الرئيسية / دراسات / الثقافة عامل أساسي في التنمية الشاملة
8bc4333cb073d01583e8b60f77427c5e

الثقافة عامل أساسي في التنمية الشاملة

مقدمة:
في ختام العقد العالمي للتنمية الثقافية لا يزال السجال دائراً حول مدى ارتباط التنمية الشاملة بالثقافة. وهذا بالطبع دليل عافية لأنّ الثقافة بقيت لزمن طويل الدائرة الأكثر غموضاً في تعريفها وتحديد دورها في كل نواحي الحياة ومجالاتها. وقد عوّلنا في هذا البحث على مقولة كون الثقافة المصدر لكلّ تقدّم والينبوع لكل ازدهار، وليست بالتالي نتاج أو إفرازات هامشيّة للتنمية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإحاطة بكل جوانب التنمية لأمر معقّد بحيث ان مفهومها قد تطوّر عبر الزمن ليخدم سياسات استثمارية بحت. يُضاف إلى ذلك ان الحديث عن الثقافة كان يربطها سريعاً بالتراث والماضي وما يخلف ذلك من صعوبة في تحديد الزمن التاريخي.
بناء على ذلك فقد رأينا أن نبدأ بحثنا بمعالجة العلاقة بين الثقافة والتنمية لنبيّن مدى الإرتباط العضوي بينهما. أما القسم الثاني من البحث فسيتناول أبعاد التنمية المتعدّدة والمسائل المطروحة عند كل من هذه الأبعاد. وأخيراً، يسلّط البحث الضوء على كيفيّة فعل الثقافة في التنمية الشاملة، منتهين إلى وضع عدد من التوصيات المستمدّة من مضمون الدراسة. وخلال كل ذلك بيّناً بكل وضوح ان الإنسان المثقّف هو المصدر وصمّام الأمان لنجاح عملية التنمية، وبالتالي، للإنتقال من حالة التخلّف واللاوعي إلى مرحلة الإنتماء إلى روح العصر مع كل ما تحمله تلك الروح من قيم روحيّة وأخلاقيّة.
إشكاليّة العلاقة بين الثقافة والتنمية:
قد لا نبالغ كثيراً إذا قلنا أنه لا يوجد توافق في الرأي بين علماء الاجتماع حول طبيعة العلاقة بين الثقافة والتنمية. ففي كتابه “الإعلام والتنمية” يعتبر محمد سيّد محمد ان للثقافة في التنمية الشاملة دوراً مميزاً وموازياً للبُعدين الاجتماعي والاقتصادي. وقد شبّه التنمية بمثلث متساوي الأضلاع يعبّر كل ضلع منه عن الأبعاد الثلاثة: الإقتصادية، الإجتماعيّة والثقافية(1). لكن وعلى عكس هذا الطرح فإنّ محمد الجوهري، وإن لم يقلّل على الإطلاق من دور الثقافة في التنمية، إلاّ أنه لا يعالجها كبُعد من أبعـــاد التنمية، وإنما يدمجها في البُعد الاجتماعي الذي يسمّيه أحياناً بالبُعد الثقافي ­ الإجتماعي(2).
بالطبع لسنا هنا في وارد دراسة الثقافة بمعزل عن التنمية وإن لحظ عنوان بحثنا ذلك. وإنما أردنا أن نشير إلى أنّ التباين في الأصول المنهجيّة سوف يؤدي إلى تباين في الافتراضات ووسائل العلاج. وربما يبدو الأمر أكثر سهولة للمعالجة، على الأقل من الوجهة النظرية، إذا ما اعتمدنا مقولة “التنمية الثقافية”، إذ لا يعود هناك من حاجة إلى الحديث عن إفراد أم عدم إفراد بُعد مستقل للتنمية. إزاء كل هذا نرى أنّ المقصود بعنوان دراستنا ليس فقط التعرّف إلى كيفية تطوير الثقافة ورفع مستواها، بل أيضاً إلى كيفية إستثمار الثقافة في سبيل تحقيق التنمية الشاملة(3).
بعبارة أخرى، إنّ دراستنا تهدف إلى البحث عن كيفية جعل الثقافة ركيزة مهمة من ركائز التنمية الشاملة، وفي هذا ردّ على ما كان يُقال في الماضي “الثقافة من أجل الثقافة” فقط كالفن من أجل الفن. بينما نلاحظ اليوم، وكما سنبيّن لاحقاً، ان للثقافة أهدافاً تنموية نبيلة لا بدّ من رعايتها وإرساء دعائمها في المجتمع المدني العصري. وأهم تلك الأهداف النبيلة، لا بل رائدها على الإطلاق، إعداد الإنسان وبناؤه بناء معنوياً.
ففي مؤتمر الأونيسكو في Venise سنة 1970، ألقي الضوء صراحة على العلاقة بين الثقافة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد قال René Maheu المدير العام للأونيسكو في ذلك الحين: “إبتداء من اليوم، حتى علماء الاقتصاد يقرّون بأنّ التنمية إما أن تكون شاملة أو لا تكون. فلم يعد من باب الصدفة أو الاستعارة أن نتكلّم عن التنمية الثقافية كعامل مهم من عوامل التنمية الشاملة”(4). ومنذ ذلك الحين بدأت المؤتمرات والندوات تخصص لدراسة الثقافة والتنمية، سواء على الصعيد الداخلي لكل دولة أو على صعيد المجموعات الدولية. فعلى الصعيد الداخلي بدأت الدول التي تعرف وزارات للثقافة تخطط وتصنع السياسات الثقافية وتعمل على تنفيذها. أما على الصعيد الدولي، فقد أدركت مجموعة الدول السائرة على طريق النمو ان الاستثمارات والمساعدات المالية الخارجية غير كافية وحدها للخروج من حالة الوهن والتخلّف، وانه من غير الممكن استيراد كل ما هو متطوّر عند الدول الصناعية وكأنّ الأمر هو تصوير مستندات، إذ لا بدّ قبل كل شيء من إنماء ثقافي، أي من إنسان مثقّف يُحسن استعمال التكنولوجيا. كذلك بدأت الأونيسكو عملياً بالتحرّك على خط التنمية الثقافية بصورة تغلّبت فيها مسألة إرسال خبراء في حقل الإنماء الثقافي إلى الدول النامية، على مسألة الدعم المادي لها.
