الرئيسية / دراسات / المفهوم الإنثروبولوجي للطقس المسكوت عنه في الأبنية الاجتماعية
043647a9b05561799d45bc5438ec3833

المفهوم الإنثروبولوجي للطقس المسكوت عنه في الأبنية الاجتماعية

يعرف الإنثروبولوجيون الطقس بأنه “أي تنظيم مركب للنشاط الإنساني ليست له طبيعة فنية (تقنية) أو ترويحية بارزة ويتضمن استخدام أساليب السلوك التي تتسم بقدرتها علي التعبير عن العلاقات الاجتماعية”.
وعلي الرغم من كون هذا التعريف يضم أهم الملامح الطقسية إلا أنه يتجاهل الهدف وراء هذه الطقوس، والاختلافات الهامة للغاية بين الأفعال الطقوسية المتباينة، وأول خصائص الطقس كما يدلنا عليها التعريف، السابق هي التنظيم، فالطقس عمل منظم – وهذا ينفي عنه صفة الارتجال أو التغيير بين أجزائه أو الحذف منها لأن الطقس يرتبط عادة بفعل نفعي للجماعة أو لأحد أفرادها وهو ما يؤكده الجزء الثاني من التعريف فالجانب الترويحي أو الفني ليس مقصودا لذاته من فعل الطقس ولكنه قد يوجد عرضيا في أحد الطقوس ولا يوجد في بعضها الآخر، فالإخلال بالتنظيم داخل نسق الطقس قد يؤدي إلي فشل الفعل الطقسي في الوصول إلي مبتغاه، ويعود هذا الاهتمام بالحفاظ علي تنظيم نسق الطقس إلي “أنه يجسد واقعا صافيًا سابقًا علي الاتصال” أي إن هذا الطقس تمت تجربته من قبل الأجداد وأثبت فاعليته، لذا لا يلجأ المرء وخاصة الإنسان القديم إلي السؤال بلماذا؟ حيال الطقس ولكن إلي انتظار الإجابة بعد أدائه له كما “توارثه من الأجداد. ومع ذلك ليس الطقس استاتيكيا” فقد يتم إعادة صياغة بعض أجزائه بفعل ممارسين لهم القدرة علي الابتكار أو الإبداع في بعض أجزائه وتثبت هذه التغيرات فاعلية أفضل اتجاه غرض الطقس. أو بفعل الاحتكاك مع الآخر الذي يملك صيغ ثقافية مختلفة عن السياق الثقافي الأصلي للطقس، وهذا الاحتكاك قد يفرغ الطقس من مغزاه كلية ويصبح فقط مجرد شكل من أشكال التجمعات البشرية للجماعة، أو علي أفضل تقدير، إعادة تشكيل وصياغة بعض الطقوس. مع مراعاة أنه في الطقس تميل حتي الأفكار الجديدة إلي تنظيم ذاتها داخل السياق القديم.
وهذا التنظيم يستلزم بالضرورة تفعيله داخل حدود زمان ومكان بعينه كإطار لا يتم النظام بدونهما فطقوس التلقين والانتقال تتم عقب وصول الشاب إلي سن البلوغ بحيث يمكنه حمل قيم الجماعة، واحتفالات ديونيسيوس التي أنبتت الدراما كانت تتم في فصل الربيع، والطقوس المرتبطة بالشعيرة الدينية تتم داخل أماكن العبادة الخاصة بالآلهة وهكذا.
والطقس يرتبط دائمًا بالمشاركة التي تقوم بين أفراد الجماعة بحيث تصبح “أفعال يؤديها مؤدون علي علم واسع لجمهور معين يعرف مجموعة أفعال يشارك بها استجابة لهذا الأداء” وبهذا تكون المشاركة واجبة من قبل جميع أفراد الجماعة فلا يمكن أن يوجد فرد يشاهد الفعل الطقسي ثم يتاح له الادعاء بأنه قد مارس هذا الطقس لمجرد مشاركته بالمشاهدة.
ولابد من التمييز النسبي بين الطقس والشعيرة، فالشعيرة “فئة أكثر تحديدًا تتميز باعتمادها علي بعض الأفكار وكذلك الغايات والوسائل الروحية أو الدينية، فالشعيرة بهذا المعني تعد من الناحية الرمزية أكثر تعقيدًا، وتنطوي علي اعتبارات نفسية واجتماعية أعمق” ويمكن علي هذا تمييز الشعيرة علي أساس كونها شكل من أشكال الطقوس الذي يتميز بطابعه الديني وعلي هذا يصبح لدينا طقس:
1 – اجتماعي يختص بنشاط الجماعة وعلاقات أفرادها الدنيوية والتي تربط بعضهم ببعض وتعبر عن سياقهم الثقافي والاجتماعي المشترك.
