الرئيسية / ثقافة ومعرفة / النهج الشعوبي الإيراني
خميني

النهج الشعوبي الإيراني

من الأمراض العنصرية التي يحملها الشعوبيون هو نظرتهم المتعالية على بقية الشعوب والأقوام، بدعوى إمتيازهم العرقي الخاص. وبذا يمنحون أنفسهم حقوق إبادة ما هم دونهم. كان ناثان فورست (1821-1877) في منظمته كوكلس كلاين، وأودلف هتلر ( 1889 – 1945 ) في نظريته الآرية، وغيرهم من النماذج السلبية ذات الزمنية المحدودة. بيد أن الخطورة المرعبة تكمن في إستمراية هذا المرض العنصري كنهج نفساني متوارث من جيل لآخر. حيث يظهر للعلن تارةً، ويتوارى مخفياً تارةً أخرى؛ بحسب وضع الشعوبيين وتمكنهم سياسياً وإجتماعياً وفكرياً.
وفي التاريخ الإسلامي ظهرت الشعوبية الفارسية قبل غيرها وأستمرت منذ القرن الهجري الأول حتى يومنا هذا. إذ بعد أن دحر العرب بفتوحاتهم الإسلامية الإمبراطورية الساسانية (244-651)، ورغم دخول غالبية الفرس بالدين الجديد؛ إلا أن نسبة منهم بقت فيهم رواسب المرض العنصري ضد العرب ودولتهم ودينهم الذي حطموا به الحضارة الفارسية الوثنية. وهكذا لم يتوقف الشعوبيون الفُرس عن المؤامرات السياسية والدسائس الطائفية وكل ما يمكنهم للنيل من العرب وتحطيمهم. ومن الضروري أن نبدأ موضوعنا بشكل إستقرائي تاريخي.

الشعوبيون الأوائل

بدأت النعرة الشعوبية أولاً في طبقة المثقفين والرسمين الفُرس من الذين كانوا موظفين في خدمة الحكُام العرب المسلمين. حيث أخذ هؤلاء في بث النزعة الشعوبية، لا سيما بعد تطور اللغة الفارسية من الفهلوية إلى الحروف العربية والتأثر بنمط وأسلوب الكتابة العربية. حيث شرعوا في صياغة الأدب والتاريخ الفارسي وفق لغتهم الجديدة. ويعتبر عبد الله بن المقفع (106-142 ه/723-760 م) أحد أبرز الناشطين في هذه الحركة. وكان زرادشتي، أسمهُ روزيه بن داذويه. عمل كاتبا لدى والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة. ثم لأخيه داود بن هبيرة. وبعد زوال الأمويين وظهور العباسيين، أتصل أبن المقفع بحاكم الأحواز عيسى بن علي (الذي اعتنق الإسلام على يديه لاحقاً) وهو عم الخليفتين أبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور. والأخير أمر بقتله لنشاطه السياسي والاجتماعي المضاد.

المزيد: اللغة والاستبداد

كان ابن المقفع ملماً بالثقافات الفارسية والهندية واليونانية، وكان كاتباً وأديباً ومفكراً ومترجماً. حيث نقل الكثير من التراث الفارسي القديم من الفهلوية إلى العربية لكي يبرز التفوق الثقافي والحضاري لدى الفُرس. ومن بين ما نقله: “خداي نامه” أو سيرة ملوك الفرس. و”آبين نامه” أو كتاب المراسيم والتقاليد. وكذلك “كليلة ودمنة” الذي زاد فيه فصلا خاصا عن الديانة المانوية ليزعزع به “ضعيفي العقائد في الدين” على حد تشخيص محمد بن أحمد البيروني (362-440 ه/973-1048 م). وكتاب “مزدك” في الأدب والأخلاق المجوسية التي لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية. وكتاب “التاج” في سيرة الملك أنو شيروان. بالإضافة إلى ترجمته لكُتب أرسطو المنطقية: (قاطيغورياس، باري أرمينياس، أنالوطيقا الأولى). ولقد ترجمها في عهد الخلفية المنصور. وكذلك ترجم كتاب “إيساغوجي” لفرفريوس الصوري. أما عن مؤلفاته فأن “رسالة في الصحابة” قصد فيها صحابة الحاكم لا صحابة رسول الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. فضلا عن “كتاب الأدب الكبير” و “كتاب الأدب الصغير” وغيره.