يستدلّ مما تقدّم ان العلاقة بين الثقافة والتنمية هي علاقة عضوية، وإن دور الثقافة في التنمية الشاملة هو أساسي. فتحسين ظروف العيش الإنساني لم يعد يترجم فقط بزيادة المداخيل، بل يفرض تحسيناً مستمراً لنوعية الحياة نفسها، كما يفترض تطلّعاً إلى قيم جديدة. هذا البحث الدؤوب عن القيم هو بالنتيجة مسار ثقافي يعبّر الفرد من خلاله عن كرامته الأساسية وتساويه مع الآخرين عبر الاتصال والخلق وإعطاء معنى للحياة. فعند تناوله لنظم تقسيم العمل الدولية، يذكر Korny ان “كل المعايير المادية وغير المادية للشرائح الاجتماعية العالمية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حتى يتمّ احتواء كل وجوه التنوّع والتعددية الموجودة في العالم الثالث”(5).
وباختصار شديد، فإنّ الإنسان هو محور وهدف التنمية في آن معاً. فمن جهة، تهدف التنمية إلى بناء الإنسان بناء معنوياً، وعن هذا الهدف تتفرّع بقية الأهداف الثانوية الأخرى من إقتصادية واجتماعية. ومن جهة أخرى، فإنّ الإنسان هو الذي يسير ويشارك وينفّذ التنمية. وهو بالتالي “جسداً وفكراً مليئاً بالمشاعر والأحاسيس والأفكار والمعتقدات والمواقف والاجتهادات والتطلّعات والرغبات. وهذا كلّه يشكّل عوامل حاسمة في عملية تسيير التنمية وتوجّهها في هذا الاتجاه أو ذاك، أو في هذا المجال الاجتماعي أو ذاك الخ”(6).
ولعل أفضل تأكيد على حاجة التنمية إلى الثقافة ما نلاحظه في التعريفات التي أعطيت لكلا المفهومين. فالثقافة تعبير يتميّز بمرونته ونسبته، وقد أعطي للثقافة أكثر من مئة وخمسين تعريفاً. في البداية كانت الثقافة تعني فقط التراث ومجموعة العادات والتقاليد لدى جماعة معيّنة كما كانت تشمل الأعمال الفنية لهذه الجماعة. ثم توسّع المفهوم حتى أصبحت الثقافة تتعلّق بكل جوانب حياة الإنسان. ولكن لا يصح أن ننظر إلى الثقافة كمجرّد معلومات وتراكم للمعرفة، بل هي مجموعة من المواقف الحيّة والمتحرّكة. ويبدو ان أفضل تعريف أعطي لها ما جاء في إعلان مكسيكو أثناء انعقاد مؤتمر اليونيسكو للثقافة عام 1982 وهو: “ان الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائناً يتميّز بالإنسانيّة المتمثّلة والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي. وعن طريق الثقافة نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرّف على ذاته والبحث من دون ملل عن مدلولات جديدة وحالات إبداع”(7).
في الإطار عينه، أُعطيت عدّة تعريفات للتنمية لعلّ أهمها ذلك الذي خرج به المؤتمر العالمي للتربية المنعقد في جنيف في أيلول سنة 1992. “التنمية تعني في آن معاً التطوّر، التغيّر في الحالة القائمة، التقدّم، الاغتناء والتفتّح. وتُقاس التنمية ليس فقط بازدياد الإنتاج كمَّاً ونوعاً، بل أيضاً بالتحسُّن الذي تحمله إلى الإنسان وإلى طريقه حياته”(8). كذلك أعطى المؤتمر تحديداً للتنمية الثقافية إذ قال عنها أنها اغتناء بالثقافة، تقوية لأشكال التغيير الثقافي، وعملية لنشر الثقافة عن طريق توفير الظروف المناسبة للإنتاج وللإبداع وتوفير الظروف لامتلاكها. وهكذا أضحت الثقافة إحدى المعطيات الرئيسة، إن لم نقل الأساس، لكل سياسة تنموية، إجتماعية ­ إقتصادية كانت أو تكنولوجيّة ­ علميّة بحت.
ولطـالما أصبح من المسلّم بـه أنّ قضية التنمية قضية عِلم في الدرجة الأولى، فالمعرفة الثقافية للدول النامية ستتصاعد مستقبلاً، وإنه ليس بعيداً اليوم الذي سيشهد مشاركة الثقافة المحلية في تطوير الثقافة العالمية. ولقد أكّد مؤتمر الأونيسكو الذي انعقد في فيينا سنة 1979 حول “العِلم والتقنية من أجل التنمية” على دور العلم المتزايد في إنشاء ثقافة شمولية للبشرية معتبراً ان النظام العلمي ­ التقني والمشكلات العالمية المرتبطة به والمترافقة معه يتطلبان ضرورة إنشاء وتشكيل “تفكير كوكبي / عالمي”(9).
اليوم، وأكثر من أي ظرف تاريخي مضى، نعيش في مرحلة تحوّلات كبيرة تتجه فيها البشرية نحو ترسيخ نظام يجب أن يكون أكثر عدالة، أكثر إنصافاً، أكثر إنسانية وأكثر عقلانية. أي اننا نعيش في مرحلة تراجع الايديولوجيات واندثار الحدود. فالعالم يضيق يوماً بعد يوم. إنه العالم القرية أو Global Village كما يحلو حالياً للبعض أن يسميه وذلك بفضل تطوّر الاتصالات والمواصلات والتبادل السريع للأفكار وللأعمال بين الشعوب. وفي هذه الحال ينتزع الانسان أبعاده الإنسانية الحقيقية ويعي ذاته وحقيقته ويتلمّس مصيره ساعياً إلى حياة كريمة مع رفاقه في المصير.
وبالطبع لسنا هنا بصدد الدعوة إلى ما يسمى بالثقافة الشمولية للبشرية، بقدر ما ان الأمر يتعلّق بإعادة النظر في بناء هياكل أو منشآت جديدة للعلاقات الدولية على أسس من العدالة والمساواة بشكل يضمن حماية الثقافة الوطنية والدفاع عنها. فالثقافة لا تنشأ من العدم وليست محكومة بالجمود والثبات. فهي تحمي لنا القيم الأساسية التي نؤمن بها، وتمكننا بالتالي من التعرّف إلى ذواتنا، ومعرفة الذات تمكّن من السير في طريق التطوّر والتحديث. فليس المطلوب إذاً التخلّي عن ثقافتنا المحلية، بل المطلوب أن يكون عندنا ثقافة متجددة تؤمّن لنا المشاركة الحضارية في المجتمع الإنساني(10).
