الرئيسية / دراسات / نحو نظام ديمقراطي عـربي
45236d948a2e9f986024323d7d6adfed

نحو نظام ديمقراطي عـربي

الديمقراطية فكرة اخترعها قدماء اليونان لتصف نظام حكم سياسي استهدف قيام الشعب بحكم نفسه بنفسه.  إلا أن التطبيق العملي لتلك الفكرة أدى إلى استيلاء طبقة واحدة على الحكم، هي طبقة الأحرار التي قامت بحكم العبيد والتحكم بهم. ومن خلال العرب وبوساطتهم انتقل الفكر اليوناني إلى الغرب الذي كان سباقاً في تطوير تلك الفكرة وغيرها من علوم وتوظيفها لتحقيق نهضة فكرية وثقافية وعلمية واقتصادية شاملة في العصر الحديث. ولقد كانت الديمقراطية من أهم الأفكار التي طورها الغرب وقام بتأسيسها كنظام حكم سياسي اكتسب مع الزمن شرعية غير منقوصة، ما جعل الفكرة الديمقراطية تتحول ببطء إلى موقف فردي وجماعي ينظم العلاقات بين الناس في المجتمع الديمقراطي. ففي المجتمعات الصناعية بالذات أصبحت الديمقراطية مع مرور الزمن حالة ذهنية تدفع الناس في اتجاه الاعتراف بحقوق متساوية مع الآخرين واحترام آرائهم، وحل الخلافات فيما بينهم بطرق سلمية. ويشير التاريخ الحديث إلى أن مبادئ الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص لم تتحقق إلا في ظل نظم الحكم الديمقراطية التي تبلورت في عصر الصناعة وتعمقت جذورها في المجتمع بعد تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية وقيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.
وكما أسلفنا، الديمقراطية ليست نظام حكم فقط، بل أيضاً قيمة اجتماعية ثقافية تقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بحقوق وواجبات متساوية، وحرية الرأي والفكر والعبادة، واحترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي بين الناس. وإذا كانت الديمقراطية كنظام حكم تعني وضع حد نهائي للحكم الفردي ومؤسسات الدولة غير الخاضعة لرقابة شعبية فاعلة، فإن الديمقراطية كقيمة ثقافية اجتماعية تعني وضع حد نهائي لاحتكار الحقيقة من قبل حركة أيديولوجية أو فلسفة شمولية مثل الدين أو القومية أو الشيوعية، وقيامها بالسيطرة على الفكر والثقافة، وفرض مبادئها وتعاليمها على غير أتباعها من المواطنين.
يُعرِّف قاموس وبستر الديمقراطية على أنها “نظام حكم يقوم على تركز السلطة في يد الشعب أو في ممثليه المنتخبين تبعا لنظام انتخابي حر”. كما يعرفها نفس القاموس أيضاً بأنها “حالة مجتمعية تتصف بتساوي الناس من الناحية الرسمية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات”. وهذا يعني أن الديمقراطية نظام حكم يُحدد علاقة الدولة بالشعب وينظمها بطريقة تُمكن الناس من المشاركة في اتخاذ القرارات ذات التأثير في مجرى حياتهم ومستقبلهم، ومنحهم الصلاحيات الكافية لمحاسبة ممثليهم فيما يتعلق بمسئولياتهم الرسمية. مع هذا، ليست الديمقراطية حالة سياسية مستقرة، وإنما عملية سياسية اجتماعية متطورة تؤثر في القيم الثقافية السائدة في المجتمع، وفي مواقف الناس ونظرتهم الفلسفية وتتأثر بها وبما تمر به من تطورات وتحولات. من ناحية ثانية، تتشكل المؤسسات الديمقراطية تبعا لتجربة كل مجتمع ديمقراطي، وتتأثر بالأوضاع الاقتصادية والهياكل الاجتماعية السائدة فيه ومدى نشاط القوى التي تتحكم في تشكيل الثقافات وصنع الحضارات. وبسبب مرور المجتمعات الإنسانية المختلفة بتجارب حياتية مختلفة جعلتها تعيش في ظل ظروف متباينة، فإن النظم الديمقراطية تختلف من مجتمع لآخر.
إن جذور الديمقراطية ومبادئها الأساسية القائمة على المساواة والعدالة والمسئولية من الممكن إرجاعها إلى العقائد الدينية. إذ اتجهت الديانات منذ ظهورها في الأزمنة القديمة إلى القول بأن كل إنسان مسئول أمام قوة عظمى غير مرئية، وأن عليه أن يتصرف بشكل أخلاقي مسئول. وعلى سبيل المثال، تقول اليهودية والمسيحية والإسلام إن كل إنسان خاضع لأوامر الله، وأن البشر متساوون أمامه. وفيما أسهمت هذه المبادئ في رفع مكانة العبيد في عين الله حسب ما تشير الأديان السماوية على الأقل، أدت إلى إضعاف منطق السلطة المطلقة التي استحوذ عليها حكام كثيرون. مع ذلك لم يستطع الدين وضع حد للاستبداد أو الاستغلال، بل قامت المؤسسات الدينية مراراً بتبرير سلطات ملوك مستبدين وحكام ظالمين. وفي سبيل إضفاء شرعية على الاستبداد والحكم المطلق، قام بعض الملوك بالادعاء بأنهم آلهة، أو من نسل الآلهة، أو يمثلون الآلهة على الأرض ويحكمون باسمهم. ولقد أسهمت تلك الادعاءات في تمكين بعض الملوك من استخدام الدين لتوحيد الناس من حولهم والاستيلاء على السلطات في المجتمع وتأسيس سلالات مالكة استمر بعضها قروناً.
إن هيمنة الكنيسة في العصور الوسطى على مختلف أوجه الحياة في المجتمع الأوروبي حرم الملوك والأمراء من الاستحواذ على ما يكفي من القوة لبناء دول قومية مستقلة ذات سيادة. لكن دخول الكنيسة في أزمة طاحنة مع انطلاق حركة الاصلاح الديني شجع الأمراء والملوك على التحالف مع أعداء الكنيسة من تجار وسكان مدن والحصول على قوة كافية لإقامة دول قومية خاضعة لسيطرتهم. وفيما استهدف الملوك من التحالف مع التجار وسكان المدن الحصول على المال لبناء جيوش وطنية تعزز سلطاتهم، استهدف التجار وسكان المدن من التحالف مع الملوك تعزيز ما حصلوا عليه من حرية اقتصادية واجتماعية بعيداً عن سلطة الكنيسة والملوك خلال القرون السابقة. إذ اتجه سكان المدن الأوروبية عامة والإيطالية خاصة مع نهاية القرن الرابع عشر إلى تسريع وتيرة النشاطات الاقتصادية والحرفية، وتكوين نقابات حرفية، والتوجه نحو تحدي التقاليد الاجتماعية السائدة في زمنهم وسلطات الكنيسة والملوك على السواء.
