الرئيسية / ثقافة ومعرفة / المحددات الظرفية والثوابت التاريخية لثورة الملك والشعب في المغرب
11870763_1078019668877748_1329281659391450716_n

المحددات الظرفية والثوابت التاريخية لثورة الملك والشعب في المغرب

أمام تعدد الملاحم المغربية، و تنوع البطولات و المواقف الحاسمة للشعب المغربي وملكه، ورغم رصيدنا الحضاري الثمين و الغنى و ثراء تاريخنا بالأمجاد و المفاخر، فإن ثورة الملك والشعب بكل المعايير الوطنية و المعايير التاريخية ستبقى على الدوام، معلمة متميزة، شديدة الخصوصية على طريق الكفاح الوطني قل نظيرها عند الشعوب والأمم.
و حتى لا يكون الحديث عن ثورة الملك والشعب في المغرب (20 غشت 1953) خطابا وتكرارا لما قيل عن هذه المناسبة العظيمة، سأتحدث عن ثورة الملك والشعب لا من داخلها بكل جزئيتها وخصائصها، بقدر ما سأتحدث عن إطارها التاريخي العام، أي عن محدداتها الظرفية وثوابتها التاريخية، لأن ثورة الملك و الشعب أصبحت جزءا من تاريخنا، إنها تراثنا الحي الجدير بأن يكون حيا في ذاكرة الأجيال، الملتصق بالحاضر، المتمثل للماضي، و الملهم للمستقبل.
و دورنا اليوم، هو تخليد هذا التراث النضالي الذي يسجل كفاح أبناء الشعب المغربي ملكا و شعبا، من أجل الاستقلال و الكرامة و التقدم.
إن ثورة الملك والشعب، تتمثل، من جهة، في تحدي و تصدي المغفور له محمد الخامس، لغطرسة، و تهديدات ” جوان” و ” كيوم ” و رفضه لكل تنازل أو مساومة لسلطات الحماية، مما أدى إلى خلعه ونفيه مع أسرته في 20 غشت 1953. ومن جهة أخرى، انتفاضة الشعب المغربي، وقيام الثورة المقدسة الشاملة المنظمة و الموجهة سياسيا وايدولوجيا، المتمثلة في أعمال الحركة الوطنية السياسية والمقاومة المسلحة وحركة الفداء وجيش التحرير، التي انطلقت في خريف سنة 1953 بعد حوالي شهرين من نفي الملك الراحل محمد الخامس. و نعرف أن هذه الحركة قد انتهت عمليا في خريف سنة 1955 مع عودة محمد الخامس، و إعلانه الاستقلال إثر وصوله إلى المغرب بكلمته الشهيرة: ” لقد انقضى عهد الحجر والحماية، و بزغ فجر الاستقلال و الحرية ” .
لقد دامت حركة المقاومة إذن ثلاث سنوات فقط، إنها مدة قصيرة في حياة الشعب، ولكنها مع قصرها أنجزت مهمتها وحققت الأهداف المتوخاة منها، وهي: عودة محمد الخامس، رمز الوحدة و المشروعية الوطنية لدولة المغرب، والاعتراف بالاستقلال.
و بذلك كان المغرب في مقدمة الدول الإفريقية، التي حققت استقلالها بقوة السلاح، وفي أسرع وقت و بأقل خسارة. وهذا الانجاز السريع، الهائل، هو نتيجة لتلاحم الملك والشعب، و نتيجة لفعالية تنظيمات المقاومة و بطولات رجالها ومؤازرة الشعب كله لها.
سأتحدث الآن عن ثورة الملك و الشعب ضمن إطار تاريخي عام، و هذا ليس مما يقلل من أهميتها. بل بالعكس، إن اندراجها ضمن إطار تاريخي مغربي عام، معناه أنها ليست ثورة يتيمة أو صرخة في فراغ و لا ثورة رد فعل مؤقت، بل معناه أنها ثورة أصيلة متأصلة تجد كل مقوماتها في تاريخ المغرب الأصيل، وليست طارئة عليه، ولا مستوردة إليه.

I . المحددات التاريخية الظرفية لثورة الملك و الشعب في المغرب

و لكي أبرز أهمية هذا النوع من النظرة التاريخية العامة لثورة الملك و الشعب سأبدأ أولا، باستعراض أهم المحددات التاريخية الظرفية، الداخلية منها والخارجية التي أسست وهيأت ثورة الملك والشعب من أجل الاستقلال.
