الرئيسية / ثقافة ومعرفة / ملامح من التأثير المغربيّ في الحركة الإصلاحية للشيخ المجدّد عثمان بن فُودي
الدكتور عبد العلي الودغيري

ملامح من التأثير المغربيّ في الحركة الإصلاحية للشيخ المجدّد عثمان بن فُودي

شهد القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي حركة إصلاحية دينية وثقافية واجتماعية وسياسية كبرى، شملت منطقة واسعة من غرب أفريقيا جنوب الصحراء، وتُوجت في النهاية بإقامة دولة إسلامية على يد مؤسسها وزعيمها الوحي الشيخ الداعية المجدد عثمان بن محمد فودي الفلاني([1]) (1168 ـ 1232 هـ/ 1754 ـ 1817 م).
ولم يكن هذا الشيخ الذي استطاع أن يبني أسس دولة دامت مدة قرن كامل (1804 ـ 1903 م)، في حقيقة أمره، إلا رجلاً تشبع بثقافة إسلامية واسعة، ومُنح من الصفات الخلقية، والمواهب العقلية، والشجاعة في الرأي، والصدق في الإيمان، والإخلاص في العمل، وحسن الموعظة، ما هيأه الله تعالى به ليقوم بدور المصلح الديني المجاهد في سبيل نشر الدين ومقاومة الكفر والوثنية، وقمع البدع والخرافات، وتخليص المسلمين من بني قومه مما كانوا عليه من الانحطاط في الأخلاق والسلوك وسوء الاعتقاد والجهل بحقائق الشرع، وشدة الفرقة والانقسام.
بدأ ابن فودي([2]) دعوته مع جماعة قليلة ممن تأثروا بصدق لهجته، وعلموا حسن نيته، وقوة حجته، وإخلاصه في دينه وعقيدته. فما لبثت هذه الجماعة أن تقوَّت واتَّسع نطاقها وطارت أخبارها إلى سائر الآفاق.
وقد وصل خبر هذه الدعوة إلى السلطان المغربي المولى سليمان، وبلغه ما هي عليه أحوال الشيخ عثمان من الورع والصلاح والتفاني في الجهاد ومحاربة البدع، فأبدى تجاوبه معه، وإعجابه بحركته، وكتب في هذا الشأن رسالتين سنة 1225 هـ وجه الأولى باسم أمير آهير (الواقعة حالياً في النيجر)، وهو الأمير محمد الباقري، والثانية باسم الشيخ عثمان يبارك له فيها عمله، ويتشوق لرؤيته ويدعو له بالنصر والتوفيق([3]).
مضت هذه الحركة في خطواتها إلى أن انتهت بإنشاء إمارة إسلامية، تقوم على تطبيق الشريعة، وتجاهد في سبيل نشر الإسلام وقمع البدع والخرافات، وتمت مبايعة الشيخ عثمان الذي أصبح يلقب بأمير المؤمنين([4]).
ومن ثم انطلق العمل في ثلاثة اتجاهات:
أ) تنظيم شؤون الإمارة الناشئة إدارياً وسياسياً واجتماعياً وتدبير شؤون الحكم والجهاد والدعوة وصد الخصوم وتوسيع رقعة الإسلام؛
ب) التنظير للأسس الفكرية والدينية التي قامت عليها الدولة الناشئة، وتوضيح مبادئ دعوتها ودفع الشبهات عنها. وقد تصدى لهذا الميدان بالذات كل من الشيخ عثمان نفسه وأخيه عبد الله وابنه محمد بلَّو؛ وكتبوا في ذلك عشرات المؤلفات والرسائل والمقالات([5])، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الكتابات التي ألفها غير هؤلاء الثلاثة من علماء الدولة الجديدة ومؤرخيها ومنظريها وعلمائها الكبار؛
ج) نشر التعليم: إذ أولت الدولة العثمانية الفُودْيَوية التي جعلت من مدينة صوكوتو شمال نيجريا، عاصمة سياسية وإدارية وعلمية لها، عناية فائقة للجانب العلمي والثقافي، وأعطت للتعليم أولوية قصوى؛ ونالت المرأة من ذلك نصيباً وافراً([6]). ولما كانت لغة التعليم هي اللغة العربية، والكتب التعليمية هي الكتب الإسلامية العربية، فقد أصبح من الطبيعي أن تزدهر هذه اللغة وتزدهر معها الثقافة العربية ازدهاراً لم يسبق له في السودان الغربي إلا مثال واجد، ونعني به ذلك الازدهار العلمي الذي عرفته مدينة تمبكتو خلال عصرها الذهبي أيام دولتي مالي وسنغاي.
وبالرغم من أن الدولة العثمانية الصوكوتية لم تُعمِّر أكثر من قرن ـ إذ كانت نهايتها على يد الاستعمار الإنجليزي الذي قضى عليها سنة 1903 م ـ، فإنها استطاعت خلال هذه المدة الوجيزة أن تخلف وراءها المئات من الكتب والمصنفات الجليلة في مختلف فنون المعرفة؛ كما استطاعت أن تخرّج العشرات من العلماء والفقهاء والشعراء والكتاب والمؤرخين ورجال الدين. وللأسف الشديد، فإن هذا التراث الإسلامي على أهميته وغزارته، ما يزال أكثره مغموراً، وما تزال الجامعات ومراكز البحث بعالمنا العربي لا تكترث بإخراجه ونشره والتعريف به. بل إن مما يزيدنا حسرة وألماً أن تاريخ هذه الحركة الجهادية الكبرى، وهذه الثورة الإسلامية العظيمة التي يعود إليها الفضل في توطيد دعائم الدين والثقافة العربية في منطقة غرب أفريقيا وجنوب الصحراء خلال العصر الحديث، لم تستحق ما كان ينبغي لها من العناية والاهتمام من الباحثين والمؤرخين والدارسين في العالم العربي، بالرغم من أنها في نظرنا لا تقل أهمية عن مثيلاتها من الحركات الإصلاحية الدينية والاجتماعية التي عرفتها مناطق أخرى من عالمنا العربي والإسلامي التي قامت في فترة معاصرة أو مقاربة لها تاريخياً.
II ـ تشبَّهت الحركة الإصلاحية التي قادها الشيخ عثمان وخلفاؤه من بعد، في بعض جوانبها، كالدعوة لتصحيح العقيدة وتخليصها من شوائب البدع والخرافات، وإحياء الجهاد، والعمل على تطبيق الشريعة في العبادات والمعاملات، وتطهير المجتمع من مظاهر الفساد، والاهتداء في كل ذلك بهدي الكتاب والسنة، تشبّهت بحركة إصلاحية مزامنة لها، وهي التي قام بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في الجناح الشرقي من العالم العربي. ومن ثم ذهب بعض الباحثين من العرب والغربيين([7]) الذين اهتموا بحركة ابن فودي إلى القول بأن هذا الأخير تأثر في دعوته الإصلاحية بالحركة الوهابية، وقد بنى هؤلاء الباحثون رأيهم هذا على اعتقاد أن الشيخ عثمان قد حج إلى الديار المقدسة واتصل هنالك بالدعوة الوهابية فتأثر بها ومن ثم عاد إلى بلاده وصار يحذو حذوها، ويترسم خطاها([8]).
وهناك من رأى غير هذا الرأي، ومنهم الشيخ المرحوم آدم عبد الله الألوري، وهو من كبار علماء نيجيريا، الذي رد هذا القول بقول آخر وأتى عليه بأدلة منها:
1 ـ أن ابن فودي لم يسبق له أن اعتمر أو حج على الإطلاق، ولم يثبت أن خرج عن حدود بلاده. فهو عالم سوداني تعلم على مشايخ السودان، وتأثر بهم وبالحركات الإصلاحية الإسلامية السابقة التي انحدر بعضها من الشمال الإفريقي وبعضها كان نابعاً من الأرض السودانية نفسها؛
2 ـ أن مذهبه يختلف عن مذهب ابن عبد الوهاب في أصول دعوتهما: فابن فوديو مالكي المذهب أشعري العقيدة، صوفي على طريقة القادرية، وابن عبد الوهاب حنبلي سلفي »لا يرى الانتساب إلى أية طريقة صوفية إلا بدعة« ([9])؛
3 ـ أنه لا يمنع التوسل بالأنبياء والأولياء، والآخر كان يمنعه منعاً جازماً.
4 ـ أنه لا يمنع استعمال المنطق اليوناني ولا يحرمه، والآخر ينهى عنه على رأي ابن تيمية والسيوطي وغيرهما؛
5 ـ لم يرد أي ذكر لمحمد بن عبد الوهاب في مؤلفات ابن فودي أو أخيه عبد الله وابنه محمد بلَّو، ولا في مؤلفات أحد من تلاميذهم. وذلك يدل على أنهم لم يتصلوا بالدعوة الوهابية؛ ولو اتصلوا بها، لذكروها في أشعارهم ومؤلفاتهم، وهم الذين لم يكونوا يغادرون شاذة ولا فاذة من أحوال دعوتهم إلا وذكروها وأرّخوا لها؛
6 ـ أن قيام الدعوة الوهابية في نجد ـ أول قيامها ـ إنما كان سنة 1153 هـ، ولكنها “لم تنتشر في الحجاز انتشاراً يجعلها مقبولة أو معروفة في العالم الإسلامي قبل قيام دعوة ابن فودي التي قامت عام 1180 هـ، ولم تعرف الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة إلا في 1218 هـ([10])، وقد بلغت في هذا التاريخ دعوة ابن فودي ذروتها وبدأ في الجهاد مع ملوك هوسا…«([11]).
على أن هنالك من حاول، بالرغم من هذه الأدلة، تبرير وجود التأثير المذكور بالقول إن ابن فودي وإن كان ـ حقاً ـ لم يسبق له أن حج أو اعتمر، فإنه كان تلميذاً مُخلصاً لكل من الشيخين: جبريل بن عمر الأقدسي (نسبة إلى أقدس أو أكَدَز في النيجر)، ومحمد تَنْبُو اللذين ثبتَ حجهما بالفعل. ومن ثم، »فلا مانع من أن ينقلا النزعة الوهابية إلى تلميذهما«([12]).
وإذا كان من الثابت تاريخياً أن الشيخ جبريل بالذات كان له تأثير قوي على تلميذه عثمان وأخيه عبد الله، وكان سباقاً قبلهما إلى الدعوة للإصلاح ومحاربة البدع([13]) حتى قال عنه تلميذه الشيخ عثمان: »ومن فضائله رضي الله عنه أنه بلغ الغاية في الاشتغال بالكتاب والسنة وحض الناس عليهما؛ ومن فضائله رضي الله تعالى عنه أنه كان أول من قام بهدم العوائد الذميمة في بلادنا السودانية هذه، وكان كمال ذلك ببركته على أيدينا«([14]).
ومدحه عبد الله بن فودي بقوله:

