الرئيسية / دولي / “الدستورية” تضيق الخناق على انفصاليي “كاتالونيا”
8485e3aeefa20739eddf13606c9251f6

“الدستورية” تضيق الخناق على انفصاليي “كاتالونيا”

دخلت الحكومة الاسبانية، منذ مساء امس الأحد، في معركة قانونية ودستورية مع الحكومة المحلية  لاقليم، كاتالونيا، على خلفية إقدام هذه الأخيرة دعوة الناخبين في الإقليم للتصويت في استفتاء تقرير المصير يوم التاسع من نوفمبر المقبل  للاختيار بين الاستقلال التام أو البقاء في ظل التاج الاسباني.
ولم تنفع المناشدات السرية والعلنية، التي بذلتها أطراف عدة، في ثني رئيس الحكومة المحلية، ارتور ماص، وحلفائه من اليساريين الجمهوريين، للتراجع عن القرار او تأجيله على الأقل وفسح المجال أمام مشاورات سياسية واسعة، تشترك فيها الأحزاب الوطنية والإقليمية، بهدف التوافق  الوطني على مراجعة الدستور واعادة النظر في  العلاقة التي تربط الحكومة المركزية  بالكيانات المحلية.
وبمجرد توقيع الدعوة الى الاستفتاء من جانب واحد، يوم السبت، سارعت الحكومة الاسبانية الى  طلب رأي مجلس الدولة في النازلة، الذي يخول لها  تقديم دعوى الطعن في قرارات، ماص، أمام المحكمة الدستورية التي ستبت بشكل نهائي في الخلاف السياسي غير المسبوق في تاريخ أسبانيا الحديثة.
وكما كان متوقعا، اجتمع مجلس الدولة على عجل وفي يوم عطلة الاحد، وبعد مناقشات  وافق اعضاؤه بالاجماع على مشروعية لجوء السلطة التنفيذية الى المحكمة  الدستورية لتنطق بالحكم المطابق للدستور الاسباني في القضية المعروضة عليه.
وعلى اثر الاجتماع  قررت المحكمة الدستورية، التي تضم كبار رجال القانون والدولة  بمن فيهم من شارك في كتابة دستور عام 1978، قررت  قبول الدعوى المرفوعة من قبل مجلس الوزراء، من ناحية الشكل مع احتفاظها لنفسها بالنطق في جوهر القضية في غضون خمسة أشهر.
ويعني مجرد قبول الدعوى، من جانب الهيئة الدستورية، وقف كل الإجراءات الإدارية والقانونية المترتبة عن الاعلان الانفرادي الصادر  عن  حكومة برشلونة.
وساد اعتقاد  منذ وقت قريب، ان نتيجة استفتاء اقليم، اسكتلندا، البريطاني الذي خطا خطوة مماثلة لما أقدمت عليه حكومة برشلونة، دون اعتراض من الحكومة المركزية  في لندن؛ ان نتيجة الاقتراع  التي كانت لصالح استمرار الوحدة في إطار المملكة المتحدة، كانت ستؤثر على قرار، ماص، وجعله يتريث او يراجع  حساباته، للحيلولة دون اندلاع مواجهة  قد تصبح عنيفة بين الاقليم والسلطات المركزية، لا سيما وان القوات المسلحة الاسبانية سبق ان اعلنت بصراحة على لسان وزير الدفاع انها ستقف الى جانب الشرعية الدستورية والدفاع عن وحدة الوطن؛ لكن يبدو ان ماص، بات محاصرا برغبة قطاع من السكان، بعد ان  زين لهم حلم الاستقلال وتأسيس جمهورية مستقلة، فضلا عن الضغط  الذي يمارسه عليه حلفاؤه  في الائتلاف الحكومي من اليسار الجمهوري الذين يسعون الى قيام جمهورية، مهما كان الثمن، ما ينذر بتطور خطير.  
وعلى الرغم من تأزم الوضع، حرص رئيس الحكومة الاسبانية، ماريانو  راخوي، الذي مثل أمام وسائل الإعلام  زوال  يومه الاثتين،  في أعقاب اجتماع مجلس الوزراء، حرص على ترك نافذة الحوار مفتوحة، مع انه  نعت القرار بمختلف صفات التعنت وخرق الدستور والخروج على إجماع  الأمة وبث التفرقة بين سكان الإقليم، ما سيؤثر سلبا على مستوى عيشه وابتعاده عن الفضاء الوطني والأوروبي، لكنه لم يلمح الى استعمال القوة.
وبررت  الأزمة المستعصية الحالية إمكانية  بل ضرورة القيام بدور سياسي توفيقي للحزب الاشتراكي العمالي المعارض، ذلك ان أمينه العام الجديد، بيدرو ساتشيث، ما فتئ منذ انتخابه  ينادي بحوار وطني  متوافق عليه، يفضي الى تعديل دستوري يضع البلاد على أسس نظام فيدرالي.
وفي هذا الصدد يعتقد الزعيم الاشتراكي ان احترام  الدستور، كما تدعي   الحكومة، يكمن في تعديله وليس  في إجبار دعاة الانفصال في كاتالونيا على التراجع عن موقفهم، علما،  ان سانشيث، يساند  رئيس الحكومة، راخوي، في الاحتكام الى الدستور.
الى ذلك، ابتعد العرش الاسباني عن التدخل في الخلاف، تاركا المؤسسات الدستورية تقوم بالأدوار المنوطة بها.
وفي هذا السياق، لا يستبعد ملاحظون  أمام اشتداد الأزمة، لجوء الفاعلين السياسيين، الى تحكيم ملكي، خاصة وان العاهل الاسباني الجديد ربما يلتقي مع الحزب الاشتراكي وقطاعات عريضة من الرأي العام،  في  تحبيذ انتقال  هادئ للبلاد  نحو الفدرالية، على  اعتبار انها الحل الممكن لوقف بروز الهويات الإقليمية وتعبيرها عن الشكوى بعنف، مما تعتقده حيفا واستبدادا بالقرارات من طرف الحكومة المركزية، مع الإشارة الى ان الدستور الحالي لا ينص على دور  يقوم به الملك في حالة أزمة من هذا النوع.
واذا  ما صح هذا الاحتمال، فان العاهل الجديد، اذا ما طلب منه ذلك،  سيكون وفيا للشعار الذي  أعلنه يوم تتويجه “ملك جديد لعصر جديد” لا سيما وان الملك سيزور الاقليم المتمرد في غضون شهر أكتوبر.
وللتذكير،  فان رئيس كاتالونيا، أعرب عن أمله في  ان المحكمة الدستورية، سترفض طلب الحكومة المركزية  بإلغاء  قرار البرلمان المحلي  ودعوة الناخبين الى الاستفتاء.
 وأمام  نطق المحكمة  الواضح، لم يبق الا الاحتكام الى العقل او الجنون السياسي. دون استبعاد حل جرى الحديث عنه قبل التصعيد، يقضي بان تنظم في كاتالونيا انتخابات سابقة لأوانها  للتأكد من مدى تأييد سكان الإقليم لمطامح، ارثور ماص، وحلفائه؛ لكن يبدو ان هذا الاحتمال بات بعيدا بعد إعلان المحكمة  الدستورية.
يمكن أيضا ان يعلن، ماص، استقالته وتنحيه عن السلطة كما فعل نظيره الاسكتلندي، لكن في جميع الأحوال، تقف اسبانيا على عتبة مشكل كبير في إبعاده السياسية والقانونية  والقومية، لا يمكن لإجراء جذري ان يضع حدا له.