إن ثورة الملك والشعب التي انطلقت في خريف سنة 1953، كانت تتويجا للكفاح الوطني الذي قاده الملك محمد الخامس و الحركة الوطنية، والشعب المغربي منذ الثلاثينات، انطلاقا من الظهير البربري الصادر في 16 مايو 1930.
و قد تكفي الإشارة هنا، إلى أن عملية عزل محمد الخامس و نفيه سنة 1953 قد أخرجتها سلطات الاحتلال إخراجا مسرحيا جعلت فيه من زعماء القبائل، العملاء للاستعمار، الشخصيات البارزة على خشبة المسرح.
إذن فمن الضروري بمكان اتخاذ الحدث التاريخي المعروف بالظهير البربري، رغم ما قيل ويقال عنه، محددا تاريخيا ظرفيا أساسيا، نقرأ على جهاته المختلفة الأحداث التاريخية التي عرفها المغرب قبل وبعد فرض الحماية عليه، إلى حين استقلاله. وفي الموضوع الذي يهمنا هنا، يمكن التأكيد على أنه بدون اعتماد هذا المحدد، أي الظهير البربري، سيبقى الحديث عائما مقطوع الصلة بالواقع.
إن الظهير البربري كان يراد به، كم يفهم في حينه، فصل المغاربة الذين هم من أصل ” بربري أمازيغي ” عن الدين الإسلامي، و إخضاعهم لحكم العرف المسمى بالأمازيغية ” إزرف ” وللأحكام القضائية الفرنسية، وبالتالي محاولة فرنستهم.
من هنا فإن الأبعاد السياسية و الدينية والثقافية و الحضارية لهذا الظهير، كانت واضحة الخطورة على المغرب؛ واضحة الخطورة على كيانه التشريعي، و كيانه كدولة واحدة، و كشعب واحد تتحدد هويته الثقافية و الحضارية بانتمائه إلى القارة الإفريقية وإلى الوطن العربي بأبعادهما الجغرافية التاريخية و البشرية والدينية والثقافية.. لخ.
إن عمل سلطات الحماية، من خلال سياستها ” البربرية ” تلك، القائمة على مبدأ ” فرق تسد ” لم يسر في الاتجاه الذي كانت تسير عليه الأمور في الواقع. كان عملها في الحقيقة يسير في اتجاه معاكس تماما. و لذلك وجدت سياستها ” البربرية ” نفسها أمام مقاومة صلبة، صامدة. ليس من العرب فحسب بل من “البربر” أيضا. إنهم المغاربة جميعا الذين هبوا للدفاع ضد الاستعمار و سياسته، مباشرة بمجرد الإعلان عن”الظهير البربري” وقد سجلت مقاومة “الظهير البربري” من طرف الشعب المغربي، الميلاد الرسمي للحركة الوطنية. تلك الحركة التي ارتكز دورها في إيقاد الوعي الوطني في المغرب الحديث و التهابه. وبرنامج الحركة الوطنية، التي قامت كرد فعل مباشر ضد…الظهير البربري…سيتمحور حول الدفاع عن ما استهدف ذلك “الظهير” مسه و النيل منه، وهو الدفاع عن وحدة الكيان المغربي، و عن هويته العربية السلامية الإفريقية، و عن سيادة الملك و شرعيته، و بما أن معاهدة الحماية التي فرضها الاستعمار الفرنسي على المغرب تنص هي نفسها، من جهة ” على إنشاء نظام جديد في المغرب قوامه إحداث إصلاحات في الميادين الإدارية و القضائية، و التعليمية، والاقتصادية، والمالية والعسكرية…الخ…” و تنص، من جهة أخرى، على أن ” هذا النظام الجديد سيحافظ على الوضعية الدينية، و على حرية الملك و مكانته الشرعية المعتادة، وعلى تطبيق الدين الإسلامي، و صون المؤسسات الإسلامية ” (المادة الأولى من المعاهدة ).
و بما أن هذه المعاهدة تنص على هذا و ذاك، فقد انطلقت الحركة الوطنية، من كون سلطات الحماية قد أخلت بالتزاماتها، فعلاوة على أن سياستها البربرية تمس مسا خطيرا ب ” الوضعية الدينية ” و ب ” مكانة الملك الشرعية ” و نستهدف ضرب الكيان المغربي في الصميم، أي في وحدته الوطنية، فهي اعني سلطات الحماية لم تقم بما وعدت به من إصلاحات تحديثية.
