الرئيسية / وجهات نظر / ثمن التقارب بين النهضة ونداء تونس
13a0d99d2e985e9213286c5d57bf0d6d

ثمن التقارب بين النهضة ونداء تونس

تشهد العلاقات بين الإسلاميين ممثلين في حركة النهضة والدساترة ممثلين في حركة نداء تونس تقاربا واضحا في الأشهر الأخيرة خاصة حول موضوع العزل السياسي، فهل يدفع اليسار ثمن تحالفاته السابقة؟ وتعتبر مسيرة اليسار التونسي ممثلا في الجبهة الشعبية مثيرة للاهتمام حيث إنه مر بجملة من التحالفات غير المنطقية من حيث الأطراف المتحالف معها مثل الإسلاميين والدساترة كل في مرحلة ما لكنه يعود في نهاية كل تحالف إلى نقطة الصفر، ويواصل حلفاؤه طريقهم أحيانا في اتجاه معاداته.
لقد تشكلت الجبهة الشعبية على أساس أن تكون قوة سياسية في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين حزب النهضة الإسلامي وحزب نداء تونس الذي أسسه رئيس الحكومة التونسية السابق الباجي القائد السبسي. وكانت هذه الجبهة متكونة من أحزاب يسارية وقومية عديدة بطبيعة الحال، على أمل أن تصبح قوة ثالثة في البلاد بعيدة عن قوى اليمين وبعيدة عن الحركات الإسلامية،لأن هدفها يتمثل في أن تكوّن قوة تأثير في الحياة السياسية، وقوة تعديل في المستقبل لمصلحة القوى الديمقراطية،إذ إن القوى اليسارية والقومية المشتتة لا تستطيع التأثير بقدر القوى المجتمعة. وتمكنت الجبهة الشعبية من تحقيق هذا التوازن السياسي فعلا قبل اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي، اللذين كانا من العيار الثقيل، ويحسنان الخطاب السياسي الذي يجد صداه لدى عموم التونسيين، ومعهما تطور أداء الجبهة وارتفعت نسب المهتمين بها وقد فرض وجودهما تعديل المواقف داخل الجبهة وأصبحت قراراتها تؤخذ بطريقة ديمقراطية. لكن بعد اغتيالهما انعدم التوازن وانعدمت معها الديمقراطية داخل الجبهة الشعبية.
وشكل اغتيال الشهيد شكري الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، نقطة تحول حقيقية في مسار الجبهة الشعبية إذ خرج حوالي مليون وأربعمائة ألف تونسي في جنازته في 8فبراير2013. وكان بإمكان الجبهة الشعبية أن تستثمر ذلك الزخم الشعبي الكبير لكي توظفه نحو بروز قوة سياسية ثالثة حقيقية تقف نداً أمام الحزبين الكبيرين النهضة والنداء، لكن ما راعنا أن وقع الاستيلاء على الجبهة من طرف الناطق الرسمي للجبهة السيد حمة الهمامي، والأمين العام لحزب العمال في الوقت عينه. فبدأت سياسة الإقصاءات للأطراف السياسية المخالفة لتوجهات الناطق الرسمي، فمن أصل 12 حزبا مكوناَ للجبهة، انحصر القرار الآن بين خمسة فقط يقودها حزب العمال. وهو ما أضعف الجبهة كثيراً، لاسيَّما في عدد من الجهات الداخلية للبلاد. إذ انتهج السيد حمه الهمامي سياسة تحالف الجبهة الشعبية مع حزب »نداء تونس« باسم ضرورات وأولويات المرحلة المتمثلة في اعتبار الإسلام السياسي الحاكم قوة »فاشية»، ولذا وجب القيام بتحالف واسع لإسقاط الحكم وتأجيل تحقيق أهداف الثورة إلى ما بعد الإطاحة بحكم الاستبداد الديني.
إنها المبررات عينها التي قدمها حزب العمال الشيوعي الذي يتزعمه السيد حمه الهمامي، أثناء تحالفه مع الإخوان المسلمين في ائتلاف 18 أكتوبر عام 2005 ضد «الحكم الاستبدادي لبن علي» وهو هدف ينأى بالجبهة بعيداً عن مطلب «إسقاط النظام» الذي طالما ردده المتظاهرون قبل وبعد الإطاحة ببن علي (الشعب يريد إسقاط النظام) أو (الشعب يريد الثورة من جديد). فهذا الاتجاه الجديد يزج بالجبهة الشعبية في مساومات مع قوى ليبرالية ذات مصالح متناقضة مع قواعد الجبهة الشعبية، وذات تجربة في السلطة، وهو ما يفقد الجبهة الشعبية ارتباطها بالفقراء والعمال والكادحين الذين يطمحون لتغيير حياتهم نحو الأفضل، ويفقدها شرعية التعبير عن مطالبهم في (الشغل والحرية والكرامة الوطنية).
