الرئيسية / دراسات / الأقليات الدينية والعرقية في تركيا.. المجتمع والكيان والتحديات
turkkkk

الأقليات الدينية والعرقية في تركيا.. المجتمع والكيان والتحديات

بقلم: محمود نور الدين

الجمهورية التركية، التي أعلن مصطفى كمال (أتاتورك لاحقاً) تأسيسها في 29 تشرين الأول / اوكتوبر 1923، والتي رُسمت حدودها النهائية في اتفاقية لوزان الدولية في 24 تموز / يوليو من العام نفسه، هي، لجهة التعددية العرقية والدينية، استمرارٌ للواقع الذي كانت عليه الدولة العثمانية على امتداد ستة قرون من عمرها، وريثة لها وحاملة، بالتالي، لكل حساسياتها ومخاطرها واحتمالاتها.
غير أن ما يميز الجمهورية الكمالية (نسبة لمصطفى كمال) هو أنها نجحت في تقليص الحيّز المعترف بـه دولياً، الذي يحدد بدقة مفهوم الأقليات وماهيتها. فالمواد من 37 إلى 44 من معاهدة لوزان هدّدت الأقليات في تركيا بتلك التي لا تعتنق الدين الإسلامي، وهي المجموعات المسيحية واليهودية إلى أخرى صغيرة وقليلة العدد. ويندرج الأرمن واليونانيون، بصفتهم مسيحيين، في عداد هذه الأقليات.
لقد حقق مصطفى كمال، بهذا المفهوم للأقليات، إنتصاراً واضحاً وأساسياً في سباق إعادة تركيب الأمـة وبناء الدولة، إذ أن اتفاقية “سيفر” (في 10 آب / أغسطس 1920) أشارت في العديد من موادها إلى وجود أقليات على أساس عرقي (فضلاً عن الديني واللغوي) -المواد 147 و148 و149 على سبيل المثال- إضافة إلى أن هذه الإتفاقية اعترفت بقيام دولة أرمنية مستقلة يضم جزءٌ منها مساحات واسعة من الأراضي التي تشكل الآن شرق تركيا، وكذلك بقيام حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرق تركيا.
اتفاقية لوزان، طوت عملياً صفحة اتفاقية سيفر، وأعادت تركيب تركيا جغرافياً وعرقياً ولغوياً من جديد. مسألة واحدة أبقتها اتفاقية لوزان “شوكة” في خاصرة الكيان التركي الجديد، وهي الإقرار ليس فقط بوجود أقليات غير مسلمـة، بل منحها كذلك كامل الاستقلالية في إدارة شؤونها الدينية والتعليمية واللغوية والأحوال الشخصية وتشييد معابدها. عدا ذلك، نصت المادة 44 من اتفاقية لوزان على نوع من “الحماية” أو “الوصاية” الدولية على حسن تطبيق البنود الخاصة بالأقليات غير المسلمة، عندما أشارت إلى حق أي عضو من أعضاء مجلس “عصبة الأمم” في أن يلفت انتباه المجلس إلى أي “خرق أو خطر خرق أي من هذه الالتزامات”، وإمكان اتخاذ المجلس “أي إجراء أو إعطاء توجيهات حسب ما تدعو الضرورة”.
وقد انطلق مصطفى كمال، من “التفويض” الذي أُعطي لجمهوريته (اللاحقة) ليمارس نهجاً عُرف بـ “الكمالية”، وهو مجموع التدابير والممارسات والإصلاحات التي قام بها أتاتورك طول حكمه وحتى وفاته عام 1932.
لقد أشارت اتفاقية لوزان إلى أقليات غير مسلمة، لكنَّها لم تشر لا من قريب أو بعيد إلى أقليات مذهبية ضمن الدين الإسلامي، كانت تعاني الاضطهاد والقمع من جانب الأكثرية الحاكمة، بقدر ما كانت تعاني منه بعض الأقليات غير المسلمة.
وفي مقدمة هذه الأقليات المذهبية في المجتمع التركي تأتي المجموعة العلوية. فهؤلاء العلويون، تعرضوا، خاصة خلال القرن السادس عشر للميلاد، لمذابح على يد السلطات العثمانية بتهمة الولاء للشاه الشيعي في إيران. وإذ توارى العلويون، بمعتقداتهم وميولهم، بعيداً عن العلنية، كان أتاتورك، بمبدأ العلمانية (النافي للدين الإسلامي، كما فهمه أتاتورك وحلفاؤه)، يُعطي العليويين فرصة ليعاودوا نشاطهم ويحاولوا أن يكونوا شركاء في الجمهوريـة الجديدة. ومع استعدادهم الكامل وانخراطهم القوي في هذا الاتجاه، بان جلياً، أن “الذهنية السنية”، الموروثة من العهد العثماني في التعامل مع غير المسلمين، ما زالت تتحكم في العلاقة بين أركان النظام العلماني الجديد وبيـن العلويين، كفكر واتجاه، وليس كأفراد. بحيث أن العلمانيين الأتراك، بقدر ما كانوا “متطرفين” في عدائهم للتيارات الإسلامية، بقدر ما كانوا “إسلاميين”، بمعنى ما، في علاقتهم مع العلويـة. فبقي أفرادها بعيدين عن المشاركة العقلية في إدارة الدولة، ولا سيما في المراكز الحساسة العسكرية والأمنية. ولم ينظر إلى العلويين إلا بصفتهم “خزّاناً” للأصوات تتنافس على كسب ودِّه، أحزاب العلمانية اليسارية.
وتحوَّل هذا الواقع، مع مرور الوقت، إلى “مرارة” ثم إلى محاولة عمليَّة لبلورة “هوية” علوية بدأت بوادرها في السبعينات وشهدت اندفاعاً قوياً في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات وما زالت حتى الآن.