وفي ضوء ما ساد حياة تلك المدن حينئذ من حرية نسبية، واتجاه التجار والحرفيين إلى التركيز على نشاطات دنيوية استهدفت تحقيق مصالح مادية، فإن معطيات الحياة أخذت تتطور في اتجاه أبعد تلك المدن وسكانها عن حياة الاقطاع وتقاليده، وقادها إلى مخالفة تعاليم المؤسسة الدينية فيما يتعلق بالنشاطات التجارية والمعاملات المالية. نتيجة لتلك التطورات تبلورت طبقة غير تقليدية في المدن، تشكلت من تجار وحرفيين وممولين كان الكثير منهم قد هرب من الاقطاعيات بعد سنوات من العبودية، ما جعلهم يتصرفون ويفكرون كمجموعة من الأحرار. وإذا كانت الديمقراطية هي نظام حكم من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب كما قال لنكولن، فإن نظام المدينة الأوروبية في عصر النهضة كان نظاماً من التجار وبالتجار ومن أجل التجار.  لكن اصرار الكنيسة على تطبيق تعاليمها لم يترك مجالاً لحدوث تحول مجتمعي واسع من دون صراع دموي انتهى بهزيمة الكنيسة عام 1648. لكن فيما كانت العملية السياسية تسير ببطء نحو تعزيز سلطات الملوك، كان هناك أفكار جديدة وتطورات اقتصادية غير مسبوقة تغزو أوروبا وتقوم بتغيير الواقع الحياتي وطرق تفكير الناس ومواقفهم. يقول تشارلز فان دورين Charles Van Doren: شكلت تلك التغيرات تحدياً كبيراً جاء أولاً لصالح الدولة القومية على حساب الكنيسة، لكن لم تمض فترة طويلة حتى شعر الحكام المستبدون الذين حلوا محل الكنيسة بفقدان سطوتهم، حيث أصبح الإنسان، وليس الله، هو مصدر السلطات في المجتمع.
في غضون قرن من قيام الثورة الصناعية ظهر في كل دولة صناعية اقتصاد جديد، ومجتمع جديد ذو ثقافة جديدة يتكون من ثلاث طبقات: طبقة عمالية وطبقة وسطى وطبقة رأسمالية. وخلافاً لما كان عليه الحال في الماضي، قامت تلك الطبقات على أساس مصالح واهتمامات مشتركة وليس على أساس قيم ومعتقدات واحدة. ومع أن العلاقات بين تلك الطبقات خضعت لمنطق التنافس والنزاع أحياناً، إلا أن جميع الطبقات التقت حول هدف مشترك سعى إلى توسعة مجال الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي سبيل تحقيق أهدافها، قامت الطبقات الاجتماعية في المجتمع الجديد بقبول مبدأ التعددية السياسية والدينية والمشاركة في العملية السياسية. وهكذا قامت الحرية الاقتصادية التي تكونت في ظل حياة المدن بتمهيد الطريق لبلورة فكرتي الرأسمالية والديمقراطية وما ترتب عليها من نظم اقتصادية وسياسية، ما جعل النظامان يصبحان مع الأيام توأمين متلاصقين يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به.
تعود الأصول الفكرية للديمقراطية الحديثة إلى كتابات فلاسفة السياسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر في الغرب، إذ اتجهت تلك الكتابات إلى القول بأن على الحكومات أن تحمي حقوق المواطنين من تسلط الدولة وسلطة الدين واستغلال المال. لذلك دعا أولئك الفلاسفة إلى الحد من تدخل الدولة في حياة الناس، خاصة فيما يتعلق بسعيهم للحصول على السعادة التي كانت تعني حينئذ الحرية والثروة. من ناحية أخرى، نظر الحكام الجدد بعين الرضا لتوجه الناس نحو الاهتمام بالمصلحة والمادة بعيداً عن الدين لأن شبح الكنيسة لم يكن قد زال تماماً من مخيلتهم. لكن حين حاولت الدولة الاستيلاء على سلطات الكنيسة والحد من حريات الناس ثارت عليها الشعوب وأجبرتها على التراجع. ومع نمو حجم الطبقة الوسطى وتحسن مستوى الحياة في ضوء استمرار النظام الرأسمالي في تحقيق التقدم، تم ترسيخ شرعية العملية الديمقراطية والفكرة العلمانية. ويجدر التذكير أن الفيلسوف العربي إبن رشد كان صاحب الفكرة العلمانية التي تقوم أساساً على فصل الدين عن الدولة والتي لم يكن بإمكان أوروبا أن تنهض من دونها.
في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، أصبح نظام حياة الغرب القائم على الديمقراطية والرأسمالية أكثر النظم جاذبية بالنسبة للشعوب التي عانت كثيرا من نظم الحكم الماركسية والاستبدادية، ما جعل فلاسفة الغرب يعلنون انتصار الرأسمالية والديمقراطية وانتهاء التاريخ. ولقد تبع ذلك حدوث أكبر موجة دمقرطة في العالم جعلت كل دولة خلال عقد من الزمن تصبح إما ديمقراطية أو تمر بعملية دمقرطة، أو تدعي بأنها تقوم على أسس ديمقراطية. مع ذلك استمر حكام العالم الثالث عامة، بمن فيهم حكام الدول العربية، في مقاومة الديمقراطية وإدخال تغيرات شكلية على نظم حكمهم لا تلمس جوهرها ولا تضمن الحد الأدنى من الحريات للناس.