جبريل من جَبَر الإله به لنا
وافى وحزبُ ضلالـة في تَلْـعـة
فأزاح عنه حنادس الأعلاج من
لم يخـش في إظـهـار ديــن الله مـن
ديناً حنيفاً مستقيم المنهج
والديـن في وَهْـد كشـيء بَهْرج
عاداتهم وكساه حلة زبْرج
مسـتـهـزئ أو لائـم مُتَمَجْـمـجِ([15])

فإن السؤال مع ذلك يبقى: هل من المقطوع به أن الشيخ جبريل كان له اتصال ببعض دعاة الوهابية أو أنه مجرد احتمال، وأن ما قام به من الدعوة والإصلاح إنما هو من باب الاتفاق والصدفة مع تلك الدعوة؟ لأنه ليس من الضروري أن يكون كل من حج في هذا الزمان قد اجتمع بدعاة ابن عبد الوهاب وتأثر بهم.
وبرجوعنا إلى عدد كبير من مؤلفات الشيخ عثمان نفسه وأخيه عبد الله وابنه محمد بلَّو ـ وهما أكثر الناس احتكاكاً به وأكثرهم اطلاعاً على أسراره وأحواله ومعرفة بأفكاره ـ، وبرجوعنا أيضاً إلى مؤلفات غير هؤلاء من كتاب الدولة العثمانية وعلمائها وتلاميذها ومؤرخيها ابتداء من الوزير غداد بن لَيْمَ أمير المصالح في عهد الشيخ عثمان، ومروراً بالشيخ عبد القادر بن المصطفى ـ سبط الشيخ عثمان ـ وانتهاء بالوزير جنيد البخاري المعاصر لنا ـ رحمة الله ـ، لم نجد في كل ما كتبوه عن الشيخ وحركته وتاريخ دولته أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الدعوة الوهابية أو إلى أحد رموزها ومشايخها ومنظريها ومصادرها الأساسية. وقد اعتمد الشيخ ابن عبد الوهاب، اعتماداً كبيراً، على ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ وكانا من أهم مصادره ـ. ولم نجد لذلك أي صدى في كتابات ابن فودي.
نعم، هناك في مخطوط “الآثار الكنوية” نص يقول فيه صاحبه ـ وهو من المعاصرين([16]):
ولما حج الشيخ جبريل، اجتمع بشريف مكة وتكلم معه في أمر التجديد، فأعطاه لواءً صغيراً، ولكن لم يؤذن له عند الانصراف، وإنما قال له: إذا أتاك الإذن فامض لشأنك، وإن لم يأت فلست بصاحبها، وسيأتيك صاحبها. فلما رجع إلى وطنه، حضره للتهنئة أكثر الناس وجميع التلاميذ ما عدا الشيخ عثمان فلم يحضر إلا بعد مدة طويلة، فلما حضر وسلم عليه قال: أين الوديعة؟ فقام الشيخ جبريل، فأتى باللواء ثم تكلما طويلاً. فلما ابتدأ الأمر([17])، اجتمعوا أن يبايعوا الشيخ فأبى حتى أتوه بنصوص وحجج فقال: [إن] كان لابد فبايعوني وأنا أبايع القرآن والسنة([18]).
وهذا النص، فضلاً عن كونه لم يوثق روايته بأي سند أو إحالة على أي مصدر موثوق، ولم نجد في الكتابات السابقة ما يؤيد المعلومات الواردة فيه، لا يؤكد الاتصال برجال الدعوة الوهابية ولكن بشريف مكة. ومن المعروف أن شرفاء (حكام) مكة لم يكونوا من المناصرين لدعوة الشيخ ابن عبد الوهاب. ثم إن شريف مكة ـ حسب النص ـ لم يأذن للشيخ جبريل بالقيام بدعوة التجديد، وإنما أمره بانتظار صاحب الدعوة (الذي هو الشيخ عثمان). وهذا يتنافى مع قول ابن فودي متحدثاً عن شيخه جبريل:
فوالله لا ندري هل [كنا] نهتدي إلى سبيل السنة وترك العوائد الذميمة لولا تنبيه هذا الشيخ المبارك. وكل من أحيى السنة وهدم العوائد الذميمة في بلادنا السودانية هذه فهو موجة من أمواجه. ولذلك قلت شعراً:

إن قيل فيَّ بحسن الظن مـا قيـلا
فموجة »أنا من أمواج جبريلا«([19])

فقد اتفقت الروايات على أن الشيخ جبريل كان سباقاً إلى إعلان دعوة الإصلاح ومحاربة البدع وإحياء السنة، ثم إن النص وارد في سياق إبراز كرامات الشيخ عثمان الخارقة وما تنبأ له به المنجمون والأولياء والعلماء ـ على حد زعم المؤلِّف ـ حول ظهور دعوته([20]).
III ـ ومهما يكن من أمر، فإن الذي نستطيع أن نؤكده في شيء من الاطمئنان هو أن كل مطالع لمؤلفات الشيخ عثمان وأخيه عبد الله وابنه محمد بلَّو وغيرهما من كتاب الدولة العثمانية وعلمائها طيلة الحقبة التي استمرت فيها، سيلاحظ ـ بلا شك ـ ظاهرة ذلك الحضور المكثف للمصادر المغربية من جهة والمالكية الأشعرية من جهة ثانية. وحين نقول “المصادر المغربية”، فنحن نعني بها تلك التي ألفها علماء من مختلف أقطار المغرب العربي وبلاد الأندلس، من أمثال الشيخ أحمد زروق ومحمد بن عبد الكريم المغيلي ومحمد السنوسي في مؤلفاتهم العديدة، وأبي عبد الله ابن الحاج صاحب المدخل، والقاضي عياض، وعبد الملك بن حبيب، وابن رشد، ومكي بن أبي طالب القيسي، ومحمد بن أبي جمرة (الأندلسي دفين مصر)، وأبي الحسن علي بن حاتم النجيبي المعروف بالزقاق، وأحمد بن علي المنجوري، وابن فرحون، والونشريسي صاحب “المعيار”، والباجي، وابن زرب، وابن لب، وابن خلدون، والمازري، ومحمد بن أحمد السبتي، وابن عرفة، والقرطبي، والإشبيلي (شارح “الأربعين النووية”)، وابن عبد البر، والكلاعي، والشاطبي، والسهيلي، وابن جزي الكلبي، وأبي زيد القيرواني، وأبي القاسم البرزلي، وعبد العزيز الأندلسي، ومحمد بن أحمد الأندلسي الساحلي (صاحب “بغية السالك”)، وأبي العباس أحمد بن نصر الداودي الطرابلسي، وسحنون، وأبي عبد الله المواق، وأبي مهدي عيسى الغبريني التونسي، وأحمد المقري (في “عقائد أهل السنة”)، وصالح بن عبد الرحمن الأوجلي، وأحمد بن خلف المعروف بحلولو، وميارة الفاسي، وعبد الرحمن الأخضري، والهاروشي (عبد الله بن محمد الخياط الفاسي التونسي)، وعبد الرحمن التاجوري، وابن زكري التلمساني، والأبي (محمد بن خلف التونسي)، وعبد الرحمن الثعالبي، والعربي الفاسي، وعبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي، وأحمد بن عبد الله الجزائري (صاحب “القصيدة الجزائرية” المشهورة في العقائد)، والجزولي (في “شرح الرسالة”)، هذا فضلاً عن بعض علماء الصحراء والسودان الغربي أمثال أحمد بابا التنبكتي، والمختار الكنتي، ومحمد بن المختار الأعمش، ومحمد الوالي، ومحمد الطاهر بن إبراهيم، وجبريل بن عمر، فضلاً عن الشراح الكثيرين لمؤلفات هؤلاء العلماء من المغرب والأندلس والصحراء والسودان الغربي.
هذه بصفة عامة أمثلة من المصادر الدينية المغربية التي اعتمد عليها الشيخ عثمان في تنظيراته وكتاباته المختلفة، استخرجناها بالاستقراء والتتبع لجملة ما توافر لدينا من مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة. ومثل ذلك نجده في كتابات أخيه عبد الله وابنه محمد بلَّو، وغيرهما من منظري الحركة ومؤلفيها.
وبعد ذلك، تأتي في المرتبة الثانية المصادر المالكية المشرقية، وعلى رأسها: كتب الإمام مالك، والشيخ خليل، والخرشي، والقرافي، والشبرخيتي، والأجهوري، وعبد السلام اللقاني، وسالم بن محمد السنهوري (شارح خليل)، ومحمد بن إبراهيم التتائي (شارح خليل)، وأبي الحسن المالكي (علي بن محمد بن خلف المصري صاحب “الكفاية في شرح الرسالة”)، وابن عطاء الله السكندري، وسواهم من شيوخ المالكية وشراحها.
وبعدها تأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية المصادر المشرقية الشافعية، كمؤلفات السيوطي، والشعراني، وابن حجر، والقسطلاني، وأبي حامد الغزالي، وعز الدين بن عبد السلام، والسخاوي، والبيضاوي، والزركشي، والقشيري، والتفتازاني.
ثم بعدها المصادر الحنفية كمؤلفات القونوي (محمود بن أحمد)، وابن البزاز (صاحب “الفتاوى”)، وأبي الليث السمرقندي (نصر بن محمد)، وشهاب الدين الخفاجي.
أما غير ذلك من المصادر الحنبلية، فهو نادر جداً.
هذا، علماً بأن المصادر الأساسية قبل هذا النوع أو ذاك عند الشيخ عثمان بن فودي، هي القرآن الكريم وتفاسيره وكتب السنة المعروفة كالبخاري ومسلم وغيرهما.
ولنتوقف الآن، بعدما عرفنا أهمية المصادر المغربية وتأثيرها الواضح في كتابات ابن فودي ورجالات حركته، عند ثلاثة نماذج من العلماء المغاربة، كان لها اثر قوي في تكوين الشخصية العلمية لزعيم هذه الحركة وهو الشيخ عثمان، وصياغة أفكاره الإصلاحية، وتوجيه دعوته، وحضور واضح ملموس في جل كتاباته وتنظيراته، وكذا في كتابات الشخصيات البارزة من رموز هذه الحركة وقادتها وموجهيها.
وهذه الشخصيات الثلاث التي نعنيها هي:
1 ـ الفقيه الداعية الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي؛
2 ـ الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن الحاج العبدري الفاسي؛
3 ـ الشيخ الفقيه أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي.