من هنا ارتكزت الحركة الوطنية في مقاومتها ل “الظهير البربري” على ثلاثة مبادئ، و هي: وحدة الأمة المغربية، و هويتها العربية الإسلامية الإفريقية، و سيادة الملك محمد الخامس بوصفه ملك المغرب ككل و المجسم لوحدته. هذه المبادئ التي سيتأسس عليها الوعي الوطني في المغرب، خلال فترة الثلاثينات و الأربعينات و الخمسينات حتى عودة محمد الخامس، و الاعتراف للمغرب بالاستقلال سنة 1956.
فإلى جانب هذا، نجد أن ثورة الملك و الشعب لم تكن تتويجا للكفاح الوطني الذي قادته الحركة الوطنية منذ الثلاثينات، بل كان أيضا تتويجا للتطور الداخلي الذي عرفته هذه الحركة نفسها: إن الانتقال من “دفتر المطالب الإصلاحية ” الذي قدمته الحركة الوطنية الفتية سنة 1934 باسم ” مطالب الشعب المغربي ” و هي مطالب تستهدف خلق وضعية متطورة تمهيدا للاستقلال، إن الانتقال من هذه ” المطالب ” إلى “عريضة الاستقلال ” سنة 1944، التي ترفض المحاولات الإصلاحية الجزئية، و نطالب بالاستقلال، جاء نتيجة لنمو و تطور الحركة الوطنية و انتشارها، مما مكن تجدر الحركة الوطنية داخل صفوف الجماهير، و ظهور قيادات محلية و إطارات وسطى من أبناء الطبقات الشعبية، مما أعطى لقيادة الحركة الوطنية التي كانت في الأصل نخبة مثقفة، تنتمي إلى البرجوازية الحضرية المدينية(سكان المدن)، قاعدة صلبة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة تصعيد القمع الذي تمارسه سلطات الاحتلال.
و بالمثل فإن الانتقال من عريضة الاستقلال سنة 1944 إلى الكفاح المسلح سنة 1953 كان نتيجة لتطور وعي هذه الأطر الشعبية الشابة داخل الحركة الوطنية التي ألقى بقيادتها السياسة في السجون خصوصا بعد أزمة 1951 بين القصر والإقامة العامة حيث “صرح كيوم ” بقوله: (بعد أن قطعت الذنب، ما بقي إلا الرأس و يسهل قطعه ). بمعنى، كان ” كيوم ” يصور المغرب بالحية، ذنبها هو الوطنيون، ورأسها هو محمد الخامس. هذه الأزمة التي توجتها سلطات الاحتلال بحادث 20 غشت 1953 المشئوم، حادث نفي محمد الخامس مع أسرته، و تنصيب آخر غير شرعي مكانه (ابن عرفة).
إن هذه الأطر الوطنية الشابة قد وجدت نفسها مضطرة لحمل الأمانة: أمانة التسيير بعد اعتقال القيادة الفكرية، وفي نفس الوقت، وجدت نفسها مضطرة كذاك إلى الرد على التحدي الذي قامت به سلطات الحماية بعزل محمد الخامس الملك الشرعي بعمل تاريخي في مستوى هذا التحدي.
إن ثورة الملك و الشعب، كانت في الواقع حلقة من سلسلة العمل الوطني، السلسلة المتصلة الحلقات انطلاقا من 1930. هذه السلسلة في الحقيقة تمتد جذورها في ما قبل الظهير البربري1930 إلى ما قبل الحركة الوطنية السياسية، إلى ما قبلها من أعمال تدخل في إطار مقاومة الاحتلال قبل معاهدة الحماية و بعدها، و قد خلد التاريخ أسماء لامعة لمجاهدين أبطال قادوا معارك المقاومة المسلحة ضد جيوش الاستعمار الفرنسي و الاسباني من سنة 1907 إلى 1934 نذكر من بينهم، بكل فخر و اعتزاز، على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ ماء العينين في الصحراء، و ابنه أحمد الهيبة بناحية مراكش، و محمد أمزيان بالشمال، و موحا احمو الزياني في الأطلس و خنيفرة، و البوعزاوي في الشاوية، وأبو قاسم النكادي في تافيلالت، و عسو باسلام بآيت عطا، والمدني الخصاصي في سوس…و على رأس القائمة البطل العظيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي قهر جيوش دولتين من أعظم الدول الاستعمارية في عصره، و هما: فرنسا و اسبانيا. و هو أول من ابتدع جيش التحرير و ابتكر حرب العصابات المنظمة في العصر الحاضر. و بعده ( هوشي منه ) و ( ماوتسي تونغ ) و ( تيتو ) و ( شي غفارة ) من تلامذته الذين اقتبسوا منه تحرير بلادهم، في الفيتنام، و الصين أو يوغوزلافيا أو بوليفيا وكوبا في أمريكا اللاتينية.