إن “المسألـة العلوية” في تركيا تشكل أحد أبرز أوجه الشقاق المذهبي، وعاملاً مهماً جداً في العلاقة بين المشروع الإسلامي الذي تحمله التيارات الإسلامية وبين الواقع التعددي في المجتمع، الذي يشكل عقبة أمام اندفاعة المشروع الإسلامي ويقلّل من فرص اتجاهه الكامل، خاصة في حال وصل إلى السلطة.
ونجح مصطفى كمال، من خلال اتفاقية لوزان، في رسم “وحدة عرقية” للأمة التركية. وانطلاقاً من عدم اعتراف الاتفاقية أو عدم الإشارة إلى وجود أقليات عرقية، غير تركية، خلاف ما ورد في اتفاقية سيفر، نجح مصطفى كمال في فرض مفهوم عرقي يعتمـد على أساس العرق التركي، واعتبار كل الأقوام المتواجدين على الأراضي التركية أتراكـاً، دماً ولغةً وثقافةً وتراثاً. وهكذا ما عاد من وجود للمجموعات العرقية الكردية والعربية واللازية والشركسية والكرجية وغيرها من المجموعات الأصغر عدداً. ورفع اتاتورك شعار “هنيئـاً لمن يقول: أنا تركي”، وانطلاقاً من هذا المفهوم النافي للاعتراف بالآخر، حُرمت المجموعات العرقية غير التركية من التعبير عن هويتها وشخصيتها وتطلعاتها بلغاتها القومية، ومُنعت من فتح مدارس وجامعات ودور نشر ومحطات إذاعيـة وتلفزيونية تبث بلغتها. فالجميع، بموجب الكمالية، أتراك، لغةً وثقافةً وتراثاً.
وما كان لهذه السياسة الأتاتوركية حيال الأقليات العرقية، لتمرَّ بدون قلاقل واضطرابات جسَّدتها عملياً الأقلية الكردية التي يُقدَّر عددها اليوم بخِمس السكان، أي حوالى 12 مليوناً وتتواجد بصورة رئيسية في مناطق جنوب شرق تركيا، وذلك من طريق انتفاضات وتمرُّدات لم تهدأ منذ العام 1925 حتى اليوم، حيث يقوم حزب العمال الكردستاني منذ العام 1984، بحرب عصابات مكثفة ضد القوات الحكومية التركية، في مسعى لاستقلال المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا أو حتى منحها حكماً ذاتياً. ولا يبدو حتى الآن، في ظل هيمنـة الجناح العلماني العسكري المتشدد على السلطة في تركيـا، أن أحداً من القوى السياسية الرئيسية، علمانيين يساريين ويمينيين، أو إسلاميين، في وارد الدعوة إلى منح الأكراد حقوقهم الثقافية، على الأقل، أو السماح لهم بالتعبير عن تطلعاتهم السياسيـة. وعلى هذا فإن المسألة الكردية، بصفتها قضية أقلية عرقيـة لكنها ذات حجم كبير عددياً، وبسبب الاضطرابات وعدم الاستقرار الذي يشكله تحرّك حزب العمال الكردستاني؛ هي من العوامل التفتيتية القويـة ليس فقط للمجتمع، بل كذلك، وهنا الأكثر خطورة، للكيان التركي. ويتوقف على كيفية التعاطي معها جانب كبير من مستقبل هذا الكيان.
إن بروز المسألتين العلويـة والكردية، دون غيرهما من مشاكل المجموعات العرقية والدينية والمذهبية الأخرى، لا يقلل من الدور التفتيتي للمجتمع والكيان الذي يمكن أن تشكله هذه الأقليات، خاصة مع انتشار النزعة القومية والحريات وحقوق الإنسان، بعد انهيار الشيوعيـة وتفكك الاتحاد السوفياتي. وإذا كانت أرمينيا، على سبيل المثال، قد ظهرت لأول مرة كدولة مستقلة بشكل كامل عام 1991 (بعد التفكك السوفياتي)، إلا أنها كانت مؤشراً على “عودة الروح” إلى المشكلة الأرمنية ببعدها التركي، والمتصلة بمطالبة الأرمن باستعادة أراضٍ تقع الآن ضمن الجمهوريـة التركية، مثل مناطق قارص وفان وارداخان وجوارها، خاصة أن معظم الأرمن الموجودين الآن في لبنان وسوريا وبعض المهاجر الغربية قد جاؤوا من المناطق المتنازَع عليها تاريخياً بين تركيا وأرمينيا.
ولا يقلّ عنصر الأقلية اليونانية، ببعده الديني على الأقل، أهمية لجهة تأثيره على العلاقات التركية اليونانية، من جهة، والواقع القانوني للأقلية اليونانية في اسطنبول، حين تسعى اليونان لتحويل الوضع القانوني لمقرِّ البطريركيـة الأرثوذكسية الرئيسية في العالم، والموجودة في منطقة “فينير” باسطنبول، إلى ما يشبه وضع الفاتيكان، أي دولة داخل الدولة التركية.
لقد نجحت الكمالية منذ العام 1923 وحتى الآن في الحؤول دون تحوُّل واقع الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية في تركيا إلى عامل تفتيت فعلي للمجتمع والكيان، إلا أن واقع التطورات والأحداث طوال هذه الفترة يظهر بوضوح أن مسألة الأقليات، ووعي أفرادها المتزايد لِشخصيتهم المتميزة، والسعي المكثف لتجسيد هذه الهوية، سوف تشكل عاملاً ضاغطاً بقوة على النظام في تركيا وأركان الإيديولوجيا الكمالية، في اتجاه البحث عن أشكال جديدة توفق بين التطلعات الخاصة للأقليات العرقية والدينية والمذهبية وبين الحفاظ على تركيا موحدة كياناً ومجتمعاً. وما لم تنجح مختلف الأطراف المعنية مباشرة بهذه المسألة، في التوصل إلى صيغة تعيد بناء المجتمع والدولة على أسس جديدة، أكثر معاصرة واستيعاباً للحقائق، فإن مسألة الأقليات في تركيا مرشحة لتتخذ أشكالاً أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها ستكون مهدِّدة لأسس الكيان والإيديولوجيا التي رسمها مصطفى كمال اتاتورك وما زال خلفاؤه أمينين لها حتى الآن.