المزيد: هل تركيا دولة سنية؟

وهنا لا أحد يلوم أو ينتقد مواقف أبن المقفع الأدبية والسياسية والاجتماعية. فهذا شأنه وحريته في التعبير عما يبغي ويروم. ولكننا ننقد النهج الشعوبي العنصري الذي أتبعه، حيث لم يوجه طاقته العقلية والثقافية نحو الوئآم والهداية والبناء من أجل الإسلام والمسلمين. وإلا ما معنى أن يزج بزندقة المانوية في المجتمع العربي الإسلامي؟ ولماذا يتناول الأدب والأخلاق للمجوس العابدين للنار؟ إن لم تكن زرادشتيته راسخة في أعماق نفسه.
هذا ويعتبر الشاعر أبو القاسم الفردوسي (940-1020) أحد قادة الحركة الشعوبية الفارسية. ولقد كلفه الفضل بن أحمد الاسفرايني، وزير السلطان محمود الغزنوي، بكتابة القصائد في تمجيد الماضي الفارسي، والحط من الشأن العربي. وتعهد بإعطائه وزن ما يكتبه ذهباً. وكذلك أمره حاكم طوس أبو المنصور الطوسي أن يكتب الملحمة الشعرية لتاريخ إيران “الشاهنامة” أي كتاب الملوك، وذلك في عام 1009. ولقد أعتمد فيها الفردوسي على كتاب “خداي نامه” لأبن المقفع. حيث يسرد في ملحمته المدح والثناء للفُرس وملوكهم، ويكيل الشتم والقدح بالعرب وتاريخهم.
وبما أن “الشاهنامه” هي بالأصل عبارة عن مجموعة مؤلفات كتبها أدباء الفُرس عبر حقب زمنية مختلفة، دونوا فيها الأساطير الفارسية القديمة، فإن الفردوسي عمل على جمعها وتنسيقها بسرد شعري في قصيدة موسوعية طويلة تصل إلى ستين ألف بيت. وهكذا أصبحت مرجعاً مهماً للشعوبيين الفُرس من وقتذاك حتى وقتنا الحاضر. وكذلك مصدراً إلى اللغة الفارسية الحديثة، وتدخل ضمن سياق أُسس الفكر القومي الفارسي الحديث أيضاً. ولقد أشار المستشرق الإنكليزي أدوارد بيليس كوويل (1826-1903) عنها قائلاً: إن “الفردوسي قد وجد بلده بلا أدب تقريباً، فسلم إليه الشاه نامه التي لم يستطيع الأدباء من بعده سوى تقليدها، دونما أن يتفوق أحد عليها”.
وكما نوهنا سلفاً بإن الشعوبية تظهر وتختفي وفقاً للمناخ السياسي بالدرجة الأساس. لذا عندما تم سحق الحركة الشعوبية على يد الحاكم محمود الغزنوي وبأمر من الخليفة العباسي القادر بالله (336-422 ه/947-1037 م). تجد إن الفردوسي قد كشف عن خيبة أمله بعدم حصوله على المال جراء عمله الأدبي. بل وإنقلب بالسب والشتم على الذين كلفوه بالكتابة ثم تنصلوا عن إلتزاماتهم. وعندما أشتد عليه ضنك العيش والإملاق، إتجه نحو عاصمة الخلافة بغداد. وفيها إتصل الفردوسي بالوزير أحمد الميمندي ومدحه بقصيدة عربية بليغة، نالت إعجاب الوزير، فأنزله بداره، ثم رفع أمره إلى الخليفة القادر بالله. فأمر الخليفة بإحضاره وإكرامه. ومن أجل ذلك نظم الفردوسي قصيدة من ألف بيت يمدح فيها خليفة المسلمين. وأثناء إقامته في بغداد، أدرك إن الخليفة وبقية الناس لم يستحسنوا ما كتبه ضد العرب، لذا كتب قصة “يوسف وزليخا”، نالت رضا وإعجاب الخليفة وأهل بغداد.
في الحقيقة إذا كان الحاكم محمود الغزنوي (360-421 ه/871-1030 م) الملقب “يمين أمير المؤمنين” قد إستطاع القضاء على البؤر السياسية الداعمة للنهج الشعوبي الفارسي، مما سارع على تلاشي الحركة الشعوبية. فإن الوعي الإيماني لدى بعض المثقفين المسلمين من الفُرس قد لعب أيضاً دوراً مهماً في التصدي للنزعة الشعوبية. حيث شاركوا وتفاعلوا مع الحضارة العربية الإسلامية وفي مختلف الأصعدة والميادين دينياً وفكرياً وفلسفياً وأدبياً وحتى لغوياً. والأسماء في هذه المضامير كثيرة، من سيبويه في فقه اللغة العربية. الى البلخي وأبن سينا في الفكر والفلسفة. وإلى الإمام الغزالي في تجديد علوم الدين والاعتدال الصوفي. وعموما كانت إيران تتبع المذهب السّني على مدى عشرة قرون، حجمت فيها كثيراً الأصوات الشعوبية. إلا أن السلالة الصفوية أعادتها بكل قوة نحو النهج الشعوبي ذو البُعد الطائفي.