صحيح أنّ اليقظة الثقافية هي من أهم أسباب النزاعات المحلية والدولية لأنها تدفع في المراحل الأولى إلى البحث عن الهوية الثقافية للفئات والجماعات بشتى الوسائل والأساليب، وهذه النزاعات، وإن كانت الثقافة من أسبابها، فليس بغير الثقافة الواعية المتسامحة المحبّة والمنفتحة تجد لها المخارج والحلول. وكلّ ذلك يتم عن طريق ارتباط الثقافة بالديمقراطية والسلام والتنمية الشاملة.
أخيراً، إنّ الحديث عن العلاقة بين الثقافة والتنمية هو أيضاً حديث عن المستقبل، وتحديداً مستقبل الخطط التنموية ودور الأجيال الشابة في تحقيقها. ولا غلوّ في القول ان الثقافة تلعب دوراً حيوياً في حركة التغيير وتنمية المجتمع عن طريق بناء المواطن الصالح الواعي والحكيم. بكلمة أخرى، لا يمكن لمجتمع اليوم أن يتطوّر وينتمي إلى الغد، أي أن يضع نفسه في خدمة الإنسان وشروطه ورغباته المادية والمعنوية، إلاّ إذا تمكّن ذلك المجتمع من استيعاب كامل للعلوم والتقنيات. وكلّ ذلك يتطلّب التفكير في المناهج الدراسية وفي المسارات الهادفة إلى ترجمة أهداف التنمية في الدول المعنيّة إلى خيارات حقيقية. وهنا يأتي دور ما يسمى بالسياسة الثقافية الناتجة عن تفاعل ما بين المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، المحلية والدولية، في بلورة آفاق جديدة تكون المشاركة الشعبية والشبابية الواسعة إحدى أهم قواعدها. وفي رأي غسان تويني فإنه “لا استقامة للديمقراطية خارج الإطار الثقافي والخلق الفكري الذي هو منظار المستقبل للذين ينظرون دائماً إلى المستقبل”(11).
ختاماً، لا بدّ من الإشارة إلى ان العلاقة بين الثقافة والتنمية ليست ملفاً إدارياً صرفاً مع كل إدراكنا لدور الثقافة في تقوية القدرة الوطنية من خلال الاستثمار الإنساني بشكل يتلائم مع أساليب الإنتاج وسوق العمل. ويمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك إلى القول ان التنمية القائمة على أسس ثقافية تجعل من الحضارة حركة اجتماعية متكاملة الإيقاع في كل ما هو مادي ومعنوي. وهكذا فإن العلاقة بين الثقافة والتنمية هي، أو يجب أن تكون، موضوعية، علمية، غير متحيّزة وإيجابية أي في ما يخصّ زيادة كمال الإنسان.
أبعاد التنمية الشاملة:
تاريخياً، لم يكن هناك اتفاق بين الباحثين على تحديد مضمون عام وشامل وموحّد لمفهوم التنمية الشاملة. ويعزو نبيل السمالوطي أسباب ذلك إلى اختلاف المنطلقات الفكرية لدى علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأيضاً إلى التناقض الناتج عن الفرق بين المفاهيم النظرية المطروحة من جهة والتطبيق العملي من جهة أخرى(12). أما اليوم فإن الأكثرية المطلقة من المهتمّين بشؤون التنمية تعتبر هذه الأخيرة عبارة عن عملية معقّدة، طويلة الأمد، ومتعددة الأبعاد، وإنه لمن المسلّم به ان شرحاً تفصيلياً لأبعاد التنمية الشاملة ليساعد على استنباط المشاكل العالقة وكيفية معالجتها عن طريق الثقافة.
فمع بداية الستينات ارتبط مفهوم التنمية بالعامل الاقتصادي، ولقد عُرّفت التنمية آنذاك على كونها تعني زيادة وسطي الإنتاج للفرد الواحد من الخبرات والسلع على مرّ الزمن. وبشكل عكسي، فإنّ ظاهرة التخلّف كان ردّها إلى حالة من الفقر المادي والمطلق. وهذا ما دفع Nurkse إلى مقولته الشهيرة: “البلد فقير لأنه فقير”(13). ولقد كان التركيز الغربي على الجانب الاقتصادي من التنمية يهدف حقيقة إلى إلحاق البلدان الفقيرة بعجلة التبعية للدول الغربية من خلال زيادة رؤوس الأموال والاستثمارات. حتى منظمة الأمم المتحدة قد أخذت هي الأخرى بوجهة النظر الاقتصادية للتنمية وذلك باعتبارها عقد الستينات عقد النمو الأول، وهكذا حضّت الأمم المتحدة من خلال برامجها للمساعدات المادية، الدول النامية على إنجاز النمو في الناتج القومي الإجمالي وبنسبة لا تقلّ عن خمسة في المئة(14).
إنّ ارتباط التنمية بالجانب الاقتصادي قد برز بشكل واضح في أدبيات Rostow حول مراحل النمو؛ و Rosentein – Rodan وخاصة في إعطائه الأولوية القصوى للإستثمار؛ و Perroux حول أهمية مراكز النمو. ولا بدّ أن نذكر بعض النظريات الأخرى التي تعاطت مع مسألة التنمية من منظار اقتصادي وسياسي كالماركسية، ونظرية التبعية، وما يسمى أيضاً بنظرية الدفعة الخارجية. أضف إلى ذلك، أنّ ما يعزّز أهمية معالجة الجانب الاقتصادي للتنمية هي مشكلة الديون. فالديون تعتبر من المعضلات التي تهدّد مستقبل التنمية الاقتصادية،حيث يتآكل قسم كبير من الناتج المحلي الإجمالي لحساب خدمة الديون، وبذلك تقلّ، تالياً، عمليات الادخار والاستثمار على المستوى
الوطني(15). من جهة أكثر عملية، إنّ الكثير من مظاهر التخلّف عند بعض الدول يعود إلى أسباب اقتصادية كمشاكل الأميّة والجهل والنقص المتصاعد في الغذاء والمسكن وفرص العمل والاعتناء بالصحة العامة وغياب المؤسسات التي تعنى بإدارة الاقتصاد والموارد الطبيعية(16).