في هذا الصدد، نقدم شهادة تاريخية، في حق ابن عبد الكريم الخطابي، صرح بها ” ماوتسي تونغ ” لوفد ” فتح ” من منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1971، قال: ” رفقائي الأعزاء، أتيتم تزورونني لكي أحدثكم عن حرب التحرير الشعبية. في حين أن في تاريخكم المعاصر، يوجد ابن عبد الكريم الخطابي الذي هو من المصادر الرئيسية الذي تعلمت عنه حرب التحرير الشعبية “.
هذا التصريح عن قيمة ابن عبد الكريم الخطابي، لا يحتاج إلى تعليق، لقد استطاع بواسطة وسائله القليلة أن يحرر أربعة أخماس منطقة الاحتلال الاسباني في الشمال، كما كاد أن يحرر فاس، و هزم المارشال ” ليوطي ” حتى اضطرت الحكومة الفرنسية إلى عزله واستبداله بالمارشال ” بيتان ” معززا بأكبر جنرالات فرنسا، كما هزم أو أهلك أعظم جنرالات اسبانيا، و ضباطها الكبار، خصوصا في معركة أنوال الشهيرة، التي خسر فيها الاسبانيون حوالي 20.000 جندي.
و لم تنته هذه الحرب لصالح فرنسا و اسبانيا، إلا بعد أن عبأتا مجتمعتين 800.000 جندي كما سخرتا أكثر ما لديهما من مدفعية و دبابات و طائرات، و فرضتا حصارا شديدا مكثفا بأسطوليهما على شواطئ المغرب الشمالي بمشاركة الأسطول الانجليزي حتى لا يتسرب السلاح إلى المنطقة التي أصبحت معزولة برا و بحرا، شمالا و جنوبا، شرقا و غربا. و قد كان الأسطول البريطاني يلعب آنذاك الدور الذي يلعبه حاليا الأسطول الأمريكي في شواطئ لبنان.
و هكذا بعد قتال شديد، و نضال مجيد، استمر من 1921 إلى 1926 و رغم شجاعة المجاهدين و استماتتهم وقع محمد بن عبد الكريم الخطابي في الأسر، و تم نفيه مع أسرته إلى جزيرة ” الرونيون ” في المحيط الهندي.
و هكذا، ظل المغرب يحارب، و يقاوم من سنة 1907 إلى 1934 تقريبا 28 سنة. وهي معركة متواصلة، لم يحتفل الفرنسيون بإنزال المغربة سلاحهم إلا سنة 1934.
و من سوء حظ الاستعمار أنه لم تكد المقاومة المسلحة تنتهي حتى كانت المقاومة الوطنية السياسية، و حركة الفداء في المدن قد خلفتها انطلاقا من الثلاثينات. أي انطلاقا من مقاومة ” الظهير البربري “.
إن ثورة الملك و الشعب، لم تتحدد بمحددات ظرفية وطنية خارجية، هناك على سبيل المثال لا الحصر، ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، و قيام الأمم المتحدة، و تأسيس الجامعة العربية سنة 1945، و استقلال معظم الدول الشرق العربي، و تأسيس ” مكتب المغرب العربي ” بالقاهرة سنة 1947، و ” لجنة تحرير المغرب العربي ” برئاسة محمد بن عبد الكريم الخطابي في نفس السنة. هذه السنة التي تصادف و تزامن خطاب طنجة للمغفور له محمد الخامس، في 7 أبريل 1947، الذي أكد فيه حق المغرب في الحرية، و الاستقلال، ورغبته في الانتماء إلى الجامعة العربية و الأمم المتحدة، و قد حقق هذا الخطاب مكاسب مهمة جدا لقضية الاستقلال في الداخل و الخارج:
ففي الخارج، ازداد اهتمام المحافل الدولية بكفاح بلادنا و تعاطفها مع قضيتنا العادلة.
و في الداخل، كان رد فعل فرنسا منطلقا لوثبة نوعية جديدة في مسيرة الاستقلال، إذ أن سياسة القمع و المضايقات التي ينهجها الجنرال ” جوان ” ضد كل من الملك و الوطنيين المناضلين، لم تزدهم جميعا إلا التحاما و ثباتا في الاستمرار على خطتهم، و لم تزدهم إلا عزيمة في التحدي استعدادا للمواجهة الفاصلة. هذا، بالإضافة إلى الثورة المصرية سنة 1952 و اتجاهها التحريري و توجهاتها العربية، و بالتالي دور مصر جمال عبد النصر الإعلامي والمادي ( السلاح )… خصوصا في بداية انطلاقها. و أخيرا هناك أيضا دور الأحرار الفرنسيين داخل المغرب و خارجه.

