الرئيسية / دولي / “بابلو إيغليسياس” من سلوك شعبوي إلى انتقاص من حرمة المؤسسات الدستورية؟
بابلو إيغليسياس

“بابلو إيغليسياس” من سلوك شعبوي إلى انتقاص من حرمة المؤسسات الدستورية؟

يحرص السياسي الإسباني، بابلو إيغليسياس ، على الظهور بمظهر الشاب المتمرد الرافض للتقاليد والبروتوكول والأعراف المرعية في آدا ب السلوك، لدرجة يصعب معها التمييز إن كان “الزعيم” مغنيا أو راقص باليه؛ ذلك ما يتجلى في طريقة الهندام وسوالف الشعر المرسلة على الكتفين تشبها بالصبايا المراهقات؛ مبتعدا إلا فيما ندر عن ربطة العنق والبذلة الأوروبية الكلاسيكية ذات الألوان القاتمة.
ويبدو، استقراء لمواقف متكررة، أن الزعيم المعتد بشخصه، يرفض التنازل عن أناقة صنعها لنفسه، لا يجد حرجا في فرضها على المحافل التي يرتادها أو يدعى لها، باعتباره فاعلا سياسيا. يظهر بذات الهندام سواء في التظاهرات الحزبية أو اللقاءات الرسمية، لا يغيره، إن دعته قناة تلفزيونية أو حضر جلسة في البرلمان.
جائز أن يكون سلوكا مقصودا، بدعوى القرب من الناس البسطاء العاديين ومحاولة لاستقطاب الشباب الذين يميلون في كل المجتمعات إلى” تقليعات” في كيفية اللباس وإطلاق الشعر ووضع علامات ورسوم موشومة على أجسادهم، بغاية الإثارة والتميز عن من يتقدمونهم في العمر.
وبطبيعة الحال، يندرج أسلوب اللبس، ضمن الحرية الشخصية لأي فرد، سوى أن الآداب العامة تلزمه بالتخلي عن سلوك نشاز في سياقات وأوضاع محددة، اتفق المجتمع على أنها تستلزم هنداما خاصا وأسلوبا في السلام والتحية وربما في الجلوس.

إقرأ أيضا: تصريحات زعيم “بوديموس” ضد الصحافة تثير استنكارا وتخوفات من نزوع استبدادي

وفي المدة الأخيرة، سجل حادث بروتوكولي، صدم فئات من الرأي العام الإسباني، حينما وصل زعيم”بوديموس”متأخرا إلى القصر الملكي “لا ثرثويلا “بحوالي نصف ساعة عن موعد استقباله من طرف العاهل الإسباني في إطار المشاورات السياسية الأخيرة قبل إعلان حل البرلمان؛ أي أن الملك هو الذي أنتظر، وهذه نقيصة أخلاقية بين الناس العاديين. ولا يعرف إن كان “الزعيم” اعتذر للملك أم لا، لكنه لم يفعل ذلك جهارا أمام الصحافة.

