الرئيسية / المغرب الكبير / صوصي علوي: “الناتو يسعى إلى إطالة الفوضى في ليبيا خدمة لداعش” (1)
الباحث المغربي في مجال البروباكاندا أمين صوصي علوي
الباحث المغربي في مجال البروباكاندا أمين صوصي علوي

صوصي علوي: “الناتو يسعى إلى إطالة الفوضى في ليبيا خدمة لداعش” (1)

بعد أربع سنوات على سقوط نظام القذافي في ليبيا، تحولت البلاد إلى ساحة للصراع المسلح وملاذ للجماعات المتطرفة ومعبر لأفواج المهاجرين السريين نحو أوروبا. في هذا الحوار الذي خصه لموقع “مشاهد24” وينشر على جزئين، يتحدث الباحث المغربي في مجال البروباكاندا التطبيقية، أمين صوصي علوي، عن الأسباب التي أدت إلى الوضع الحالي في ليبيا، ويحذر من المخططات الغربية لتحويل البلاد والمنطقة العربية برمتها إلى كيانات مجزأة تكون فيها الغلبة للجماعات المتطرفة بغية تبرير التدخل العسكري فيها مجددا.

ما نشهده اليوم في ليبيا هو انقسام بين معسكر يضم برلمان طبرق والحكومة المتواجدة بمدينة البيضاء والقوات التي يقودها خليفة حفتر، وفي الجهة المقابلة معسكر طرابلس الممثل من قبل “الإخوان المسلمين” وميليشيات “فجر ليبيا”. وصول ليبيا إلى حالة الانقسام هذه، هل هو مرتبط بصورة ما بسقوط نظام القذافي؟

هذا الصراع كان في مقومات الثورة. فمع اندلاعها توحد الثوار تحت راية شعارات براقة مثل التخلص من الطاغية، وحقوق الإنسان والديمقراطية. هذه الشعارات البراقة كانت مظلة لجمع فرقاء بينهم اختلافات وتضاد. فعندما يتحالف شخص ليبرالي علماني مع آخر اخواني مع يساري مع مجموعات تكفيرية…من البديهي أن تطفو الخلافات إلى السطح عندما تنتهي أسباب توحدهم. هذه هي ميكانيكا التحالفات التي غيبتها وسائل الاعلام الداعمة للثورة و أغرت الناس بالمدينة الثورية الفاضلة. لقد سبق أن قلت ذلك بينما كان القذافي ما يزال في السلطة. المسألة بديهية ولا تحتاج إلى ذكاء كبير. لكن المشكل هو عندما تتحرك آلة البروباكاندا الضخمة تسيطر العاطفة بشكل سريع على الناس، آنذاك تختفي البديهيات.
الخلافات الموجودة اليوم جذورها قديمة ولا يمكن لهم التخلص منها بالسهولة التي يتصورون، خاصة أن القوى التي جمعتهم في مرحلة معينة و دعمتهم و فرضت عليهم الجلوس إلى طاولة واحدة لقيادة الثورة هي نفسها التي تخلق بينهم أسباب الصراع اليوم و إن ادعت غير ذلك. يكفي أن تدعم طرفا ضد آخر دون أن تمكنه بشكل نهائي ليبقى الصراع مستمرا.
هاته الدول تريد للصراع أن يستمر وأن يكون لكل طرف جبهة مسلحة وجبهة تفاوض ويدور الطرفان في حلقة مفرغة وتعينهم على ذلك المنظومة الأممية بمبعوثيها و وسائلها الدبلوماسية العقيمة التي اثبتت التجارب أنها تخدم مشاريع الولايات المتحدة و حلفاءها.