2 – طقس ديني يعبر عن العلاقة بين هذه الجماعة القوي الميتافيزيقية “الشعائر بوصفها أداة لدعم وتقوية العاطفة الجمعية والتكامل الاجتماعي”. وعلي هذا نظر بعض الأنثروبولوجيين خاصة أصحاب الاتجاه الاجتماعي كموس وفان جنب وراد كليف بروان وغيرهم إلي “الدور الذي تؤديه الشعائر وكيفية تعبيرها عن خصائص البناء الاجتماعي. وتحليل مضمون الشعائر، أو تحليل ما تقوله الشعيرة”. فالشعيرة أو الطقس يمكننا عن طريق تحليلها أن نتعرف علي الأبنية الاجتماعية ونظامها داخل مجتمع الطقس، بل وأيضًا الأنساق الثقافية السائدة باعتبارها أحد هذه الأبنية الاجتماعية.
ويرتبط الطقس والشعيرة الدينية والرمز برباط لصيق وبفك شفرات الرموز الذي يمتلئ بها فعل الطقس، خاصة الشعائر الدينية يمكننا أن نلم بما تفعله أو تؤديه هذه الشعيرة وما تقوله، وبالتالي التعرف علي مجتمع الشعيرة، فمثلاً “الملاحظ أن الفعل الشعائري يعتمد علي اللغة الشعائرية ليزداد فاعلية وتأثيرًا وإن كان الباحثون ينسبون لكل منهما درجة مختلفة من التأكيد علي الجوانب السوسيولوجية والرمزية لتفسيرهما”. فكل شيء داخل الشعيرة يكتسب دلالته من أنساق الرموز التي تنتظم داخله وتهبه طائفة عريضة من المعاني بدءًا من الدلالات الفسيولوجية والسيكولوجية وانتهاءً بالدلالات الاجتماعية والمجردة، وهذا هو ما يؤدي إلي التعقيد والغموض الذي يلازم الشعيرة عن باقي الطقوس “بهذا يكون للشعيرة عدة مستويات للمعني وعدة أساليب للغموض، ولكنها تستهدف في النهاية ربط المبادئ المجردة، والعلاقات الاجتماعية بالواقع الفسيولوجي والنفسي، وإن كان يتم بطريقة ليست مغرقة في البساطة والحتمية”. والرمز يشمل أيضًا الأداء الطقسي المؤسلب Stylised ولارتباط الشعيرة بالقوي الميتافيزيقة فهي ترتبط بمفهوم الغائب الحاضر في طقوس التجلي والحلول، وهذا المفهوم سيكون فيما بعد إحدي الدوائر المشتركة بين الطقس والمسرح.
والتجلي والحلول “يعني أن يقوم فرد أو الجماعة (حال كونهم في حالة النشوة التي يهدفون من خلالها إلي الاتحاد مع القوة الميتافيزيقية أو المقدسة) بتجسيد شخصية واضحة المعالم. ويوجد هنا شكلاً من أشكال الوعي الذي يدفع الفرد إلي بذل الجهد لإحراز هذا الاتحاد الوثيق ومن خلال اشتغال الفرد علي ذاته فإنه، يخرج خارج دائرة ذاته ويجسد شخصية تعكس حالته العاطفية” وهذا ينطبق فقط علي الشعيرة أما في بعض الطقوس الأخري قد يميل الطقس إلي الأداء التظاهري أي المحافظة علي وجود مسافة تبعيدية بين مؤدي الطقس والشيء الذي يحاكيه أو قد يتضمن الأداء النوعين التظاهر والتقمص معًا.
وارتباط الطقس بفائدة نفعية للجماعة لابد أن ينتج عنه تكرار هذا الطقس، طالما ظلت الجماعة بحاجة إلي الغرض الذي يحققه الطقس، وقد ينقلب الاحتفال الشعائري الديني إلي طقس اجتماعي إذا تم تغيير ما داخل المعتقد الديني للمجتمع.
ومن أحد المعالم التي تعد لصيقة بمفهوم الطقس والشعيرة الحفل المراسمي  Ceremony الذي يستخدم أحيانا كمرادف لهما والحفل المراسمي “هو أداء أسلوبي يتخذ شكلاً محددًا، وغالبًا ما يكون عامًا، ويتضمن دائمًا أكثرًا من مشارك أو مراقب، وهو يميز تراثًا ثقافيًا معينًا، ولذلك فإن دراسة الحفل المراسمي هي دراسة لأشكال الأداء الأسلوبية هذه وسياقها الثقافي والاجتماعي والطقسي”.
أما دراسة الطقس ذاتها فهي أكثر اتساعًا، فالحفل المراسمي جزء من الطقس وليس كل الطقس، كما أن هناك كثيرًا من الاحتفالات سواء قديمًا أو حديثًا لا تتضمن عناصر طقسية.
ويمكننا أن نذكر في النهاية إجمالاً لخصائص الطقس في النقاط التالية:
1  – التنظيم الذي لا يقبل الارتجال أو الحذف والإضافة والتبديل بين الأجزاء إلا في حالات بعينها.
2  – الاحتفال الجماعي الذي عادة ما يصاحب الطقس.
-3  الإله الغائب الحاضر في الشعيرة الدينية.
– 4 تكرار الطقس.
-5 الرمزية.
-6 النفع الذي يعود علي الجماعة أو الفرد من الطقس.