إن قبول معظم أولئك الحكام بإدخال تعديلات ديمقراطية شكلية جاء نتيجة لحاجتهم لإرضاء دول الغرب الرأسمالية وتشجيعها على تقديم المزيد من الدعم المالي لهم من أجل الحيلولة دون انهيار اقتصاديات بلادهم، وليس بدافع الايمان بحقوق الإنسان أو واجب احترام كرامته. كان أولئك الحكام يأملون أن تؤدي الاصلاحات الاقتصادية الرأسمالية إلى تحسين أداء اقتصادياتهم قبل أن تترسخ الفكرة الديمقراطية في مجتمعاتهم وتقود إلى تغيير نظم الحكم التي يسيطرون عليها. ولما كان ليس بإمكان اصلاحات اقتصادية أن تقود إلى تحسين الأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ من دون اصلاحات سياسية وثقافية واجتماعية موازية، فإن برامج الإصلاح الاقتصادية لم تفلح في تحقيق أهدافها، بل عادت على معظم فئات الشعب بنتائج سلبية. من ناحية ثانية، جاء الربيع العربي وما حمله من ثورات شعبية عام 2011 ليثبت أنه من غير الممكن أن تنجح اصلاحات اقتصادية في غياب اصلاحات ثقافية واجتماعية موازية تشمل نظم الحكم والقوانين وحقوق الإنسان. فالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان هي جوهر العملية الديمقراطية، وأهم الشروط المطلوبة لحدوث تنمية شاملة ونهضة مجتمعية تشارك فيها مختلف فئات المجتمع.
الآن، وقد دخلنا النصف الثاني من عام 2013، نلاحظ أن كل المجتمعات الصناعية أصبحت دولاً ديمقراطية أو في طريقها لاستكمال عملية التحول إلى الديمقراطية. أما المجتمعات التي تعيش في عصر الزراعة وما قبله فنلاحظ أنها ما تزال محكومة من قبل نظم حكم استبدادية أو غير ديمقراطية. من ناحية ثانية، نلاحظ أن المجتمعات التي تقف على أبواب عصر المعرفة أصبحت غير عقائدية أو في طريقها إلى التخلص من العقائدية، فيما ما تزال المجتمعات التي تعيش في عصور ما قبل الصناعة إما عقائدية أو تشهد ردة ثقافية تقوم على عقيدة دينية. مع ذلك، يوجد في كل مجتمع صناعي فئة أو أكثر تعيش في عصر حضاري مختلف وتمر بردة ثقافية عقائدية بسبب تفتت كل مجتمع إلى فئات ثقافية اجتماعية. فعلى سبيل المثال، تعيش ولايات جنوب أمريكا عامة في حضارة بعيدة عن حضارة المعرفة، ما يجعلها تمر بردة دينية أصولية ذات صبغة عنصرية. ومع انتصار الاقتصاد على السياسة في الثمانينيات من القرن العشرين، تحولت السياسة ببطء إلى أداة في يد النخب الاقتصادية تستخدمنها لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. وهذا تسبب في تعطيل العملية الديمقراطية وحرمانها من القدرة على الحفاظ على رسالتها المجتمعية وخدمة قضايا الشعوب المؤمنة بها. وصف وولتر لبمان Walter Lippman الديمقراطية الأمريكية بأنها خدعة، وأن الفرد حين ينظر إلى دوره فيها وما حققه مقارنة بما كان من حقه أن يحققه فإنه سوف يقول ما قاله بسمارك عن نابليون الثالث، “يتراءى إليك من بعيد بأنه شيء عظيم، لكن حين تراه عن قرب تكتشف أنه لا شيء على الاطلاق”.
شروط العملية الديمقراطية
تشير كتابات المفكرين السياسيين في الغرب إلى أن إقامة نظام ديمقراطي تحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية:
1.  تعددية سياسية توفر خيارات حقيقية أمام الناخبين.
2.  طبقة وسطى كبيرة نوعاً ما ولديها استقلالية وثقة بالنفس ووعي يُمكِنها من تحديد مصالحها والقيام بحماية تلك المصالح.
3.  إعلام مستقل يوفر منابر للتعبير عن الرأي بحرية، ويلعب دوراً حيادياً أثناء الحملات الانتخابية.
مع ذلك، منحتني تجربتي الحياتية التي قضيت حوالي 35 سنة منها في أمريكا في الدراسة والتدريس الجامعي فرصة رؤية التجربة الديمقراطية الأمريكية والمشاركة في العملية الانتخابية، ما جعل بإمكاني تقييم تلك التجربة من الداخل. من ناحية ثانية، سمحت لي تجربة حياة غير عادية قضيت حوالي 35 سنة أخرى منها في التجول في عالم العلم والمعرفة والدراسة والتدريس الجامعي في أكثر من 50 دولة برؤية تجارب أخرى وتقييم التجربة الأمريكية من الخارج. نتيجة لذلك، وجدت أن الشروط السابقة لا تكفي لقيام نظام ديمقراطي قادر على تحقيق أهدافه. إن هناك حاجة لشرط رابع هو توفر ثقافة التآلف (التسامح)، وإيمان أتباع الديانات والثقافات والقوميات المختلفة بتلك الثقافة نظرياً وممارستها عملياً. وفي تحليلنا للعملية الديمقراطية، سوف نركز على التجربة الأمريكية بوصفها الأقدم والأكثر ديمومة.
التعددية السياسية
تتكون التعددية السياسية في أمريكا من حزبين رئيسيين: الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. في أواخر الثمانينيات حصل تقارب في وجهات النظر بين النخب السياسية الحزبية، ما جعل تلك النخب تتحرك نحو الوسط وتشكل فيما بينها طبقة حاكمة شبه مستبدة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل الماركسية تسارعت عملية التقارب، ما جعل بإمكان الطبقة الحاكمة أن تتبادل الأدوار فيما بينها وتقوم باحتكار كل القرارات السياسية والاقتصادية ذات العلاقة بمصير أمريكا ومعظم دول العالم. وفي الواقع، يتحكم في العملية السياسية الأمريكية برمتها مجموعة صغيرة تتكون من سياسيين محترفين وشخصيات إعلامية ورجال مال وأعمال وبعض المتقاعدين من جنرالات الجيش والاستخبارات ومثقفين متعسكرين لا هم لهم سوى خدمة مصالحهم. إلا أن انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش عام 2000، وتقلص حجم ونفوذ الطبقة الوسطى والاتحادات العمالية تسبب في تصدع العلاقة بين أعضاء الطبقة الحاكمة. إذ فيما أسهم انتخاب بوش في تشجيع المحافظين الجدد على السعي إلى الهيمنة على العالم، دفع المتزمتين دينياً إلى المناداة بالعودة إلى الإنجيل، وحتم على اللبراليين تأكيد مواقفهم المناقضة لتلك التوجهات، ما تسبب في حدوث تمحور سياسي عقائدي داخل المجتمع.
