الرئيسية / دولي / الكنبوري: “الجماهير أصبحت تحاسب الإسلاميين على أساس المكاسب وليس الدين”
الكنبوري
الباحث في مجال الحركات الإسلامية، الأستاذ إدريس الكنبوري

الكنبوري: “الجماهير أصبحت تحاسب الإسلاميين على أساس المكاسب وليس الدين”

 شكل الربيع العربي لحظة فارقة في تاريخ الحركات والجماعات الإسلامية، سواء المعتدلة التي تتبنى العمل السياسي السلمي أو المتطرفة التي تحمل السلاح.  في الشطر الأول من هذا الحوار الذي أجرته معه “مشاهد24” وينشر على جزئين، يقدم الأستاذ إدريس الكنبوري، الباحث المغربي في مجال الحركات الإسلامية والفكر الإسلامي، نظرته للربيع العربي وكيف ساهم في صعود الإسلاميين إلى السلطة والأسباب التي أدت إلى تعثرهم  في الحكم، ومستقبل تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي. 

حمل “الربيع العربي” الإسلاميين لأول مرة إلى السلطة في مصر وتونس والمغرب. وكانت الانتقادات توجه إلى الإسلاميين بأنهم ركبوا على الانتفاضات التي لم يقودوها أو يشاركوا فيها أو يتبنوا المبادئ الديمقراطية التي نادت بها. لماذا كان الإسلاميون هم من قطف ثمار الحراك العربي؟

ذلك يعزى إلى عدة عوامل. أولا، كل الأحزاب الموجودة في العالم العربي فقدت مصداقيتها أمام الجماهير، سواء كانت هذه الأحزاب اشتراكية أو قومية. الأكثر من ذلك، كانت هذه الأحزاب موصوفة بالتبعية لأحد المراكز. فالأحزاب ذات النفس اليساري والاشتراكي كانت تابعة للمعسكر الشرقي ولموسكو. وعندما انهار المعسكر الشرقي وسقط جدار برلين، بدأت تفقد هذه الأحزاب قواعدها والمرجعيات النظرية التي تستند إليها، ومجموعة من المفاهيم الكبرى التي كانت تؤسس عليها مشروعيتها مثل البروليتاريا والصراع الطبقي والسلطة الشعبية.

بدورها تلقت الأحزاب القومية الضربة القاضية بعد غزو صدام حسين للكويت، وهو ما أصاب الفكر القومي آنذاك في مقتل. بالإضافة إلى ذلك، هناك الجوانب المتعلقة بالفساد والتواطؤ الحاصل بين مختلف الأحزاب الموجودة والأنظمة الحاكمة، زد على ذلك الطابع النخبوي لخطاب هذه الأحزاب، وهو ما جعلها معزولة عن الجماهير.

أنصار حركة "النهضة" الإسلامية في تونس

عندما جاء الربيع العربي، وجد هذه العوامل قائمة، وبالتالي لم يكن هناك أي تيار يمكن أن يستفيد من هذا المخاض غير التيار الإسلامي. فهذا الأخير يتبنى عقيدة الناس، أي الإسلام، ويخاطب جميع المستويات والمراتب. نجد فيه الخطاب الموجه للنخبة وللعامة، والطبقة الفقيرة والطبقة الغنية. هو خطاب متعدد الوظائف والمستويات والشرائح الاجتماعية التي يستهدفها.

هناك أيضا جانب مرتبط بكون التيار الإسلامي لم يسبق له تحمل مسؤوليات في السلطة، ما عدا بعض الحالات الاستثنائية، مثل السودان، وحتى هذه الحالات كان يتم فيها توجيه اللوم إلى أياد أجنبية وجهات معينة سعت لإسقاط هذه النماذج. هذا ما جعل التيار الإسلامي بكرا ويتصف بالبراءة والمصداقية في أعين الجماهير.

وبالتالي، كان من الطبيعي أن يكون هذا التيار هو من يقطف ثمرة الربيع العربي لأنه وجد المجال فارغا.

إقرأ أيضا: “الإسلاميون” يتهمون إرث بورقيبة وبن علي بتفريخ التطرف والإرهاب

قيل الكثير عن أداء الإسلاميين في السلطة، حيث تركزت الهجمات ضدهم على افتقادهم للخبرة لإدارة شؤون الحكم وسعيهم للاستئثار بالسلطة والتأسيس لديكتاتورية جديدة باسم الدين هذه المرة. بعد فترة قصيرة في الحكم أزيح الإسلاميون إما بانقلاب على السلطة أو بصناديق الاقتراع، أو استمروا في السلطة لكن بعد أن فقدوا الكثير من بريقهم. هناك من يقول إن الإسلاميين فشلوا، وهناك من يدعي أنهم أفشلوا. ما رأيك؟