 داعش تستعرض قوتها بسرت الليبية
داعش تستعرض قوتها بسرت الليبية

لهذه الاسباب أشك في أن يتم التوصل في الأمد القريب إلى أي حل. ويبدو لي أن القوى الخارجية ستحاول إطالة الفوضى إلى أن تسيطر الجبهة التي تشتغل بشكل مدروس ومدعوم بشكل سري من استخبارات أجنبية، وأقصد بذلك الجماعات المسلحة الأكثر شراسة التي تقود “التوحش” (القاعدة و داعش). فالاثنان معا متواجدان في ليبيا و يتقدمان.
في آخر المطاف سينضم جزء من الثوار المتحاربين على الساحة الى “داعش” الفريق الاخطر و الأقوى اذا مكن له مثلما حدث في سوريا و العراق. الأخطر من ذلك كله أن الناس البسطاء قد يتحولون إلى داعمين لهاته المجموعات الإجرامية لا قدر الله لأنهم سيظنون فيها الخير لأنها لن تؤذيهم في البداية، فهذه هي استراتيجيتها، وسيجدون فيها خيارا آنيا. فعندما لا يستطيع المواطن الخروج من منزله مع أهله خوفا من العصابات وقلة الأمن، لن يجد حلا آخر غير موالاة هذه الجماعات لأنها من ستسيطر على الوضع وستحقق له الأمن مثلما فعلت حركة الشباب في الصومال وطالبان في أفغانستان.
الخطير أيضا اذا استمر هذا الوضع ومس دولا اخرى في المستقبل ستستغل ذلك بروباكاندا الحلف الأطلسي في الترويج الى أن هذه المنطقة كلها ممثلة من قبل “داعش“، وأن التنظيم يمثل الرأي العام العربي وبأن الوقت قد حان لإعلان حرب دولية شاملة على المنطقة !.

في 2011 تدخل حلف “الناتو” في ليبيا بدعوى حماية المدنيين. لماذا تم هذا التدخل في ليبيا ولم يتم في سوريا مثلا؟
هناك مسألة قانونية فارقة، وهي أنهم استطاعوا استصدار قرار لفرض حظر جوي على ليبيا، ليحولوا دون تصرف القذافي في أجوائه الجوية وأيضا منعوا بث قنواته على الأقمار الصناعية، وهو ما لم يحصل في سوريا.
من جهة أخرى، تحالف القذافي مع الروس كان هشا. القذافي كان شخصا متقلبا وغير مأمون الجانب، وعلاقاته مع روسيا كانت غير مضمونة. لذلك لم تكن لهم القدرة على التدخل المباشر لصالحه أو على الأقل لم يكن هناك تنسيق كبير في هذا الجانب لدرجة يقرر فيها الروس التدخل في صراع من ذلك الحجم لدعمه. لكن العكس ما حاصل تماما في سوريا حيث يتوفرون على موانئ عسكرية، ويجمعهم تنسيق قديم وثابت على أعلى مستوى مع الحكومة السورية.
الروس لديهم استراتيجية قائمة على دعمك إن كنت قادرا على ضبط الأمور على الأرض لكن إذا ما انفلتت الأمور من بين يديك سيتخلون عنك.

الناتو حسم معركة إسقاط القذافي
الناتو حسم معركة إسقاط القذافي

أعتقد أيضا أن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية السورية أقوى وأكثر مؤسساتية مقارنة بليبيا. كما أن سوريا لديها حلفاء إقليميين في شخص إيران. بالمقابل الرؤية في ليبيا كانت أقل وضوحا. فاليوم القذافي يتصرف كصديق وغدا يصبح عدوا، ما جعل صورته الدبلوماسية مهزوزة. لم يكن للقذافي ثبات في الرؤية. لهذا كان يتورط في عدد من المشاكل مثل لوكربي، وهي أمثلة لأمور تم تلفيقها لليبيا لأن تحالفات القذافي الإقليمية والدولية كانت ضعيفة وهشة ولم يستطع تشكيل أحلاف قوية تحميه دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا و تمنع عنه تحرش القوى الكبرى.
في المقابل اتجه القذافي نحو الأفارقة الضعفاء من الناحية السياسة باحثا عن دور قيادي بناء على المساعدات التي كان يقدمها، و هذه نظرة طوباوية للسياسة. فإذا لم يكن لديك حلفاء أقوياء تجمعك بهم مصالح ثابتة، اعلم أن الكل سيتخلى عنك في نهاية المطاف ولو كان الأقرب لك في الرؤية لأنه لا يريد أن يخوض مغامرة من أجلك دون مقابل.

