الرئيسية / أحوال الناس / رحلة صحافية مع محمد العربي المساري إلى بلاد السلطان قابوس
محمد العربي المساري

رحلة صحافية مع محمد العربي المساري إلى بلاد السلطان قابوس

أسفار كثيرة  قادتني إلى لمس العديد من تضاريس العالم، ولكن أجمل رحلة صحافية هي تلك قمت بها رفقة الفقيد محمد العربي المساري، إلى سلطنة عمان، عبر باريس.

كان الرجل يومئذ، عائدا لتوه من سفارة البرازيل، بعد انقضاء مهمته، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فانتدبته يومية” العلم”، لحضور احتفال سلطنة عمان بعيدها الوطني، وأسعدني الحظ أن أكون إلى جانبه ممثلا ليومية” الميثاق الوطني”.

مع العربي المساري

يقال دائما إن “الرفيق قبل الطريق”، والمساري لم يكن رفيقا فقط، بل كان  أستاذا وموجها وصديقا، ونبعا غزيرا من الفيض الإنساني، الذي يشع دائما من عينيه وراء نظارته الطبية.

أنيق الفكر والمظهر معا، يتصرف بكل بساطة وتواضع، على طريقة الكبار.

ومن الخصائص الأساسية التي تطبع شخصيته: القراءة بنهم، والكتابة بشغف.

أثناء التوقف في مطار ” أورلي” في العاصمة الفرنسية، اقتنى كتابا من الحجم الكبير عن المهدي بنبركة. وفي  صباح الغد، عند مائدة الفطور، في فندق “مسقط أنتر كونتينتال”، بادرني القول بمرحه الهاديء والمعهود: “هل تعرف أين توقفت البارحة في قراءة الكتاب؟”، مجيبا في نفس الوقت، من وراء ابتسامة تضيء محياه: “عند  جهاز الموساد الإسرائيلي وهو يتعقب خطى المهدي بنبركة، لكنه استطاع بحدسه ودهائه أن يفلت منه”.

وظل هكذا يطلعني، كل صباح، أولا بأول، على محتويات وفصول الكتاب بتلخيص شديد، مصحوب بنوع  من التشويق في طريقة السرد بلكنته التطوانية المحببة.

في تلك الفترة لم يكن جهاز الحاسوب منتشرا، ولذلك كان العربي المساري حريصا على أن يكون القلم رفيقه الدائم إلى جانب الكتاب، يخطط أفكارا ليعود إليها مستقبلا، أو يجمع قصاصات للصحف يضعها بعناية في ملف أنيق.

وجريا على عادته التي دأب عليها خلال رئاسته لتحرير  يومية ” العلم”، بإرسال وريقات صغيرة إلى المحررين، تتضمن تكليفات بإنجاز مهام صحافية معينة، مشفوعة بعباراته الودودة، مع شيء من الحزم المطلوب، كان يترك لي بين الحين والأخر  عند موظف الاستقبال في الفندق بمدينة مسقط، قصاصات من الصحف المحلية، مرفوقة بأوراق تتضمن أفكارا لمواضيع صحافية  يراها جديرة بالمتابعة في هذا البلد الخليجي.

القصاصة

مثلا، كان اللاعب المغربي محمد التيمومي يومها في قمة تألقه ومجده الرياضي، ضمن أحد أندية سلطنة عمان، وتتحدث عنه الصحافة باهتمام كبير، كنجم من أبرز نجوم ملاعبها المعشوشبة الخضراء، فترك لي المساري غلافا صغيرا يتضمن قصاصة صحافية عن التيمومي قصد مقابلته، وإجراء حوار معه.

ولا أنكر أنني استفدت كثيرا من توجيهات المساري الذي لم يكن يبخل على أي أحد، طيلة مساره المهني، بالتوجيه والتشجيع، وهذا ما يشهد به  كل من عرفه عن كثب.

للمزيد:اتحاد كتاب المغرب: المساري كان باحثا متزنا ومثقفا موسوعيا

والمساري، المؤرخ المهتم بتاريخ الكفاح الوطني في مؤلفاته، وفي عمله الديبلوماسي والسياسي والإعلامي، رجل متشبع حقا بالروح الوطنية وبالدفاع عن قضية الوحدة الترابية حتى النخاع، لا يتردد في الدفاع عنها، في أي زمان أو مكان.

خلال وجودنا في الفندق، في العاصمة العمانية، لاحظ المساري أن صحافيا جزائريا، يقوم بالترويج للأطروحة الانفصالية والدعاية لجبهة البوليساريو، فتصدى له بالحجة والإقناع، بأسلوبه المعتاد، مبينا له أمام الحاضرين زيف الدعاية الجزائرية الفجة.

ومن يومها، توارى هذا الصحافي الجزائري إلى الوراء، ولم يعد يجرؤ على الجلوس في نفس الطاولة، مفضلا الابتعاد، قدر الإمكان.

إقرأ ايضا:المغرب وإسبانيا.. الجوار الصعب ومواريث الماضي

والمساري صاحب روح خفيفة تفيض بالمحبة والود، يلتقط المفارقة بحسه الصحافي، ويعلق عليها في الحين..

قادنا برنامج الزيارة إلى دخول ضريح ولي من أولياء الله الصالحين. وأول ملاحظة إثارة انتباه المساري هي طول القبر، بحوالي عشر خطوات، فتساءل: إذا كان صاحب هذا الجثمان بهذا الطول، فكم من فقرة في عموده الفقري، معبرا عن استغرابه الشديد.

ولأننا كنا نبادل التقاط الصور بكاميرا واحدة، فقد حرصنا على تسجيل هذه اللقطة، وقد احتفظ بها  المساري في أرشيفه الشخصي، حسبما روى لي ذلك فيما بعد  مبتسما.

للمزيد:حوار مع المرحوم محمد العربي المساري

ورغم كل المناصب التي تولاها في مساره السياسي، فقد ظلت الصحافة هي عشقه الكبير، وملاذه الآمن المفضل لديه، كان يقول لي :” المناصب زائلة والصحافة باقية”، ولم يكن يكف عن السؤال، باحثا كدأبه دائما عن الحقيقة.

في جولتنا عبر ربوع “صلالة” عاصمة ولاية ظفار، الغارقة وسط الخضرة والطبيعة والجبال، والتي كانت في الماضي منطلقا لثورة في منتصف الستينيات، استمرت ضد حكومة السلطنة حوالي عشر سنوات، كان المساري  مهتما بالموضوع، يجمع بعض المعطيات بحماس صحافي شاب في العشرين من عمره، مستفسرا عن مصير الثوار السابقين، وأين انتهى بهم المطاف، والبعض منهم استطاع الوصول إلى كراسي المسؤولية الوزارية،

مع المساري1

كما كان يسأل بفضول الباحث عن سر انتشار أشجار اللبان بكثرة، في هذه المنطقة بالذات، والتي اشتهرت بها منذ القدم من خلال قوافل التجارة، مسجلا إعجابه بوصول الرحالة المغربي ابن بطوطة، إلى ظفار، رغم صعوبة السير وسط التضاريس، خلال القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.

……..

رحم الله المساري، فهو من الرجال القلائل الذين لا يمكن التحدث عنهم سوى بالخير، والترحم على أرواحهم  في نتظار اللحاق بهم في الدار الآخرة.