الرئيسية / المغرب الكبير / عن الصراع الليبي المنسي في إقليم فزان
Libye conflit oublié

عن الصراع الليبي المنسي في إقليم فزان

في الوقت الذي ينشغل فيه المحيط الإقليمي والدولي بالصراع الدائر على مستوى الشرق والغرب الساحلي في ليبيا بين حكومتي طرابلس وبنغازي إضافة إلى تهديدات تنظيم “داعش” انطلاقا من معقله في مدينة سرت، تتحدث بعض المواقع الإخبارية عن وضع منسي آخر في إقليم فزان الذي يمتد على مساحة كبيرة تجمع وسط البلاد وجنوبه والجنوب الغربي فيه.
التقارير الصحفية تؤكد أن اتفاق السلام الذي عمر طويلا وكان يجمع بين قبائل التبو الزنجية والطوارق الأمازيغية حيث تم إبرامه القرن 19 ذهب أدراج الرياح مع اندلاع المواجهات في غشت 2014. سنة بعد ذلك وصلت أعمال العنف إلى عاصمة الإقليم في سبها.
موقع Orient XXI الفرنسي والمهتم بشؤون العالم العربي والإسلامي قال إنه كل ما “استقر” الصراع أصبح من الصعب فهم لماذا يستمر.

عزلة وميليشيات وجماعات متطرفة

مدينة أوباري، التي كانت تشكل سابقا نقطة انطلاق نحو المواقع السياحية في الجنوب الليبي، أصبحت اليوم كما تشير التقارير مقسمة إلى مناطق خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة وتحولت إلى مدينة مهجورة بعد أن نزح جزء من السكان هربا من القصف بالأسلحة الثقيلة وإطلاق النار.
ضحايا المواجهات يتكدسون بالمئات في المستشفى الذي هجره طاقمه الأسيوي، مما يجعله أمام صعوبة علاج المصابين الذين يقضى عددهم من نحبه في محاولة فاشلة لنقل الحالات الحرجة إلى طرابلس. المدينة أصبحت معزولة ودخلت في خانة النسيان الجماعي بعد أن أصبحت الطرق التي تربطها بسبها والحدود الجزائرية تقطع بصورة دورية بسبب تواجد ميليشيات مسلحة وقطاع طرق.
الانشغال بما يقع على طول الشريط الساحلي الليبي والمناطق القريبة منه لا يجب أن ينسي ما يدور في فزان بالنظر إلى الأهمية الجيوسياسية الكبيرة لهذا الإقليم الذي تجمعه حدود مع الجزائر والنيجر. فعبره يتدفق غالبية المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في سعيهم للوصول إلى أوروبا، ومن خلاله تنشط تجارة الكوكايين.
وبإقليم فزان تنشط كتيبة الإرهابي الجزائري مختار بلمختار الذي تأكد هذه المرة خبر مقتله بعد أن ظل الشك يحوم حوله لبضعة أشهر. كما يتحدث تنظيم “داعش” عن وجود فرع له داخل الإقليم.
وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي عبر عن قلقه بخصوص الوضع في إقليم فزان حيث قام بإطلاق مهمة في ماي 2013 من أجل دعم السلطات الليبية في تعزيز الأمن على مستوى الحدود بالمنطقة، إلى أن تردي الوضع الأمني العام في البلاد جعل من نجاح المهمة أمرا مستحيلا.