جاء انتخاب الرئيس باراك أوباما عام 2008 ووقوع الأزمة المالية ليضع حداً لتقارب وجهات النظر بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ما جعل المجتمع الأمريكي يتمحور حول معسكرين متنافسين أحدهما محافظ والآخر لبرالي. ومع أن الاعتقاد السائد حتى تلك اللحظة كان يقول بأن بإمكان الديمقراطية تصحيح أخطائها، إلا أن ما تبع انتخاب أوباما من اتهامات متبادلة جاء ليثبت أن الديمقراطية الأمريكية وصلت الى درجة العقم، وأنه لم يعد بإمكانها الوفاء بوعودها. مع ذلك، لا ينبع الصراع بين المحافظين واللبراليين من الحرص على مصلحة عامة، بل الحرص على مصالح خاصة، ما جعل كل حزب يتبنى المواقف التي يعتقد بأنها تعزز فرص نجاحه في الانتخابات التالية. إلا أن هذا لا يعني أن النخبة الحاكمة المستبدة في طريقها إلى الاندثار أو التمزق، لأن ثقافة أعضائها واحدة، وتوجهاتهم الإستعمارية واحدة، وعداؤهم لكل ما هو ليس أنجلوسكسوني من شعوب وثقافات يشكل عقيدة راسخة في الوجدان لا تتغير بتغير ظروف حياتية ولا تتحول بتقدم معارف علمية.
من ناحية أخرى، تسبب شيوع مواقف الشك المتبادل بين الناس والنخب والتفرقة ضد الآخر في حرمان أصحاب الرأي المختلف من الوصول إلى الجماهير والتأثير في مواقفها. وهذا جعل من الصعب على مثقفي الأقليات أن ينشروا ما لديهم من أفكار لان من المفروض أن لا يتدخلوا فيما لا يعنيهم من أمور. ولقد أدى هذا الموقف إلى تقليص حرية الرأي والفكر، وإتاحة الفرصة لتكريس وجهات نظر نخب متصارعة تحرص كل الحرص على بقائها في الحكم واستخدام السلطة لحماية مصالحها وتعزيز مواقعها الاجتماعية على حساب الشعب والوطن وفقراء العالم أجمع. إن مواقف هذه النخبة تشير إلى أنها مستعدة للتجاوب مع مطالب رجال المال والأعمال والسكوت على الفساد، واعتبار الخداع وتشويه الحقائق وسائل مشروعة للحفاظ على السلطة وحرمان الآخر من الاقتراب منها. نتيجة لذلك يمكن القول أن التعددية السياسية انتهت في أمريكا مع نهاية القرن العشرين، وأن الحزبية لم تعد سوى إطاراً سياسياً لتسهيل التنافس والتعاون بين أفراد النخبة الحاكمة واحتكار السلطة. إذ إن الحرص على المصالح الخاصة والتمسك بالسلطة يلغي التعددية السياسية عملياً، ويجعل عملية الانتخاب مسرحية مسلية ولكن غير مجدية. لهذا يقوم كل حزب بالعمل على تزييف وعي أتباعه، وإعادة تشكيل مواقفهم، ومصادرة إرادتهم واحتكار القرارات السياسية والاقتصادية وتسخيرها لخدمة مصالحه ومصالح الفئات التي تقوم بتمويل حملاته الانتخابية.
وفي الواقع لا يكفي وجود حزبين في المجتمع لتوفير تعددية سياسية، ما يجعل كل مجتمع بحاجة إلى حزب رئيسي ثالث على الأقل لتوفير خيارات معقولة أمام الناخبين. إن وجود حزب ثالث يجعل من الصعب فوز حزب بأغلبية الأصوات والسيطرة على الحكم بمفرده. وفي الواقع، ليس في مقدور حزب أن يحصل على أصوات الأغلبية الشعبية مهما حصد من مقاعد نيابية بسبب تدني مشاركة الشعوب عامة في الانتخابات. إن أية أغلبية يحصل عليها حزب هي أغلبية المشاركين في الانتخابات الذين يندر أن تتجاوز نسبتهم 60% من السكان، ما يجعل الشرعية الانتخابية شرعية نسبية وليست شرعية مطلقة. ولما كان الحزبان الديمقراطي والجمهوري في أمريكا يتجاوبان مع مطالب الأثرياء ويعملان على خدمة مصالحهم فقط، ويهملان مطالب الفقراء والضعفاء، فإن من السهل الجزم بأنهما لا يمثلان الشعب الأمريكي.
الطبقة الوسطى
يقول المؤرخ السياسي البريطاني الكسندر كامبل أن أهم المتطلبات لقيام ديمقراطية في بلد ما هو وجود طبقة وسطى كبيرة الحجم نسبياً ومتماسكة بما يكفي وتملك ثقة كافية بالنفس لاحتلال مكانة مرموقة في المجتمع. ويشير تاريخ أوروبا وأمريكا الحديث بالفعل إلى قيام الطبقة الوسطى بدور ريادي في حياة المجتمع الصناعي، ليس فقط في دعم العملية الديمقراطية بل وأيضاً في تنوع النشاطات الاقتصادية. ومن الأمور التي ساعدت على نمو تلك الطبقة تصاعد خوف الرأسماليين من الفكرة الاشتراكية بعد نجاحها في إثبات وجودها كنظام سياسي واقتصادي بديل للرأسمالية في عدة دول أوروبية وآسيوية. إذ تسببت تلك التطورات في تشجيع قادة دول الغرب الصناعية على سن تشريعات استهدفت تخفيف حدة النزعة الاستغلالية للرأسمالية ومساعدة الفقراء وتعميم التعليم، وبالتالي إضعاف إغراءات الفكرة الاشتراكية. ولقد نتج عن تلك التشريعات تضييق فجوة الدخل بين الطبقات الاجتماعية وتعزيز نفوذ الطبقة الوسطى، وإضعاف دوافع استغلال الطبقة الغنية للطبقة الفقيرة، وإحساس معظم أبناء الشعب بإمكانية تسلق السلم الطبقي من خلال العمل والمثابرة.