السلالة الصفوية

في البدء يجب أن نعلم بأن أصل السلالة الصفوية غير واضح. إذ أن بعض المؤرخين ينسبها إلى أصل كردي وينهي تاريخها في 1622. بينما البعض الآخر ينسبها إلى أصل فارسي وينهي دولتها في 1632 أو 1636. والبعض الآخر يعزوها إلى العرب في نسب الإمام موسى الكاظم. على أي حال، فإن أصل التسمية تعود إلى الصوفي الشافعي الشيخ إسحق صفي الدين الأردبيلي (650-735 ه/1252-1334 م)، الذي درس العلوم الدينية والعقلية في موطنه أذربيجان؛ ثم تنقل بين عدة مُدن: شيراز، أردبيل، كيلان. وعندما دخل في مجموعة الصوفي الشيعي الشيخ زاهد الكيلاني، تزوج من أبنة شيخ الطريقة. وبعد وفاة الشيخ زاهد تصدر الشيخ صفي الدين المجموعة. حيث أجرى فيها تغييرات فكرية وعقائدية حولها من حركة صوفية روحية إلى حركة دينية ثورية، وزجها بالمعترك السياسي منذ العام 1301.
ولقد تمكن أتباعه الصفويين بمدينة أردبيل قرب بحر قزوين من أنشاء إمارة يتكون أفراد جيشها من قبائل التركمان في أذربيجان وشرقي الأناضول بتركيا. وفي شهرور عام 1501 أستطاع أنصار إسماعيل الأول (892-930 ه/1487-1524 م)، الحفيد الخامس لصفي الدين، أن يهزموا دولة الخروف الأسود “آق قوينلو”، ونصبوه شاهاً، حيث كان صغيراً لا يتعدى الأربعة عشر عاماً. وفي 1508 فرضوا بالقسوة المذهب الشيعي “الإثنا عشري”. ليجعلوا من التشيع حجة قائمة في مواحهة الدولة العثمانية السًنية. بمعنى إن الهدف الصفوي من التشيع كان سياسياً متغلفاً برداء مذهبي ليس إلا.
أن التشيع الصفوي كان مرتبطاً إرتباطاُ عضوياً بالنظام السياسي للدولة. وبما أن زوال السلطة يؤدي حتماً إلى زوال ذلك النوع من التشيع المتستر بالمذهب. لهذا أنتهت وإندثرت السلالة الصفوية التي حكمت إيران وبعض المناطق المجاورة لها بالقمع والإستبداد السياسي، بحجة الدفاع أو فرض المذهب الشيعي.
ورغم إن إسماعيل الأول قد استعان ببعض علماء وقضاة العرب الشيعة من العراق ولبنان، حتى إن بعضهم تبوأ مناصب سامية، منهم نور الدين علي الكركي (1466-1534). إلا أن الطريقة الصفوية الدموية في فرض التشيع، كانت بعيدة كل البُعد عن حقيقة وسماحة المذهب الشيعي العربي مع بقية المسلمين. فالقتل والإبادة والتعاليم المدسوسة بأفكار فارسية ومغولية قديمة تم إدغامها على مفاهيم الإسلام الصحيح. وبالتدريج أصبح التشيع الصفوي يسيء ويشوه المذهب الشيعي بشكل عام. إذ أن “شتم الصحابة”، والتطاول على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وسفك دماء المسلمين بحجة “ثارات الحسين” أو “الولاء لآل البيت” وزرع الفتن والضغائن وغيرها من الإنحرافات والظلالات التي لا تمد بصلة إلى حقيقة الإسلام ومذاهبه الصحيحة.