ومهما يكن من أمر فإنّ حصر مسألة التنمية في الجانب الاقتصادي دون غيره قد أثبت فشله وعدم قدرته على تأمين تنمية حقيقية للمجتمعات المعنية، في الوقت الذي حقق بالطبع تبعية اقتصادية مطلقة أو شبه مطلقة(17). وهكذا، ففي عقد السبعينات بدأت الأمم المتحدة تعرّف التنمية على كونها نمواً اقتصادياً مضافاً إليه التغيّر الاجتماعي. والحقيقة ان الأمم المتحدة أصدرت عدّة تعريفات للتنمية الاجتماعية تظهر جميعها أهمية مشاركة الدولة والأهالي في التخطيط لهذه التنمية، إلى جانب التأكيد على قضية التكامل القومي.
وباختصار، فإنّ الكثير من دراسات الأمم المتحدة تشير إلى أنّ هدف برامج التنمية الاجتماعية هو تحقيق الظروف السابقة للنمو الاقتصادي، أو تهيئة المناخ المادي وتقديم مختلف التسهيلات الإنمائية اللازمة. وهذه البرامج تتضمن تحسين مستوى البنى التحتية في مجالات الطرق والإسكان والزراعة، وممارسة الأنشطة الوظيفية في مجالات الصحة والتعليم والترفيه، وتطبيق برامج الحوار الديمقراطي وذلك عن طريق تفعيل عمل الندوات لتحديد الحاجات والمشكلات ورسم خطط العلاج(18). وهذه الأخيرة هامة جداً بحيث ان الدراسات اللاحقة للأمم المتحدة أكدت على أنّ العامل الأساسي في تحقيق التقدّم الاجتماعي يستند إلى برامج التثقيف ورفع الكفاية المهنية من خلال برامج التعليم والتدريب(19).
إنّ الأمم المتحدة تعتمد، في النهاية، منهج المجتمع كوسيلة لتوسيع آفاق الانسان. فهي تصف تنمية المجتمع على كونها عملية تربوية وتنظيمية “لأنها في نهاية الأمر مجموعة إجراءات لتقرير الاتجاهات الاجتماعية لدى الأهالي وتشجيعهم على تقبّل الأفكار الجديدة واكتساب المعلومات النافعة والمهارات العملية سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات”(20). فجوهر التنمية في تحليل هذا التعريف هو ناتج عن ثورة عفوية، بل هو الوصول إلى مرحلة من الانطلاق الذاتي عن طريق تمكين الجماهير من القدرة على تحليل المواقف ومواجهة المشكلات والانخراط في العمل الجمعي من خلال مشروعات تعاونية(21).
ويبدو ان البُعد الاجتماعي للتنمية لا ينبثق عن بناء أيديولوجي متميز. فالأمم المتحدة تارة تربط حركة التنمية الاجتماعية المحلية بحركة قومية شاملة، وتارة أخرى تحوّل القضية إلي عملية تربوية وتنظيمية تتعلّق بالإرشاد والتثقيف واكتساب المعلومات والخبرات(22). وربما هذا الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى عدم التمييز بين مصطلحي تنمة المجتمع وتنظيم المجتمع. فبينما تتبنى أجهزة الدولة برامج تنمية المجتمع مثل التربية الأساسية، الإرشاد الزراعي، والإصلاح الريفي، نرى ان مفهوم تنظيم المجتمع يستهدف تحقيق أهداف إصلاحية تتمثّل في إعادة التوازن الاجتماعي عن طريق معالجة مشاكل الشباب، العنف ضد المرأة، المساواة بين الجنسين، وحقوق الطفل. ولا بد من التذكير بأن الفروق بين تنمية المجتمع وتنظيم المجتمع مهمّة فقط من الناحية المنهجية. لكن من الوجهة العملية لم تعد المسألة موضع خلاف بحيث ان أي إصلاح اجتماعي، أكان يعتمد على أنشطة الرعاية الفردية أم على الأجهزة الحكومية، يدخل في نطاق عملية التنمية الاجتماعية.
مثال على ذلك ان حامد عمّار ينظر إلى المعاق في إطار تنمية الموارد البشرية والتي تعتبر إحدى أعمدة السياسة التنموية. وفي اعتقاده ان الدول “التي تهتم اهتماماً منظمّاً ومخططاً وعلمياً بالأسوياء هي التي تعنى بنفس الأسلوب بقضايا المعاقين والمنحرفين”(23). وفي السياق نفسه يمكننا الحديث عن ضرورة إزالة كل أشكال العنف والتمييز ضد المرأة، العمل على تعزيز حقوق الطفل وحمايته من المتاجرة والاستغلال، ودعم مسيرة الشباب وتقوية مناعته ضد المخدرات والجريمة والبطالة.
ولا بدّ من الإشارة إلى أهمية الإدارة والتنظيم في تحقيق أهداف التنمية. فمع ازدياد الأنشطة والاختصاصات وتنوّعها ضمن المجتمع الواحد، أصبحت التنمية الإدارية ضرورية وحتمية. فالإدارة تبقى وليدة المجتمع وهي تعتمد، علاوة على العنصر البشري، على القوانين والأنظمة النافذة، وعلى أدوات الاتصال والإحصاء والمحاسبة والتدريب(24). أما سرّ نجاح العمل التنموي فيعتمد على وجود إدارة مرنة، كفوءة، متكاملة ومرتبطة ارتباطاً عضوياً بأبعاد التنمية الشاملة(25). نصوغ هذا يقيناً بأنّ العمل الإداري هو جزء من الثقافة السياسية للمجتمع، كما أنّ أهداف التنمية لمستحيلة التحقيق في غياب الإطار السياسي المواكب لمسيرتها. ولقد دلّت الأحداث بأن التنمية الاقتصادية لا تقوم من دون تنمية سياسية. ونعني بالتنمية السياسية تحقيق المساواة السياسية الكاملة والمشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار السياسي على المستويين المحلي والوطني. فبقدر ما تكون الديمقراطية متجذّرة في النظام السياسي بقدر ما يكون هناك من استمرارية للحوار القائم بين الحاكم والمحكوم، بين العمال وأرباب العمل، وبين الأحزاب السياسية وفئة البيروقراطيين. وهذا النوع من النظم يُعمل به لإدخال كلّ التيارات الاجتماعية في اللعبة السياسية. ويبدو أنّ لهذه المشاركة أهمية كبرى سواء من حيث تربية الجماهير على ممارسة العمل السياسي، أو من حيث أهميتها في إنجاح الأنشطة الاقتصادية، أو في تفعيل عمل المؤسسات الطوعية في المدن والأرياف على السواء.