أعتقد أن كلا الرأيين صحيح.فشل الإسلاميون وأفشلوا. فشلوا لأن طبيعة الأفكار الموجودة لديهم، والأدبيات التي أنفقوا زمنا طويلا في التنظير لها وصقلها، كمفهوم الدولة الإسلامية والشورى والديمقراطية والتوتر الذي حصل بين هذين المفهومين، ومفاهيم التعددية السياسية والمسألة البرلمانية والدستورية…إلخ. كل هذه المفاهيم كبلت فكر الحركة الإسلامية وجعلتها لا تنفتح على التغيرات الحاصلة. فهي من جهة عجزت عن أن تبدع طرقا اجتهادية في ما يسمى السياسة الشرعية لكي تساير التحولات الجديدة، أو أن تتبنى بالمقابل بعض المفاهيم المستحدثة في العمل السياسي.

وعلى سبيل المثال، في ما يتعلق بالشورى والديمقراطية، قضى الإسلاميون زمنا طويلا في حل هذا الإشكال، فظلوا حبيسي هذه المفارقة، هل يأخذون بالديمقراطية أم بالشورى، وهل الديمقراطية كفرية وعلمانية، وهل الشورى إيمانية؟ وبالتالي ضيعوا 30 أو 40 سنة في هذا النقاش. نفس الشيء ينطبق على مفاهيم مثل البرلمان والدستور. فقد ظلت جماعات إسلامية تردد طيلة سنوات “القرآن دستورنا”، وهي كلمة غامضة لا تقول شيئا.

معارضو الرئيس المصري محمد مرسي قبل عزله في يوليوز 2013

إذن لم يكن هناك اجتهاد في فقه السياسة الشرعية يجعل الإسلاميين مستعدين، حينما يصلون إلى السلطة، للتعامل مع الأنظمة القائمة. لذلك، أعتقد أنهم وجدوا أنفسهم في أزمة عندما وصلوا إلى السلطة. لقد اصطدموا بأنفسهم، أي أنهم اصطدموا بالنظريات والمبادئ التي كانوا ينظرون لها. من هنا نفهم كيف أن بعض النقاد والمفكرين وبعض الأوساط داخل التيار الإسلامي، قالوا إن الإسلاميين تخلوا عن مبادئهم بعد أن تحالفوا مع علمانيين أو ماركسيين. كل هذا يظهر أن الإسلاميين لم تكن لم قرارات واضحة. كانوا ينتظرون أن ينصلح الفكر بالممارسة، والممارسة تنصلح بالفكر وهكذا دواليك. يعني لم يكن لديهم تصور جاهز منذ البداية. كما لو كانوا ينتظرون وصولهم للسلطة، وبالممارسة يصلحون أنفسهم، طبقا لشعار “مارس وصحح”.

هذا ما أسقطهم في مجموعة من الأخطاء والتجاوزات. هذا في ما يخص الجانب المتعلق بكونهم فشلوا. في ما يخص الجانب الآخر، الذين يقولون بأن الإسلاميين جاؤوا بديكتاتوريات جديدة لديهم جانب من الصحة. لكن بالمقابل، من يقولون هذا الكلام، لم نكن نسمع لهم صوتا طيلة 30 و40 سنة حكمت فيها ديكتاتوريات في العالم العربي.

الفرق هنا هو أنه عندما وصل الإسلاميون إلى السلطة إبان الربيع العربي، تحررت الألسنة وفكت العقد، وبدأ الناس يتكلمون وينتقدون. فأصبحنا نسمع كيف أن نظاما قضى في الحكم ستة أو ثمانية أشهر يوصف بأنه ديكتاتوري لأن الناس أصبحت لديهم حرية الكلام وهو ما لم تكن تسمح به الأنظمة الديكتاتورية الفعلية.

لقد حصل إذن تغير في الممارسة السياسية وحرية التعبير في العالم العربي. إذا كان الإسلاميون قد أفشلوا، فذلك يعني أنهم دفعوا ضريبة الحرية. الشعوب تحررت وأصبحت قادرة على قول لا لمن يستحق أنه يقال له لا ونعم لمن يستحق أن يقال له ذلك.

إقرأ أيضا: من مراكش محامي مرسي ل”مشاهد24″: مرسي بخير و هذه أخطاء الإخوان”

كانت هناك فكرة مفادها أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية أنظمة في العالم العربي تقودها حركات إسلامية على النموذج التركي. في ظل الانتكاسات التي لحقت بالإسلاميين، هل يمكن القول إن واشنطن غيرت من استراتيجيتها في هذا الجانب؟

أنا لا أعتبر الإدارة الأمريكية إدارة ذات محتوى إيديولوجي، بخلاف المعسكر الشرقي. هي إدارة براغماتية تدور مع المصالح حيث دارت. مثلا، لاحظنا مؤخرا كيف تم إبرام الاتفاق النووي مع إيران ورفع العقوبات عن طهران رغم أن إيران كانت دائما تعتبر واشنطن “الشيطان الأكبر” والولايات المتحدة تعتبر إيران “الدولة المارقة” في الشرق الأوسط.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما رفقة نظيره التركي رجب طيب أردوغان

أمريكا ليست لديها وصفة للتعامل مع أي نظام، فهي تتعامل مع أي نظام وفق ما يستجيب لمصالحها. لاحظنا أيضا كيف أن أوباما تصالح مع كوبا بعد أزيد من خمسين سنة من التوتر. كل هذا يدل أن الإدارة الأمريكية، إذا وجدت أن مصالحها محفوظة أو مهددة، تحدد سياسة بناء على هذين المبدئين.