I- الأقليات الدينية والمذهبية
العلويون
إذ يناهز عدد المسلمين في تركيا 99 في المئة من عدد السكان، فإن الطائفة العلوية تمثل حالة فريدة وملتبسة في علاقاتها بالنظام العلماني كما في علاقاتها بالأكثرية السنيّة. ولا يصحّ أن نصنف الكتلة العلوية بـ “الأقلية” في ظل التقديرات التي تشير إلى أن عدد العلويين في تركيا يقارب العشرين مليوناً.
ويتوزع العلويون أساساً على ثلاثة أعراق: العرب والأكراد والأتراك.
ويُطلق على العلويين العرب اسم النصيريين، ويناهز عددهم الثلاثمئة ألف نسمة يتواجد معظمهم في لواء الاسكندرون (يطلق عليه الأتراك اسم “هتاي”)، فيما يتوزع آخرون في أضنة (30 ألفاً) ومرسين (12 ألفاً)، إضافة إلى اسطنبول وأنقرة. لغتهم الأم العربية.
أما العلويين الأكراد، فيقدّر عددهم بحوالى 30 في المئة من مجموع الأكراد وحوالى خمس العلويين ككل، أي حوالى أربعـة ملايين نسمة، يتواجدون في محافظات وسط وجنوب شرق الأناضول، ولاسيمـا في بينغول وتونجيلي وارزنجان وسيواس ويوزغات وايلازيغ وملاطيا وقهرمان مراش وقيصري وتشوروم وفي محافظات أخرى. لغة العلويين الأكراد، الكردية ويتكلم قسم منهم الزازائية.
أما العلويون الأتراك، فيقطنون بصورة أساسية في بقع جغرافية متصلة ببعضها البعض تشكل الأناضول الداخلي، امتداداً إلى غربه، مع تواجد قليل على ساحل البحر الأسود. أما المحافظات التي يتواجدون فيها بكثافة فهي: سيواس، طوقات، يوزغات، نيفشهر، تشوروم، أماسيا، قهرمان مراش وأرزنجان.
ويُطلق على العلويين الأتراك أسماء عدة منها: العلويون، قيزيل باش (الرأس الأحمر). كما يتلقبون بألقاب أخرى محلية تبعاً للمنطقة التي يقطنون فيها. وإذ لا يرِد مصطلح “علوي” في الإحصاءات الرسمية، فإن التقديرات حول عددهم تتفاوت من مصدر إلى آخر. وإذ يرجح البعض أن يكون عددهم 10 – 14 مليوناً، فإن الرقم الأقرب إلى الدقة هو 18 – 20 مليوناً، علماً أن العلويين أنفسهم يرفعون العدد إلى 25 مليوناً.
المعتقدات العلويَّة
نظراً للاضطهاد الذي واجهه العلويون في تركيا على يد السلطات العثمانية، بدءاً من مطلع القرن السادس عشر للميلاد، فإن المعلومات حول معتقداتهم اتسمت بالغموض والتشويش. لكن من الثابت أن المتصوف الكبير حاجي بكتاش يحتلّ مكانة رئيسية في العقيدة العلويـة، حيث امتزج فكره (عاش بين 1210 و 1271 ميلادية) عند قدومه إلى الأناضول بالفكر العلوي ولم يعد ممكناً الحديث عن العلوية دون البكتاشية. ومع أن العلوية في تركيا تتقاطع بصورة مذهلة مع الفكر الشيعي الاثني عشري، إلا أن الكتمان والتقية في ممارسة العبادات “أنتجت” لاحقاً نمطاً خاصاً من الطقوس الدينية لا يمت بصلة إلى العبادات المعروفة إسلامياً، ويحتلّ “بيت الجمع” أو بيت الاجتماع، عند العلوية، مكانة الجامع عند المسلمين، ويقرؤون فيه عباداتهم.
الجمهورية والخروج إلى النور
ظهر العلويون في التاريخ السياسي للدولة العثمانية، كمناصرين وأتباع للدولة الصفوية الشيعية في إيران، لذا ذهبوا ضحية الصراع الصفوي – العثماني في مطلع القرن السادس عشر للميلاد حيث اتهمهم السلطانان بايزيد الثاني وسليم الأول العثمانيين بالولاء للصفويين، وأعملا السيف فيهم عامي 1511 و 1513 مسيحية. وتوارى العلويون منذ تلك الفترة عن الساحـة وانطووا على أنفسهم، إلى أن أعلن مصطفى كمال اتاتورك حرب التحرير الوطنية بين عامي 1918 و 1923 والتي انتهت إلى رسم حدود تركيا كما هي عليها اليوم وإعلانها جمهورية.
وكان إعلان الجمهورية، ثم ممارسات مصطفى كمال المناقضة للدين الإسلامي، وصولاً إلى اعتماد العلمنة لأول مرة في تركيا؛ موضع ترحيب وسرور وتأييد مطلق من جانب العلويين الأتراك الذين وجدوا في هذه الخطوات فرصة مهمة وذهبية للخروج إلى النور لأول مرة بعد أربعـة قرون من الاضطهاد. وهكذا أضحى العلويون الدعامة الأساسية للنظام الجمهوري العلماني في تركيا. ولا غرو أن يرفع العلويون في جميع مناسباتهم إلى جانب صورتي حاجي بكتاش والإمام علي بن أبي طالب صورة مصطفى كمال اتاتورك أيضاً.