إن النهج الشعوبي كان صنواً إلى النهج الطائفي في الحُكم الصفوي. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، إن إستيلاء الصفويين على بغداد حدث ثلاث مرات: في (914-930 ه/1508-1523 م). وفي (936-941 ه/1529-1534 م). وأخيراً في (1030-1048 ه/1624-1638 م). وطيلة هذه الفترات الزمنية التي تناهز 37 عاماً، قد مارس الصفويون بحق أهل السّنة في بغداد شتى أنواع التنكيل والقتل والتدمير. حيث أن الغاية من فرض التشيع الصفوي هو لتكوين قاعدة إجتماعية تساند الحُكم وتتقبل توجهاته السياسية. ومن أهالي بغداد إلى قبائل الأوزبك السّنية، حيث واجهها إسماعيل الأول سياسياً من منطلق طائفي، وعندما هزمهم عسكرياً في 916 ه/1510 م، فرض عليهم التشيع. وهكذا كانت سياسته تجاه الكثير من المناطق وعلى رأسها الدولة العثمانية. فالإمتداد السياسي الجغرافي للسلالة الصفوية كان بالقدر الذي تظهر فيه تعصبها الطائفي، فإنها تعكس في سياساتها نهجها الشعوبي أيضاً.
عموماً في عهد الشاه الخامس في السلالة الصفوية وهو عباس الأول (1588-1629) إستطاعت الدولة الصفوية أن تبسط نفوذها وتوسعها على الكثير من المناطق. حيث إستولت على أذربيجان وإنتزعت من العثمانيين أجزاء أُخرى من أرمينيا. وكذلك إستعادت إقليم خراسان من الأوزبك. ولقد نقل عباس الأول العاصمة من قزوين إلى أصفهان في العام 1598. وأقام العلاقات الدبلوماسية والاقصادية مع غرب أوروبا، بقصد الدعم ضد الدولة العثمانية.
بيد إن العقلية الشعوبية المسيطرة على الفرس الصفويين تجعلهم أحياناً يشتططون بطريقة مخزية ومقرفة. وإلا ما معنى قول عباس الأول: “إن نعال واحد من النصارى لهي عندي أغلى من رؤوس كبار رجال الدولة العثمانية”.
أين هي أخلاق الحاكم المسلم؟ وأين التحلي بمسيرة أئمة آل بيت النبوة؟ أم إن الخمرة التي كان يحتسيها الشاه عباس مع جلسائه الأوروبيين كانت تكشف بواطن الأمور.
عموماً إذا إنتهت الدولة الصفوية، وإنقطعت سلالتها، وهدأت إيران من نهجها الطائفي والشعوبي تجاه البلدان الإسلامية. فأن الخميني في جمهوريته الإسلامية قد أعاد الضرر الصفوي بين المسلمين داخل وخارج إيران، وبشكل لا يقل بشاعة عن ذي قبل.