ولا بدّ أخيراً من الإشارة إلي ان تحقيق أهداف التنمية يحتاج إلى توافر وسائل اتصال وإعلام رسمية وغير رسمية، وطنية ومحلية، لتأمين الاتصال والحوار السريعين بين الأفراد والجماعات، كما بين المسؤولين والأهالي بغية توعيتهم على مشاريع التنمية وأهدافها والعقبات التي تعترضها ودورهم فيها(26). ويمكننا ملاحظة دور وسائل الإعلام الرئيسي في عملية التنمية من خلال مجالين إثنين: “الأول أن تقوم بدور المنبّه للتنمية من خلال إثارة اهتمام المواطنين بقضايا التنمية، وبالتالي بحشد الدعم الشعبي للتنمية التي تفقد مضمونها دون مشاركة شعبية فعلية”(27).
وفي هذا الإطار يمكننا تلخيص دور الإعلام في التنمية على النحو التالي:
أولاً، إنّ مهام أجهزة الإعلام في المجتمع هي التعليم والترفيه والإقناع وإيصال معلومات جديدة.
ثانياً، إنّ وظيفة الإعلام العمل على تضييق الهوّة الكبيرة الموجودة بين المدينة والريف على كل الصُعد وما يرافق ذلك من تعليم كيفية تطبيق الأساليب الزراعية الحديثة، والوقاية الصحية، والمشاركة في محو الأميّة للكبار، والتنمية إلى مخاطر تلوّث البيئة.
أخيراً، إن دور الاعلام في المجتمع ينبع من قدرته على خلق تفاهم عام بين فئات المجتمع الواحد وإبراز قدراتها وإغناء مناحي الابداع في نفوسها(28). وعليه لا يمكننا أن ننظر إلى دور وسائل الاعلام كمجرّد تراكم للمعلومات فقط، بل إنها تشكّل بنية ستراتيجية متكاملة، متماسكة ومتحرّكة بحيث تشمل كافة الحقول في الداخل
والخارج(29).
هذا لا يعني أن نجاح الخطط التنموية متوقّف على وسائل الاتصال والاعلام فقط، بل أن أي اهمال لأهميّة هذا القطاع يؤدّي حتماً إلى “إبطاء عملية التنمية وإلى جعلها أصعب وأعقد بسبب عدم وصول المعلومات اللازمة لتعريف الناس بها وحثّهم على المشاركة فيها”(30).فبإمكان الاعلام أن يفرغ الخطط التنموية من محتواها، كما بإمكانه أن يلهب الطاقات الخلاقة لدى الجماهير ويعدّها لاستيعاب كلّ ما هو جديد. وها هو زكي جابر يؤكّد على ذلك بقوله: “(لقد) بات في حكم المؤكّد أن الاعلام يمكن أن يكوّن الاتجاهات الايجابية نحو التقدّم المنشود للبلدان النامية. وبذلك يسهم في تسريع التنمية بزيادة فعالية الأساليب الأخرى…”(31).
وإذا أردنا أن نلخّص ما جاء في تعريفنا أعلاه لأبعاد التنمية الشاملة نقول أن التنمية عمليّة معقّدة، طويلة الأمد، ومتكاملة في أبعادها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية، والإعلامية. والتنمية الشاملة، وإن كانت تعني الإنسان، إلا أن القيمين على برامجها يجب أن يهتموا أيضاً بتطوير البنى التحتية على أسس علمية وتكنولوجية حديثة دون الضرر بعناصر البيئة المحيطة. والتنمية الشاملة تشترط تضافر وتكامل جهود القطاعين العام والخاص، وخاصة الجمعيات والأندية الطوعية العاملة في الحقول الاجتماعية، الثقافية، والرياضية. والتنمية لا يمكن أن تنجح إلا في إطار من المشاركة الشعبية الواسعة وضمان كلّ الحقوق السياسية للمواطنين بغية رفع المستويين المادي والمعنوي لأفراد المجتمع(32).
كيف تفعل الثقافة؟
مرّة أخرى نردّد أن غاية الثقافة تكمن في إعداد الانسان المدرك لحقيقة وجوده والواثق بقدرته على التغيير نحو الأفضل. فما تحتاجه الدول السائرة على طريق النمو يكمن في عملها على تقوية قدراتها الوطنية من خلال الاستثمار الانساني. فالثقافة تمثل خيارات في سلم قيم لها أبعادها الاجتماعية، الاقتصادية، الاعلامية، البيئية، والسياسية. فعلى الصعيد السياسي، مثلاً، لا يمكننا الحديث عن الديمقواطية دون مثقفين ديمقراطيين، أو خارج الإطار الثقافي. ومن الملاحظ اليوم أن الديمقراطية الشعبيــة هي صمّــام الاستقرار، لا بل إنهــــا مصدر القــــوّة للدولـــة السائـــرة على طريـــق النمو.
وبشكل عام، فإن عملية التحديث السياسي تبدأ بضمان حرية العمل للأحزاب السياسية داخل تنظيمات دستورية. فمن داخل العمل الحزبي يتم إعداد قادة الغد وما يحملونه من برامج إصلاحية عامة. ويبدو اليوم، أي في زمن تراجع حدّة الصراع الايديولوجي، ان نجاح الحزب السياسي يتوقف على قدرته في استيعاب المطالب الشعبية الملحة، في اختصار التنوّع الاجتماعي، وفي اجتثاث حدّة الصراع القائم في البلد. وكلّ هذا يتطلّب حزباً برغماتياً في نظرته إلى المسائل التي تطفو على السطح السياسي والتعاملي بشأنها من خلال اللجان الشعبية في القرى والمدن. فتربية الجماهير على الممارسة السياسية تبدأ من خلال مشاركتها في انتخاب مجالسها الاختيارية والبلدية. فما يهم المواطن العادي في الأخير هو تأمين ضروراته الحياتية اليومية من ماء وكهرباء وهاتف ومدرسة ومستشفيات.
