الرئيسية / المغرب الكبير / بوتفليقة..قصة العودة القوية للرئيس وسيطرته على دواليب السلطة
Bouteflika2015

بوتفليقة..قصة العودة القوية للرئيس وسيطرته على دواليب السلطة

“قبل ست سنوات لم يكن في وضعية جيدة وكان نيكولا ساركوزي يعتبره قد انتهى. لكنه اليوم، وبالرغم من حالته الصحية المتردية والأزمة النفطية التي تغرق فيها بلاده، عاد بوتفليقة ليضع يده على دواليب السلطة في الجزائر ويفرض علىها إرادته ويزيح من يزعجونه خصوصا في الأجهزة الأمنية. هذه العودة القوية لبوتفليقة راجعة إلى تحولات الربيع العربي ومجيء فرانسوا هولاند إلى قصر الإليزيه”.
بهذه المقدمة استهل المقال المنشور على موقع Orient XXI الناطق بالفرنسية، والذي حمل توقع الكاتب جون بيير سيريني، عن تطورات الأوضاع في الجزائر على ضوء المتغيرات الأخيرة على مستوى بنية النظام والوضع الاقتصادي في البلاد.
جون بيير سيريني كتب أن بوتفليقة، بالرغم من أنه “عجوز ومريض وصامت ومنزو في مستشفيات باريس أو في إقاماته بالجزائر العاصمة منذ أكثر من سنتين من دون أي تواصل مع شعبه الذي يراه بصفة دورية وخاطفة على شاشة التلفزيون، حث يتم تصويره عن بعد مرفقا بتعليق صحفي حينما يستقبل إحدى الشخصيات الأجنبية، رغم ذلك كله فإن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة – أو على الأقل من يتحركون باسمه- لا ينفك يسجل النقاط ضد خصومه”.
آخر تلك النقاط هي ما يرتبط بما يعرف بـ “قضية زرالدة” حيث مقر الإقامة الشاطئية للرئيس.
ففي 16 يوليوز المنصرم شهد محيط الإقامة الرئاسية انتشارا لمئات الجنود، مما أثار عددا من التساؤلات بخصوص هذا التحرك، هل هو إجراء روتيني أم محاولة للقيام بانقلاب عسكري أم أن الأمر برمته اتخذ كذريعة من أجل إطلاق حملة التطهير التي تمت على مستوى الأجهزة الأمنية؟ يتساءل الموقع الفرنسي.
الأكيد أن الحقيقة لم تظهر بخصوص حيثيات ما وقع في زرالدة قبل شهر، لكن ما إن مر أسبوع على هذا التاريخ حتى بدأت رؤوس أمنية كبيرة تسقط تباعا، حيث تم إعفاء قائد الأمن الرئاسي وقائد الحرس الجمهوري بدعوى التقصير كما تمت إقالة مدير الأمن الداخلي، أحد أهم الأجهزة الأمنية في البلاد، مما حرم “دائرة الاستعلام والأمن” ومديرها القوي، الجنرال محمد مدين المعروف باسم “توفيق“، من قدرته على الحركة.
فالجنرال توفيق ومخابراته العسكرية، يقول سيريني، احتفظا بالرأس ولكن أصبحا من دون رجلين. هي ضربة موجعة ولا شك لهذا الرجل المريض والمتقدم في السن بدوره، يضيف الكاتب الفرنسي، والذي يشكل في نظر الرأي العام الجزائري القطب الموازي داخل النظام في مواجهة الرئاسة.
بيد أن الرجل أصبح منذ سنتين يتلقى في صمت الضربات تلو الأخرى التي يوجهها له محيط الرئيس بوتفليقلة.
كيف أفلت بوتفليقة بصعوبة من وصاية العسكر؟
قبل ست سنوات، كانت موازين القوى، على عكس ما هي عليه اليوم، مختلة في علاقة بوتفليقة بالأجهزة القوية داخل مؤسسة الجيش. فالرئيس الذي كان قد انتخب لولاية ثالثة في أبريل 2009، وضع تحت المراقبة من قبل جنرالات الجيش، حيث كان بوتفليقة في خضم فضيحتين كبيرتين تورط فيها مقربوه، تتعلق إحداهما بالشركة الوطنية “سوناطراك” والثانية بفضيحة الطريق السيار شرق غرب، مما فسح المجال أمام الصحافة لتركب على الموضوع.
رأس الحربة في التحقيق في الفضيحتين كانت “دائرة الاستعلام والأمن” التي كشفت عن عدد من الرشاوى والعمولات الدسمة وقامت بتوقيف مسؤولين كبار باسم محاربة الفساد. تلا ذلك اغتيال مدير الأمن الوطني، علي تونسي، في ظروف غامضة واضطرار اثنين من المخلصين للرئيس، وزير الداخلية يزيد زرهوني ووزير الطاقة شكيب خليل، لمغادرة التشكيلة الحكومية في ماي 2010.