إذ فيما أسهمت تلك السياسات في دمج العمال في النظام الرأسمالي العالمي، جعلتهم أصحاب مصلحة حقيقية في ازدهار الرأسمالية، ما شجعهم على المشاركة في نشاطاتها الاستعمارية حول العالم. لكن تعثر النظم الاشتراكية وفشلها في مواصلة التقدم مكن التيار المحافظ من العودة بقوة إلى مسرح السياسة والاقتصاد في دول الغرب الرئيسية. إذ قام ذلك التيار بإقرار سياسات حكومية وإضفاء شرعية على توجهات فكرية وثقافية أساسها المصلحة الذاتية تسببت، بين أشياء أخرى، في توسعة الفجوة بين الفقراء والأثرياء، وعزل الطبقة الفقيرة عن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية، وانعزال الطبقة الغنية عن الإسهام في قضايا التنمية المجتمعية، وتقلص حجم الطبقة الوسطى ودورها في المجتمع كثيراً. ومن أجل تبرير تلك الإجراءات، اتجه مفكرو التيار المحافظ إلى الادعاء بأن مساعدة الفقراء تُسهم في تكريس اعتمادهم على الغير وتحول دون نموهم واستقلالهم. ولقد تبع ذلك اتجاه الشركات متعددة الجنسية إلى تصدير ملايين الوظائف الصناعية إلى الدول حديثة التصنيع، وتضييق الخناق على النقابات العمالية، ما تسبب في انكماش حجم الطبقة الوسطى وانتشار الفقر وتراجع شعبية الحكومات المنتخبة.
وفي الواقع، اتجه التيار المحافظ إلى رفض مفهوم المجتمع ككل ونقض مبدأ التكافل الاجتماعي، ما جعل مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينيات تقول: “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد فقط”. وهذا يعني الإقرار بوجود مصالح فردية وعدم الاعتراف بوجود مصلحة جماعية أو مجتمعية. أما بطل فيلم وول ستريت فقال: “إن الجشع جيد يخدم صاحبه، الجشع هو الشيْء الصحيح، إنه يوضح الأمور على حقيقتها ويعكس روح التطور في هذا العصر”. وفي الحقيقة أصبح الجشع في أواخر القرن العشرين المحور الأساس لثقافة الطبقة الحاكمة في الغرب عامة وفي أمريكا خاصة، وأهم الدوافع التي تحرك أثرياء العالم وتستثير غرائزهم وتفتح شهيتهم بغض النظر عن جنسياتهم ومواطنهم. فرأس المال عالمي الأبعاد، ذاتي الأهداف والمصالح، استغلالي المواقف والسلوكيات، لا يؤمن بدين معين ولا يدين بولاء لبلد محدد، ولا يقيم في وطن معروف، ولا يلتزم بقضية سوى قضية العائد المادي المجرد من القيم.
عبر روبرت رايش، وزير العمل في إدارة الرئيس كلينتون الأولى (1992- 1996) عن تلك التطورات وأسبابها في كتابه “ما بعد الصدمة” قائلاً: إن الأمريكيين ارتبطوا معاً خلال معظم سنوات القرن العشرين بفعل عاملين أساسيين: “تهديد الحرب الباردة لنظام حياتهم الذي كانت قوة الاتحاد السوفيتي مصدره الأساس، واقتصاد أمريكي حيوي استطاع توفير متطلبات نمو طبقة وسطى. أما اليوم فإن فعل القوتين يسير نحو الزوال. إذ فيما انتهت الحرب الباردة بشكل دراماتيكي مفاجئ، زال الإحساس بالخطر السوفييتي وقدرته التوحيدية بين أبناء الشعب الواحد. أما الطبقة الوسطى فقد انهارت ببطء وهدوء عبر السنوات. وفيما كنا نشاهدها تحتضر يوماً بعد يوم لم نستطع، لأسباب غير معروفة، رؤية النهاية إطلاقاً. إن السؤال الذي يجب مواجهته اليوم هو كيف التعامل مع تبعات انهيار تلك الطبقة”.
لقد أصبح حال الطبقة الوسطى في أمريكا وفي غيرها من دول ديمقراطية غربية شبيه بحال شخص يركض على حزام كهربائي يتحرك بشكل متسارع، ما يجعله يركض بسرعة أكبر وأكبر كي يتجنب السقوط على الأرض. لكن الجري في المكان يقود إلى إرهاق الطبقة الوسطى واستنزاف قوتها وإضعاف عزيمتها وشعورها بفقدان التوازن. وفيما يستطيع البعض من الأقوياء أن يحافظ على مكانته وتوازنه، يتعرض الضعفاء وكبار السن وذوو الدخل المحدود وقليلو العلم إلى السقوط من فوق الحزام والانضمام لصفوف طبقة فقيرة متنامية. لذلك تنامى حجم الطبقة الفقيرة ليصل إلى 16%  من السكان عام 2012، أي ما يزيد عن 50 مليون شخص. أما عدد العائلات المشردة فقد زاد عن 170 ألف عائلة عام 2010، فيما تجاوز عدد الأمريكين الذين كانوا بلا تأمين صحي 51 مليون شخص. وفي أواخر عام2011، أشار استطلاع للرأي العام إلى أن حوالي ثلثي الأمريكيين يقولون أنهم فقراء أو يشعرون بأنهم فقراء.
ليس هناك شك في أن ملايين الأمريكيين يحصلون على دخل يؤهلهم لعضوية الطبقة الوسطى من الناحية النظرية، لكن الدخل لا يكفي وحده لشعور مجموعة من الناس بأنها تشكل طبقة. إن هناك ثلاثة شروط أخرى لتكوين طبقة اجتماعية: مصالح مشتركة، قيم متشابهة وتطلعات متقاربة، وفوق ذلك كله وعي طبقي. إن مجاميع الناس الذين يُعتبرون أعضاء في الطبقة الوسطى اليوم في أمريكا وأغلبية دول العالم يفتقدون معظم هذه الشروط. إنهم يعملون لدى شركات تجارية وصناعية ومؤسسات حكومية وجمعيات خيرية وجيوش ذات أهداف غير متجانسة وأحياناً متضاربة، ما يجعلهم غير قادرين على تكوين وعي طبقي.
الإعلام
فيما كان الإعلام يستحوذ على المزيد من القدرة على جمع المعلومات المتعلقة بكافة نواحي الحياة وتحليلها والتلاعب فيها، كانت المؤسسات الإعلامية تتحول بسرعة إلى شركات تجارية تهيمن عليها نخبة إعلامية صغيرة. ومع كل سنة تمر، تشهد ساحة الإعلام قيام بعض الشركات بشراء شركات أخرى ما جعل فئة المالكين والمديرين التي تقوم بتوجيه الإعلام وصياغة رسالته تصغر يوماً بعد يوم. وفيما يؤدي تركز القوة الإعلامية في أيدي شركات قليلة العدد إلى تقليص حجم النخبة الإعلامية وحصر وجهة نظرها ضمن نطاق ضيق، يُسهم ذلك التطور في تمكين تلك الشركات من التأثير في ثقافات مختلف الشعوب ومواقفها. نتيجة لذلك فقد الإعلام اهتمامه بتوعية الجماهير بشكل عام ولفت نظرهم لما تواجهه شعوب العالم المختلفة من تحديات مصيرية بوجه خاص، فيما قام بحرمانهم من التعبير عن آرائهم بشكل يكاد يكون كاملاً. لذلك يقول كوينسي رايت Quincy Right: إن حرية الرأي التي تروج لها معظم المجتمعات الغربية بشكل مستمر تتغاضى عما للإعلام من تأثير كبير، وهو إعلام غير خاضع لرقابة ديمقراطية.