II . الثوابت التاريخية لثورة الملك و الشعب في المغرب

فإذا كانت كل هذه المحددات الظرفية الداخلية و الخارجية تفسر نجاح ثورة الملك والشعب في تطبيق أهدافها بفعالية قصوى وفي أقصر مدة و بأقل خسارة فإنها لا تفسر أو على الأقل لا تكفي و حدها في الإجابة على السؤال الأساسي التالي:
ما الذي مكن ثورة الملك و الشعب لسنوات 1953-1956 من محدداتها الظرفية تلك؟ ما الذي جعلها فعالة عامة سريعة التطور، شعبية إلى أبعد حد، في وقت لم تكن فيه حركات المقاومة التي من هذا النوع، قد انتشرت بعد في العالم الثالث المستعمر آنذاك؟ إذن كيف نفسر خصوصية الفعالية و الشمول في ثورة الملك و الشعب موضوع حديثنا؟
هذا السؤال، هو في الأساس سؤال نظري، موجه إلى التاريخ، تاريخ المغرب وبعبارة أخرى، موجه إلى الثوابت التاريخية لثورة الملك و الشعب، و نعني بهذه الثوابت، المرتكزات الثابتة التي لا تتغير بتغير الأحوال و الأحداث، و التي تشكل المقومات الجوهرية للكيان المغربي عبر تاريخه الطويل.
و من أهم هذه الثوابت:
1) تكوين الدولة الوطنية و استمرارها في المغرب منذ القديم، خصوصا، منذ الأدارسة إلى اليوم.
2) ثبات و أصالة الخريطة الجغرافية للمغرب.
3) الشرعية الوطنية للدولة في المغرب.
4) الطابع المحارب و المقاوم للدولة المغربية و للشعب المغربي.
هذه الثوابت الأربعة كامنة في وجدان و لا شعور المغربة جميعا، بل كامنة داخل خيالهم الجماعي، إنها جزء من شخصيتهم و هويتهم التي لا تتغير عبر التاريخ.
و مهمتها هنا ليس تحيل هذه الثوابت و تفسيرها بل سنقتصر على إبرازها و توجيه الاهتمام إليها من خلال تأثيرها في ثورة الملك و الشعب.
لننتقل الآن إلى هذه الثوابت، و كيف عملت كلها في نجاح ثورة الملك و الشعب، في تركيبها و فاعليتها و أهدافها، حتى نتمكن من الإجابة على السؤال الأساسي الذي طرحنه سابقا:
1. أول هذه الثوابت: تكوين الدولة الوطنية و استمرارها في المغرب منذ القديم، خصوصا، منذ قيام دولة الأدارسة، هذه الدولة كانت وطنية، بمعنى أن القائمين بها كانوا من سكان المغرب أنفسهم، و لم يكونوا قط دخلاء على المغرب، و لم يخضع المغرب قط لحكم أجنبي، كحكم البويهيين أو السلجوقيين في بغداد، أو الممالك في مصر أو الأتراك في الجزائر و تونس.
فالدولة في المغرب كانت دائما من أبناء المغرب، كانت دولة من المواطنين المغاربة، حتى المولى إدريس فقد قدم إلى المغرب كفرد. أو قد قامت الدولة الإدريسية على ساعد القبائل التي اتخذت منه رمزا دينيا و بالتالي زعيما سياسيا يرأس دولتها هي و ليس دولته هو، و لذلك كانت الدولة الإدريسية دولة سنية مالكية، أي على مذهب المغاربة و ليس على مذهب إدريس الشيعي.
و على كل، فإن الدولة المغربية إنما برزت مكتملة الكيان قوية السلطان مع المرابطين الذين نضجت على يديهم أهم الثوابت التاريخية في المغرب و في مقدمتها الدولة الوطنية و الوعي الوطني في المغرب.
إن الدولة الوطنية المغربية بوعيها الوطني، استمرت منذ الأدارسة إلى اليوم، على شكل سلسلة متصلة الحلقات، يتخللها ضعف و وهن، و لكنها لم تعرف انقطاعا. فلم يخضع المغرب بعد الأدارسة، لا للخلافة العباسية في بغداد، و ل للخلافة الأموية في الأندلس، و لا للخلافة الفاطمية، و لا للخلافة العثمانية.