استمرار الحذر
مع كل ذلك، ورغم التحسن الكبير الذي طرأ على وضع المجتمع العلوي في تركيا، استمر العلويون في حذرهم من السلطة، واستمروا بعيدين عن الوظائف العليا وعاطلين عن العمـل، خاصة أن معظمهم كان يقطن بعيداً عن الغرب التركي والمدن الكبرى مثـل اسطنبول وأنقرة. وكان مدى انفتاح الدولة على الإسلاميين أو عدم انفتاحها مقياساً لتقدم العلاقة أو تراجعها. بينها وبين العلويين. وعادت مخاوف العلويين إلى الظهور في الفترات التي كانت تشهد ميلاً إسلامياً لدى الحكومات التركية، مع  “السياسة الإسلاميـة” التي اتبعها رئيس حكومات الخمسينات عدنان مندريس وحكومات الائتلاف التي شارك فيها حزب السلامة الوطني الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان في السبعينات، وكذلك البعد الإسلامي من سياسات رئيس الحكومة، فرئيس الجمهورية، طورغوت اوزال في الثمانينات ومطلع التسعينات. وقد مارس النظام التركي عموماً، من جهـة، تشدّداً علمانياً حيال الحركات الإسلاميـة، فيما كان النظام نفسه يتحرك، من جهة ثانية، بـ “ذهنية إسلامية سنيّة” حيال العلويين، بحيث كان يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. لا بل مورست أعمال عنف ضد العلويين في أواخر السبعينات وفي النصف الأول من التسعينات، ذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى العلويين، فيما كانت أصابع الاتهام تشير إلى تواطؤ القوى الأمنية في هذه المجازر.
ويُعتبر انقلاب 12 أيلول 1980 محطة سوداء في تاريخ العلويين. إذ أقرَّ النظام العسكري الجديد، في سياق تعزيز الاتجاهات الإسلامية السنيَّة، إدخال تدريس الدين، مادةً إلزاميـة في جميع المدارس، مع تضمينها في دستور العام 1982 الذي ما زال معمولاً بـه حتى الآن. كما شجع هذا النظام تشييد الجوامع في القرى والمناطق العلوية. وقد أصابت ممارسات إنقلابيي 1980، بأذى بالغ، أحزاب اليسار العلماني، وانعكس ذلك على العلويين الذين يشكلون القاعدة الأساسية والعريضة لهذه الأحزاب.
البيان العلوي
وتبعاً لذلك، كانت الثمانينات بداية ظهور تململ واضح من جانب العلويين مما يجري حولهم وضدهم. وكان ما سُمِّي بالبيان العلوي الذي أصدره مثقَّفون علمانيون من كل الطوائف والمذاهب والأعراق، حدثاً مهماً ومحطة بارزة في مسيرة علويي تركيا، إذ طرح هذا البيان (صدر في آذار 1989)، ولأول مرة في تركيا وبجرأة نادرة، المسألة العلوية في تركيا على النحو التالي:
– إن العلوية جناح من الإسلام الموجود في تركيا.
– يعيش في تركيا عشرون مليون علوي.
– إن المسلمين السنّة في تركيا لا يعرفون شيئاً عن العلويين، بل تحكم سلوكهم الأحكام المسبقة والشائعات التي انتشرت منذ العهد العثماني وما زالت. وليس من حق هذه الذهنية العثمانية أن تعيش في هذا العصر.
– إن رئاسة الشؤون الدينية تمثل فقط الإسلام السني في تركيا.
– في المقابل، تعمل الدولة على تجاهل وجود العلويين، وإظهار تركيا على أنها دولة سنية في حين أن ثلث السكان هم من العلويين.
– مع أن اضطهاد العلويين انتهى مع تأسيس الجمهورية، إلا أن الضغوطات النفسية والسياسية والاجتماعية ما زالت مستمرة، بحيث لم يستطع العلويون بعد استخدام حقّهم في حرية التفكير والمعتقد الديني والقناعات التي كفلتها شرعة حقوق الإنسان والمادة 24 من الدستور التركي.
– إن الإعلام بمختلف وسائله لا يُقدِّم معلومات كثيرة عن العلويين: شخصياتهم، أعيادهم، أشعارهم، موسيقاهم وفولكلورهم.
– على الدولة منع رئاسة الشؤون الدينية من إقامة جوامع في القرى العلوية أو إرسال أئمة مساجد إليها.
– هناك دعاية ضد العلويين في المدارس. ويجب إلغاء مادة الدين الإجبارية في المدارس، لأن هذا يخالف مبدأ علمانية الدولة.
ومنذ صدور البيان العلوي، قام العلويون بمحاولات عديدة لإثارة أوضاعهم ورفعها إلى العلن. وشجَّع على تكثيف تحركهم الإشارات التمييزية منها التي كانت تصدر أحياناً من كبار مسؤولي الدولـة، ومن بينهم رئيس الجمهورية الراحل طورغوت اوزال الذي اتخذ في العام 1990 مواقف مذهبية حيال دخول الدبابات السوفياتية حينها إلى باكو عاصمة اذربيجان وتجاهله سحق الدبابات للثورة الأذربيجانية بقوله: “إنهم شيعة (الآذريُّون)، ونحن سنَّة”. ويرى المفكر العلوي المعروف عز الدين دوغان أن موقف اوزال هذا “يُظهر الخلل الكبير جداً في إدارة الجمهورية التركية”. فيما يشير المفكر العلـوي الآخر جمال شينير إلى أن رفض نظام 12 أيلول 1980 الانقلابي للعلويين، لم يكن موجوداً من قبل.
