الرئيسية / المغرب الكبير / الموظف التونسي يعمل لمدة 8 دقائق يوميا
safe_image

الموظف التونسي يعمل لمدة 8 دقائق يوميا

أظهرت دراسة حديثة حول مكافحة الفساد في الإدارة التونسية أن معدل الوقت الذي يخصصه الموظف للعمل الفعلي لا يتجاوز 8 دقائق في اليوم، وأن نسبة الغيابات بلغت 90 بالمئة، ما بدا مؤشرا قويا على حجم الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة منذ ثورة يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي.
وقالت دراسة أعدتها الجمعية التونسية لمكافحة الفساد نشرت نتائجها الخميس 2015 إن معدل الوقت الفعلي الذي يقضيه الموظف في العمل لا يتجاوز 8 دقائق في اليوم، وإن 80 بالمئة من الموظفين يكتفون بتسجيل حضورهم صوريا في المؤسسات الإدارية، غير أنهم في الواقع متغيبون.
يأتي ذلك في وقت أكدت فيه منظمة الشفافية العالمية أن حجم الفساد في تونس أخذ نسقا تصاعديا خلال السنوات الأربع الماضية ما جعل تونس تتبوأ مكانها في المرتبة 79 عالميا من ضمن 175 دولة عام 2014 بعدما كانت في المرتبة 59 عام 2010.
وأكدت الدراسة أن أيام العمل الفعلية للموظف التونسي لا تتجاوز 105 أيّام من أصل 365 أيام وأن نسبة غياب الموظفين داخل الإدارة التونسية ارتفعت إلى 60 بالمئة، ملاحظة أن نسبة الموظفين الحاضرين بصفة قانونية في مراكز عملهم والمتغيبين ذهنيا بلغت 80 بالمئة.
وقادت الإحصائيات حول أداء الموظف التونسي إلى أن موظفا واحدا من خمسة موظفين فقط يعمل والبقية يكتفون بالحضور، الأمر الذي تسّب في تعطيل مصالح المواطنين وجعل من الإدارة غير مؤهلة لتنفيذ برامج تنموية كفيلة بإنقاذ تونس من الأزمة التي تتخبط فيها منذ أربع سنوات.
وقدرت الدراسة الخسائر الناجمة عن غيابات الموظفين عام 2015 بحوالي مليون و86 ألف يوم عمل.
وقال رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد إبراهيم الميساوي إن نسبة الغيابات في المؤسسات الإدارية التابعة للدولة بلغت 90 في المئة في حين ان الغيابات في القطاع الخاص لم تتجاوز 10 بالمئة .
تضخم عدد الموظفين
وأكد أن الإدارة التونسية تعاني من ارتفاع عدد الموظفين الذي بلغ حوالي 800 ألف موظف وعامل في حين أنها لا تحتاج إلى هذا العدد، ولفت إلى ان هذا الاكتظاظ هو السبب الرئيسي لعدم نجاعة الإدارة وعدم قدرتها على التحكم في موظفيها.
وأرجع الميساوي تدهور الاقتصاد التونسي خلال السنوات الأربع الماضية إلى استفحال مظاهر الفساد في الإدارة التونسية بما فيها “استشراء الرشوة” بجميع أنواعها، إضافة إلى “عزوف الموظفين عن العمل الفعلي إذ يكتفون بتسجيل حضورهم قانونيا فقط”.
وكشف أن عملية التشخيص لمنظومة الإدارة التونسية أظهرت “هوة” كبيرة في تعاطي الموظف مع عمله، مشددا على أن ما تمّ رصده خلال عمليات التشخيص هذه يتمثل في عدم تعاطي الموظف مع عمله كما ينص القانون حيث انه يسجل حضوره قانونيا عبر ورقة الحضور إلا أنه متغيب في الواقع.
ولاحظ الميساوي “ان الموظف يتمتع طبقا للقانون 112 بيوم راحة في الأسبوع إلا انه تمت إضافة يوم السبت كما تمت إضافة صلاة الجمعة حيث يتغيب العون ابتداء من الساعة العاشرة صباحا في حين ان الصلاة تبدأ في الواحدة بعد الظهر، مشيرا إلى انه إذا حاول أحدهم مجادلة الموظف حول التغيب المتعلق بصلاة الجمعة فإنه سينطلق في جدال خارج عن الموضوع حول الدين”.
