343d9b0e22dc5d6db49e92f6c40

الربيع العربى.. نجاحات وخيبات

دعانى الصديق والمفكر المغربى الأستاذ عبدالسلام بوطيب رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديموقراطية والسلم إلى المشاركة فى ندوة دولية تقام على هامش الدورة الثالثة لمهرجان “سينما الذاكرة المشتركة”، الذى ينظمه المركز تحت شعار “أسئلة المتوسط”، بمشاركة مفكرين وخبراء من دول حوض البحر المتوسط العربية والأوروبية وخبراء من خارج المنطقة المتوسطية، بهدف تحليل ومناقشة المخاضات الناجمة عن “ثورات الربيع العربي”، وفتح مقارنات جديدة على المستوى الإقليمى والدولي.
وتتميز الندوة بالشمولية حيث تنقسم إلى أربعة محاور، يناقش أولها “الثورات بين الأمس واليوم: الاستمرارية، القطيعة والتحولات”، ويسعى ثانيها إلى “رسم خريطة الثورات فى البحر الأبيض المتوسط: أين، كيف ولماذا؟”، ويبحث ثالثها عن إجابة لسؤال: “بعد ثلاث سنوات: هل حان الوقت للتقييم؟”، أما رابع المحاور فيقدم رؤية لـ”ثورات البحر الأبيض المتوسط بعيون أجنبية”.
والحقيقة أن بشائر ما سُمى بـ”ثورات الربيع العربي” كانت فى بدايتها عفوية تهدف لإصلاح وضع غير مقبول تحياه أقطارها، وأسهمت التقنيات الحديثة كتويتر وفيس بوك ومعها الفضائيات، فى تغذية وقودها وإشعالها ورفع سقف مطالبها، لتتحول بين عشية وضحاها من مجرد تظاهرات تطالب بالإصلاح، إلى ثورات شعبية تطالب بالتغيير الكامل وسقوط النظم، وللأمانة لم تخل المسألة من تدخل جهات خارجية بطرق مشبوهة، من أجل تطويع الثورات لخدمة مصالحها، وهو ما تكشفه تسميتها بـ”ثورات الربيع العربي” التى روج لها الغرب تيمنا بـ”ربيع براغ”، برغم أنها قامت فى الشتاء.
وفى تقديرى أن وصف المشهد السياسى العام فى دول “الربيع العربي” وقت وقوع الثورات وبعدها، هو أمر صعب، صحيح أن هناك نقاطًا وأسبابًا مشتركة جمعت بينها، إلا أن هناك فى المقابل أسبابًا وفروقات أثنية وعرقية ميزت كل ثورة وأضفت عليها خصوصيتها، وهذه الفروقات هى ما تبين لنا لماذا كانت ثورتا تونس ومصر سلميتين، فيما قامت ثورتا ليبيا وسوريا على شلالات من الدماء، وبعدهما اليمن بدرجة أقل حدة. وبسبب هذه الاختلافات يصعب رسم خارطة طريق موحدة للفترات الانتقالية المتعثرة فى تلك البلدان، كما أن عودة الاستقرار إلى ربوعها قد يأخذ وقتًا ليس بالقصير، وهو ما أوضحته مقدمة تقرير جديد أصدرته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا)، حين أشارت إلى أن “الخلافات التى كانت تقتصر فى السابق على النخب الحاكمة، غزت نسيج بعض المجتمعات العربية التى اخترقتها التوترات الإثنية والمذهبية والنزاعات الانفصالية، حتى أصبح قبول الآخر استثناء، بعد أن كان تقدير الآخر والاحتفاء بالتنوع الثرى هو الأصل والقاعدة”.
الأدهى تصاعد أصوات تتباكى على أيام النظم البائدة، أو تستدعى صورًا وأسماء من التاريخ، وتطلقها على من ترى أنه يمثل عودة لهذه الأسماء، متجاهلة أن عجلة التاريخ لا تتوقف بل تمضى للأمام دائمًا ولا تعود للخلف، وأن استحضار أشباح الماضى سواء أكانت أشخاصًا أو أنظمة يتعارض مع سنن الحياة والعصر، فلكل زمن رجاله، ولكل عصر نظمه، وجيل الثورة لم يعد يهتم بكاريزما الأشخاص بقدر اهتمامه بقدرتهم على فرض العدالة الاجتماعية ووضع أسس التنمية، والشعوب التى دفعت بالروح والدم ثمن ثوراتها، لن تقبل بعودة أنظمة دمرت كل ما هو خصب وجميل على ترابها الوطني.
ومن الطبيعى أن أحوالاً مشتعلة وحافلة بالتناقضات مثل هذه لا تتسع مقالة لتناولها إذ تحتاج إلى مجلدات ومجلدات، لذا أكتفى فى هذه العجالة بالتركيز على تجربة الثورة المصرية، فبرغم نجاحها فى إسقاط نظام مبارك إلا أنها كشفت هشاشة الثقافة السياسية لمعظم المواطنين نتيجة سنوات من حكم دكتاتوري، كما أماطت اللثام عن ضحالة ثقافة النخب السياسة، مثبتة أنها أى النخب لا ترقى لمستوى المرحلة، حيث فشلت فى تقديم برامج تلبى طموحات الثائرين، وشغلت عما يريده الشعب بالصراع على المكاسب، واختصرت الديموقراطية على حد تعبير الزميل أبوبكر الدسوقى “فى التصويت فى الانتخابات، مع أن التجربة الديمقراطية، ثقافة وسلوك وانتخابات حرة ودستور يرتضيه الجميع وتوازن بين السلطات وحرية تعبير ومعارضة مسئولة”.
لذا فمن المهم إذا أردنا لمسيرة الثورة المصرية النجاح أن نعيد للثقافة دورها المحورى ليسهم المثقفون فى صياغة واقع المرحلة المقبلة من الحياة السياسية فى مصر، فأزمة مصر هى أزمة معرفية بالدرجة الأولى قبل أن تكون أزمة اقتصادية أو سياسية، وحلها يكمن فى ايجاد منظومة قيم تحكم السلوكيات وتعمل على بث الوعى بمشكلات الوطن، وتخطط بمهنية وروح علمية للتنمية الحقيقية المستدامة وليس للحلول الوقتية، وليس أقدر من المفكرين والمثقفين على الاضطلاع بهذا العبء.
وكلى ثقة أن كتائب المثقفين الذين أُحبطوا وهُمش دورهم فى عهد الدكتاتورية، سوف يعمدون بالتأكيد إلى الإسهام بفاعلية فى الارتقاء بمسيرة الوطن، وكشف المتسلقين والوصوليين وحملة المباخر ممن تسللوا إلى الحياة الثقافية فى زمن الدكتاتور، وصاروا بمثابة دولة عميقة تحول دون بلوغ الغايات الوطنية. وهذا حديث آخر.
“الأهرام”