الإحياء العلوي
تبعاً لذلك، تكاثرت في السنوات الأخيرة الجمعيات التي تُعنى بإحياء الثقافـة العلوية، وهي مظهر من الوعي، الذي يزداد، للهوية العلوية والرغبة في حضور أكثر فاعلية في الساحة السياسية والاجتماعية في تركيا.
وقد بُرِّرت المطالب العلوية بصورة واضحة ومحددة في بيان مشترك أصدرته مجموعة جمعيات وهيئات علوية، ونُشر بتاريخ 30/10/1994، وفي جاء في خطوطه الرئيسية ما يلي:
– إلغاء إيديولوجية الدولة السنيّة وجعل الدولة مدنية.
– رفع دعم الدولة لرئاسة الشؤون الدينية، ومواجهة كل طائفة بنفسها لاحتياجاتها الدينيـة. وبالتالي، قطع كل الدعم المخصص من الميزانية العامة لرئاسة الشؤون الدينية. وفي ذلك خدمة للسلم الأهلي.
– يجب تطبيق مفهوم الدولة العلمانيـة بصورة كاملة غير منقوصة، ومعاقبة الأفكار المعادية للعلمانية، وبالتالي للديمقراطية، لكي تحيا العلمانية والديمقراطية.
– يجب إلغاء التعليم الديني السنِّي من المدارس من أجل ضمان فعلي للسلام الأهلي.
– إلغاء المواد المخالفة للعلمانية ولمفهوم المجتمع المدني والديمقراطية من الدستور.
– رفع الحظر السياسي على المنظمات الجماهيرية الديمقراطية وطلاب الجامعات ورجال العلم والعمال.
– إنهاء سيطرة عرق محدَّد وتوسيع حقوق المواطنية.
– يجب التطبيق الكامل من دون نقصان أو قيود، للمواثيق الدولية في بلاد تركيا.
العلويون بين الاستقلال والإنكار
تبدو مطالب تشريع “بيوت الجمع”، أي مراكز العبادة والثقافة عند العلويين، أو تمثيلهم في رئاسة الشؤون الدينية، أو إقامة رئاسة شؤون دينية خاصة بهم، وكذلك إلغاء تدريس مادة الدين في مدارسهم على الأقل؛ هي المحور الأكثر حساسيـة من هذه المطالب.

وتكاد مواقف الأطراف غير العلوية، من رئاسة الشؤون الدينية، والحركات الإسلامية، الصوفية منها والسياسية، تتفق على معارضة اعتبار العلوية ديناً أو مذهباً أو حتى جناحاً أو تياراً في الإسلام. فيما تقف الدولة (العلمانية) موقفاً أقرب إلى استغلال النقمة العلوية، منه إلى التجاوب مع رغبات العلويين ومطالبهم.
رئيس رئاسة الشؤون الدينية في تركيا، محمد نوري ييلماز، يقول حول مطلب تمثيل العلويين في الرئاسة الدينية (ميللييت 15/11/1994): “إن الرئاسة ليست مدافعاً عن مذهب محدد. إنها ممثلة للإسلام. وكما أن الرئاسة لا تعامل أحداً بصورة استثنائية، فهي لا تنظر بحرارة إلى مطالب المعاملة الخاصة”. ويرفض ييلماز الاعتزاز بالعلوية ديناً أو مذهباً إسلامياً: “إن ادعاء كونهم امتداداً في الأناضول للمعركة السياسية التي بدأت قبل 400 سنة لا يفيد انساناً في بلدنا اليوم بشيء. نحن مقتنعون بأن الصورة العلوية التي يحاول المثقفون العلويون تعميمها في الإعلام والصحافـة، خاطئة. إن إظهار العلوية كدين جديد أو كمذهب جديد، والمطالبة بحلِّ هذه المسألة ناتج عن عدم المعرفة بمسيرة العلوية”.
وكانت مجلة رئاسة الشؤون الدينية قد نشرت في مطلع العام، مقالة تنتقد بشدة العلويون: “يقولون ليتمثل العلويون في رئاسة الشؤون الدينية. كم ذلك خاطئ. هل العلويون دين؟ لا. هل هم مذهب؟ لا. هل هم طريقة؟ لا. إذن لماذا وكيف سيتمثلون؟”.
ويتحدث باللهجة نفسها إمام أحد الجوامع قائلاً: “ليس من شيء اسمه العلوية. إنهم مواطنون أتراك. ولا وجود لهذا المذهب. وعددهم لا يتجاوز السبعة ملايين”. ويقول آخر: “لا شيء اسمـه علوية. كل واحد كان مسلماً. حتى الجمهورية الأولى كانت مسلمة في الصفحة الأولى من الدستور”.
ولا يختلف رأي حزب “الرفاه” الإسلامي، عن رأي رئاسة الشؤون الدينيـة. فالنائب والوزير السابق عبد اللطيف شينير يصف أماكن عبادة العلويين بأنها “أماكن تسلية”. ولا يعتبر العلوية مذهباً وبالتالي من غير الممكن، برأي شينير، تمثيلها في رئاسة الشؤون الدينية.