حلبة صراع بين أطراف عدة
بالرغم من تعقد الوضع في الشمال الليبي، إلى أن الأطراف المتصارعة هناك ترى في إقليم فزان حاضنة لاضطرابات إضافية مع وجود موالين للزعيم الليبي المطاح به، معمر القذافي، بالإضافة إلى التوجس القائم بخصوص قبائل التبو والطوارق التي لها امتدادات خارج ليبيا.
بالمقابل فإن علاقة سكان إقليم فزان مع الشمال هي بدورها متوترة في ظل الاعتقاد السائد بأنه تم على مدار سنوات استغلال خيرات المنطقة دون أن يستفيد سكانها من ذلك.
غياب سلطة الدولة وسيادة الانفلات الأمني في ليبيا حول إقليم فزان إلى ساحة للصراع بين أطراف عدة، ومن بينها ميليشيات الزنتان الموالية لقائد عملية ”الكرامة” خليفة حفتر ومصراتة التي تشكل أحد دعامات “فجر ليبيا” المتحاربة ضده.
التجنيد الذي قامت به هاته الميليشيات والتحالفات التي أبرمتها مع قبائل المنطقة والمجموعات المسلحة المحلية، حيث تحالفت مصراتة مع “ولاد سليمان” التي دعمت الثورة في مقابل قبيلتي “القذاذفة” التي ينحدر منها الزعيم الليبي الراحل و”المقارحة” حيث يتهم الجانب بالسعي إلى قيادة تمرد بدعم من موالين للقذافي في مصر والنيجر، ينضاف إليهما أيضا قبائل ”التبو” التي دعمت حفتر.
في ظل هذا السياق انطلق الصراع في أوباري بين الطوارق والتبو وبدأ الترويج لخطاب خطير تحول معه هؤلاء إلى “إرهابيين ماليين” وأولئك إلى “مرتزقة تشاديين”.
جهود الوساطة التي قام بها شيوخ القبائل من أجل وضع حد للصراع القائم بين الإثنيتين لم تنجح لحد الساعة ربما بسبب غياب مؤسسات أمنية، سواء كانت شرطة أو جيش، قادرة على فرض السلم والأمن. ما يزيد من تعقيد الوضع هو الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بتجنيد مرتزقة أجانب، وهو ما أكدته بعض الشهادات وبعض الصور المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي لمجندين نيجيريين وسودانيين وأوغانديين في صفوف التبو.
توظيف الصراع بين الإثنيتين الليبييتن من قبل أطراف أخرى يهدد بإطالة أمده في ظل الاتهامات الموجهة إلى خليفة حفتر بإمداد التبو بأسلحة ومعدات حربية انطلاقا من القاعدتين الجويتين واو الكبير وويغ في حين يتهم معسكر طرابلس بتسليح الطوارق انطلاقا من حقل الشرارة النفطي.
البعض سار أبعد من ذلك إلى الحديث عن أوساط غير ليبية أصبحت تدير الصراع مثل “الجيش الشعبي لتحرير السودان” و”حركة العدل والمساواة” السودانيتين.

إقرأ أيضا: “داعش” استفادت من الفراغ الذي خلقه الصراع في ليبيا
فرنسا بدورها محط اتهام من قبل عدد من الأطراف في الإقليم الليبي بلعب دور لزعزعة الاستقرار هناك، حيث يعتبرون أن عمليتها العسكرية في منطقة الساحل مؤشر على وجود أطماع توسعية مستفيدة من الفوضى الحاصلة في ليبيا من أجل خلق موطئ قدم لها في البلاد.
إحدى أدوات هذه السياسية هي قبائل التبو من خلال إبرام تحالف معها، يقول بعض من يتبنى هذا الطرح الذي تدعمه تصريحات المسؤولين الفرنسيين بأنفسهم الذين لمحوا في مناسبات مختلفة إلى إمكانية تدخل عسكري دولي في إقليم فزان.
وفي الوقت الذي يستمر فيه تعقد المشهد الليبي في الشمال في ظل تعثر مسار الحوار السياسي الذي تسعى الأمم المتحدة إلى إنجاحه، يبقى الوضع في إقليم فزان بدوره بحاجة إلى التفاتة دولية حقيقية لكي لا تجد دول الجوار والمنتظم الدولي نفسها أمام أزمة ليبية أخرى تهدد بالاستمرار في جر البلاد نحو مستنقع الفوضى الذي ستتجاوز آثار ه حدود ليبيا الجغرافية.