IV ـ المغيلي وتأثيره في حركة ابن فودي:

أما الإمام محيي الدين محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني([21]) (ت 909 هـ)، فكان ـ بحق ـ أكبر داعية إسلامي عرفه الغرب الأفريقي خلال القرن التاسع وبداية العاشر الهجري. فبعد رحيله من تلمسان وإقامته في توات التي كان له فيها قصته المشهورة مع اليهود الذين استولوا على الموارد الاقتصادية، واستعلوا على المسلمين، وأفسدوا الأخلاق والذمم، قام هذا الداعية الكبير برحلته الطويلة إلى مناطق السودان الغربي، وظل مشتغلاَ بالدعوة والوعظ والتدريس والقضاء والفُتْيا وبَدْل النصح لأمرائها وأولي الأمر فيها. وطاف بعدد من عواصمها وأقاليمها فزار كانوا وكَشنَة في شمال نيجيريا، وكاغو (أو جاو) (الواقعة في مالي حالياً) وتَكَدَّة من منطقة أهير (التابعة للنيجر حالياً)، وغيرها من البلاد الواقعة بين نهري السنغال والنيجر. ويقول بول مارتي: »ونحن نعلم ـ حسبما هو متداول من معلومات ـ أن الإسلام دخل إلى بلاد الجرما والبلاد المجاورة إلى تساوة (Tessaoua)، وزندر (Zinder) بواسطة الشريف الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي، أو بالأحرى بواسطة تلاميذه المباشرين في القرن الخامس عشر«، إلى أن يقول: »لقد هبط المغيلي مع نهر النيجر إلى ناحية ساي (Saye)([22]) وأرسل بعثات من قبله إلى بلاد جرما جندا (Djermagenda)، وربما إلى الشرق أيضاً«([23]).
وقد استُقبلتْ وفادة المغيلي إلى هذه المناطق بحفاة بالغة، وقربه أمراؤها وملوكها وجعلوا منه مستشارهم الخاص ومرجعهم الفقهي الأعلى، وكتب لهم رسائل ووصايا وفتاوى في أمور الحكم والدولة والسياسة الشرعية، منها:
أ) »مجموعة في أمور الإمارة وسياسة الدولة التي ألفها لأمير كانوا محمد ابن يعقوب المعروف بَرمْفت، وهي التي طبعت بعنوان مخترع: “تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين«([24]). وقد سلك فيها مسلك أسلافه من علماء المسلمين الذين ألفوا كتباً في نصح الملوك، وإرشاد السلاطين مثل أبي بكر الطرطوشي في “سراج الملوك”، والماوردي في الكتاب المنسوب إليه باسم: “نصيحة الملوك”، وكتابه المشهور “الأحكام السلطانية”، والغزالي في كتابه “التبر المسبوك في نصيحة الملوك”، وابن الأزرق الأندلسي في: “بدائع السلك في طبائع الملك”، والحميدي في “الذهب المسبوك في وعظ الملوك” وغيرها مما هو معروف؛
ب) ثم كتب للأمير رَمْفَا محمد بن يعقوب لأمير كانو وصية أخرى في ما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام([25])؛
ج) ثم مكث مدة عند السلطان محمد بن أبي بكر التوري المعروف بالحاج أسكيا أمير مملكة سنغاي، وألف له أجوية عن أسئلة كثيرة وجهها إليه، وهي المجموعة التي عرفت باسم: “أسئلة أسكيا وأجوبة المغيلي”([26])؛ فكانت بمثابة الحجة الشرعية الدامغة التي استعملها أسكيا في توطيد دعائم ملكه ومواجهة خصومه.
وكان المغيلي بجانب ثقافته الدينية الواسعة وقيامه بأمور الوعظ والإرشاد، ومعرفته بأمور السياسة الشرعية. صوفياً على الطريقة القادرية. وكثير من الباحثين يعتقدون أنه كان له دور كبير في نشر هذه الطريقة بالسودان الغربي([27])، بل منهم من كان يعتقد أن المغيلي هو أول من نشر الطريقة بالسودان([28])، أو هو الناشر الحقيقي لها في أقل الأحوال([29]).
ومهما يكن، فإن المتفق عليه بين جميع الدارسين الذين تناولوا شخصية المغيلي من القدامى والمحدثين ومن العرب والغربيين، هو أن الرجل كان له تأثير قوي وملموس جداً ظل صداه يتردد بعده قروناً طويلة. وهذا يلخصه الشيخ الأمين محمد عوض الله بقوله:
ونستطيع أن نؤكد من النصوص السابقة، أن الدور الذي قام به العالم الجليل المغيلي لا يدانيه أي دور قام به عالم مغربي في السودان الغربي. فقد ترك أثراً إسلامياً كبيراً، وقام بتصحيح مفاهيم كثيرة كانت مغلوطة في أذهان العامة والسلاطين([30]).
ويقول الدكتور شيخو أحمد سعيد غلادنثي، وهو أحد المثقفين البارزين اليوم في نيجيريا، ومن أبناء مدينة كانو بالذات، متحدثاً عن زيارة المغيلي لمدينته:
ولقد كان لهذه الزيارة التي قام بها المغيلي إلى كانو صدى كبير، ونتائج عظيمة تركت أثراً واضحاً لا في كانو فحسب، ولكن في ولايات الهوسا جميعاً، لأن انتشار الإسلام في كانو أدى إلى انتشاره في الولايات الأخرى [من نيجريا]. ومن ذلك الوقت نستطيع أن نقول إن ولاية كانو أصبحت ولاية إسلامية حقاً، وبدأت بعدئذ تلعب دوراً هائلاً في خدمة الثقافة الإسلامية في الولايات الأخرى… ([31]).
وحين حاول المرحوم الشيخ آدم الألوري أن يؤرخ لحركة الأدب واللغة العربيين في نيجيريا في كتابه الذي سماه: “مصباح الدراسات الأدبية في الديار النيجيرية”، لم يجد محيداً عن الاعتراف بتأثير المغيلي في هذه الناحية أيضاً، ودوره في ترقية العلوم العربية والثقافية الإسلامية، مما جعله يقسم عصور الأدب العربي في نيجيريا منذ قيام هذا الأدب فيها إلى العصر الحاضر، إلى خمسة أدوار رتبها على النحو التالي:
1 ـ العصر البرناوي (عصر ظهور الإسلام في نيجيريا، من القرن الخامس إلى السابع الهجري؛
2 ـ العصر الونغري (من القرن السابع إلى القرن التاسع)؛
3 ـ عصر المغيلي (من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر الهجري)؛
4 ـ العصر الفلاني (يبدأ بظهور ابن فودي وقيام دولته إلى سقوطها في بداية القرن الحالي)؛
5 ـ العصر الأنجليزي (في القرن العشرين).
ثم يجعل من نص بعض فتاوى المغيلي الواردة في أجوبته لأسئلة أسكيا، نموذجاً لأسلوب الكتابة العربية في هذا العصر الأدبي الذي سماه بالعصر المغيلي.
وأخيراً يختم المرحوم الألوري في كتابه المشار إليه شهادته في حق المغيلي بالقول:
فقد استفادت البلاد منه كثيراً، وآثاره كثيرة في ميادين عديدة واضحة ملموسة لكل صغير وكبير، في الحكم والسياسة والعلم والأدب… ولقد تعلم منه الكثيرون، والكثيرون من علماء هذه البلاد؛ واتصل بسلاطين كانو وكَشِنَة وأكذر وتَكَدَّ؛ ووضع لهم وصايا سياسية على القواعد الشرعية، وهي محفوظة في الدوائر الحكومية ومعمول بها في الأوساط الرسمية([32]).
وسيطول بنا الحديث جداً لو أرسلنا لقلمنا العنان في تتبع الشهادات الكثيرة التي أدلى بها المؤرخون والدارسون من الأفارقة والعرب الغربيين في حق هذه الشخصية وتأثيرها البالغ الأهمية. وقد كتبت حوله رسائل وأطروحات وكتب ومقالات بمختلف اللغات. فلنكتف بإحالة القارئ إليها.