إحياء الصفوية

مع قدوم الخميني (1900-1988) من باريس إلى طهران لتولي السلطة بنهاية 1979 عبر ثورة جماهيرية عارمة لم يُخطط لها سراً ولا علناً، بقدر ما كانت ثورة شعبية عارمة إشتعلت ضد طغيان وجبروت الشاه محمد رضا بهلوي (1919-1980). وتلاقفها الملالي الصفويون كما تلاقف البلاشفة الشيوعيون ثورة الشعب الروسي أوآخر 1917.
على أي حال، كان الخميني لا يرى في التاريخ الإسلامي غير النظرة والنهج الصفوي. وبدأت النزعة الشعوبية تتضح أكثر مع تقلص الخط العربي الشيعي. إبتداءً من إبعاد الإمام موسى الصدر (1928-1977) أو غيره من الداعين لتقوية الخط العربي الشيعي. وهذا ما يفسر لنا قول الشيخ صبحي الطفيلي، أول أمين عام لحزب الله في لبنان، حيث قال عن قادة الثورة الإسلامية في إيران بأنهم: “لا يرغبون بالشركاء. بل يفضلون الضعفاء الذين يدينون لهم بالولاء الأعمى”. وهذه السلوكية تجلت في قيادة حسن نصر الله الذي قال في إحدى المرات بأنه “جندي من جنود خامنئي”.