ومع ذلك، فإن حزب الرفاه يسعى دائماً إلى اكتساب تأييد القاعدة العلوية التي ما زالت عصيَّة على اختراق الحركات الإسلامية لها. وباستثناء حالات محدودة في انضمام رؤساء بلديات علويـة، أو غيرهم إلى حزب الرفاه، فإن التأييد العلوي التقليدي كان يذهب دائماً إلى الأحزاب الأكثر علمانيـة، التي كانت تتمثل في حزب الشعب الجمهوري، والآن ممثلة في أحزاب اليسار العلماني ولا سيما حزب الشعب الجمهوري. غير أن الأحداث الدموية التي تكررت ضد العلويين في سيواس عام 1993 وفي ضاحيـة “غازي عثمان باشا” باسطنبول عام 1995، في ظل حكومات كان يشارك فيها حزب الشعب الجمهوري، واتُّهمت جهات في الدولة بالتورط بها، شكلت صدمة للعلويين، وكانت مفترقاً لتعديل ولائهم التقليدي لأحزاب اليسار العلماني في اتجاه البحث عن خيارات أخرى. وبالفعل، ظهرت لأول مرة في تاريخ تركيا، أحزاب، بهذا الحجم أو ذاك، تدَّعي أنها “علويـة” وتهدف إلى أن تكون معبِّرة عن هوية العلويين وشخصيتهم ومطالبهم وطموحاتهم. ومن غير الواضح مدى إمكانية هذه الأحزاب في النجاح واكتساب جزء من القاعدة العلوية، بعد سنوات وعقود من التأييد التقليدي لليسار العلماني.
أما على صعيد الدولة، فإن معظم المسؤولين يتعاطون بحذر شديد مع “الصحوة العلوية”. فهم من جهة، علمانيون يجدون في الأصوات العلوية مصدراً أساسياً لدعم العلمانيـة؛ ومن جهة ثانية، لا يستطيعون الخروج من “الذهنية السنيّة”، وريثة قرون من السيطرة على السلطـة. وكانت الدولة، والأحزاب التي تكون في السلطة، تقترب مـن العلويين ومطالبهم بمقدار تعاظم قوة التيار الإسلامي، وتبتعد عنهم، كلما ابتعد شبح “الخطر الإسلامي”. أي أن النظام التركي نظر إلى العلويين مجرد أداة تُستخدم عند الحاجة لحماية نفسه من الإسلاميين، لهذا تعدّدت محاولات الأحزاب ولا سيما التي كانت في السلطـة منذ أوائل التسعينات وحتى اليوم، للإنفتاح على الكتلة العلوية، فشارك مسؤولون، ومنهم رئيس الجمهورية سليمان ديميريل، في احتفالات حاجي بكتاش العلويـة في العام 1994 للمرة الأولى في تاريخ تركيا. ودعا بعض الوزراء إلى تحقيق بعض المطالب العلويـة، مثل تشريع بيوت عبادتهم وفتح معاهد لتخريج أئمة خاصة بالعلويين وبالتالي “تصحيح الخطأ”، بتعبير أحد زعماء حزب الطريق المستقيم. وفي عهد حكومة مسعود ييلماز الحاليـة، خصصت الدولة جزءاً من ميزانيتها دعماً لبعض الجمعيات العلوية.
تضيف “المسألة العلوية” بنداً أساسياً إلى “لائحة” القضايا المصيرية التي تشغل بال تركيا، إضافة إلى المسألة الكردية، والنزاع العلماني – الإسلامي، والمشكلات الاقتصادية والإقليمية. وأهمية المسألة العلوية أنها تطال ذهنية متجذرة في الدولة عمرها مئات السنين، لم تستطع التجربة العلمانية منذ ثلاثة أرباع القرن، أن تمحوها أو حتى تخفف منها. ومن هنا الصعوبة، والشراسة، التي قد تتخذها في المستقبل أية مواجهة بين الأطراف المعنية بهذه المسألة. وعلى ضوء المسار الذي ستتخذه المسألة العلوية، يتوقَّف جانب كبير من صورة الدولة والمجتمع والكيان وبالتالي مستقبل تركيا.
اليهود
تشير تقديرات العام 1992 إلى أن عدد أعضاء الجالية اليهودية في تركيا لا يتجاوز الخمسة وعشرين ألفاً. ومع ذلك، حظيت علاقتهم، منذ نزوحهم من اسبانيا بعد العام 1492 إلى الدولة العثمانية، بمركز السلطة باهتمام المؤرخين والباحثين، ونُسب إليهم دورٌ بارز في العديد من المحطات التاريخيـة الفاصلة في التاريخ التركي الحديث. وأسهم تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، في منح اليهود الأتراك قوة إضافية، إلى قوتهم الاقتصاديـة والإعلامية. ومع أن هذا الدور بقي كامناً وبعيداً عن الأضواء، إلا أن بدء محادثات التسوية بين العرب وإسرائيل في مدريد خريف 1991، وما كان سبقها من تقارب فلسطيني – إسرائيلي بعد الاعتراف الفلسطيني الضمني عام 1988 بوجود الكيان الصهيوني، كان مشجعاً ليهود تركيا للتخلي عن حذرهم، والخروج إلى دائرة النشاط العلني المستمر حتى الآن.
الأكثريـة الساحقة من يهود الدولة العثمانية جاؤوا إليها من اسبانيا في العام 1492، بعد سقوط الأندلس بيد الكاثوليك، وتخيير محاكم التفتيش لهم بين اعتناق المسيحية أو المغادرة. وفضلت فئة منهم، تقارب المئة ألف، أن تقصد الدولة العثمانية، اسطنبول تحديداً، حيث شارك أفرادهم، بفعالية، بحكم معرفتهم باللغات الأجنبية وخبرتهم في شؤون المال، في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للدولة، كما استطاع البعض منهم الوصول إلى مراكز إداريـة رفيعة المستوى. وعاشوا على امتداد قرون في مناخ من التسامح والحرية، خلاف ما كان عليه وضع اليهود في الدول الأوروبيـة الأخرى. غير أن بدء ظهور دعوات يهودية، منذ مطلع القرن السابع عشر، إلى العودة إلى “أرض الميعاد” كان بداية تراجع دور اليهود في الدولة، مما ساعد على تعاظم النفوذ الأرمني داخل السلطنة.