وأشارت الدراسة إلى ان “الموظف يحظى بشهر راحة سنويا، علاوة عن التوقيت الصيفي وتوقيت شهر رمضان، فإن أيام العمل الحقيقية لا تتعدى 105 يوم عمل من أصل 365 مبرزة انه بعملية حسابية بسيطة ونظرا إلى وجود 430 ألف موظف في المؤسسات العمومية، فإن الموظف التونسي لا يعمل سوى 8 دقائق يوميا”.
وحول أسباب هذا الخمول، قال الميساوي “ان الحديث مع الموظفين أضفى إلى نوعين من الإجابة، الأول يقول بأنه يعمل وفقا للراتب الذي يتقاضاه، والثاني يقول بأن لديه أشغالا يحق له بصفته مواطنا كذلك أن ينهيها”.
ضعف في وسائل الردع
وأكدت الدراسة على “وجود نوع من الضعف في وسائل الردع حيث أصبح رئيس الإدارة الذي يجب أن يكون مسؤولا عن موظفيه، يخشى مواجهة الأعوان تجنبا لتدخل النقابة والإضرابات التي قد تحدث”.
وفي ما يتعلق بكيفية معالجة ظاهرة الفساد التي نخرت مؤسسات الدولة، أكد الميساوي ضرورة تطبيق القانون وتكريس مبدأ علوية القانون، واحترام آليات المؤسسة والمواطن مشددا على ضرورة ان يدرك الموظف انه وسيلة إنتاج وطاقة إنتاج وفي حال تعطله فالخلل سيقع في المنظومة الكاملة.
وكانت دراسة مماثلة أعدتها جمعية المراقبين العموميين ونشرت نتائجها في بداية شهر مارس/آذار 2015 أظهرت أن 27 بالمئة من التونسيين يجبرون على دفع الرشوة لقضاء معاملاتهم الإدارية.
ووفق أحدث الدراسات الميدانية يؤكد 77 بالمئة من التونسيين والتونسيات إن “ظاهرة الفساد تزايدت منذ الثورة من سنة إلى أخرى” و”استشرت” في مختلف مؤسسات الدولية” وبات المواطن “مجبرا” على “دفع الرشاوى” لموظفي الدولة لتسهيل معاملاته بما فيها “البسيطة” مثل استخراج الوثائق الإدارية الشخصية علاوة على “فرض نسبة مئوية على رجال الأعمال تقدر ما بين 5 و10 بالمئة من القيمة الجملية للمشاريع العمومية كشرط للحصول على الموافقة الإدارية لإنجاز المشروع”.
وخلال السنوات الثلاث الماضية “هجعت لعنة الفساد” وتراجعت “تعهدات الحكومات المتعاقبة على مكافحة الظاهرة التي تنخر الدولة والمجتمع وتضرب في العمق حقوق المواطنين فيما كانت شبكات منظمة تنظيما مافيوزيا تزرع نفوذها في مختلف الجهات وفي مختلف القطاعات بما فيها التي تمس قوت التونسيين مثل المواد الغذائية لتستبيح لنفسها فسادا أنكى وأمر في ظل غياب يكاد يكون مطلقا لمؤسسات الدولة الرقابية والردعية خاصة في الأسواق.
وكان من نتائج “استئثار” شبكات الفساد المرتبطة بشبكات الإرهاب أن تدنت ثقة التونسيين في الدولة خلال السنوات الأربع الماضية لتبلغ 47 في المئة بسبب “ضعف الإرادة السياسية” في “مقاومة الفساد المالي والإداري” الذي ارتفع إلى ما يناهز 77 بالمئة من المعاملات مع مختلف المؤسسات التي تجبر المواطنين على إتباع “طرق ملتوية غير قانونية” وعلى “دفع الرشوة”.
ويرجع التونسيون استشراء الفساد المالي بأشكاله المختلفة في مؤسسات الدولة وأجهزتها بما فيها الرشاوى الصغرى التي تتراوح بين 25 و50 دينارا، إلى “ضعف الإرادة السياسية” و”عجزها” عن “اجتثاث” الظاهرة، وكذلك إلى “غياب إرادة جدية في تطبيق القانون”.