نفس الشيء ينطبق على العلاقة بتركيا. فحتى لو كان الغرب يرى حزب “العدالة والتنمية” التركي نموذجا، فهذا لم يمنع وجود مشاكل بين تركيا والغرب. فالاتحاد الأوروبي، منذ مجيء العدالة والتنمية إلى السلطة قبل أزيد من عشر سنوات، ما يزال يفرض حظرا على دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، وما يزال يسوف في هذا الموضوع كما كان يفعل من الأحزاب التركية الحاكمة من قبل.

الإدارة الأمريكية كانت لها أيضا خلافات مع تركيا بخصوص الوضع في الشرق الأوسط، وموقفها من الملف السوري و”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش). هذا يعني أن أمريكا ليست لديها وصفة محددة للتعامل مع أي نظام يعلن عن نفسه كإسلامي.

في مصر، وجدنا أن الإدارة الأمريكية كان لديها استعداد للتعامل مع محمد مرسي و”الإخوان المسلمين”. واليوم، ها هي تتعامل مع النظام القائم. كما أنها تتعامل مع السعودية التي تعلن رسميا أنها دولة وهابية ولا تتحرج في ذلك وتطبق الشريعة وتنفذ إعدامات في حق مجموعة من المعارضين.

ما أريد أن أقول هو إن الولايات المتحدة لا تهمها الإيديولوجية بقدر ما تهمها المصالح.

إقرأ أيضا:الإسلاميون لماذا نجحوا فى المغرب وفشلوا فى مصر

 هل تعتقد أن أيديولوجية الإسلاميين ستستنفذ بدورها في العالم العربي على غرار الأيديولوجيات اليسارية والقومية سابقا؟

هذا أمر طبيعي. عند التعامل مع الحركات الإسلامية، يجب التفريق بين الدين والتنظيمات السياسية. هذه الأحزاب الإسلامية تستثمر أو، كما يقال، تستغل الدين في الجانب السياسي. وعندما يصبح الإسلام خاضعا للتنظيم وللوائح ولمجموعة من القوانين داخل تنظيم سياسي معين، من الطبيعي أن تتأثر صورة الإسلام.

نحن نتحدث عن الدين كما تراه هذه التنظيمات. فإذا كان الدين واحدا، لماذا التعدد الموجود في هذه الأحزاب؟ وإذا كان يقال لنا بأن التعدد يعني وجود اجتهادات مختلفة، فلنا أن نقول أيضا بأن الأحزاب الأخرى، التي تتبنى مرجعية إسلامية، هي بدورها تعبير عن اجتهادات، لأننا أمام مجال سياسي والاجتهاد فيه يكون سياسيا وليس اجتهادا فقهيا أو شرعيا بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالعمل السياسي يبقى خاضعا للمد والجزر، وحسابات المصلحة والمضرة، والمكاسب والخسائر وفق ما تمليه الساحة السياسية وليس ما تمليه المبادئ الدينية.

رئيس الحكومة المغربية وزعيم حزب "العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران

لذلك، هذه الإيديولوجيات التي تتبناها هاته الأحزاب مرشحة للتراجع، وقد بدأنا نلاحظ سلفا أن المواطنين في العالم العربي بدأوا يفقدون الثقة في هاته الأحزاب، وهذا لكون هذه الأحزاب، عندما وصلت إلى الحكم، بدأت الجماهير تحاسبها وفق الوعود التي تقدمت بها والمكاسب المحصلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إذن المسألة لم تعد مسألة تدين.

أنا أعتقد أن الأحزاب الإسلامية نجحت في توظيف الدين في الفترة التي كانت فيها في المعارضة عندما كانت تحاربها الأنظمة الحاكمة. حينها، كان الدين يشكل فعلا خزانا للاستثمار السياسي. لكن بعد وصولها إلى السلطة ودخولها حلبة تدبير الشأن العام، تغيرت الأمور ولم يعد الناس يتعاطفون معها لمجرد انتسابها إلى الدين، بل أصبحوا يتعاملون معها وفق ما يتعاملون مع أي حزب آخر، أي وفق ما تقدمه من برامج وتطبقه على الصعيد العام.