أمّا الموضوع الآخر، والأكثر أهميّة، في موضوع التحديث السياسي فيتعلّق بالحاجة إلى تضييق الهوّة بين الدولة والمواطن. وهذا يتطلّب نوعاً من اللامركزية الادارية بحيث يتم نقل النشاط الاداري من أيدي الموظّفين المركزيين إلى أيدي مواطنين يقيمون في الأقاليم والأطراف(33). ويعدّد خالد قباني ايجابيات اللامركزية الإدارية على النحو التالي:
أوّلاً: إنّ اللامركزية الإدارية تعني كيفية تنظيم الخدمة العامة وكيفية إيصالها إلى المواطن بأفضل السبل وأسرعها.
ثانياً: اللامركزية الادارية ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالحرية عن طريق تولّي الجماعات المحلية إدارة شؤونها الذاتية بنفسها ومشاركتها في تحمّل المسؤولية على صعيد الخدمات العامة. بمعنى آخر، إن اللامركزية الادارية مرتبطة بالديمقراطية التي تفترض انتخاب الهيئات المحلية من قبل الناخبين في هذه الوحدات وتستبعد فكرة تعيين أعضاء هذه الهيئات من قبل السلطة المركزية(34). لذلك يعتبر قباني أن اللامركزية الادارية ضرورة وحاجة في آن معاً. هي أوّلاً ضرورة لأنها توفّر حداً أدنى من الحريات وتبني الشعور بالمسؤولية وتذكّي روح المشاركة في الحياة العامة. واللامركزية الإدارية هي ثانياً حاجة لأن الخطط التنموية لا تقوم إلا على التنظيم، والتنظيم يعني توزيع العمل وتحسين أساليب الإدارة ومعرفة الحاجات والمتطلّبات(35).
والمقصود بتحسين أساليب الإدارة العمل على وضع السياسة الإدارية في متناول أصحاب اختصاص، عمليين، وقادرين ومستعدين لإجراء جردة حسابية وعملية نقد ذاتي للنجاح والفشل على ضوء النتائج الحاصلة. وربّما هذه العملية الدائمة الجدلية لتجربة مرهقة لأي بلد، لكن ما العمل وعصرنا هذا هو عصر ارتبط فيه التطوّر بالتغيير الدائم وما يتطلّبه ذلك من ايجاد الإداريين الأكفاء العارفين بمبادىء علم الادارة وكيفية ممارسة وظائفها العامة من تخطيط وتنظـيم وتوجيه وتدريب. وعليه، فإن المطلوب من الدولة هو تشجيع الجامعات على إدخال دراسة الإدارة العامة في مناهجها. كما أن المطلوب من الدولة تقديم الدعم المادي لإرسال البعثات إلى الخارج للإطلاع على آخر التطوّرات التي طرأت على تنظيم عمل الإدارات في الدول المتطوّرة وتبني ما يتكيّف منها مع الشروط الاجتماعية والاقتصادية المتوافرة.
إنّ موضوع التنمية الإدارية لهام جداً لأنّه عبر الإدارة يتم تنفيذ الخطط التنموية الملحّة. زد على ذلك أن الإنقسام الاجتماعي الذي يعرقل في كثير من الأحيان سير العمل الإداري يمكن أن ينهار داخل مؤسّسات حديثة تحقّق نوعاً من الاندماج بين أفراد ينتمون إلى أعراق أو يتكلّمون لغات مختلفة. فالانقسام اللغوي في كندا مثلاً قد تمّ الحد من تأثيره لأن كلّ المؤسسات الإدارية التابعة للدولة الاتحادية تقدّم الخدمات للمواطنين بإحدى اللغتين اللتين يتقنونها.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فالثقافة تربط النمو الاقتصادي بالتحديث السياسي ومبدأ حماية الحريات العامة. بمعنى آخر، إن دورة الاقتصاد الحقيقية يلزمها نوع من التوازن بين الأمن من جهة والبحبوحة الاقتصادية من جهة أخرى. ومع علمنا لأهمية تأثير حركة السوق العالمية على وتيرة النمو الاقتصادي المحلّي، إلا أن دولاً أوروبية صغيرة كالسويد والدنمارك وهولندا تمكّنت من تحقيق تطوّر اقتصادي مذهل بسبب إعتمادها ستراتيجية الاختصاص في التصدير لتضييق الفجوة بين القطاعين الصناعي والزراعي(36). ولا عجب فهذه الدول تؤيّد مبدأ حرية التبادل التجاري إلى جانب تبنيها ودعمها للمبادرة الفردية في الحقل الاقتصادي الداخلي.
وفي نفس السياق يمكننا الحديث عن كوريا الجنوبية، تايوان، وهونغ كونغ التي حققت تقدّماً ملحوظاً إلى درجة أنها تعرّف اليوم بالدول الصناعية الجديدة. وهذا يعود إلى السياسة غير المتشدّدة التي تتبعها هذه الدول والتي ترمي إلى زيادة الصادرات الصناعية مع عدم تدخّل الدولة في الاقتصاد المحلّي(37). ويعني هذا أن التقدّم ممكن طالما أن هناك تنسيقاً بين الحاجات الاقتصادية الداخلية وحركة السوق العالمية. ويرى Harris أن مبدأ الاعتماد الاقتصادي المتبادل قد يلغي النظرة السابقة للنظام العالمي لدرجة أنّه لم يعد ممكناً التمييز بين العالم الأوّل والعالم الثالث. وينهي Harris طروحاته بالقول أن “العالم الثالث إلى زوال”. وهو لا يعني بذلك الفقر أو الدول وإنّما الطرح نفسه(38). فلا يجوز بعد اليوم الحديث عن عالم الجنوب الفقير وعالم الشمال الغني لأن الكثير من دول الجنوب قد تمكّن من اللحاق بمركبة العصر المتطوّر.
إجتماعياً، الثقافة تستوعب، أو يجب أن تستوعب، كلّ الشرائح الاجتماعية من شباب ونساء وأطفال. وبشكل عام، لا بدّ أوّلاً من مصالحة الريف مع المدينة. وهنا يظهر دور الدولة ومؤسّساتها في نقل التكنولوجيا الصناعية والزراعية وما يلزم ذلك من إعادة النظر بالبرامج والخطط التنموية التي تقرّر إقامة هذا المشروع أو ذاك، في هذه القرية أو تلك، يجب ألا يغيب عن البال دور النقابات والمنظمات المهنية لكونها النوافذ التي تطل منها الدولة، ولأنها تملك الإمكانات لإثارة الحوافز لدى القوى العاملة على نحو فعّال ومثمر. ولا بأس من استحداث فروع جامعية في الأرياف وبخاصة تلك الفروع التي تعنى بالأبعاد البنائية والاجتماعية مثل علم الاجتماع والخدمات الاجتماعية والصحية الهندسة الزراعية(39).