بابلو إيغليسياس

كان سلوكا انعدمت فيه أدنى حدود اللياقة واعتبر سابقة تدل على رعونة واستفزاز لا مبرر له إطلاقا، حيال ملك إسبانيا الحالي المعروف هو ووالده خوان كارلوس، باللباقة والتواضع في علاقتهما مع الناس، مواطنين عاديين أو من الطبقة السياسية وكذا منتسبين إلى مجتمع الفنانين والرياضيين والمثقفين.
ولم يجد، إيغليسياس، ما يبرر به “زلته” حيال الملك، سوى القول للصحافة التي حاصرته بالأسئلة أنه أخطأ في الباب الذي كان من المفروض أن يدخل منه، وكأنه قصد “مركزا تجاريا” عالي الطوابق كثرت وتشابهت مداخله، ولا أحد يرشده
ويرى كثيرون أن الأخلاق الجديدة التي باتت تشكل قاعدة سلوك قادة، بوديموس، تعد مؤشرا كاشفا عن نمط تفكيرهم السياسي ورؤيتهم لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الإسباني الجديد.يريدون تشييده على أنقاض العادات والتقاليد البالية التي ترمز، من وجهة نظرهم، إلى الطبقات العتيقة ومنظومة القيم التي اعتادت عليها منذ أزمنة.
ونزعة “أنتي سيستم” التي يؤمن تبشر بها الحركات الفوضوية والتيارات الشعبوية، لا تقتصر على الأخلاق العامة والدين، وإنما تشمل البنيات السياسية والهياكل الاجتماعية قصد تجاوزها ذلك ما يتجلى في دعواتهم لانتهاج سياسية جماهيرية على غرار تلك التي تبناها العقيىد القذافي والديكتاتور الفنزويلي “هو غو شافيث” اللذين خربا اقتصاد بلدين غنيين باختياراتهما العشوائية الطائشة.
ثورة قادة، بوديموس، على أعراف المجاملة و”الإتيكيت” ليس له نظير في الحركات الشبابية الغاضبة التي وصلت في بعض البلدان الأوروبية إلى كراسي السلطة. لا يشبهون طلاب فرنسا عام 1968 الذين حافظوا في هندامهم على الحد الأدنى من “الشياكة” المطعمة بالموضات الشبابية. كما أنهم مختلفون عن جماعات “الخضر” في فرنسا وألمانيا،على سبيل المثال. فهؤلاء تحرروا من ربطات العنق والموضة الكلاسيكية لكن زيهم يبقى في حدود المعقول، شبيها بالطريقة الأميركية.ولم يحدث أن دخل زعيم ثورة الطلاب “بنديت كوهين” مبنى البرلمان ب “سبرديلة”
ومن المعلوم، إن فرنسا متشددة إلى حد كبير بخصوص احترام البروتوكول وخاصة في رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية حيث يتقيد من يزورهما بالأصول المرعية في اللباس والحركة.

0672d3c8-ef39-47b2-82f1-34fbcb4fb67e

ومن جهته، لا يفرض القصر الملكي الإسباني، شروطا صارمة على من يدخله لحضور حفلات أو للسلام على الملك الذي يكون في بعض المناسبات مرفوقا بقرينته الملكة، ما يجعل الزوار حريصين على الظهور بالمظهر اللائق ؛ فالقصر الملكي هو مقر رئاسة الدولة التي ترمز إلى إرادة الأمة، بصرف النظر عن طبيعة النظام، جمهوريا أو ملكيا.
وقبل الحادث الأخير، لوحظ بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي منحت بودديموس المرتبة الرابعة في البرلمان، أن الزعيم، إيغليسياس، لا يكلف نفسه إدخال أي تغيير على مظهره، إذ يمكن أن ينتقل مباشرة من مكتبه بمقر الحزب إلى مقر رئاسة الحكومة أو القصر الملكي، بقميصه العادي وحذائه الرياضي. وكان صادما في أول لقاء بينه وبين رئيس الحكومة الحالي، ماريانو راخوي، أن وضع رجلا على رجل بحيث موجها أسفل حذائه نحو وجه مستقبله. لم يكتف بذلك فيما بعد فخلال الجولة الأولى من المشاورات بين الملك وممثلي الأحزاب، لم يتنازل الزعيم عن حقه في اللبس على طريقته.
يذكر أن إهانة المؤسسات الدستورية، بدأت منذ الولاية التشريعية الجديدة حيث حضر نواب، بوديموس، إلى مجلس النواب، مرتدين ما راق لهم من لباس, غير عابئين بما ينبغي أن يتحلى به ممثلو الأمة الإسبانية، بطبقاتها وتقاليدها وأذواقها، ليكتمل المشهد غير المسبوق بصورة القيادية في الحزب “بيسكانسا” التي حملت ٍرضيعها إلى الكرسي وبدأت تمده بالحليب على مرأى ومسمع من النواب، يساعدها بابلو إيغليسياس، ممسكا بـ “البيبرون”.