أمام هذا الوضع حول بوتفليقة وجهه نحو الخارج بحثا عن الدعم لكن من دون جدوى. فالرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي رفض في يناير من نفس السنة دعوته إلى باريس في حين تحاشت كاتبة الدولة في الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، زيارة الجزائر بالرغم من المبلغ الكبير الذي تم صرفه لصالح مؤسسة زوجها، والبالغ قيمته أكثر من 422 ألف دولار، في 12 فبراير 2010.
بالرغم من ذلك، ابتلع بوتفليقة الإهانة على ما يبدو وتوجه بنفسه إلى فرنسا لحضور قمة الفرنكفونية بمدينة نيس، حيث كان الزعيم العربي الوحيد الذي حضر المؤتمر إلى جانب الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز الذي كان بحاجة إلى التكفير عن الانقلاب العسكري الذي قاده. مع ذلك لم يتم عقد لقاء بين ساركوزي وبوتفليقة.
ثم أتى الربيع العربي لينقذ بوتفليقة من وصاية عسكرية. وهكذا التزم جنرالات الجزائر الصمت في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا وفرنسا تشنان حملتهما ضد العقيد معمر القذافي، مما فسح المجال أمام الرئيس ومحيطه للملمة صفوفهما. أصبح من الصعب مضايقة بوتفليقة في ظل ظرفية صعبة ومفتوحة على أفق مجهول، كما أصبح المرشحون لخلافته معدودون على رؤوس الأصابع. ثقة الرئيس ازادت ما دفعه بالتالي إلى الإعلان عن تعديل دستوري ورفع حالة الطوارئ المفروضة منذ حوالي 20 سنة.
وجاء انتخاب فرانسوا هولاند كرئيس لفرنسا ليمنح متنفسا آخر لبوتفليقة. زيارة هولاند إلى الجزائر في ديسمبر 2012 شكلت نجاحا كبيرا ومنحته الدعم الفرنسي الذي رفض ساركوزي إظهاره له، لأن الأخير كان يرى أن زمن بوتفليقة قد ولى ضدا على توصيات السفير الفرنسي بالجزائر.
الارتماء الجزائري في أحضان فرنسا هولاند سيتعزز أكثر مع الحملة العسكرية التي قادتها باريس في مالي، بالرغم من المعارضة التي أبدتها الجزائر في البداية. ففي يناير 2013 أطلقت فرنسا العملية العسكرية “سرفال” ضد المتمردين في شمال مالي. الجزائر، التي ترى نفسها القوة العسكرية والسياسية الرئيسية في منطقة الساحل، أرادت في البداية تجنب التدخل الأجنبي بأي ثمن.
ويضيف جون بيير سيريني أن الجزائر كانت تعتقد أنها تتحكم بالقيادي الطوارقي إياد أغ غالي وبالتالي تحييد حركته “أنصار الدين” عن باقي المجموعات الجهادية المسلحة، مما جعلها تتبنى موقفا صارما ضد التدخل العسكري وتدعو لحل الأزمة بطريقة دبلوماسية.
بيد أن مغادرة حركة “أنصار الدين” لطاولة المفاوضات في يناير 2013 وانخراطها في هجوم مسلح باتجاه الجنوب جعل أمل التوصل إلى حل متفاوض بشأنه يتبخر ودفع الجزائر إلى دعم العملية العسكرية في مالي، قبل أن يأتي الهجوم على المنشأة النفطية بمنطقة عين أميناس من قبل تنظيم “الموقعون بالدم”، بزعامة مختار بلمختار، ليقرب أكثر بين بوتفليقة وهولاند.
إحساس بوتفليقة بعودته القوية مع نهاية 2012 وبداية العام الموالي دفعه إلى إعفاء وزيره الأول أحمد أويحيى وإزاحته من على رأس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” والإطاحة بالأمين العام لحزب “جبهة التحرير الوطني” عبد العزيز بلخادم، حيث يشكل الحزبان معا التحالف الرئاسي، لأن الرجلين معا كانا يمكن أن يكونا، بإيعاز من الأوساط الأمنية والعسكرية، مرشحين يشكلان تهديدا في الانتخابات الرئاسية في 2014.
تخلص بوتفليقة من منافسيه سيعكر صفوه إصابة الرئيس بأزمة قلبية في 17 أبريل 2013 نقل على إثرها إلى مستشفى فال دو غراس حيث مكث فيه قرابة ثلاثة أشهر. في تلك الأثناء كثرت الشائعات حول وفاته وبدأت التخمينات بخصوص من سيخلفه. في غيابه، كانت زمام أمور الدولة في يد ثلاثة أشخاص، هم نائب وزير الدفاع الجنرال عبد المالك قنايزية ورئيس الأركان أحمد قايد صالح ومدير المخابرات العسكرية محمد مدين.