أمّا بالنسبة للشباب، فلا بدّ من دعم مؤسّساتهم الطوعية وتشجيع نشاطاتهم خاصة في مجال الإبداع الفني والأدبي، وتدعيم قدراتهم على النقد البنّاء، وتنمية الوعي العلمي والتطبيقي لديهم وتوجيههم نحو النشاطات الرياضية في جوّ من المنافسة الخلقية
العالية(40). وإذا كان ذلك يتطلّب سياسة شبابية، فإن إشراك النساء في صنع السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يستلزم توافر الحماية لهن ضد عبودية النظام البطركي. أمّا الوصول إلى ذلك، على الأقل من الناحية الثقافية، فإنّه يستوجب تطوير المناهج المدرسية وإزالة كلّ ما يسيء إلى دور المرأة في الكتب والبرامج، تطبيق الزامية ومجانية التعليم للجنسين، وتأمين دور للحضانة حتى تتمكّن المرأة من ممارسة مسؤولياتها كاملة(41). إذ كيف يمكن لمجتمع ينتج بنصفه (أي الرجل)، ويأكل بنصفيه (أي الرجل والمرأة) أن ينمو ويتطوّر؟
عن السمات الثقافية المتعلّقة بحقوق الطفل، يقول أنيس سليمان أن زيادة الوعي الاجتماعي لشرط مسبق لضمان تلك الحقوق في القانون(42). وتشمل تلك الحقوق حق الطفل في الحياة وفي الحصول على الخدمات الطبية، وحقّه في التعليم والتمتع بأوقات الفراغ والمشاركة في النشاطات الثقافية، وحقّه في الحماية ضد جميع أشكال الاستغلال والإبعاد القسري عن العائلة، وحقّه في أن يكون بعيداً عن النزاعات المسلّحة وحمايته من الخطف والمتاجرة والتعذيب(43). ولوسائل الاعلام دور مميّز في تعزيز هذه الحقوق، خصوصاً إذا استخدمت هذه الوسائل في زيادة الوعي عند الطفل وإشباع تفكيره بالقصص العلمية، وإبعاد مخيّلته قدر المستطاع عن الخرافة والأسطورة، وتدريسه تاريخ أمّته بشكل مشوّق(44).
ربما ان قدر الدول النامية أن تعنى بالتنمية الاعلامية. فوسائل الاعلام تؤثّر بشكل مباشر في نجاح أو فشل خطط التنمية عن طريق عرضها وشرحها جماهرياً. زد على ذلك ان الاعلام المتخلّف قد لا يصيب والاعلام المستورد قد يضلّل. وتصحيح المسارات الخاطئة إنّما يتوقّف على قرارات مسؤولة تعطي وسائل الاعلام، الخاصة منها والرسمية، ما يلزمها من حرية في التعاطي مع استراتيجيات التنمية. وعليه، فلا بدّ من رسم سياسة تجعل من أجهزة الاعلام أدوات لتوسيع الرؤية الثقافية لتكون خير عون لتحصين الذاتية الثقافية عن طريق انفتاحها على الثقافات الأخرى.
وفي هذا السياق، أشار مطانيوس الحلبي إلى عدد من الإجراءات لا بدّ منها لتعزيز دور الثقافة في التنمية الشاملة عبر وسائل الاعلام. فعلى الصعيد الخاص، طالب الحلبي بتوسيع الصفحة الثقافية في الجرائد اليومية وتشجيع الشباب على الكتابة فيها. ثانياً، تكثيف الاهتمام بنشر الموروث الشعبي والآداب والفنون. ثالثاً، زيادة الاهتمام بنشر الأخبار الثقافية، خاصة أخبار المعارض والاصدارات من الكتب والموسوعات الجديدة. أخيراً، العمل على تقوية الرقابة الذاتية في ما يتعلّق باختيار البرامج الثقافية والفنية الأجنبية(45).
أمّا على الصعيد الرسمي، فقد طالب الحلبي الحكومات بتطوير التشريعات الوطنية بقصد إعفاء الانتاج الثقافي الوطني من الضرائب والرسوم عند عرضه عبر أجهزة الاعلام والاتصال. كما دعا إلى ضرورة فرض ضرائب على الأفلام الأجنبية المستوردة، وإلى حماية الملكية الفكرية والأدبية، وإلى إعداد أفلام تلفزيونية وبرامج إذاعية قصيرة تثقيفية(46). وفي كلّ هذا ما يجعل من الدول النامية صوتاً عالياً في عالم واحد متعدّد الأصوات ومتنوّع الثقافات. وهذه أمانة بأعناق وسائل الاعلام وكلّ العاملين فيها والمشرفين عليها.
وخلاصة القول ان فعل الثقافة في التنمية الشاملة يبدأ من خلال إعداد المواطن ليمارس حقوقه السياسية في أجواء من الديمقراطية والحرية واللامركزية الادارية. بمعنى آخر وأكثر دقّة، إن سر إمكانية تضييق الهوّة بين السلطة والشعب يمرّ عبر الإنسان المثقّف المؤتمن على مصير وطنه لأنّه الأكثر علماً ومعرفة بنقاط ضعفه ومصادر طاقاته. ثانياً، إن الإنماء الاقتصادي يحتاج إلى عقلية برغماتية تتعامل مع المشاكل الطارئة على قاعدة التوازن بين الاستقرار الدستوري والرخاء الاقتصادي. ثالثاً، الثقافة معنية بصورة مباشرة في عملية إدماج الشاب والمرأة والطفل في عملية التنمية الاجتماعية. أخيراً، الثقافة تنظر إلى تطوير وسائل الاعلام كجزء لا يتجزأ من ستراتيجية الأمن الثقافي.