و أكثر من ذلك، فإن التجزئة التي مارسها الاستعمار في المغرب، لم تصل إلى حد خلق كيانات داخل المضمون الوطني الوحدوي. بل لقد اضطر أن يحافظ له الاستعمار بموجب عقد الحماية و تحت نضال القوى الوطنية ، على وحدة كيانه، حتى الاستقلال.
و إذا نظرنا إلى ثورة الملك و الشعب في السنوات 1953-1956، على ضوء تكوين الدولة الوطنية و استمرارها في المغرب، فإننا سيتبين لنا بسهولة أن مهمة المقاومة، لم تكن إنشاء دولة، فالدولة كانت دوما قائمة و كانت ما تزال كسلطة شرعية معترف بها بموجب عقد الحماية نفسها.
و عندما اعتدت سلطات الاستعمار الفرنسي على هذه السلطة الشرعية، قامت المقاومة إلى جانب ملكها، من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، إلى استعادة السيادة كاملة. وهكذا على العكس من الكثير من حركات المقاومة و التحرير في إفريقيا التي قامت لتنشأ لم توجد من قبل أو كانت ثم انقرضت و لم تعد الرغبة في إحيائها، في عكس هذا فإن ثورة الملك و الشعب في المغرب إنما قامت من أجل استرجاع الشرعية للدولة الوطنية، و فك أسرها من حماية الاستعمار الأجنبي، و عندما أنجزت المقاومة هذه المهمة بعودة محمد الخامس طيب الله ثراه، و إعلان الاستقلال، وضع المقاومون السلاح و سلموه للسلطة الوطنية الشرعية المسترجعة. و عادوا للاندماج في المجتمع كما كانوا من قبل.

هذا بالنسبة للثابت الأول و أثره على ثورة الملك و الشعب.

2. والثابت الثاني وهو لا يقل عن الثابت الأول أهمية. و هو ثبات و أصالة الخريطة الجغرافية للمغرب أي ما نسميه بالمغرب الأصل الذي يحدده المؤرخون ضمن حدود ثابتة: المحيط الأطلسي غربا و البحر الأبيض المتوسط شمالا، و ما وراء ملوية إلى تلمسان شرقا و القبائل الصحراوية جنوبا، أقول القبائل الصحراوية لأن الصحراء لا تعرف الحدود الجغرافية بل الحدود فيها بشرية، تقوم على الولاء و البيعة للسلطة المركزية في المغرب، ضاربة في أعماق الجنوب، و المغرب الشرقي. هذا دون أن نتحدث عن امتدادات دولة المغرب شمالا، و جنوبا، و شرقا، في شكل إمبراطورية مغربية ذات سيادة.
وواضح أن ثبات و أصالة الخريطة الجغرافية للمغرب الأصل، هو الذي يعطي الدولة المغربية محتواها الوطني، بمعنى أنها تضم كل هذا الوطن الذي يشكله المغرب الأصل، و ليس دولة جهة من جهات المغرب الأصل وحدها. فالاعتراف الفعلي للدولة الوطنية في المغرب، لا يتم إلا عندما تصبح عمليا، و فعليا دولة المغرب الأصل كله.
وإذا نظرنا إلى ثورة الملك و الشعب، أي إلى المقاومة و جيش التحرير من زاوية الثابت الثاني، نجد أن الخريطة الجغرافية المغربية التي استرجعت عام 1956 كانت ناقصة جنوبا، سواء الجنوب الغربي أو الجنوب الشرقي بالإضافة إلى ” سبنة و مليلية ” و لذلك، نجد أن المقاومة التي انتهت مهمتها في جبال الأطلس، و الريف، و المدن، لأنها أصبحت كلها مناطق تحت السلطة الشرعية المسترجعة، فإنها بالعكس من هذا، كانت ترى، أن مهمتها في الجنوب لم تنته. و هذا ما يفسر بقاء جيش التحرير، بل انتقاله إلى الجنوب الغربي لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب.
و هكذا استرجعنا إقليم طرفية و إقليم سيدي افني، و لقد كان بقاء جيش التحرير في الجنوب المغربي و الشرقي إلى 1959-1960، تجسيما لإخلاص المقاومة المغربية، ملكا و شعبا، لثوابتها الوطنية التاريخية، و هي استعادة كاملة للرقعة الجغرافية الثابتة للمغرب، وهذا ما دفع الحسن الثاني، بتنظيم المسيرة الخضراء من أجل العمل على استرجاع الأقاليم الصحراوية المغربية.