ومع اشتداد النشاط الصهيوني للعودة إلى فلسطين، من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام اليهود الأتراك بدور بارز في حركة “الاتحاد والترقي” الهادفة إلى إسقاط نظام السلطنة. وكان انهيار السلطنة ذاتها في نهاية الحرب العالمية الأولى، شرطاً أساسياً لوضع ” وعد بلفور” الإنكليزي لتأسيس وطن يهودي في فلسطين، موضع التنفيذ. وجاء إعلان الجمهورية في تركيا، عام 1923، لينعكس في جانب منه، سلباً على كل الأقليات غير المسلحة، الأرمنية واليونانية واليهودية، ذلك أن ضريبـة فُرضت لاحقاً على هذه الأقليات بمقدار عشرة في المئة على الفرد الواحد.  وتسبب ذلك في إفقار معظم أفراد هذه الأقليـات واضطرارهم للهجرة إلى الخارج. ومن هؤلاء اليهود بحيث لم يبق منهم عشية تأسيس دولة إسرائيل سوى ثلاثين ألفاً، بعدما كانوا عام 1927 حوالى الثمانين ألفـاً. ومع تأسيس إسرائيل، غادر البعض منهم إليها، غير أن وطأة ضريبة الثروات لم تحل دون دور مركزي لليهود الأتراك في الاقتصاد التركي. فقد كانت لهم اليد الطولى منذ الأربعينات، في صناعات القماش والكاوتشوك والجوارب والحرير والمظلات والجزمات والدباغة. وكان اليهود رواداً لصناعة السيارات والكيميائيات والصيدلة وفي قطاع الإعلان وفي الألبسة الجاهزة. وما زال هذا الدور مستمراً حتى الآن. ويبرز من أسماء رجال الأعمال اليهود حالياً كلٌّ من جاك قمحي واسحاق ألاتون وفيتالي هاكو.
ويُعتبر العام 1989، محطـة بارزة في مسيرة اليهود الأتراك، حين خرجوا بصورة كاملة إلى العلن من خلال تأسيس ما سمي بـ “مركز الـ 500” بمناسبة مرور خمسمئة سنة على خروجهم (عام 1492) من اسبانيا وقدومهم إلى تركيا. وقد شجّعهم على ذلك السياسة الانفتاحية التي انتهجها الزعيم التركي الراحل طورغوت اوزال، ورغبته في توطيد علاقاتـه مع الولايات المتحدة الأميركية عن طريق كسب ودّ اللوبي اليهودي في أميركا وبالتالي دعم اليهود الأتراك. وقد ساعد المناخ الجديد على ازدياد الحضور اليهودي في تركيـا، ولا سيما في حقلي الاقتصاد والإعلام المكتوب والمرئي، حيث تعود ملكية بعض الوسائل الإعلاميـة المؤثرة لأوساط يهودية، فضلاً عن أن اليهود أنفسهم يصدرون باللغة التركية صحفاً ومجلات خاصة بهم أبرزها: صحيفة “شالوم” الأسبوعية.

إلى ذلك استطاع اليهود في تركيا إيصال أحد رجال أعمالهم، جيفي قمحي، إبن رجل الأعمال المعروف جاك قمحي، إلى البرلمان، في انتخابات العام 1995 على لائحة حزب الطريق المستقيم عن دائرة اسطنبول. غير أن قمحي استقال من الحزب في العام 1997، بعدما اعترض على النهج الذي تتبعه حكومة نجم الدين اربكان الإسلامي والذي كان حزب الطريق المستقيم شريكاً فيها. وفي الواقع، استطاع اليهود في تركيا، في السابق، إدخال تسعة من بينهم إلى البرلمان في أوقات مختلفة بين العام 1935 و1960. إلا أن أحداً منهم لم ينجح في أية انتخابات نيابية لاحقة.

ومعظم النواب اليهود الفائزين كانوا قد اختيروا عن مدينة اسطنبول، المركز الرئيسي للتواجد اليهودي في تركيـا، حيث يُقدَّر وجود 18 ألفاً منهم، فيما يوجد حوالى الألفين في مدينـة ازمير، بينما يتوزع الباقون على انقرة وبورصة وتشاناف قاله وادرنه. ويتركز وجود اليهود في اسطنبول في أحياء نيشان طاشي، شيشلي،سعادية، بورغاز، هيبلي وبويوك أضه. وكان يتواجد آلاف من اليهود في مناطق تركية أخرى مثل تراقيا الأوروبية وديار بكر وماردين وفان وحقّاري (في جنوب شرق تركيـا)، غير أنهم هاجروا جميعهم إلى إسرائيل بعد العام 1948. ويُعتبر حي باي أوغلو في اسطنبول مركزاً رئيسياً لنشاط اليهود التجاري.

وعندما قدم اليهود من اسبانيا إلى تركيا، كانت لغتهم الرئيسيـة اليهودية – الإسبانية، لكن عدد الذين استمروا يعرفون هذه اللغة كان يتناقص تدريجياً وهو يشكل اليوم نسبـة 10 – 15 في المئة من مجموعهم. لذا تخصص لهم صحيفة “شالوم” مثلاً إحدى صفحاتها باللغة اليهودية – الإسبانية. وإذ يتحدث جميع اليهود الأتراك باللغة التركية، ويعتبرونها لغتهم الأم، فإن ثمانية في المئة فقط يعرفون اللغة العبرية. وهذا استدعى مؤخراً فتح دورات أو إعطاء دروس باللغة العبرية في المدارس اليهوديـة باسطنبول. واللغة الأجنبية الشائعة بينهم هي الفرنسية (96 بالمئة)، الإنكليزية (48 بالمئـة)، اليونانية (33 بالمئة)، الألمانية (31 بالمئة) وقليل منهم ممن كانوا يعيشون في جنوب شرق البلاد، يعرفون العربية والكردية.