في الأخير الثقافة ليست ملفاً إدارياً عادياً، وارتباطها بعملية التنمية الشاملة لا يعكس العلاقة الروتينية بين السلطة والمواطن. زد على ذلك أن الحركات الثقافية اعتادت النظر إلى تدخّل الدولة في الحقل الثقافي بشيء من الشك والمواربة. غير أننا في سياق هذا البحث ننظر إلى الدولة على كونها دولة المجتمع حيث تشترك في صنع سياساتها كلّ الشرائح الاجتماعية في جو من الديمقراطية والحوار المستمر. هذا يعني أنه إذا ما فعلت الثقافة في التنمية الشاملة لتحققت مقولة المدينة الفاضلة. وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن دور ما للدولة في المجال الثقافي. أمّا مبررات هذا التدخّل فيمكن ايجازها على النحو التالي:
أوّلاً: الدولة معنية بتأمين الوسائل التي تكفل امتلاك الثقافة من قبل جميع المواطنين، وأن تضع موارد الثقافة في خدمة التطوّر.
ثانياً: إن الثقافة الوطنية تستدعي تأسيس الذاكرة الجماعية بحيث لا يترك هذا الأمر لكلّ فئة أو جماعة تؤسّسها على هواها وبطرقها الخاصة. وعليه، فالمطلوب من الدولة وضع سياسة ثقافية بمشاركة جميع المثقّفين على قواعد الحرية والديمقراطية اللتين تشكّلان الشرط المسبق لأيّة حركة ابداعية. وهذه السياسة يجب أن تسير في عدّة إتجاهات لعلّ أهمّها ما يلي:
أوّلاً: الحفاظ على التراث والقيم الروحية والأخلاقية في إطار المسؤولية الوطنية لتحصين الشباب ضدّ كلّ الأنماط الثقافية التقليدية والدخيلة.
ثانياً: توفير الشروط المسهلة للانتاج الثقافي والابداعي، وتعزيز حضور المثقفين عن طريق رعاية المهرجانات الثقافية، وتكريم المبدعين قبل وفاتهم، والمساهمة في التخفيف من أكلاف النشر ودعم الفن التشكيلي.
ثالثاً: تمكين المواطنين من التمتّع بإنجازات الثقافة والإبداع عن طريق تأسيس فروع للمكتبة الوطنية في المناطق ليكون الكتاب في متناول الجميع.
رابعاً: إنشاء مراكز ثقافية خارج المدن وتقديم الدعم المادي والمعنوي للهيئات والمجالس الثقافية غير الحكومية وتشجيعهما على إقامة الندوات والمخيّمات الشبابية.
خامساً: إنشاء فروع لمعاهد الموسيقى والسينما والمسرح والمعارض الفنية خارج المدن لتشجيع المواهب الشابة.
سادساً: إنشاء دور للحضانة تحوي وسائل ترفيهية وتثقيفية لإسعاد الطفولة.
سابعاً: تطوير التعليم العالي وخاصة المجال التقني لربط التعليم بسوق العمل وقطاعات الانتاج، وتوجيه الطلاب إلى الاختصاصات التي تتلائم مع حاجات البلاد.
ثامناً: إنتاج أفلام تثقيفية تعنى بتعزيز الثقافة البيئية، وثقافة السير، والثقافة الصحية، والثقافة الأثرية.
تاسعاً: إنشاء مراكزللبحث الثقافي في الجامعات الوطنية ودعم استقلاليتها مادياً والأخذ بتوصياتها لإنجاح الخطط التنموية.
عاشراً: التنسيق مع المنظّمات الدولية والاقليمية الثقافية والدخول معها في حوار دائم للإستفادة من برامجها الثقافية في سبيل إعادة تأهيل المدرّسين الجامعيين للتعرّف على آخر التطوّرات في مجالات العلم والمعرفة.
حادي عشر: تعزيز الممارسة الديمقراطية عن طريق تفعيل المجالس التمثيلية للطلاب والعمّال والمثقّفين وكلّ الهيئات الانسانية الأخرى.
خاتمــة
لا إستقامة ولا نجاح للتنمية إلاّ من خلال سياسة ثقافية تطال كلّ نواحي الحياة الاجتماعية السياسية، الاعلامية، والبيئية. وربما من حسن حظ الثقافة أنها لا تخضع لعملية حسابية على قواعد الربح والخسارة. وما مظاهرها من نظافة بيئية، وتراث يحاكي المستقبل، وانفتاح على باقي الثقافات العالمية، سوى معايير لقوتها وتسامحها وديمومة بقائها.
ومع علمنا ان الثقافة عندما ترتبط بالتنمية تصبح لها شجونها الدولية وربّما يصبح من السهل الإساءة إليها من خلال تداخل مصالح الأمم والشعوب. غير ان تفاؤلنا حول مستقبل الثقافة ينبع من كون مواردها في أكثريتها وطنية المصدر. لذلك، فمن خلال تعزيز دور الثقافة الأساسي في التنمية الشاملة تضفي نوعاً من الاستقلالية التي تطمح إليها كلّ الشعوب. وفي رأينا أن الثقافة وحدها هي التي تميّز الشعوب بعضها عن بعض في زمن الاعتماد الاقتصادي المتبادل وفي عصر التدخلات السياسية الفوضوية الناتجة عن نظام الحروب الباردة في العالم.
أخيراً، إننا نعترف أنه في دراستنا هذه طغى البحث النظري على العملي. لكن جدلية البحث إفترضت أن الإنسان المثقّف هو الركن الأساسي في عملية انتقال المجتمع من التخلّف إلى الإنماء فإلى عصر التطوّر. وبالتالي فإن المجتمع المثقّف هو المجتمع.
المراجـع
1 ـ محمد، سيد محمد. الاعلام والتنمية ـ القاهرة: دار المعارف 9791. ص 22 ـ 25.
2 ـ الجوهري، محمد. علم الاجتمـــاع وقضايا التنميـــة في العالم الثالث. القاهرة: دار المعارف (جزء أوّل) 1978. ص 69.
3 ـ إن مؤتمر اليونسكو الشهير المنعقد في مكسيكو عام 1982 هو الذي أطلق مقولة التنمية الثقافية. راجع التنمية الثقافية: تجارب إقليمية. تأليف لفيف من خبراء الاونيسكو. منشورات الأمم المتحدة. 1982. ص 5.
4 ـ المصدر السابق، ص 10.
5 ـ Korany، Bahgat، Hierarchy within the South: In search of theory، Third World Affairs، (London: Third World Foundation)