المزيد: قائد سابقٍ بالموساد: إسرائيل ما زالت نادمةً لعدم اغتيالها الخميني

وكذلك ما وضحه رئيس الهيئة العراقية للشيعة الجعفرية رضا الرضا عن الدعوة الصفوية في إيران بأنها “دعوة في جوهرها قيام دكتاتورية دينية مذهبية بقومية عنصرية فارسية بالعراق ودول المنطقة”.
فضلاً عن تأكيد آية الله حسين المؤيد على “إن خطر التمدد الإيراني على العراق وعلى المنطقة العربية هو أكبر بكثير من خطر الهيمنة الأمريكية وحتى من الخطر الصهيوني”.
الواقع إن إضعاف أو تغيب الخط العربي الشيعي واضح حتى قبل قدوم الخميني على رأس هرم جمهوريته الإسلامية كمرشد أعلى فيها. إذ أن المراجع الرئيسة في “الحوزة العلمية” بالنجف الأشرف، على نحوٍ غالبٍ هم من أصولٍ غير عربية. فإذا ألقيت نظرة فاحصة في عددية مراجع الحوزة عبر تاريخها الذي يعود إلى عشرة قرون، ستجد 67 مرجعاً فارسياً، يقابله 5 مراجع عرباً!
وحالياً تتمركز المرجعية العليا في آيات الله الأربعة: علي السيستاني (1349- ه/ 1930- م)، ولد في مدينة مشهد الإيرانية، فارسي الأصل، ويقال كردي الأصل. بشير النجفي (1361- ه/1942- م) هندي، ولد في مدينة جالندهر الهندية. إسحق الفياض (1349- ه/1930- م) أفغاني، ولد في ولاية غزني الأفغانية. سعيد محسن الحكيم (1354 ه/1934 م) ولد في مدينة النجف العراقية، أصله فارسي من مدينة أصفهان الإيرانية. وأن جد الحكيم التاسع هو: علي مراد شاه أسد الله بن جلال الدين، المولود في أصفهان، والمتوفي بالنجف في 1052 ه/1632 م. إذ بعد سيطرة الصفويين على العراق، زار النجف بمعية الشاه عباس الصفوي في 1626، وكان طبيبه الخاص، ومن هنا جاءت تسميتهم بالحكيم. ولقد طلب من الشاه عباس أن يبقى في النجف، ووافق الشاه على طلبه. وأن ترجمة هذه العائلة الفارسية موجودة في عدة مصادر عراقية منها: “معارف الرجال، ج 2، ص 85″، و”معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام” تأليف هادي الأميني. وكذلك كتاب “المكاسب، ج 3″ الذي تستخدمه الحوزة في دروسها.
وهناك من يشير إلى تاريخ آخر لعائلة الحكيم. حيث أن جد المرجع محسن الحكيم (1306-1390 ه/1889-1970 م)، وهو صالح بن أحمد، قد دخل العراق كسائس عند أحد أُمراء القاجار الذين حكموا إيران قبل عائلة بهلوي. ثم استقر بالنجف وأشتغل ببيع التبغ والسكائر. وقبل دخوله إلى المدرسة الدينية كان يُلقب بالطباطبائي الأصفهاني. وبمرور الوقت تم حذف الطباطبائي وتحول اللقب إلى الحكيم.
كما وهناك من ينسب جذر هذه العائلة إلى جبل عامل في جنوب لبنان، وأنها من سلالة الأئمة الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. إلا أن أكثر المصادر الموثوقة تؤكد على أن منبع عائلة الحكيم يعود إلى أصفهان، وأنها فارسية الأصل. ولذلك تشير أغلب التوقعات أن يستخلف سعيد الحكيم المرجعية بعد السيستاني، بدلاً من بشير الهندي وأسحق الأفغاني.
أن تغيب الخط العربي الشيعي وعبر عقود من الزمن لم يكن عفوياً سيما وهناك الكثير من العلماء العرب الشيعة الكبار. ولكنه تغيب مدروس ومقصود بغية السيطرة على هذا المذهب الذي يعد ركناً من أركان الشريعة الإسلامية الرئيسة. وبالتالي توظيفه نحو غايات وأهداف تخدم الشعوبية الصفوية المتسترة بعمائم تلك المراجع العليا. والغريب هنا أن أصحاب العمائم السوداء من الخميني الى خامنئي والسيستاني وغيرهم من الإيرانيين، الذين يدعون بأنهم من “السادة”، وحسب المفهوم العربي الشيعي، فإن “السادة” يعود نسبهم إلى الأسرة النبوية. مما يجعلهم يواجهون إشكالية عويصة في إثبات صحة نسبهم. على سبيل المثال، عندما بحث العلامة الباكستاني إحسن إلهي ظهير (1360-1407 ه/1941-1987 م) في نسب الخميني، وجد أصله يعود إلى قرية “خمن” في الهند، ولكن سرعان ما تدبرت المخابرات الإيرانية أمر إغتياله. وكذلك هروب آية أحمد مصباحي من إيران، لأنه كان مؤيداً للنتيجة التي توصل إليها ظهير.
