الرئيسية / المغرب الكبير / هل تخوض الأطراف المتصارعة في ليبيا حربا بالوكالة؟
Libya Kill

هل تخوض الأطراف المتصارعة في ليبيا حربا بالوكالة؟

اعتبر الباحث الأمريكي فريديريك ويري في مقال له بجريدة “واشنطن بوست” الأمريكية أن ليبيا أصبحت مسرحا لحروب بالوكالة تخوضها الأطراف المتصارعة في البلاد نيابة عن أطراف إقليمية.
الصراع من أجل الحصول على موطئ قدم في ليبيا والتأثير في مجريات الأمور في البلاد بدأ بين قطر والإمارات العربية المتحدة مع انطلاق الانتفاضة من خلال دعم قواتهما الخاصة ومخابراتهما لقوى مختلفة في ليبيا في حربها ضد نظام القذافي آنذاك.
دعم هاته الأطراف، يقول ويري، لم تكن تحكمه في البداية دوافع أيديولوجية بالقدر ما كان لاعتبارات تاريخية وجغرافية، وخضع لتأثير الليبيين المقيمين في كلا البلدين من حيث تحديد الطرف الذي سيستفيد من الدعم المالي والعسكري.
هذا التدخل الخارجي كانت له تبعات في ما بعد بحيث أن حد من إمكانيات التوصل إلى توافقات بين الأطراف الليبية المختلفة وعمق من الانقسامات الحاصلة في ما بينها، حتى وهي تصارع لأجل هدف واحد في تحرير العاصمة من قبضة قوات القذافي.
بيد أن هاته الانقسامات التي تعد انعكاسا للصراعات الإقليمية تظهر بجلاء أكبر في الحرب بالوكالة التي تخوضها الأطراف الليبية اليوم. فعلى الأقل سابقا، كانت الأطراف الليبية وداعميها الإقليميون يتقاسمون هدف إسقاط نظام القذافي المستبد. بينما اليوم دخلت الأطراف الإقليمية في صراع يزكي الانقسام بصورة الأكبر، وهي صراع يرتبط بالخطاب المروج.
فالحكومة الليبية، المدعومة من طرف مصر والإمارات، تروج لخطاب مكافحة الإرهاب ضد الإرهاب للحديث عن حرب أهلية حقيقية بأطراف متصارعة عدة تشهدها البلاد في بنغازي وطرابلس والجبال الغربية، والتي يشكل فيها الإسلاميون لاعبا واحدا فقط.
ويسرد الباحث فريدريك ويري تعريف المختص في العلوم السياسية، كارل دوتش، للحرب بالوكالة والذي يصفها بأنها “صراع دولي بين قوتين خارجيتين، يتم فوق أرض بلد ثالث، ويكون مقنعا في شكل صراع حول شأن داخلي، ويتم فيه استعمال القوة البشرية والموارد الخاصة بالبلد الثالث كوسيلة بالأساس لتحقيق أهداف خارجية واستراتيجيات خارجية”.
بالمقابل، يشير ويري إلى هناك من الباحثين من يعترض على هذا التعريف ويرى أن الحروب بالوكالة هي “الصراعات التي يتدخل فيها طرف ثالث بطريقة غير مباشرة للتأثير في مآلاتها الاستراتيجية لصالح الأطراف التي يدعمها”.
في الحالة الليبية، يقول فريديريك ويري، كلا التعريفين لا يوضح الصورة كاملة لأنه يغفل العنصر المهم المتعلق بالخطاب المروج.
المحرك الأساسي للخطاب السائد في ليبيا، في نظر الباحث، جاء من الطرف الآخر من الحدود، وتحديدا من مصر، في شخص عبد الفتاح السيسي، والذي أصبح يجسد طموحات فئة عريضة بالبلاد تمثل رموز النظام السابق والقبائل الشرقية والحالمين بالفدرالية والليبراليين، واللذين بدأوا يرون في الحل العسكري وسيلة لخلاص البلاد من حالة العنف التي تعيشها وفرصة لإزاحة معارضيهم الأيديولوجيين.
الخطاب الذي تبناه السيسي ومؤيدوه ضد الإسلاميين انتقل إلى ليبيا وحل محل النقاشات التي كانت يجب أن تتم في البلاد بخصوص نزع سلاح الميليشيات وإدماجهم في مؤسسات الشرطة والجيش النظامي.
ما وقع في مصر فتح المجال كذلك أمام الراغبين في تكرار نفس السيناريو في ظهور شخص يلعب نفس الدور، وهو ما حاول اللواء خليفة حفتر القيام به، من خلال حملته العسكرية ضد الإسلاميين والتي سعى فيها للحصول على الدعم العسكري من مصر والجزائر وتصوير العملية العسكرية أنها ذات أبعاد إقليمية من خلال حماية هذين البلدين من تهديدات هاته الجماعات المتطرفة.
وبالرغم من وجود تهديد أمني على الحدود بين مصر وليبيا، والتي أصبحت معبرا للسلاح والمقاتلين نحو سيناء وسوريا، يضيف الباحث، إلى أن جزءا من التدخل المصري في ليبيا يرتبط برغبة القاهرة في تصدير جزء من مشاكلها خارج البلاد. فمعظم التهديدات الأمنية لمصر تقع داخل دائرة حدودها والمرتبطة بالخصوص بغياب الحكامة في تدبيرها لمشاكل السكان والقبائل.
من جهة أخرى، دفعت عملية حفتر العسكرية إلى توحيد الميليشيات الإسلامية ونبذ الخلافات بينها وتوسيع نطاق عملياتها، وهو ما ألقى بظلاله على علاقة مصر بحفتر التي لم تجد فيه الشريك المناسب لمحاربة الإسلاميين، وهو ما دفع القاهرة إلى أخذ مسافة منه.
رغم ذلك، فإن الدعم العسكري من مصر لليبيا تواصل، وإن حاولت القاهرة تعويمه في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما عمل الإعلام المصري على ترسيخه من خلال الحديث عن التهديد الذي أصبحت تشكله الدولة الإسلامية على مصر في شخص مجلس شورى شباب الإسلام الموالي للتنظيم، والذي يسيطر على مدينة درنة الليبية.
من جهتها، يدخل دعم الإمارات للأطراف المعارضة للإسلاميين في ليبيا في إطار سعيها لوقف مد الحركات الإسلامية والحد من تأثير غريمتها قطر في ليبيا ما بعد القذافي.
الدعم الإماراتي لم يقتصر على تمويل الأطراف المحاربة للإسلاميين بل امتد إلى شن القوات الإماراتية لضربات ليلية ضد مواقع الميليشيات الإسلامية.
أما قطر فقد ذكر مرارا أنه تقدم الدعم لميليشيات فجر ليبيا بتنسيق مع تركيا والسودان، حيث يلعب الشيخ علي الصلابي، الوجه الإسلامي الليبي البارز والمقيم في الدوحة، دورا كبيرا في هذا المجال.
أمام هذا الوضع الذي يدعو فريدريك ويري الولايات المتحدة إلى الدفع بمسلسل المصالحة في ليبيا وعدم تقديم أي دعم عسكري أو تدريب الجيش الليبي في ظل حالة الانقسام التي تشهدها البلاد.
ويضيف الباحث أن ليبيا ليس لها من خيار سوى الدخول في مسلسل للمصالحة وإقامة حكومة وحدة وطنية وأجهزة أمنية ممثلة لكل المناطق والقبائل الليبية.