من ناحية ثانية، يقوم الإعلام بالترويج لفلسفات مجتمعية تخدم مصالح المالكين والمعلنين دون سواهم، والتركيز على القضايا والآراء التي تتوافق مع قناعتهم وطموحاتهم، والاعتماد على مجموعة صغيرة جداً من “خبراء” السياسة والاقتصاد والأمن للقيام بشرح ملابسات القضايا المختلفة. وهذا موقف يعكس عنجهية تستهين بعقول الناس ومشاعرهم وتُسهم في تكريس ما تعانيه النخبة الإعلامية من جهل بأحوال الفئات والشعوب التي تعيش بعيداً عن المركز، كما أنه يشجع على استبدال الحقيقة بالرأي والتحيز ضد بعض الناس. وهذا من شأنه التشكيك في إنسانية بعض الشعوب وتأليه بعضها الآخر، وانتقاص قدر الفقراء والمُستضعفين، وخداع أغلبية الناس وتزييف وعيهم. ومع تحول أغلبية المؤسسات الإعلامية إلى شركات تجارية أصبح الربح هو الهدف الأول لتلك المؤسسات وليس نشر الحقيقة بين الناس، ما تسبب في إلحاق أضرار بالغة بالعملية الانتخابية والسياسية والثقافة الشعبية. ومع التركيز على العائد المادي اتجهت مؤسسات الإعلام إلى إيقاظ مخاوف الناس وغرائزهم وميولهم العدوانية وتحويلها إلى حاجات قابلة للاستغلال. لهذا نلاحظ اتجاه الإعلام إلى إنتاج برامج تلفزيونية وأفلام تركز على العنف والجريمة والجنس والمخدرات بهدف استثارة غرائز الحسد والغيرة والتنافس التي لا تحترم قيما أو تقاليد.
وهكذا، فيما استحوذت النخبة الاقتصادية على حرية تلويث البيئة، واستحوذ المال على حرية إفساد السياسة وشراء ضمائر السياسيين، تعمل النخبة الإعلامية على تزييف وعي الناس وتلويث عقولهم وثقافاتهم. وهذا تسبب في تغيير منظومات القيم، حيث اصبح من يملك المال ويتمتع بالنجاح يعتبر على حق، فيما أصبح من يعاني الفقر وآلام الفشل يعتبر على خطأ. يقول ليسل شيلنجر Liesl Schillinger “في عصر ما بعد ديمقراطية أمريكا، أصبح علينا أن نفهم أن الثري ثري وبالتالي جيد، وأن الفقير فقير وبالتالي سيئ. أما ديانا جونستون فتقول Diana Jonestone “إن أقوال رجال الإعلام أصبحت القوة التي تتحكم في توجهات الرأي العام، ما يجعل كل حركة تحاول تغيير العالم تواجه تحدياً كبيراً من القوى الإعلامية. كما وأن صورة كل زعيم وكل حركة اجتماعية وسياسية وكل شعب أصبحت عرضة لرحمة الإعلام”.
أما إدوين يودر Edwin Yoder فيصف قوة الإعلام ومدى تأثيره على الرأي العام من خلال تقييم أثره على حظوظ الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب في الانتخابات. يقول يودر “تميز فورد بكونه من أكثر رؤساء أمريكا لياقة بدنية، لكن حين تعثرت خطواته على سلم طائرة الرئاسة في أحد الأيام تغيرت صورته إلى الأبد. وحين توقفت النكات وانتهى التلفزيون من وصف ما حدث بطريقة هزلية انتهى معها فورد، إذ تسببت تلك النكات في تقزيم الرجل والتقليل من قيمته وإسقاطه من حسابات الناس. أما فيما يتعلق بالرئيس بوش، فيقول إن التغير السريع والعميق في صورة بوش لا يمكن تفسيره بما حدث من تغيرات في أمريكا. إن ما تغير بسرعة مذهلة هي صورة بوش من قائد منتصر (بعد حرب الخليج عام 1991) إلى رجل بلا برنامج، بل أكثر من ذلك، رجل ليس لديه قناعات أساسية ولا يعرف موقعه من الأحداث”. ولقد تسببت أقوال الإعلاميين ومواقفهم في فشل فورد وبوش في انتخابات الرئاسة التالية.
إن التلاعب في المعلومة ومشاعر الجماهير باستخدام الإعلام عمل يمارسه قادة الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية. فعلى سبيل المثال لجأت الحكومة الأمريكية إلى تلك السياسة أثناء قيامها بغزو العراق عام  2003، وخلال سنوات احتلالها للعراق وأفغانستان، وذلك من أجل خلق رأي عام مؤيد للحرب والعدوان. ومما قام به الإعلام لتبرير العدوان على العراق تصوير الرئيس العراقي السابق بأنه شيطان يدعم الإرهاب، وتصوير العرب والمسلمين بأنهم إرهابيون لا يحترمون إنسانية الإنسان. من ناحية أخرى، دأبت الجهات الرسمية على الإشارة إلى الضحايا من أبرياء العراق وأفغانستان وباكستان واليمن بوصفهم أضراراً ثانوية، وعدم عرض الجرائم التي يرتكبها الجيش الأمريكي على التلفزيون إلا جزئياً ونادراً. إن قيام الإعلام بترديد أكاذيب الحكومة الأمريكية يجعله شريكا في جرائم الحرب، وذلك إضافة إلى كونه بوقاً يروج لآراء الأثرياء والأقوياء ويخدم مصالحهم على حساب الحقيقة والضعيف والفقير والمصلحة العامة والسلم العالمي.