V ـ لقد ظل تأثير المغيلي هذا الذي تحدثنا عنه محفوظاً في ذاكرة الأجيال من أبناء السودان الغربيّ عموماً ونيجيريا على الخصوص، وظلت أعماله وآثاره المكتوبة والروايات الشفوية المنقولة عنه يحفظها العلماء ويتداولها أهل الإصلاح والسياسة ورجال الدعوة جيلاً بعد آخر، إلى أن وصلت مرحلة قيام الحركة التي قادها عثمان بن فودي، فاستثمرتها أحسن استثمار، واعتمدت عليها أشد الاعتماد، حتى إننا لا نكاد نجد مؤلفاً من مؤلفات الشيخ عثمان أو غيره من منظري حركته والقائمين بدعوته والمؤرخين لها، يخلو من الإشارة للمغيلي والنقل عنه والرجوع إلى وصاياه وفتاواه ورسائله، والاحتجاج بأقواله وآرائه في تدعيم دعوتهم وإسناد الأفكار التي تضمنتها حركتهم الجهادية والإصلاحية والدعوية، ولا سيما أن هذه الحركة قد واجهت كثيراً من الخصوم لا من العوام فقط، ولكن من بعض العلماء والأمراء أيضاً([33])، وقامت في وجهها حملات من التشكيك والتشويش في العديد من القضايا الدينية والدنيوية. فكانت فتاوى المغيلي وكتاباته بما لها في نفوس الجميع من الإجلال والإكبار هي الحجة الدامغة من بين الحجج التي اتكأ عليها ابن فودي وأنصاره([34]).
وإذا كان المغيلي قد ألف كتباً عديدة في مسائل من العلوم مختلفة كالفقه والحديث والتفسير والتوحيد والوعظ والمنطق والبلاغة واللغة والأدب والسياسة الشرعية وأنظمة الحكم([35])، فإن أربعة من هذه الآثار العلمية هي التي استأثرت أكثر من غيرها باهتمام منظري الدعوة الفُودية، وهي تلك الرسائل الثلاث التي ألفها خلال إقامته بالسودان الغربي استجابة لطلب سلطاني كانو وسنغاي، بالإضافة إلى رسالته الرابعة التي كان قد ألفها في نازلة يهود توات، وعرفت في بعض المصادر باسم: “تأليف فيما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار”، وفي بعضها باسم: “مصباح الأرواح في أصول الفلاح”([36]).
وهكذا، فإننا إذا عدنا مثلاً إلى كتاب: “سراج الإخوان في أهم ما يحتاج إليه في هذا الزمان”([37]) لعثمان بن فودي، فسنجد أنه قد قسمه إلى عشرة فصول قصيرة اعتمد فيها المؤلف اعتماداً كلياً على المغيلي، ونقل في تسعة فصول منها أكثر كلامه في أجوبته لأكسيا؛ حتى إننا لو حذفنا منه هذه النقول والنصوص المغيلية لما بقي فيه شيء يذكر سوى فقرات قليلة، وجمل لا تعدو أن تكون تعليقاً أو وسيلة ربط بين هذا الكلام أو ذاك.
وفي رسالة أخرى لعثمان بن فودي بعنوان “تنبيه الإخوان على أحوال أرض السودان”([38])، نجد المؤلف قد خصص فصلاً منها (وهو السادس) لذكر وصية الشيخ المغيلي لمحمد بن يعقوب سلطان كانو بالإضافة إلى نقول منه وإشارات إليه في مواضع أخرى.
وفي رسالته المسماة: “مسائل مهمة يحتاج إلى معرفتها أهل السودان”([39])، ينقل أيضاً عن أجوبة المغيلي لأسكيا في مواضع متفرقة ويحتج بأقواله وآرائه.
وكذلك الأمر في كتب أخرى له مثل “وثيقة الإخوان لتبين دليلات وجوب اتباع الكتاب والسنة والإجماع”([40])، ومثل “نجم الإخوان يهتدون به بإذن الله في أمور الزمان”([41])، ومثل “سراج الإخوان في أهم ما يحتاج إليه في هذا الزمان([42])”، ومثل “بيان وجوب الهجرة على العباد”([43]) و”نصيحة أهل الزمان”([44]) و”مصباح الزمان”([45])، وغيرها.
أما في رسالته المسماة “حصن الأفهام من جيوش الأوهام”([46])، فقد نقل فيه عن المغيلي في مواضع ثم قال: »وسُئل شيخنا محمد بن عبد الكريم التلمساني عن تحليل المطلقة ثلاثاً قبل زَوْج، فقال…«. وقد علق الألوري ـ رحمه الله ـ على كلمة “شيخنا” هذه، فقال:
انظر قول ابن فودي: وسئل شيخنا… لقد عزا النقل إلى المغيلي ونسب نفسه إليه كالتلميذ الذي سمع أو أخذ عن المغيلي مباشرة، مع ما بينهما من بعد العهد الذي لا يقل عن ثلاثة قرون. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على غاية التأثر وشدة التعلق بهذا الشيخ([47]).
وللشيخ عثمان كتاب بعنوان “كتاب تعليم([48]) الإخوان بالأمور التي كفرنا بها ملوك السودان”([49])، ينقل فيه عن المغيلي في أجوبته لأسكيا، وعنه في “مصباح الأرواح”([50]) في مواضع مختلفة، ثم يختم الكتاب بنقل الترجمة التي خصه بها أحمد بابا في “نيل الابتهاج” و”كفاية المحتاج”، فيقول: “هذا كلام المغيلي في “مصباح الأرواح في أصول الفلاح” رضي الله تعالى عنه، ونريد أن نورد ترجمته التي أوردها سيدي أحمد بابا في كتابه “نيل الابتهاج” وكتابه “كفاية المحتاج” ليُعْلَم أنه عالم سُنِّي قدوة…”. وفي نهاية الترجمة التي يوردها، يعقِّب بقوله:
قُلتُ: وقفْنا ـ بحمد الله تعالى ـ على بعض تواليفه وانتفعنا بها، منها كتاب “المسائل” الذي ألفه لأبي عبد الله محمد بن يعقوب سلطان كانو وغيرها، جزاه الله عنا الخير وجمعنا معه في علالي جنة الفردوس آمين.
ونريد أيضاً أن نختم هذا الكتاب بذكر سندنا المتصل إليه ـ رضي الله تعالى عنه ـ الذي جاءنا من سيدي محمد المختار بن أبي بكر الكُنْتي الأموي، وهو سند ورد السلسلة القادرية، أجازني به الشيخ العالم نوح، وهو عن شيخه سيدي محمد المختار المذكور، وهو عن شيخه سيدي الشريف علي بن أحمد، وهو عن شيخه سيدي أبي النقاب السيد الأمير لُقِّب به لكونه يتلثَّم، وهو عن شيخه أخيه سيدي أحمد، وهو عن شيخه سيدي علي بن أحمد، وهو عن شيخه أبيه سيدي أحمد، وهو عن شيخه الرقاد، وهو عن شيخه أحمد الفيرم، وهو عن شيخه عمر بن سيدي أحمد البكاء، وهو عن شيخه سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي رضي الله تعالى عنه، وقدّر اتصالنا به الاتصال الحسن في البرزخ وفي الآخرة كما قدَّر اتصالنا به في الدنيا الاتصال المعنويّ الذي هو هذا السند.
وأخيراً، لقد ألف الشيخ عثمان كتاباً سماه “أصول العدل لولاة الأمور وأهل الفضل”([51])، اقتدى فيه اقتداءً تامّاً بكتاب المغيلي لأمير كانو محمد بن يعقوب، المطبوع باسم “تاج الدين…”، بل لم يزد شيئاً على أن لخص كلام الغزالي في بعض تواليفه في شأن الإمارة والنصح للسلاطين والأمراء، وهي عشرة أمور أوردها “على وجه التلخيص والاختصار مخافة التطويل المؤدي إلى الملل«([52])، ثم أتبعه مباشرة بتلخيص كلام المغيلي في الكتاب المذكور، فقال:
فهذه أصول العدل التي ذكرها الغزالي في بعض توالفيه([53])، وينبغي لكل أمير أن يعتني بفهمها واستعمالها، وينبغي له أيضاً أن يعتني بثمانية أمور ذكرها محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني في بعض تواليفه، وأورد كلامه على وجه التلخيص والاختصار مخافة التطويل المؤدي إلى الملل: الأمر الأول: فيما يجب على الأمير من حسن النية…([54]).
ثم أتى على تلخيص الأبواب الثمانية التي تتألف منها رسالة المغيلي في نصح الأمراء المشهورة. وبالانتهاء منها ينتهي كتاب الشيخ عثمان بلا زيادة ولا نقصان.
على أن تأثير المغيلي في الشيخ عثمان لا يمكن حصره في مجرد النقول الكثيرة التي نجدها تتردد في جل كتاباته، بل لقد تجاوز ذلك إلى الاقتداء بسيرته وطريقته في ردع البدع ومنهجه في الدعوة، وإلى العمل بآرائه والاقتداء بأفكاره واستعمالها في تدعيم مواقفه. وكثيرٌ من الفصول والرسائل التي كتبها الشيخ عثمان ما هو إلا تكرار أو شرح أو تلخيص أو تعليق أو إعادة إنتاج لأفكار المغيلي وكتاباته وترداد لمقولاته وآرائه.
وعلى نحو ما كان المغيلي يختم كل فصل من رسالته “تاج الدين…” بعبارة يكررها وهي قوله: »رأس البلية احتجاب السلطان عن الرعية«، كان ابن فودي أيضاً يختم كل فصل من فصول كتابه “إحياء السنة…” بعبارة (اللهم وفقنا لاتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم بجاهه عندك). أما رسالته “المسائل المهمة…”، فكان أيضاً يختم كل فصل منها بالدعاء المأثور: »اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه«. ومثل هذا فعله اليوسي من قبل في كتاب “المحاضرات” حين كان يختم كل فصل منه بالآية الكريمة: {لله الأمر من قبل ومن بعد}.
فإذا أضفنا إلى كل هذا ما سبق قوله عن صوفية المغيلي وريادته في نشر الطرقة القادرية بالسودان جنوب الصحراء، وما أوردناه من اتصال سند الشيخ عثمان بسند المغيلي، وعرفنا ما كان عليه ابن فودي من اتباع لهذه الطرقة حتى أصبح له وردٌ خاص به، وله في ذلك كتابات منها رسالته عن “السلاسل القادرية”([55])، وقصائد في التوسل بالشيخ الجيلاني([56])، اتضح لنا جانب آخر من جوانب تأثر هذا الشيخ بالإمام المغيلي.
وخلاصة القول إن الشيخ الألوري أشار إلى بعض الشخصيات من علماء السودان وبعض الحركات الإسلامية التي كان لها أثر في تكوين شخصية ابن فودي، ولا سيما حركة الموحدين والمرابطين وحركة أبي بكر النوري (أسكيا الحاج)، ثم خلص بعدها إلى القول:
وقد تنورت أفكار ابن فودي على تلك الحركات من خلال آثار المغيلي وفتاواه ورسائله ووصاياه التي ورثها من علماء بلاده، وتأثر بسيرة المغيلي في غيرته على الإسلام والدفاع عن بيضته باللسان ثم باليد ثم بشهر السلاح… تأثر به حتى صار ينقل من كتبه كأنما ينقل منه مشافهة([57]).
هذا عن مؤسس الدولة وقائد تلك الحركة الشيخ عثمان. أما أخوه عبد الله الذي يعتبر بحق أكبر منظر ومؤرخ للدعوة الفودية، وأكبر عالم إسلامي عرفته بلاد نيجيريا وبلاد السودان الغربي، في القرن الثالث عشر الهجري، فضلاً عن تضلعه الكبير من اللغة العربية وعلومها وآدابها حتى لقبه بعضهم بـ »عربي الهوسا«، فلم يكن أقل تأثراً من أخيه بالإمام المغيلي، وكتاباته وآرائه؛ ولم يكن أقل منه اهتماماً بتراثه وحفظاً لآثاره. وإذ لا يمكن في مثل هذه العجالة تتبع سائر النقول الواردة في مؤلفات عبد الله بن فودي، فلا أقل من ذكر ثلاثة أمثلة للاستشهاد على ما نقول:
أما كتابه المسمى “ضياء السلطان وغيره من الإخوان”([58])، فما هو في الحقيقة سوى مجموع يتضمن أربع رسائل: اثنتان منهما للمغيلي، وهما:
1 ـ رسالته في أمور السلطنة (تاج الدين)؛
2 ـ أجوبة المغيلي لأسئلة أسكيا.
واثنتان لأخيه عثمان، هما:
1 ـ “سراج الإخوان في أهم ما يحتاج إليه في هذا الزمان”؛
2 ـ “مصباح أهل الزمان”.وقد صدره بمقدمة قصيرة قال فيها: »جمعت فيه حاصل ما في أربعة كتب: كتابين لمفتي الزمان محمد بن عبد الكريم بن محمد التلمساني المغيلي، وكتابين لأمير المومنين شيخنا عثمان لنستضيء بما قالا في أمور الزمان، مع تفسير بعض المجملات من كلامهما وتنبيه على ما يخفى على الجهال من فحوى عبارتهما بحسب ما فهمته«.
وأما كتابه “ضياء الحكام فيما لهم وعليهم من الأحكام”([59])، فقد خصص فصلاً منه لوصية المغيلي التي كتبها لأمير كانو مع شيء من الاختصار والتلخيص، وختم بالقول: »واعلم أن جميع ما ذكرته في هذا الفصل، فهو ملخص من كتاب محمد بن عبد الكريم التلمساني«([60]). وفي كتاب ثالث له بعنوان “ضياء السياسات وفتاوة النوازل”([61])، نجده بالإضافة إلى نقول عن المغيلي متفرقة هنا وهنالك، يخصص مرة أخرى فصلاً منه لهذه الوصية نفسها التي كتبها محمد بن عبد الكريم المغيلي إلى أمير كانو، ويقدم لها بقوله: »فإذا فهمت ما قدمنا لم يشكل عليك رسالة المغيلي إلى سلطان كانو«، ثم أتى على نص الرسالة([62]).
هذه أمثلة اقتصرنا عليها من نقول عبد الله بن فودي من المغيلي. وما على المستزيد إلا أن يرجع إلى سائر كتبه الأخرى، وهي بالعشرات ما بين مخطوط ومطبوع.
هذا عن الشيخين عثمان وأخيه عبد الله. أما عن الأمير محمد بلَّو، فقد نقل عنه بدوره في مواضع كثيرة من مؤلفاته منها “إنفاق الميسور” وغيره، وكان ينعته بـ»الحجة«. وفي هذا النعت ما فيه من الدلالة التي لا تخفى على من عرف قيمة فتاوى المغيلي وآرائه في تثبيت دعائم الدولة الناشئة وتوطيد أركانها.