و”فرض معاملات إدارية شفافة وعادلة تضمن حقوق المواطنين بعيدا عن أي شكل من أشكال الابتزاز الذي تحول إلى “تقليد جديد” ينخر علاقة المواطنين بالدولة.
فقد أكد 89 بالمئة من التونسيين أن “غياب الإرادة السياسية في تونس أدى إلى مزيد استشراء هذه الظاهرة”، فيما قال 47 بالمئة إن ثقتهم في الدولة التي تعتمد الحوكمة الرشيدة وتضمن شفافية المعاملات وترعى حقوق المواطن لدى الإدارة “تراجعت”.
ولم يتردد 67 بالمئة من التونسيين في القول إن “عددا من المؤسسات الإدارية التونسية تحولت خلال سنوات الثورة إلى مؤسسات ابتزازية تفرض على المواطن دفع رشاوى لإتمام المعاملات معها” ما بدا مؤشرا قويا على أن “ثقة التونسيين” في الدولة قد “اهتزت” تحت تأثير تداعيات سياسية على تفشي ظاهرة الفساد.
ويعكس إرجاع التونسيين تزايد الفساد المالي والإداري إلى ضعف الإرادة السياسية وعيا عميقا بطبيعة الخطاب السياسي الذي ينتهجه السياسيون،حيث تكاد تغيب مواضيع مقاومة الفساد والرشوة واستغلال النفوذ من خطاب الأحزاب المؤتلفة في حكومة الحبيب الصيد وكذلك من خطاب الأحزاب المعارضة، والأخطر من ذلك أن البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمختلف الأحزاب تكاد تخلو من خطط واضحة لمقاومة هذه الظاهرة التي عصفت بمبدأ “المواطنة” كعلاقة ولاء بين التونسي والدولة على أساس الشفافية القانونية والأخلاقية.
ومما يعمق خطورة تدني الثقة في الدولة في تأمين حقوق المواطن وحمايتها من الابتزاز الإداري أن نسبة تدني الثقة هي أشد لدى الفئات الهشة مما هي عليه لدى الفئات الميسورة، إذ شدد 83 في المئة من سكان الأحياء الشعبية الفقيرة والجهات المحرومة على أنهم “لا يثقون في دولة ضعيفة استشرى فيها الفساد والرشوة دون وجود أية إرادة سياسية لتطهير المؤسسات الإدارية من الفاسدين”، فيما لم تبلغ هذه النسبة لدى سكان الأحياء الراقية 21 بالمئة.
غياب الإرادة السياسية
وإزاء خطورة استفحال ظاهرة الفساد على “علاقة التونسيين بدولة يفترض أن تقود أو تجربة ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية” وعلى “مبدأ المواطنة” الذي ضرب في العمق، دعت الجمعية التونسية للشفافية المالية ومقاومة الرشوة والفساد الأحزاب السياسية والحكومة إلى “الالتزام كتابيا ببرامج مكافحة الفساد المالي والإداري والسياسي وإلى تفعيل الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد”.
ويشدد سامي الرمادي رئيس الجمعية التونسية للشفافية على أنه “لو توفرت الإرادة السياسية الحقيقة من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ الثورة لتمت الموافقة على استقلالية النائب العام عن السلطة التنفيذية ولقامت الحكومات بإعادة هيكلة هيئات الرقابة وضمان استقلالها لكن ذلك لم يحدث”.
ولإعادة ثقة التونسيين بمؤسسات الدولة والقضاء على الفساد تقترح الجمعية التونسية للمراقبين العموميين “دعم الرقابة الداخلية والخارجية في المؤسسات، إلى جانب العمل على الحد من التعامل المباشر بين المواطن والعون الإداري عبر تفعيل الحوكمة الالكترونية. كما تدعو إلى “العمل على خلق مناخ من الثقة بين المواطن والدولة باتخاذ إجراءات حقيقية لتسهيل عملية التبليغ على الفساد ومحاسبة المخالفين وضرورة إعلام الرأي العام بالإجراءات المتخذة ضدهم”.
وقال رئيس الجمعية التونسية للحوكمة معز الجودي إن خسائر تونس جراء استشراء الفساد بجميع أنواعه ومظاهره تقدر بـ2 بالمئة من الناتج المحلي الخام أي ما يعادل 2.7 مليار دينار، أي حوالي 2 مليار دولار.