في ضوء الأجواء العدائية التي خلقها الإعلام الأمريكي لكل ما هو عربي وإسلامي، أيدت أغلبية أعضاء الكونجرس والشعب الأمريكي غزو العراق، فيما قام الإعلام بدور المشجع. كتب ديفيد اغناطيوس في جريدة الواشنطن بوست يوم 2 أيار 2010 يقول: “إنني أعتقد أن أحد الأسباب لعدم قيام الإعلام بتحليل مبررات الحرب وتقييمها خلال عامي 2002 و 2003 هو علمنا المسبق بأن بوش اتخذ قراره بغزو العراق، وأن الجنود الأمريكيين كانوا منتشرين في الصحراء، ما جعل أغلبية المحررين تتجه نحو البحث عن أفضل طريقة لنقل أحداث الحرب”. وهذا يتضمن اعترافاً بفشل الإعلام في القيام بواجبه، ويعطي فكرة جيدة عن قيام أحد الإعلاميين البارزين بتبرير ذلك الفشل بدلاً من إدانته. وفي الواقع، قام الإعلام الأمريكي خلال سنوات الغزو بالعمل على تبرير الحرب بوصفها ضرورة أمنية، فيما قام في السنوات التالية بتبرير الاحتلال بوصفه ضرورة لتأسيس الديمقراطية في الشرق الأوسط، ويقوم اليوم بتبرير سياسة الدولة الفاشلة وتمزيق النسيج الثقافي والاجتماعي للشعوب بوصفها دفاعاً عن حرية الأقليات وحقها في تقرير المصير.
مع ذلك جاءت التطورات الحديثة في وسائل الاتصالات والإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي لتخلق رأياً عاماً أكثر وعياً من السابق، مكن الكثير من الناس على الرغم من تباعد أماكنهم على التواصل والتعرف على الأحوال الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على الجانب الآخر. وهذا جعل بإمكانهم تكوين مجتمعات افتراضية سهلت حدوث تفاعل ثقافي عبر الحدود الجغرافية والسياسية والعقائدية، ما تسبب في هدم الكثير من الحواجز التي كانت تحول دون تواصل الناس في الماضي، كما قام بكشف الكثير من الحقائق المتعلقة بتصرفات الحكام المستبدين وميل النخب السياسية والاقتصادية إلى ممارسة الفساد والاستغلال. إن الثورات الشعبية التي اجتاحت عدة دول عربية تثبت مدى أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في توعية الناس وتمكينهم من القيام بعمل جماعي من دون الحاجة للتواجد في مكان واحد. إلا أن الحرية التي وفرها الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي دخلت مرحلة التآكل بسبب قيام الشركات الإعلاماتية الكبيرة بشراء الشركات الصغيرة وضمها إلى إمبراطورياتها التجارية، واستخدام تلك الوسائل منابر لطرح وجهة نظرها والترويج لبضائع وخدمات تستثير غرائز الناس وشهواتهم بدلاً من استثارة عقولهم وضمائرهم. وكما كشف إدوارد سنودن Edward Snowden في أوائل عام 2013، تقوم شركات الإنترنيت والتواصل الاجتماعي والاتصالات بجمع المعلومات عن المشتركين وتزويد وكالة الأمن الوطني National Security Agency في أمريكا بها، ما جعل بإمكان تلك المؤسسة التجسس على الناس والتعرف على أحوالهم ومراقبة تصرفاتهم عن قرب.
من ناحية ثانية، أسهم الإنترنيت وغيره من وسائل التواصل في خلق ثقافة عالمية وثقافات فرعية وإحياء العديد من الثقافات القديمة. لكن تشكيل ثقافات فرعية، وتمكين الأقليات القومية والدينية من إعادة إحياء ثقافاتها القديمة قاد إلى تكوين جيتوات  Ghettosثقافية في كل دولة من دول العالم. إن تكوين جيتوات ثقافية لا يتطلب تواجد أعضاء تلك الجيتوات في مكان واحد لأن بإمكانهم التواصل من خلال الإنترنيت وتطوير عقلية جيتو تقوم على قيم ومواقف مشتركة ومعتقدات دينية واحدة والإيمان بنظريات تآمرية. وبالنظر إلى أحوال الأقليات الدينية والقومية في دول الغرب بالتحديد نكتشف أن معظم تلك الأقليات قامت فعلاً بتكوين جيتوات ثقافية خاصة بها، تتبادل من خلالها معلومات تعزز إيمان أعضائها بما نشأوا عليه من تقاليد وأفكار ومخاوف، ما يعمل على تعميق عزلتهم عن المجتمعات التي يعيشون فيها، ويضعف قدراتهم على التواصل مع غيرهم من أتباع الثقافات والديانات الأخرى.
يتميز الجيتو التقليدي الذي عاشت فيه العديد من الأقليات العرقية والدينية الأوروبية بكونه مكاناً معزولاً اضطر سكانه إلى العيش فيه بسبب الفقر والتفرقة العنصرية. أما الجيتو الثقافي الجديد فهو عبارة عن فضاء مفتوح اختار أعضاؤه من أفراد وجماعات العيش فيه بمحض إرادتهم. وهذا يعني أن الجيتو التقليدي يفرض على سكانه العزلة عن المجتمع الأكبر ما يجعلهم يتحينون الفرص للتحرر منه، فيما يفرض سكان الجيتو الثقافي على أنفسهم الانعزال عن مجتمعاتهم ما يجعلهم يشعرون بالرضا عن النفس ويخشون التفاعل مع المجتمع الأكبر. ويمكن القول أن اليمين واليسار الأمريكي كوَّن جيتو ثقافي كبير خاص به ومجموعة من الجيتوات الفرعية، يعيش أعضاؤها فيها حيث يعملون ويفكرون ويحلمون ويتآمرون ضد بعضهم بعضاً وضد كل من يقف في طريقهم من جماعات ومنظمات وحكومات وشعوب. ولما كان التآمر يحتاج إلى السرية، فإن الجيتوات الثقافية تحرص دوماً على عزلتها ورفض الآخر، ما يجعلها عاجزة عن الاستفادة من الأفكار الجديدة التي يطورها مثقفون ومفكرون لا ينتمون إليها.
الشورى والديمقراطية
إن الحديث عن الشورى في التراث العربي الإسلامي هو محاولة لدعم الفكرة الديمقراطية والمطالبة بإقامتها بوصفها ليست غريبة من حيث المضمون والأهداف عن الفكر العربي، وليس من أجل استبدال الشورى بالديمقراطية. وقبل الانتقال إلي الحديث عن الشورى وعلاقتها بالديمقراطية لا بد من الإشارة إلى أن الشورى كمبدأ في الحكم لم يتم تعريفه بشكل محدد في أية فترة من فترات التاريخ العربي أو الإسلامي، وأن ممارستها بقيت محدودة ضمن نطاق ضيق للغاية، وأنه تم تجاوزها خلال فترة حكم من حاول ممارستها من الخلفاء الراشدين، وأن الواقع لا يشير إلى وجودها في أية دولة إسلامية، على افتراض أن هناك دولاً إسلامية. إلى جانب ذلك، لم تستطع هذه الفكرة أن تتطور إلى نظام حكم ذا مؤسسات تضمن تمثيل الشعب، وذا آليات تضمن مشاركة الفرد في العملية السياسية وفي اتخاذ القرارات ذات التأثير في مصيره ونوعية حياته. وهذا يجعل الشورى مجرد مبدأ في الحكم لا يملك الحد الأدنى من مقومات الوجود كنظام سياسي قادر على ضمان الحقوق الفردية والحريات السياسية وغير السياسية التي تضمنها الديمقراطية.