VI ـ ابن الحاج وتأثيره في ابن فودي

أما الشيخ الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الفاسي (ت 737 هـ)، والمعروف بابن الحاج، فقد كان من العلماء العاملين، و»أحد المشايخ المشهورين بالزهد والخير والصلاح« كما يقول ابن فرحون([63]). تلقى العلم من شيوخه بالمغرب، ثم رحل وأقام بمصر، وصحب الشيخ الصوفي أبا محمد بن أبي جمرة وتأثر به كثيراً، واستفاد منه استفادة كبيرة فيما سجله بكتابه “المدخل”. وكان من أشهر تلاميذه الشيخ عبد الله المنوفي، والشيخ خليل صاحب “المختصر” في الفقه المالكي ([64]).
وقد اشتهر ابن الحاج بكتابه “المدخل”، وهو “المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة”([65]). وقد طارت شهرة هذا الكتاب، وشرق ذكره وغرّب، ولقى عناية فائقة من العلماء وطلاب العلم لغزارة علمه وفوائده، وأهمية موضوعاته حتى قال ابن فرحون: »الوقوف عليه متعين«. فلا غرابة أن ينتشر أيضاً في بلاد السودان، ويحتفل به علماؤها وفقهاؤها ورجالات الإصلاح فيها، ويصبح من الكتب المقروءة، والمصادر المعتمدة([66])، مثلما احتفل به علماء المشرق والمغرب.
وموضوع هذا الكتاب الجليل الذي ألفه صاحبه في أربعة مجلدات كبار، هو باختصار تعريف المسلم بما هو على طريق السنة من أوجه العبادات والمعاملات اليومية المختلفة، وما هو مخالف لذلك من البدع والخرافات الممقوتة، إما لغلوها أو لمخالفتها لأمور الدين، وتفصيل القول في كل الحالات الملازمة للمسلم منذ قيامه من نومه، وأدائه لفرائضه إلى أكله وشربه وملبسه ومعاشرته لإخوانه وجيرانه وأهله وأولاده وأساتذته، وإلى خروجه لعمله والسعي لرزقه ومخالطته للناس في الأسواق وفي الحل والترحال، ومعاملته لغيره من العباد في مختلف أوجه التصرفات والمعاملات والصنائع والحرب والتجارات، ويبين حد الشرع في ذلك كله، وما ينبغي فعله، وما لا ينبغي حسب الكتاب والسنة.
هذا الكتاب الاجتماعي التربوي الذي وصف فيه صاحبه كثيراً أوضاع المجتمع الإسلامي في عصره بالمشرق والمغرب، وما كان عليه أهل زمانه من البدع والانحرافات، واهتم فيه بمعالجة سلوك المسلم في حياته اليومية، وتوجيهه إلى التربية الصحيحة السليمة الموافقة لروح الشريعة والمراعية لمقاصدها، من أجل تكوين الإنسان النافع في المجتمع الإسلامي الصالح، وكان أسبق من غيره إلى التنبيه إلى عدد من أمراض المجتمع الإسلامي، والمعتقدات الفاسدة والعادات السيئة. هذا الكتاب لقي اهتماماً كبيراً عند الشيخ عثمان، وهو الذي تزعم حركة الإصلاح الديني والمجتمعي، ونصب نفسه وجرد سلاحه وقلمه لمحاربة البدع وإحياء السنة. وكان من تأثره به أن ألف على منواله كتاباً سماه “إحياء السنة وإخماد البدعة”([67]) حذا فيه حذو ابن الحاج في منهجه وطريقته وموضوعه، وإن كان قد ترك كثيراً من القضايا التي لم تدع الحاجة إليها في وقته وبلاده، وأضاف قضايا أخرى مما يناسب زمانه وأهل بلده وما عندهم من العوائد الشنيعة والأفعال القبيحة، فجاء مختصراً في جزء حب الحاجة والاقتضاء. ولم يكن تأثره به مقصوراً على أخذ المنهج والطريقة والموضوع فحسب، بل أكثر من النقل عنه والاستشهاد بأقواله والاحتجاج بآرائه بما لا يدع مجالاً للشك في درجة تأثره القصوى بهذا الكتاب وصاحبه.
وكما نقل عنه في كتابه الذي سماه “إحياء السنة…”، نقل عنه أيضاً في مجموعة من كتبه الأخرى مثل “نصيحة أهل الزمان…” و”بيان وجوب الهجرة على العباد”([68]) و”المسائل المهمة” و”تحذير أهل الإيمان من التشبه بالكفرة والعصيان”([69]) و”تنبيه الإخوان على جواز اتخاذ المجلس لتعليم النسوان” و”حصن الأفهام في جيوش الأوهام”، وفي رسالته المسماة “أجوبة محررة عن مسائل مقررة”([70])، وغيرها.
وعلى نحو ما تأثر الشيخ عثمان بابن الحاج، كان تأثر ابنه محمد بلَّو الذي نقل عنه في “إنفاق الميسور” وغيره.
وأما عبد الله بن فوديو، فقد نقل بدوره عن “المدخل”؛ كما نقل عن كتاب آخر لابن الحاج وهو “النوازل” أو”الأحكام” في بعض مؤلفاته، منها: “ضياء السياسات”. ولم يكتف بذلك، بل وضع للـ”مدخل” تلخيصاً سماه: “لباب المدخل” قال في أوله:
قال العبد الفقير إلى عفو الله المذنب الخاطئ عبد الله بن محمد بن عثمان غفر الله لهم: الحمد لله الذي رفع أهل الدين وأتباع السنة وأخْفضَ أهل الكفر وأتباع البدعة، صلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه ومن تبعهم وتأدب بآدابهم إلى يوم الدين. أما بعد فهذا “كتاب لباب المدخل” في آداب أهل الدين والفضل، لخَّصتُه من كتاب محمد بن محمد العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج الذي سماه “كتاب المدخل في تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع”. فجميع ما في هذا التلخيص مذكور في “المدخل” باللفظ بالمعنى غالباً، مما ذكره في الذين يدور عليهم أمر الدين، وهم سبعة: العالم، والمتعلم، والإمام، والمؤذن، والمؤدّب، والمجاهد، والفقير المنقطع للعبادة. وجعلت لكل منهم باباً. فانظر من أيهم أنت، فتأدب بما لك من الآداب، وأسأل الله النفع به لمؤلفه أو كاتبه أو قارئه وكل منم لحظه بالرضى، والله المستعان.
وواضح من هذا أن المؤلف لم يلخص في الحقيقة “كتاب المدخل” كله، وإنما اقتصر على قسم مهم منه هو الخاص بالأصناف السبعة المذكورين الذين يدور عليهم أمر الدين وترك أموراً أخرى غير ذلك. إلا أنه كان بين الحين والأخر ينبه إلى بعض البدع الرائجة في زمانه، وما فيها من مخالفة للسنة وما كان عليه السلف الصالح. ثم ختم بخاتمة ضمّنها »ما روي من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم«، وجملة من صفاته لُيبيِّن بها السنة التي ينبغي اتباعها والصفات الحميدة التي على المسلم الاتصاف بها؛ وما خالفها، فهو بدعة.
والخلاصة هي قول أحد علماء نيجيريا المعاصرين: » إن ابن فودي مالكيٍّ يتمسك بآراء علماء المالكية، خصوصاً منهم المغاربة كابن فرحون وابن الحاج، وتأثره في الفقه والحديث بابن الحاج كثير. لهذا جعل كتابه “إحياء السنة” على نمط “المدخل” لابن الحاج«([71]). وقوله في موضع آخر: »وكان منهج ابن فودي على نهج ابن الحاج في “مدخلـ”ـه، والغزالي في “إحيائـ”ـه، وأحمد زروق في “قواعد”ه«([72]).