3. والآن ننتقل إلى الثابت الثالث وهو: الشرعية الوطنية للدولة في المغرب، وهو امتداد للثابت الأول المتمحور حول استمرارية الدولة الوطنية في المغرب.
هناك في المغرب الشرعية الدينية دوما، و هي لم تكن موضوع نقاش، منذ تأسست الدولة الوطنية في المغرب، خصوصا منذ الأدارسة، فالمغاربة كلهم مسلمون، سنيون مالكيون فلا طوائف، و لا أقليات، و إنما شعب واحد، و مذهب ديني واحد، و بالتالي فالدولة دوما دولة إسلامية، سنية وطنية عربية أمازيغية.
إذن لم تكن الشرعية الدينية، في يوم من الأيام موضوع نقاش، و لكن اكتسابها كان يتطلب دوما الشرعية الوطنية، و هذه الشرعية كانت تكتسب بالبيعة، و البيعة كانت تقوم دائما، إما ضمنيا في ظروف السلم، و إما صراحة في ظروف الأهوال و الشدائد، مثال ذلك، تجديد بيعة سكان الصحراء بعد استرجاع الساقية الحمراء و وادي الذهب في 14 غشت 1979، بعد المسيرة الخضراء المظفرة.
هذه الشرعية الوطنية، قد ظهرت بارزة في تركيب المقاومة وجيش التحرير، المجسدة لثورة الملك و الشعب. لقد تقمصت حركة المقاومة و جيش التحرير، الشرعية الوطنية، هذه الشرعية، التي جعلت منها مقاومة وطنية فعلا، و ليست جهوية أو إقليمية. هذه ما يدعونا إلى التساؤل: لماذا لم تنجح المقاومة المسلحة بالمغرب طيلة 28 سنة تقريبا: من 1907 إلى 1934؟
و بعد استعراضنا مراحل النضال السياسي قبل أو بعد المطالبة بالاستقلال. يتأكد لنا، أن الذي كان ينقص المقاومة المسلحة في الجيل السابق، هو بالدرجة الأولى، الوعي الشعبي، و الشعور الوطني الوحدوي، إذ لو لم تكن توجد أحزاب سياسية أو هيئات فكرية تعمل على توعية الشعب بمصالحه، و حقوقه، و واجباته. و لم تكن هناك صحف، أو سجلات وطنية، تنشر، لتكوين رأي عام يتابع سير الأمور في الداخل و الخارج. لقد كانت حركة المقاومة، و جيش التحرير المجسدة لثورة الملك و الشعب، سنوات 1953-1956 تمثل المغرب كله بمختلف مناطقه. و لعل من أهم عوامل نجاحها و فعاليتها، إنها حرصت على أن تكون مقاومة وطنية في كل أجزاء الوطن، لقد حرصت قيادة المقاومة في هذه الفترة على أن يكون لها خلايا و فروع في جميع مناطق المملكة.
و عندما أسس جيش التحرير في الشمال، ظهر منذ المرة الأولى، كجيش وطني يمثل المغرب كله: من سوس إلى فكيك، إلى الأطلس، إلى دكالة، إلى طنجة، إلى الصحراء…فكان جيش المغرب كله. و لعل هذا ما أدخل الرعب و الفزع على المستعمرين. و من دون شك، فإن هذا كان أهم عوامل نجاح ثورة الملك و الشعب. بل إن هذا كان شرطا ضروريا لنجاحها لأن هذا ما منحها الشرعية الوطنية و الحماية الشعبية، و التضامن الجماهيري في كل جهات المملكة.
و هذا أقوى دليل على الفرق الكبير بين مستوى الوعي لدى الشعب في المرحلة الأولى من الاستعمار، و بين ما وصل إليه هذا الوعي بعد سنين طويلة من الكفاح السياسي والتوعية الوطنية.
4. بقي لنا الثابت الرابع و الأخير، وهو الطابع المحارب و المقاوم للدولة المغربية و للشعب المغربي. إذا أخذنا تاريخ المغرب من قديم الزمان إلى حديثه، فإننا نجده تاريخا يتسم بالحروب، و المقاومة، و النضال، حتى أن كثيرا من المؤرخين الأوروبيين أعجبوا و انبهروا أمام هذه الظاهرة الفريدة، فقالوا: ” إن تاريخ المغرب هو تاريخ حربي أكثر منه تاريخ اقتصادي أو تاريخ اجتماعي أو تاريخ أدبي “.