إبان تدخل “الناتو” في ليبيا بقيادة فرنسية برز اسم “المثقف” الفرنسي بيرنار هنري ليفي كشخصية قامت بحشد الدعم لهاته الحملة العسكرية. هل كان له فعلا دور مؤثر أم أن دوره تم تضخيمه إعلاميا؟
أولا يجب أن نعرف بنية السياسة الخارجية في أمريكا وأوروبا. في أمريكا مثلا عمل مجموعات الضغط يتم في العلن. أما في أوروبا، كان عمل اللوبيات قائما في الممارسة لكن دون اعتراف رسمي وبعيدا عن أعين الصحافة لان التقاليد الفرنسية تعتبر تكوين لوبي ضاغط عملا “غير ديموقراطيا”. لكن منذ ظهور التيار الذي يطلق على نفسه اسم “الفلاسفة الجدد” في أعقاب أزمة البترول  وهو لوبي يمثل امتدادا للمحافظين الجدد داخل فرنسا، بدأ بيرنار هنري ليفي وأصدقاءه من الصهاينة يعملون بشكل معلن على استغلال كل المنابر الإعلامية التي يمتلكونها بسبب قربهم من إمبراطوريات المال و الإعلام للترويج لنظرية صراع الحضارات ويحرضون الرأي العام على خوض حروب ضد العالم الإسلامي باسم نشر الديمقراطية و الحرية ومحاربة الدكتاتورية.

ليفي يرفع شارة النصر مع الثوار
ليفي يرفع شارة النصر مع الثوار

“الفيلسوف” الملياردير برنار هنري ليفي كان وما يزال أشهر شخصيات هذا اللوبي وأكثرهم تحريضا على الحروب منذ حرب أفغانستان ومرورا بحروب الخليج و وصولا إلى الثورات حيث ظهر في كل البلدان التي أطل فيها “الربيع العبري” محرضا على إسقاط الحكومات ومعلنا الحرب العسكرية على التي استعصى على الجماهير إسقاطها مثلما حدث في الحرب على ليبيا، حيث عمل على التسويق لها على الأرض وفي داخل فرنسا. فقد كان ليفي يلتقي بالليبيين حيث اجتمع بمصطفى عبد الجليل، (رئيس المجلس الانتقالي السابق) ومحمود جبريل (رئيس الوزراء الليبي السابق) كما التقى بعدد من العسكريين حيث قدم لهم تطمينات بأن الغرب سيمدهم بالدعم اللازم وبأنهم مقبولون لدى الغرب، وهذا كذب طبعا. ما يقوم به بيرنار هنري ليفي هو ذات الدور الذي قام به “لاورانس العرب” في بداية القرن العشرين، والذي أعطى تطمينات كاذبة للعرب وأوهمهم بأنه جاء كصديق لمساعدتهم لكنه في الحقيقة كان يمهد لتقسيم بلادهم بما تشتهيه الصهيونية والاستعمار وقد اعترف بذلك في كتابه “أعمدة الحكمة السبعة”.

برنار هنري ليفي مرتبط بشكل معلن بإسرائيل ويقول في إحدى لقاءاته الإعلامية أنه حينما التقى الثوار في ليبيا قال لهم، “أنا رسول قبيلة مثلكم. أنا رسول قبيلة بني إسرائيل”. كما اعترف بنفسه في مذكراته بأنه دخل ليبيا في بداية الثورة مع يهود كانوا يشكلون حرسه الخاص. وكان من نتائج ذلك أن بدأت تفتح بعض دور العبادة اليهودية في ليبيا كما أن الثوار قدموا له ضمانات  بخصوص عودة اليهود إلى البلاد. المهم أن برنار ليفي شكل صلة الوصل بين هؤلاء. هو رسول السوء بين كل هؤلاء الفرقاء.

الرجل كان يتنقل من دولة إلى دولة. اشتغل بصورة مكوكية، تماما مثل ما وقع في أفغانستان حيث كان من الداعمين للجهاد الأفغاني. لكن حينما اندلعت الخلافات بين “المجاهدين” في 1996 قصد ليفي تحالف الشمال ودعمهم وكان أول من زودهم بأجهزة الراديو، كما عمل على تلميع صورتهم في الإعلام لأن لديه علاقات مع الإعلام ودور النشر. بيرنار هنري ليفي يقوم بدور العراب في إطار حملة علاقات عامة تستهدف السياسيين والمثقفين الذين لديهم تأثير على الرأي العام وقادة الرأي العام سواء كانوا مثقفين أو سياسيين أو أدباء أو فنانين.

إقرأ أيضا: في قلب سرت الليبية..المدينة التي تسيطر عليها “داعش”