VII ـ أبو علي اليوسي وابن فودي:

أما أبو علي اليوسي الفقيه المغربي المشهور (ت 1102 هـ)، فهو ذلك العالم المشارك المتضلع، المجاهد المصلح، الذي اعتبره كثير من مترجميه مجدد المئة الحادية عشرة، لما له من آراء ومواقف في الصدع بالحق، والجرأة في إبداء النصح؛ وله كتابات معروفة في الدعوة للإصلاح ومقاومة البدع والعادات السيئة والشعوذة والخرافات.
ولقد اشتهر اليوسي بكتابه “المحاضرات”، الذي ضمنه بعض آرائه وتأملاته، ودعوته الإصلاحية، كما اشتهر برسالته المسماة بـ “براءة اليوسي” التي وجهها إلى السلطان العلوي المولى إسماعيل، وبذل له فيها النصيحة الواجبة على العلماء، وبصره بما عليه الواجب نحو رعيته من إقامة العدل، ورفع الظلم، وإحقاق الحق، وإقامة حدود الشرع؛ وله رسائل أخرى في مقاومة أهل البدع والتشنيع ببعض العوائد والمعتقدات([73]).
وقد التفتت حركة ابن فودي إلى أهمية هذا الكتاب، فاستعانت ببعض ما ورد فيه من كلام يناسب اتجاهها. ولذلك نجد الشيخ عثمان ينقل منه نصوصاً تتعلق ببعض البدع والعوائد، وخاصة في رسالته “نصيحة الزمان”، وكتابه المسمى “نجم الإخوان” في مواضع شتى، وكتاب “تعليم الإخوان بالأمور التي كفرنا بها ملوك السودان”، ورسالته المسماة “أجوبة محررة في مسائل مقررة” وغيرها. كما نقل عنه ولده محمد بلَّو في “إنفاق الميسور” في مواضع متعددة يقول في واحد منها: »إذ قد وجد في هذه البلاد طائفة مثل الطائفة التي ذكرها الحسن اليوسي، وهم طائفة نظروا في كلام من حَضَّ من الأئمة على النظر في علم التوحيد، وحَذَّر من الجهل فيه، ومن التقليد، فجعلوا يسألون الناس عما يعتقدون ويكلفونهم الجواب والإبانة عن الصواب«([74]).
ومن هذه النصوص التي ينقلها محمد بلَّو عن محاضرات اليوسي النص المشهور الذي يحكي قصة الشجرة الخضراء التي كان الناس في سجلماسة يعتقدون فيها اعتقادات فاسدة([75]).
وبجانب هذا، يتحدث المرحوم أحمد الألوري عن الشيخ عبد الله بن فُودي وآدابه وعلمه وتآليفه وأشعاره، ولا سيما مجموعته المسماة “تزيين الورقات”. ثم يقول: »والواقف على أشعاره هذه لا يتردد في الاعتقاد أن عبد الله فودي قد تأثر كثيراً بالحسن اليوسي صاحب “الدالية” في مدحه للشيخ ناصر الدرعي في داليته، فاقتدى به عبد الله في مدح شيخه جبريل في قصيدته المسماة: “عُج”«([76]).
وهذه القصيدة التي يشير إليها الألوري هي التي يقول عبد الله بن فودي في مطلعها([77]):
وهي قصيدة طويلة في 64 بيتاً حشيت بالغريب والحُوشيِّ من الألفاظ، ودلت على قدرة صاحبها اللغوية، وتضلعه من علومها كما هو معروف عنه.

عُجْ نحو أضواج([78]) الأحبة من مَج([79])
واشرب من الأنشاج([80]) ماء الزُّعْبج([81])
سُحَّ الدموعَ على منازلهم بها
قف عندها، سَلْ مَنْ بها، فعسى تُجب
واشف الجنان من الهموم الدُمَّج([82])
حَوجاء([83])َ أو لوْجاء([84]) تُرْضي مَنْ شُجِي([85])

أما القصيدة الدالية للحسن اليوسي([86]) التي يشير إليها الألوري، ويرجح أن يكون الشيخ الوزير عبد الله بن فودي قد تأثر بها، فقد كانت من الشيوخ الذي يحفظونها ويُدرِّسونها لطلابهم. فقد ذكر الشيخ عبد الله بن القاضي الحاج ـ من علماء نيجيريا في القرن التاسع عشر الميلادي ـ في كتاب ألفه في التعريف بشيخه أبي عبد الرحمن مصطفى بن محمد التورودي وذكر مناقبه([87])، ترجمة لأحد العلماء المغمورين المسمى »مُودِ مَاركان« ـ والاسم دال على أنه من أصل مغربي ـ كان شيخاً للتورودي، وكان »عالماً متقناً للفنون بارعاً في الصناعة العربية لا سيما اللغة، مبرزاً في المعقول وسائر العلوم النظرية كالمنطق وعلم الكلام، وحيد عصره وفريد دهره في الحسا وعلم الفرائض«. قال صاحب الكتاب: »وعلى هذا الشيخ المبارك ـ رحمه الله ـ قرأ شيخنا([88]) رضي الله عنه غالب كتب اللغة من ديوان الشعراء الستة و”المقامات([89]) الحريرية” وغيرها، ما عدا “الدالية” للإمام الأديب الحسن اليوسي رضي الله عنه و”الهمزية” للإمام البوصيري رحمه الله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فهما من جملة مسموعاته على شيخه الأكبر العالم العلامة عبد الله بن فودي رحمه الله، لأنه لما طلب قراءة هذين الكتابين على شيخه “مُودِ” اعتذر له بعدم نقله إياهما، فأحاله إلى شيخه الأكبر، فقال له: هو أوسع مني باعاً فيهما«([90]).
وما دمنا بصدد الحديث عن تأثير علماء المغرب في الحركة الفكرية والعلمية والدينية على عهد الدولة العثمانية الفودية، فلنختم بجزء آخر مما ورد في ترجمة “مَودِ مارُكان” لتعلقه بعالم مغربي آخر لم يكشف التورودي عن اسمه، وضع شرحاً على “تسهيل” ابن مالك في النحو، وكان له قبول حسن عند علماء المنطقة، قال القاضي عبد الله وهو يترجم للشيخ “مُودي” المذكور:
فناهيك من تحقيقه وتدقيقه، تصديه لاستنباط ما في تسهيل جمال الدين بن مالك رضي الله عنه مع صعوبة معانيه ودقة مبانيه وإعواز شروحه المتكلفة لبيانه في هذه البلاد، خلا شرح الدماميني رضي الله عنه، مع أن النسخ التي كانت هنا غير صحيحة ولا كاملة لما فيها من كثرة اللحن. وعلى نسخته التي كتبها بيده وصححها وهذبها بقوة عارضة نظره مدار من يتعاطى هذا الكتاب اليوم من الطلبة، وبها قرأنا على شيخنا، ثم مَنَّ الله تعالى عليه بعد وفاة شيخه([91]) الذي فتح الباب إلى سبيل هذا الكتاب، بشرح لطيف ظريف وجيز الألفاظ سهل العبارة، لعالم مغربي، فكان صغير الحجم. لقد بين مكنون متن “التسهيل” لكل ذي فهم، ولا شك أن هذا العالم الذي بذل جهده لو وجد هذا الشرح لاعتمد عليه، ولكان له عاضداً ومساعداً على تهذيبه وتنقيحه.