عملية تطهير قبل وبعد الانتخابات
بعد عودته من باريس أقدم بوتفليقة على التخلص من نائبه في وزارة الدفاع وعوضه برئيس الأركان وهو في سن 73 عاما، جاعلا منه رقم واحد في الجيش من دون أن يكون ذلك راجعا لأي مؤهلات قد يتوفر عليها أحمد قايد صالح.
هذه التغييرات دفعت ثمنها الأجهزة الأمنية التي شهدت تحولا عميقا بعد إلحاق الأمن العسكري برئاسة الأركان وحل جهاز الشرطة القضائية التابع للمخابرات.
من جانبه شهد حزب النظام، “جبهة التحرير الوطني”، في نفس الفترة تغييرا لافتا للانتباه من خلال وضع عمار سعداني على رأسه في ظروف جد مثيرة للجدل.
في ظل هذا الوضع بدت الانتخابات الرئاسية في أبريل 2014 مجرد شكليات بالنسبة لبوتفليقة الذي أعيد انتخابه بنسبة 81% من الأصوات من دون أن ينشط تجمعا جماهيريا واحدا. غياب مراقبي الاتحاد الأوروبي بسبب رفض السلطات الجزائرية تسليمهم القائمة الوطنية للناخبين أرخى بدوره بظلاله على الانتخابات وعزز الشكوك بخصوص نزاهتها.
الوعود الانتخابية التي قطعها بوتفليقة للجزائريين لم تتأثر بتراجع أسعار البترول الذي تشكل عائداته 97% من العملة الصعبة للبلاد، وهو ما جعل الرئيس يرفض فكرة تطبيق سياسية تقشفية ويعد بالحفاظ على “المكتسبات الاجتماعية” ويعد بمواصلة المشاريع الكبرى المدرجة في إطار البرنامج الخماسي 2015-2019.
خلال زيارته المكوكية الأخيرة إلى الجزائر في 15 يونيو الماضي، لفت الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الانتباه من خلال تصريحه المثير للدهشة الذي وصف فيه الرئيس بوتفليقة بأنه يمتلك كل قواه العقلية وأنه من النادر ملاقاة زعيم دولة يمتلك مثل هذه القدرة على الحكم على الأشياء.
هذا الإطراء المبالغ فيه، رأى فيه الجزائريون محاولة لتكذيب المعارضة الداخلية التي تؤكد على وجود فراغ في السلطة ووجود أياد تعبث بمصير البلاد في ظل غياب الرئيس المنتخب دستوريا.
المديح الذي تلفظ به الرئيس الفرنسي في حق نظيره الجزائري كان مقابله الحصول على وعود بتجنيب السيارات الفرنسية قرار الحكومة الجزائرية خفض وارداتها والحفاظ على مصالح الشركات الفرنسية العاملة في المشاريع الكبرى بالبلاد.

إقرأ المزيد: هكذا دانت الرقاب لـبوتفليقة في الجزائر
ويقول جون بيير سيريني إنه من غرائب الصدف أن يتلو زيارة هولاند إلى الجزائر في ديسمبر 2012 تغيير حكومي شهد إقالة وزير التجارة مصطفى بن بادة المتهم بأنه “أخطأ في حق” شركتي “رونو” و”بوجو ستروين” الفرنسيتين اللتين تقتسمان معا أكثر من نصف سوق السيارات في الجزائر. من المثير أن “حادثة زرالدة” وما تلاها من تغييرات جاءت في أعقاب زيارة هولاند.
ويتساءل كاتب المقال إن كان بإمكان بوتفليقة أخيرا، بعد أن وضع رجاله في المواقع الاستراتيجية داخل النظام الجزائري وضمن دعم فرنسا، أن ينام قرير العين؟.
من جهة أخرى، لا شك أن الرجل الذي دخل غمار السياسة في بلده منذ 1957 يعرف جيدا الصعاب التي مر منها من سبقوه في رئاسة الجمهورية. ففي خريف عام 1988 قاد الرئيس الشاذلي بن جديد حملة تطهير على مستوى قادة الجيش والمخابرات والأمن العسكري والحكومة وقيادات “جبهة التحرير الوطني” الذي كان الحزب الوحيد حينها ليضع مكانهم مقربين منهم.
بيد أنه بعد مرور ثلاثة سنوات فقط على ذلك، كان هؤلاء المقربون هم من أجبروه على تقديم استقالته والعيش في ظل إقامة جبرية على جانب البحر…