إن التفسير الذي نقدمه فيما يلي لمفهوم الشورى هو محاولة للغوص في أعماق ذلك المفهوم واستنباط كل ما يمكن استنباطه من معان ذات مدلول إيجابي. وهذا يجعلنا ننظر إلى الشورى من زاوية إنسانية ذات أبعاد عالمية ومنظور واسع وليس من خلال منظور تاريخي ضيق انتهى زمنه وانتهت صلاحيته منذ أمد بعيد. إن ما سنقوم به في الواقع هو محاولة لإعادة تفسير مفهوم الشورى بما يتوافق مع قيم العصر ومتطلبات التعايش معه، وإعطاء التراث العربي الإسلامي مصداقية تعزز دعوته إلى احترام حقوق الإنسان وحرياته، خاصة حقه في المشاركة في الحكم وإبداء رأيه بحرية وصراحة.
تقوم الدعوة إلى الشورى في المرجعية الفكرية الإسلامية على نصين واضحين في القرآن الكريم، يقول أحدهما “وأمرهم شورى بينهم”، ويقول الآخر “وشاورهم في الأمر”. وهذا يعني إرساء مبدأ تبادل الآراء بين الناس وتداولها فيما يتعلق بالقضايا العامة التي تهمهم، ودعوة الحاكم لأخذ رأي المواطنين في الأمور الهامة. ويتضح من النصين أن الدعوة إلى الشورى دعوة قائمة بذاتها – وأمرهم شورى بينهم، وأن مسؤولية الحاكم تجاه التشاور مع الناس مسؤولية مستمرة لا تنقطع أوصالها ولا تنتهي أسبابها – وشاورهم في الأمر. وفي الواقع، يشير المبدأ الأول ضمناً إلى أنه لا يحق لأي شخص أو جهة أن تفرض رأيها على غيرها من الناس لأن “أمرهم شورى بينهم”، فيما يشير الثاني إلى أنه ليس من حق الحاكم أن ينفرد في اتخاذ القرار وأن عليه أن يعود إلى الناس ليشاورهم فيما يعنيهم من أمور.
يقول بعض الفقهاء والمفكرين أن مبدأي الشورى والتشاور هما من حقوق الناس الثابتة، وإن ما يصدر عنها من قرارات يلزم الحاكم والمحكوم. ويقول آخرون إن الشورى والتشاور دعوات للحوار وتبادل وجهات النظر لا غير، وإن ما يصدر عنها من آراء لا يُلزم الحاكم أو المحكوم. ويستند هؤلاء في إدعاءاتهم هذه إلى النص القرآني الذي يقول “فإذا عزمتَ فتوكل على الله”. إذ يوحي هذا النص بالنسبة لهم بأن من حق الحاكم اتخاذ القرار وتنفيذه. لكن وجود النصين الآخرين يتناقض مع هذا الاستنباط، ما يجعل من غير الصواب اعتماد نص واحد دون غيره من نصوص قرآنية ذات علاقة مباشرة بقضية الحكم، خاصة وأن النص الأول عام والنص الأخير خاص، ما يجعل “وأمرهم شورى بينهم” هو الأساس الذي تُبنى عليه النصوص الأخرى، وليس العكس. لذلك كان لا بد من أخذ النصوص جميعاً ضمن نظرة شمولية تكفل التوفيق فيما بينها وتكاملها، لا تناقضها. وفي الواقع لا يمكن فصل “فإذا عزمت فتوكل على الله” عن “وشاورهم في الأمر” لأن النصين يشكلان بعض ما جاء في آية واحدة، ما يجعل من غير الممكن أن يقوم جزء من آية بنسخ جزء آخر. أما نص تلك الآية الكريمة فهو: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”.
إن في مقدور النظرة الشمولية أن تكتشف مدى ترابط تلك النصوص وتكاملها وقدرتها معاً على التجاوب الفعال مع حاجة المجتمعات الإسلامية لتأسيس الديمقراطية. أما النظرة الجزئية فمن شأنها تفضيل نص على غيره من نصوص قرآنية وتكوين أحكام شمولية بناء على نظرة انتقائية ضيقة كانت وما تزال سبباً من أسباب المعاناة والظلم والتخلف الذي لحق بالعرب والمسلمين على مدى أكثر من ألف عام. إلى جانب ذلك، تؤدي النظرة الانتقائية إلى تعميق الأزمة التي يعيشها الفكر الديني في المرحلة الراهنة، وتتيح المجال لكل فكر متطرف لمحاولة فرض رأيه ورؤيته الضيقة على عامة الناس غالباً رغم إرادتهم. ومن أجل تكوين أحكام عامة بناء على نظرة شمولية، كان لا بد من ترتيب النصوص القرآنية المتعلقة بنظام الحكم على نحو يجعل كل نص مكمل للنص الذي يسبقه وخطوة على طريق النص الذي يليه:
1.      وأمرهم شورى بينهم.
2.      وشاورهم في الأمر.
3.      وإذا عزمت فتوكل على الله.
يرسي النص الأول المبدأ الأساسي في الحكم حيث يجعل من حق، بل من واجب جميع الناس التداول في الأمور العامة التي تهمهم، بما في ذلك أمر الحاكم. أما النص الثاني فيرسي المبدأ الذي ينظم علاقة الحاكم بالمواطنين حيث يأمر الحاكم بالرجوع إلى المواطنين باستمرار لمشاورتهم في الأمور العامة وأخذ رأيهم قبل اتخاذ قراراته. ويرسي النص الثالث واجب الحاكم على الحسم في اتخاذ القرار بعد مشاورة المواطنين وسماع آرائهم واستكمال المعلومات المتعلقة بالقضية المعنية. وهذا يعني أن الشورى عملية اجتماعية سياسية لا تتم إلا من خلال مناقشة مفتوحة للقضايا التي تهم الناس جميعاً.