هوامش

([1]) مصادر ترجمة الشيخ عثمان والتعريف بحركته وجهاده كثيرة جداً ما بين عربية وأجنبية، نقتصر منها على ما يلي:
ـ إنفاق الميسور، لمحمد بلو، تحقيق بهيجة الشاذلي، معهد الدراسات الأفريقية، الرباط، سنة 1996 م.
ـ روض الجنان في ذكر بعض مناقب الشيخ عثمان، للوزير غطاط بن ليم، مخطوط مصور بالمركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية بالنيجر؛
ـ ضبط الملتقطات، للوزير جنيد من محمد البخاي، مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا (دون تاريخ).
ـ المجاهد الكبير في غرب أفريقيا الشيخ عثمان بن فودي، لأمين الدين أبو بكر، مطابع المختار الإسلامي، كانو، نيجيريا (دون تاريخ)؛
ـ روائح الأزهار من روض الجنان، للوزير جنيد بن محمد البخاي (مخطوط)؛
ـ أنيس الجليس في مناقب عثمان وأخيه وابنه الوزير، لغطاط بن ليم (مخطوط)؛
ـ تحفة الإخوان ببعض ما لشيخنا عثمان من الكرامات، للوزير جنيد بن محمد البخاري (مخطوط)؛
ـ عرف الريحان في التبرك بذكر الشيخ عثمان رضي الله عنه وذكر من اشتهر من أولاده عليهم من الرحمان أوفر الرضوان، للوزير جنيد بن محمد البخاري، مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا (دون تاريخ)؛ =
= ـ الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فودي الفلاني، للشيخ آدم عبد الله الألوري، ط. 3، سنة 1978 م (دون ذكر المكان)؛
ـ نبذة يسيرة تشير إلى بعض كرامات الشيخ عثمان بن فودي، لمحمد ماء الله يط بن عبد القادر بن المصطفى، مخطوط مصور بالمركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية بالنيجر؛
ـ قطائف الجنان في وظائف الشيخ عثمان، لمحمد ماء الله يط من عبد القادر بن المصطفى (ذكره ضمن الكتاب السابق وأحال عليه)، ص. 6.
([2]) كلمة “فودي” تعني الفقيه باللغة الفُلاَّنية، وقد ضبطها الشيخ عبد الله بن فودي (أخو عثمان) في فهرسته المسماة “إيداع النسوخ” فقال: “ولقبه فُودي (بفاء مضمومة ضمة إشمام، وبعد الواو دال مهملة مضمومة وبعدها ياء ممالة). وقد رأيت هذا الضبط موجوداً على عدد من عناوين كتب الشيخ عثمان المخطوطة على هذا النحو “فودي”، أي على نحو ما ترسم كلمات كثيرة في المصحف برواية ورش عن نافع مثل: الهدى ـ الضحى ـ الأولى ـ الحسنى ـ سجى ـ قلى ـ أغنى…، أي بياء بها علامة الإمالة، وهي ألف فوقها ونقطة واحدة تحتها. وقد جرت العادة على كتابة الكلمة في المطبوعات الحديثة بياء مثناة عادية “فودي”. ولذلك سار يقرأها الكثيرون بدال مكسورة عوض المضمومة تيسيراً للنطق. أما الذين كتبوا عن الشيخ عثمان وعائلته باللغات الأجنبية، فهم تارة يكتبون: Fodio (فوديو)، وتارة: Fudi (فودي)، وأخرى Fodiye (فوديي). أما المتداول حالياً على الألسنة في منطقة الهوسا وبلاد الفلان، فهو: “فُودْيُو”.
([3]) انظر نص الوثيقتين في: إنفاق الميسور، ص. 292. وقد أخطأ المرحوم آدم الألوري حين ذكر أن صاحب الرسالتين هو المولى أحمد. (انظر كتابي: الإمام المغيلي، والإسلام في نيجيريا).
([4]) يذهب بعض الباحثين إلى أنه كان ثاني شخصية تلقب بهذا اللقب في السودان الغربي بعد السلطان محمد أسكيا ملك السنغاي.
([5]) بلغت مؤلفات الشيخ عثمان حسبما يذكره محمد بلّو ولده في إنفاق الميسور أكثر من مئة، وأوصلها أحد الباحثين، وهو إسماعيل بلوغن، إلى 115 عنوان (انظر مقالته المنشورة بعنوان: « Uthman dan Fodio, The Mujaddid of West Africa »، ضمن كتاب: Studies in History of the Sohoto Caliphaate الذي نشرته جامعة أحمد بلَّو بزاريا (لاغوس ـ نيجيريا، 1995)، ص. 485 وما بعدها. وبلغت مؤلفات أخيه عبد الله نحو المئتين، وزادت مؤلفات محمد بلَّو على المئة، وأكثر هذه الأعمال ما يزال مخطوطاً وبعضه طبع بطريقة التصوير في نيجيريا.
([6]) ألف الشيخ عثمان رسالة في الحث على تعليم المرأة سماها: “كتاب تنبيه الإخوان على جواز اتخاذ المجلس لتعليم النسوان” (مطبوع في صوكوتو بطريقة التصوير، دون تاريخ)، ودافع فيه عن حق المرأة في تعليم شؤون دينها.
([7]) منهم: توماس أرنولد في كتابه “الدعوة للإسلام”؛ وحسن إبراهيم حسن في كتابه “انتشار الإسلام في القارة الأفريقية »؛ والدكتور عبد الرحمن زكي في كتابه “تاريخ الدول الإسلامية السودانية”؛ والدكتور عبد الحميد بخيت في كتابه “المجتمع العربي الإسلامي” (انظر كتاب “الثقافة العربية في نيجيريا”، للدكتور علي أبو بكر، ط 1، 1972 م، ص. 111).
([8]) من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها الدكتور حسن أحمد محمود ـ وهو من أصحاب هذا الرأي ـ قوله يتحدث عن الشيخ عثمان ابن فودي: »ثم رحل إلى بلاد الحجاز وذهب إلى مكة، وكانت الوهابية قد انتشرت في الحجاز، ذاعت مبادؤها في الإصلاح وحققت قدراً كبيراً من النجاح بالتحالف الذي تم بينها وبين آل سعود، وقد خالط عثمان دعاة الوهابيين واستمع إليهم، وتشرب مبادئهم وتحمس لها، فأيقظت في نفسه الرغبة الملحة في أن يحارب البدع في بلاده كما حاربها الوهابيون في بلادهم، وأن يعلنها ثورة على أولي الأمر كما كانت الوهابية ثورة على السلطان والمفاسد…« (الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 3، 1986 م، ص. 216).
ومن المسلم به أن الشيخ عثمان لم تكتب له زيارة الحجاز ولا العمرة ولا الحج كما سنرى. وقد حاول مرة أن يرافق شيخه جبريل بن عمران لأداء الفريضة، فمنعه أبوه من ذلك. ولذلك، فإن كل ما قاله هذا المؤلف هو من باب الوهم والرجم بالغيب. ولعل الخطأ أتاه من اعتماده المطلق على بعض الأقوال دون تثبت ولا تحقق.
([9]) الإمام المغيلي وآثاره في الحكومة الإسلامية في القرون الوسطى في نيجيريا، آدم عبد الله الألوري، ط 1، مصر، 1974 م، ص. 27.
([10]) لعل ما يقصد إليه المرحوم الألوري هو أنها لم تكن معروفة بشكل واسع، وإلا فمن الثابت تاريخياً أنه قبل سنة 1218 هـ التي استولى فيها الأمير سعود بن عبد العزيز حامل دعوة ابن عبد الوهاب وناشرها على مكة، كانت هناك وفود من العلماء تأتي من الشيخ ابن عبد الوهاب وأمراء نجد إلى 1179 هـ، لكن يظهر أن اتصالات هذه الوفود كانت محدودة جداً مقصورة على الحاكم وعلمائه الذين كان لهم موقف متصلب من دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب كما كانت الوفود النجدية تمنع من الحج في كثير من المناسبات (انظر: مسعود الندوي، محمد بن عبد الوهاب، منشورات جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية، 1404 هـ/ 1984 م؛ والدكتور صالح بن عبد الله العبود، عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، منشورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1408 هـ).
([11]) آدم عبد الله الألوري، الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فودي الفلاني، صص. 90 – 100؛ وانظر أيضاً كتابه عن الإمام المغيلي، صص. 35 ـ 38.
([12]) أمين الدين أبو بكر، المجاهد الكبير في غرب أفريقيا: الشيخ عثمان بن فودي، ص. 37. ومن الثابت أن الشيخ محمد ثَنْبُو قد مكث في الديار المقدسة بضع عشرة سنة؛ ولكنه بمجرد عودته، عاجلته المنية في أقدَس كما يقول عبد الله بن فودي في كتابه: إيداع النسوخ من أخذت عنه من الشيوخ/ منشور بزاريا ـ نيجيريا، مكتبة نولا، سنة 1958 م، ص. 4.
([13]) من التراث الذي خلفه الشيخ جبريل بن عمر في محاربة البدع منظومته الرجزية “في تكفير أهل السودان بالمعاصي التي لا يأخذها التأويل”، وهي واقعة في 26 بيتاً، ضمنها تلميذه الشيخ عثمان في “شفاء الغليل فيما أشكل من كلام شيخ شيوخنا جبريل” وعلق عليها.
([14]) إنفاق الميسور، ص. 78. وذكر محمد بلَّو أنه نقل هذا الكلام من كتاب الشيخ المسمى “شفاء الغليل فيما أشكل من كلام شيخ شيوخنا جبريل”. وفي المركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية بالنيجر نسخة مصورة من كتاب “شفاء الغليل…” في صفحتين، لكن لم يرد بها هذا الكلام الذي نقله عنه ولده محمد بلَّو في “إنفاق الميسور”.
([15]) الشيخ عبد الله بن فودي، تزيين الورقات، مطبوع بالتصوير في نيجيريا (دون تاريخ)، ص. 12.
([16]) ولد آدم بن محمد الفندكي صاحب “الآثار الكنوية من الفوداوية إلى الفلانية” سنة 1903 م.
([17]) يقصد ابتداء أمر دعوة ابن فودي.
([18]) الآثار الكنوية، ص. 32، مصور عن مخطوط خاص.
([19]) إنفاق الميسور، ص. 70.
([20]) ورد النص ضمن باب بعنوان: “باب في الكلام على الدولة الرابعة الفلانية العثمانية، وهي مما أخبر به كثير من الأولياء والعلماء، وقد أخبر بها المنجمون… وأخبر بها أهل الجفر نحو ستمئة سنة وعشرين سنة هجرية. وقد ذكرها أبو العباس اليوني في كتاب “شمس المعارف”…”.
([21]) مصادر ترجمة المغيلي كثيرة جداً ما بين قديمة وحديثة، نكتفي منها بذكر ما يلي:
1 ـ دوحة الناشر، لابن عساكر؛
2 ـ نيل الابتهاج، للتنبكتي؛
3 ـ البستان، لابن مريم؛
4 ـ شجرة النور الزكية، لابن مخلوف؛
5 ـ لقط الفرائد، لابن القاضي؛
6 ـ فهرس الفهارس، للكتاني؛
7 ـ تعريف الخلف، للحفناوي؛
8 ـ معجم أعلام الجزائر، لعادل نويهض؛
9 ـ دائرة المعارف الإسلامية (مادة: “المغيلي”)؛
10 ـ الإمام المغيلي وآثاره في الحكومة الإسلامية في القرون الوسطى في نيجيريا، لآدم عبد الله الألوري؛
11 ـ The Life and Teaching of Al-Maghali، وهي أطروحة دكتوراه قدمها حسن إبراهيم كوارزو سنة 1972 م بلندن (مرقونة).
12 ـ فراج عطا سالم، ومحمد بن عبد الكريم المغيلي، “دراسة تاريخية ببلوغرافية”، مجلة عالم الكتب، الرياض، م 11، ع 3، 1990.
([22]) منطقة “ساي” هذه هي التي توجد بها الجامعة الإسلامية بالنيجر حالياً، وتبعد عن نيامي بحوالي 50 كلم.
([23]) Paul Marty, L’Islam et les tribus dans la colonie du Niger, p. 342.
([24]) طبعت هذه المجموعة طبعات متعددة وترجمت إلى الإنجليزية، وآخر طبعاتها صدرت سنة 1994 م، عن دار ابن حزم (بيروت)، بتحقيق محمد خير رمضان يوسف.
([25]) ترجمها ريشار بلمر (R. Palmer) إلى الأنجليزية سنة 1914 م، ثم نشرها الألوري في كتابه “الإسلام في نيجيريا”، وضمنت أيضاً في كتاب “ضياء السياسات” لعبد الله بن فودي الذي نشره د. أحمد كاني سنة 1988.
([26]) نشرها عبد القادر زبابدية سنة 1974 م بالجزائر وترجمت إلى الفرنسية والإنجليزية.
([27]) انظر النصوص الخاصة بذلك في كتاب بول مارتي عن: كنتة الشرقيون، تعريب محمد محمود ولد ودادي، دمشق، 1985؛ وانظر كذلك: خ. هونوبك في مقاله عن المغيلي بدائرة المعارف الإسلامية، ط. الفرنسية.
([28]) آدم الألوري، الإسلام في نيجيريا، ص. 43.
([29]) بول مارتي، كنتة الشرقيون، مرجع مذكور، صص. 32 ـ 33، و ص. 141.
([30]) العلاقات بين المغلرب الأقصى والسودان الغربي في عهد السلطنتين الإسلاميتين مالي وسنغي، جدة، 1970، ص. 192.
([31]) الدكتور غلادنثي، حركة اللغة العربية وآدابها بنيجيريا، ط, 2، الرياض، 1993 م، ص. 42. ويذكر هذا المؤلف أن أحفاد المغيلي في كانو ما يزالون إلى اليوم يحضرون مجلس أمير كانو، ويكونون في حاشيته.
([32]) مصباح الدراسات الأدبية في الديار النيجيرية، ط 2، 1992، (دون ذكر المكان)، صص. 18 ـ 19.
([33]) نذكر منها تلك المناظرات والمناقشات والمطارحات السياسية والدينية التي دارت بين ابن فودي ورجال دعوته، وبين الأمير محمد الأمين الكانمي، والتي أوردها محمد بلو في “إنفاق الميسور” وغيره.
([34]) لم يكن ابن فودي ورجال دعوته هم وحدهم الذين يستندون إلى كتابات المغيلي ووصاياه في إسناد آرائهم وتدعيم مذهبهم، بل كان كثير من رجال الدعوة والسياسة أيضاً يفعلون مثل ذلك. ومن الأمثلة عليه كتاب “تيسير الفتاح في الدب عن أهل الصلاح” الذي ألفه محمد أكنا السوقي (نسبة إلى كل السوق من بلاد الطوارق والواقعة حالياً ضمن بلاد مالي)، ثم الكُنْهاني في 121 صفحة كبيرة. فقد ألفه صاحبه في الرد على رجل عاب عليه وعلى قومه أنهم ساكنوا الكفار ولم يهاجروا، محتجّاً بنصوص للمغيلي من أجوبته لأسكيا ومن رسالته المسماة “مصباح الأرواح”، فكان المؤلف يتتبع عبارات المغيلي ويحللها ويشرحها ويرد على خصمه بما فهمه منها، والكتاب مخطوط بالنيجر تحصلت منه على مصورة خاصة بواسطة الأخ الأستاذ أحمد محمد الشفيع.
([35]) وصل عدد مؤلفاته حسب مقالة “دائرة المعارف الإسلامية” إلى 26 عنواناً، وتجاوزت الثلاثين عند بعض الباحثين.
([36]) نشرها رابح بونادر بهذا العنوان سنة 1968 م، بالجزائر.
([37]) مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا.
([38]) مخطوط مصور بالمركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي التابع للجامعة الإسلامية بالنيجر.
([39]) كذلك.
([40]) مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا (دون تاريخ).
([41]) كذلك.
([42]) كذلك.
([43]) كذلك.
([44]) كذلك.
([45]) كذلك.
([46]) حصن الأفهام، مطبوع بمطبعة الزاوية بالقاهرة؛ ثم طبع بطريقة التصوير في كانو بنيجيريا، سنة 1986 م، بتحقيق د. فضل الرحمان الصديقي.
([47]) الإمام المغيلي، ص. 34.
([48]) كذا.
([49]) مخطوط مصور بالمركز الأفريقي بالجامعة الإسلامية بالنيجر.
([50]) طبعة رابح بونار كما تقدم في هامش سابق.
([51]) مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا (دون تاريخ).
([52]) أصول الولاية، ص. 1.
([53]) لم يُسمِّ الشيخ عثمان كتاب الغزالي الذي لخص منه هذه الأًول العشرة ولم يذكر عنوانه. بالرجوع إلى مؤلفات الغزالي، اتضح أن النقل وقع من كتابه المسمى “التبر المسبوك في نصيحة الملوك”، ثم إن الشيخ عثمان خلط بين ما سماه الغزالي بأصول العدل والإنصاف، وهي عشرة؛ وبين ما سماه بأصول شجرة الإيمان، وهي عشرة أيضاً. فالأصلان التاسع والعاشر المذكوران هنا على أنهما من تمام أصول العدل مذكوران عند الغزالي بين أصول شجرة الإيمان. أما التاسع من أصول العدل، فهو قول الغزالي: »أن نجتهد أن ترضى عنك جميع رعيتك بموافقة الشرع… «؛ والأصل العاشر: »أن لا يطلب [السلطان] رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع…«.
([54]) المصدر نفسه، ص.15.
([55]) مطبوع بطريقة التصوير في نيجيريا.
([56]) منها القصيدة الرائية التي كتبها بالفلانية ثم عربها أخوه عبد الله، وضمنها كتابه “تزيين الورقات”، وختم كل بيت منها باسم عبد القادر.
([57]) الإمام المغيلي، مرجع مذكور، ص. 34.
([58]) مطبوع في نيجيريا بطريقة التصوير (دون تاريخ).
([59]) مطبوع في دار العربية، بيروت (دون تاريخ).
([60]) ضياء الحكام، ص. 18.
([61]) حققه وقدم له ونشره د. أحمد كاني، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ط 1، سنة 1988.
([62]) ضياء السياسات، ص. 81.
([63]) انظر ترجمة ابن الحاج في الديباج، لابن فرحون، ج 2، ص. 321.
([64]) انظر شجرة النور الزكية، ص. 218.
([65]) اعتمدنا على طبعة دار الفكر، بيروت، 1986 م.
([66]) انظر: فتح الشكور عند ترجمته لأحمد السوداني، تحقيق محمد إبراهيم الكتاني ومحمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1981 م، ص. 30.
([67]) مطبوع بكانو، نيجيريا (دون تاريخ).
([68]) حققه وترجمه إلى الأنجليزية وقدم له: فتحي حسن المصري، وطبعته دار جامعة الخرطوم للنشر، 1997.
([69]) مخطوط مصور بالمركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي التابع للجامعة الإسلامية بالنيجر.
([70]) كذلك.
([71]) آدم الألوري، الإمام المغيلي، ص. 36.
([72]) المرجع نفسه، ص. 90.
([73]) كذلك انظر: د. عباس الجراري، عبقرية اليوسي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط 1، 1981، ص. 125.
([74]) إنفاق الميسور، ص. 97.
([75]) المرجع نفسه، ص. 246.
([76]) مصباح الدراسات الأدبية، مرجع مذكور، ص. 64 ـ 65.
([77]) تزيين الورقات، صص. 10 ـ 11. ولعله من غريب الصدف أن يكون جامع ديوانه “تزيين الورقات”، المطبوع في نيجيريا طبعة مصورة، واحداً من أبناء المغاربة في الأصل، وهو الحاج عبد الرحمان بن الحاج عثمان المغربي الصكتي مولداً وموطناً. إلا أن هذا الديوان طبع طبعة أخرى محققة سنة 1925 م في إبادان على يد M. Heskett مع ترجمة. إلى اللغة الأنجليزية، ولم يرد في هذه الطبعة ذكر لهذا المغربي جامع الديوان كما ورد في الطبعة الصوكوتوية المصورة.
([78]) أضواج: ج ضَوْج، وهو منعطف الوادي.
([79]) مَج: واد هنالك كان قد نزل فيه الشيخ جبريل.
([80]) أنشاج: جمع نَشَج، وهو مجرى الماء.
([81]) الزَّعْبج، كجعفر: الغيم الأبيض والرقيق والخفيف.
([82]) الدُمَّج: المُدمجة، أي الداخلية.
([83]) حوجا: تأنيث أحوج، وهو المحتاج.
([84]) لوجاء: يقال: مالي فيه حوجاء ولا لوجاء، أي حاجة؛ ولوجاء أيضاً: ملتوية.
([85]) شُجِي: أُحْزِنَ أو حَزِنَ.
([86]) وهي تزيد على خمسمئة بيت مطلعها:
عَرِّجْ بمنـعرج الهضاب الوُرَّدِ
بين اللَّصاب وبين ذات الأرمدِ
([87]) مخطوط مصور بالمركز الأفريقي لإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية بالنيجر (دون عنوان).
([88]) يقصد مصطفى التورودي.
([89]) في الأصل “المقامة”، وهو خطأ في الرسم.
([90]) المرجع نفسه، ص. 13. ويذكر المؤلف أن هذا العالم ذا الأصل المغربي (مودِ مارُكَانْ) مات بمدينة صوكوتو وفيها دفن، وحضر جنازته السلطان محمد بلَّو وجميع من في المدينة من الصلحاء والعلماء وأكابر الفضلاء.
([91]) يقصد الشيخ مودي مَارُوكَانْ.

* رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر/مجلة “التاريخ العربي”