كما يفقد هذا التوجه السياسي للجبهة الشعبية استقلالية قرارها بحكم ذوبانها داخل (جبهة الإنقاذ)، ويبعدها عن «تحقيق أهداف الثورة» وعن جماهيرها التي خرجت لتشييع الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. ثم إن هذه السياسة التي تتبعها الجبهة الشعبية تجعلها مطية لعودة قادة الحزب الحاكم السابق (التجمع الدستوري المنحل بقرار قضائي) إلى الحكم من الباب الكبير، وعلى أكتاف اليساريين والقوميين وشباب وسكان سيدي بوزيد والحوض المنجمي والقصرين وسليانة، الذين اكتووا بنار القمع والتهميش والفقر، الذي كان الحلفاء الجدد للجبهة الشعبية سبباً مباشرا فيه (من التخطيط إلى التنفيذ).
ولم تطور الجبهة الشعبية والأحزاب المكونة لها، أشكال النضال والتنظيم والمساندة والإعلام، لتغيير ميزان القوى لصالح الفقراء والكادحين والمنتجين والعاطلين عن العمل والإجراء، ولم تنشر الجبهة تحليلاً سياسياً دقيقا ًللقوى السياسية والاجتماعية لتوضح نظرتها لطبيعة التحالفات، وما هي القوى التي يمكن التحاف معها (لتحقيق أهداف الثورة) أو للتقدم خطوة نحو تحقيق هذه الأهداف. ففي أوج الضجيج الإعلامي حول تشكيل جبهة الإنقاذ الوطني بين رموز النظام السابق (1956 – 2011) ومعظم تيارات اليسار والقوميين، عقب اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25يوليو 2013، التقى في باريس يوم 14 آب2013 الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي والباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس الذي لم يُخْبِرْ حلفاءه الجدد بهذا اللقاء، ما أثار تساؤلات في صفوف الجبهة الشعبية وفي صفوف بعض أحزاب المعارضة وشرائح عديدة من المجتمع، وكل من آمن بضرورة التغيير الجذري لمصلحة الشعب.
إن تلك الأحداث هي التي تدفع اليوم إلى التساؤل عن دور القوى اليسارية في الحياة السياسية الوطنية المتميزة بسيطرة حزب النهضة الإسلامي الممثل لليمين الديني، وحزب نداء تونس الممثل لليمين الليبرالي بشقيه الاقتصادي والسياسي، الذي بات يشكل استعادة لبقايا النظام السابق، حيث يتبين يوما بعد يوم استعداد هذين الحزبين للتحالف في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة لإدارة الحكم وفق صيغة جديدة.
وكان حزب العمال انتهز فرصة اغتيال الشهيد محمد البراهمي أحد قادة الجبهة الشعبية للعودة إلى (التقاطعات مع القوى المعارضة للحزب الحاكم) والتحالف مع نداء تونس (رغم معارضة عائلة الشهيد محمد البراهمي).
وهكذا عاد حزب العمال إلى إحياء صيغة ما سمي (تحالف 18 أكتوبر) التي دامت من 2005 إلى 2007 وضمت الإخوان المسلمين (النهضة) واليمين الليبرالي وبعض القوميين2005.إنه تحالف 18 أكتوبر بين اليسار والإسلاميين من أجل إسقاط بن علي. وقبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 كان هناك شبه تحالف بين حزب العمال وحركة النهضة. وبعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فبراير2013، كان هناك شبه تحالف بين الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس من أجل إسقاط النهضة. وبعد 25يوليو 2013، تحقق التحالف بين الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس فيما بات »يعرف بجبهة الإنقاذ «، والتحق بهم في جبهة الإنقاذ زعيم حزب المبادرة الوطنية الدستورية السيد كمال مرجان (آخر وزير خارجية تونس في عهد بن علي). وجاء هذا الالتحاق في إطار استعداد الحزب للتحالف مع الأحزاب التي يتقارب معها في التوجهات والبرامج السياسية والاقتصادية، ولكن توجد دوافع أخرى تفسر التحاق المبادرة الوطنية الدستورية بجبهة الإنقاذ، إذ ذهب البعض من المحللين السياسيين إلى حد التأكيد على أنه تقارب بين الباجي قائد السبسي (رئيس حركة نداء تونس) وكمال مرجان (رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية). وتعكس هذه التحالفات غير الطبيعية بين الأحزاب الليبرالية واليسارية والقومية، من أجل إسقاط حكم النهضة، تراجعاً مهماً في المسار الثوري، يجسمه توظيف الجبهة الشعبية في خدمة أجندات الهيمنة الخارجية على البلاد، وتشريع العلاقات غير المتكافئة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
“الشرق” القطرية