ولقد وصل الأمر الآن إلى السيستاني نفسه، حيث كثرت الشكوك حول صحة نسبه لآل بيت النبوة. ففي مطلع تشرين الثاني/أكتوبر 2013 ظهرت حملة يقودها بعض الشباب العربي الشيعي الواعي تطالب السيستاني بترك العراق في حالة عدم إثبات نسبه. وذهبت جماعة من ذلكم الشباب إلى النجف وإلتقوا بوكيل السيستاني الشيخ عبد المهدي الكربلائي، موضحين له عجزهم بالرد على المتهمين بنسب السيستاني، وكشفوا له عن معاناتهم بسبب ما سمعوه وقرأوه من مقالات وكتابات تتهم السيستاني بعدم وجود النسب الطاهر. قالوا: فوجئنا بما جاء من رد من قِبل الكربلائي، بحيث كان رده لنا وحديثه معنا كان كالصاعقة التي أصابتنا، فقد كان رده لنا هو “حتى لو السيد السيستاني ليس سيداً، هو باقي على قلوبهم”. وبعد ذلك طالبناه بإعطائنا وثيقة أو نسخة من شجرة النسب لكي نرد بها على المدعين، فنهرنا وطردنا بقوله “أمشوا أطلعوا بره”، وبصوت عالي وبحالة من الإرتعاش، حتى نهض من مكان جلوسه. فخرجنا وبدون أن نلتفت للخلف خوفاً من الحمايات الموجودة. وكذلك خوفاً من الناس أن يتهمونا بأمور، فيجعلون الناس تضربنا أو تقتلنا، فقررنا الهروب كي نحافظ على أنفسنا. ونحن الآن متحيرين في أمرنا، ودائماً نردد هذا السؤال في أنفسنا وهو لماذا هذا التعتيم على نسب السيستاني؟ وما هو السر في ذلك؟
وهذا أيضاً يدعونا إلى التساؤل عن عدم إجابة خامنئي علانية للرسالة التي بعثها له رئيس عام المجلس الإسلامي العربي العلامة السيد محمد علي الحسيني والذي قال فيها: “إذا كنت تطالب بالوحدة عليك أن تهدم قبر أبي لؤلؤة (قاتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه) الموجود في (كاشان) لأن هذا القبر أذية لقلوب ملايين المسلمين. وعليك إحراق كتب الفتنة التي تدعو للعن الصحابة التي وزعت مجاناً في إيران”.
ولكن جاء الجواب، على طريقة إغتيال الشيخ إحسان إلهي ظهير، حيث تعرض سماحة السيد الحسيني على طريق صور إلى محاولة إغتيال فاشلة بتاريخ 17-10-2007. ولقد إتهم الحسيني فيها الحرس الثوري الإيراني. بسبب فضحه إلى مخططاتهم بتصفية كل شيعي عربي يرفض “ولاية الفقيه” التي جاء بها الخميني ليتسلط هو وخلفائه على شؤون المسلمين الشيعة.
ويبدو أن بعض الأسئلة الخطيرة ستبقى بلا جواب، بسبب خشية البعض من الخوض فيها مخافة أن تمدت إليهم يد الغدر الصفوية التي تقتل بلا وازع ولا رادع. ومن بين هذه الأسئلة هي:
1- لماذا يتم تغيب “السادة” من مراجع العرب عن سدة المرجعية العليا التي يحتكرها الإيرانيين؟ ولماذا يتم تشويه وتشكيك في مقدرة المرجع العربي إذا زاحمهم؟ كما جرى مع الإمام محمد باقر الصدر (1354-1401 ه/1935- 1980 م) رغم عظمة كفائته ونهجه الشفاف في التقريب بين السًنة والشيعة. وكذلك بالنسبة إلى المرجع الكبير محمد حسين فضل الله (1354-1431 ه/1935-2010 م).
2- أين تذهب أموال الزكاة؟ وأين سجلات الحسابات؟ ولماذا يُحصر نقل هذه المليارات النقدية فقط بين المراجع وعوائلهم؟ كما جرى مع عبد المجيد الخوئي الذي لم يعيد الأموال التي كانت بحوزة أبيه المتوفى المرجع الأعلى أبو القاسم الخوئي إلا بعد فترة.
3- كان أنبياء الله ورُسله، وأئمة آل البيت، وبقية الصالحين يتعرضون للسؤال والمناقشة والاستفسار، ويسيرون بين عامة الناس في الأسواق والطرقات. فمَنْ ذا الذي وهب هذه القدسية للمراجع الإيرانية العليا أن تسموا بها فوق سلوكية الأنبياء والأولياء؟ للآن لم يظهر السيستاني في تأدية صلاة الجماعة، ولم يلقي على المصلين خطبة الجمعة، ولم يصدر عنه حديثاً دينياً مسجلاً أو مصوراً، وهو المرجع لملايين الشيعة حول العالم!
صفوة القول، إن النهج الشعوبي الإيراني قد دب في سلوكية التشيع نفسه، حيث يتعالون فيه على العرب الشيعة، العامة منهم والخاصة. وإن وحدة المذهب فكرة تسير لصالح الإيرانيين فقط.

* مركز المزماة للدراسات والبحوث