إن المغرب، دولة و شعبا يخوض دائما حروبا لا تهدأ, إما في صورة جهاد في الأندلس، أو نشر الإسلام في الجنوب ( السودان ). و إما في صورة دفاع عن النفس و حماية الثغور من المهاجمين من الشرق، كهجمات الأتراك، أو من الغرب و الشمال، كهجمات الدول الأوروبية، و على الخصوص، إسبانيا و البرتغال.
هكذا، فمنذ القرن الخامس عشر الميلادي، أي منذ سقوط الأندلس، أصبح المغرب هدفا لأطماع و انتقام، و غزوات الإسبان و البرتغال الذين ركزوا حملاتهم على الشواطئ المغربية و ثغورها.
و لقد كان على الدولة، و على الجماهير المغربية و قيادتها المحلية الدينية والوطنية، رد هجمات المهاجمين، و تحرير النقاط المحتلة هنا و هناك، و كان المغاربة ملوكا و شعبا ينتصرون انتصارات باهرة، كما كانوا ينكسرون انكسارات ساحقة، دون أن يخلدوا إلى الراحة، أو أن يستسلموا، أو أن يشعروا بالذل، و من أعظم انتصاراتهم، تلك التي حققوها في معركة وادي المخازن الشهيرة التي ذهبت بعز البرتغال…و هكذا كانت المقاومة المغربية مستمرة متواصلة برا و بحرا، منذ القرن الخامس عشر، مما أدى إلى تكوين الوعي الوطني عند المغاربة.
فانطلاقا من هذا الثابت الذي أبرزنا فيه الطابع المحارب و المقاوم للدولة المغربية و للشعب المغربي طوال تاريخهما، فإننا سنجد أن ثورة الملك و الشعب لسنوات 1953-1956 لم تكن حدثا يتيما، و لا طارئا، و إنما كانت حلقة من حلقات المقاومة المغربية على مدى التاريخ، فمنذ أن نزلت الجيوش الأجنبية ما تقدمت شبرا في تراب المغرب، دون أن يدافع عنه المغاربة. و أنه لا يوجد في المغرب شبر من التراب وصل إليه الفرنسيون أو الإسبانيون دون أن يسقيه المغاربة بدمائهم الزكية، هنا، أقدم اعتراف ” كيوم ” في أحد تقاريره، يقول: ” لم تأت قبيلة واحدة بشكل تلقائي، و لم تستسلم قبيلة واحدة دون أن تقاوم، بل بعضها قاوم حتى نفاذ آخر وسيلة للمقاومة “.
وهكذا، كانت ثورة الملك و الشعب استئنافا مباشرا لثورة ابن عبد الكريم الخطابي في الريف، و موحى أحمو الزياني في الأطلس، و الهيبة في الجنوب… حقا كانت استئنافا لهذه الثورات المسلحة و تجاوزا لها في نفس الوقت…كانت تجاوزا لها، لأنها لم تقيد نفسها بحدود جهة من جهات الخريطة الجغرافية للمغرب، بل كانت ثورة من الجميع إلى الجميع…ولعل هذا ما جعلها تنتهي إلى النصر ولم تنكسر مثلما انكسرت الثورات الجهوية السابقة الذكر.
وواضح الآن، أن استحضار هذه الثوابت التاريخية و أثرها على نجاح ثورة الملك والشعب، بالإضافة إلى المحددات الظرفية التي سبق أن استعرضناها، بجعل في الإمكان الإجابة بسهولة على السؤال الأساسي الذي ألقيناه من قبل. هذا السؤال يتعلق بالعوامل التي جعلت ثورة الملك و الشعب لسنوات 1953-1956 فعالة و عامة، والتي مكنتها من تحقيق النصر في أقرب وقت و بأقل خسارة.
أما الجواب فواضح، حسب تحليلنا السابق، لأنها تمسكت بالشرعية الوطنية وتقمصتها عملت في إطارها، فكانت مقاومة المغرب ككل.
وهكذا، نجحت ثورة الملك و الشعب، و عاد محمد الخامس، ومعه استقلال المغرب، وانتهى عهد الحجر و الحماية، و بزغ فجر الحرية والاستقلال.
الواقع أن محمد الخامس كان رمز الثورة بمفهومها الشامل، فثورة محمد الخامس والشعب المغربي لم تكن فقط لطرد الاستعمار، وإنما كانت من أجل بناء المغرب في إطار تحقيق وحدة ترابه الكاملة. وهذا يتجلى في قولته المشهورة عند عودته، حيث قال: ” إنني عدت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.