أما على الصعيد المذهبي، فيتوزع يهود تركيا على ثلاثة مذاهب: السفاردية، الاشكنازيـة والقرائطية (بالنسبة لليهود من شبه جزيرة القرم). ولليهود عدة كنيسات في اسطنبول وازمير وبورصة، وفي اسطنبول يوجد مقر الحاخام الأكبر راف دافيد أسيو.

ويقوم اليهود الأتراك اليوم بدور حيوي في توثيق التقارب، الذي بلغ منذ مطلع العام 1996 درجة التحالف بين كل من تركيا وإسرائيل. وتنشط وسائل الإعلام التي يملكونها أو يؤثرون فيها في الترويج للقواسم المشتركة بين البلدين ولـ “النموذج” الإسرائيلي المتقدم تكنولوجياً وديمقراطياً (!)، ولتحسين صورة إسرائيل لدى الرأي العام التركي المعارض، بغالبيته، للسياسة العدوانية الإسرائيلية. وما يلفت النظر، أنه في حين تركز وسائل الإعلام على الجانب العسكري من التحالف التركي – الإسرائيلي، فإن حركـة مكثفة وواسعة جداً تقوم على قدم وساق لإقامة روابط وتواصل بين هيئات المجتمع المدني، التجارية والإعلامية والفكرية والنقابية وما إلى ذلك، في البلدين. كما أن الجماعة اليهوديـة والحاخامية الكبرى في اسطنبول، هي صلة وصل أساسية بين السلطات التركية وجماعة الضغط اليهودية في الولايات المتحدة.

اليونانيون

الطائفة الثالثة التي اعترفت بها معاهدة لوزان، كأقلية، هي الطائفة اليونانية التي اكتسبت لذلك حق تأسيس مؤسسات خاصـة بها من كنائس ومدارس ومطابع وإلى ذلك. غير أن النزاعات المفتوحة بين كل من اليونان وتركيـا، والتي تمتد عميقاً في التاريخ والجغرافيا والحضارة، أعطت الوجود اليوناني في تركيا حساسية خاصة، فتعرّض أحياناً ، تبعاً للتطورات السياسية بين اليونان وتركيا، إلى التضييق، الأمر الذي دفع بالعديد من اليونانيين الأتراك إلى الهجرة إلى اليونان ودول أوروبيـة أخرى، بحيث يقدّر عدد من تبقى منهم في تركيا اليوم بين الخمسين والثمانين ألفاً، رغم أن هناك من يخفض هذا الرقم إلى عشرة آلاف فقط. ويتوزع هؤلاء، بغالبيتهم، في اسطنبول، مع وجود عدد قليل في ازمير، على ساحل بحر إيجه، وانقرة وطرابزون.

وفي اسطنبول يقطن معظم اليونانيين في منطقـة “غلطة” المطلة على “الخليج”، وفي “باي اوغلو” المحاذيـة لها وفي جزر الأمراء، وبورغاز وبويوك أضه وهيبلي السياحية الأرستقراطية، فضلاً عن وجود بضعة آلاف في جزر تركية مقابل الجزر اليونانية، مثل تشاناق قاله وغوكجيه أضة وبوزجا أضة. وما زال اليونانيون يقومون بدور مهم في الحركة التجارية في اسطنبول رغم تضاؤل أعدادهم في السنوات الأخيرة. وينتمي اليونانيون الأتراك مذهبياً إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي مقرها الرئيسي في العالم كله في منطقة فينير في اسطنبول، مع وجود أقلية صغيرة جداً تنتمي للكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية. وقد تصاعدت في السنوات الأخيرة التجاذبات السياسية الحادة بين انقرة وأثينا حول وضعية بطريركية فينير ودورها في الحياة الدينية لأرثوذكس العالم. وساعد على فتح صفحة هذه القضية، سقوط الشيوعية في الإتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية، وعودة الأرثوذكسية بقوة إلى روسيا، واتهام تركيا لكل من اليونان وروسيا وبلغاريا وغيرهم بتشكيل حلف ديني أرثوذكسي يستهدف تطويق تركيا، ومحاولة اليونان تحويل الوضع القانوني لبطريركية اسطنبول بالنسبة للأرثوذكس في العالم إلى ما يشبه الوضع القانوني للفاتيكان في روما بالنسبة لكاثوليك العالم، وما يعني ذلك، بنظر الأتراك، من إنشاء دولة داخل الدولة التركية. وتزداد هذه الحساسية مع النزاع المستمر على الحدود الجغرافية بين تركيا واليونان في بحر ايجه وقبرص، واتهام الأتراك المستمر لليونان بأنها تسعى دائماً إلى إضعاف تركيـا وتقسيمها أملاً في استعادة المجد البيزنطي الذي انتهى مع فتح مدينة القسطنطينية (اسطنبول) على يد السلطان محمد الفاتح عام 1452.

الأرمن

يُعدُّ الأرمن من أقدم الشعوب التي سكنت مناطق القوقاز الجنوبية وشرق بلاد الأناضول. وعندما أسّس الأتراك العثمانيون دولتهم عام 1300 ميلادية، انخرط الأرمن في الدولة الجديدة، فكان لهم حضور قوي في مختلف المجالات ووصلوا إلى أعلى المناصب الإدارية. غير أن النزاعات القومية التي هبت على السلطنة العثمانية منذ أوائـل القرن التاسع عشر واشتدت في أواخره ومطلع القرن العشرين، أفسدت العلاقـة الجيدة تاريخياً بين الأرمن وقادة السلطنة، الأمر الذي أفسح المجال أمام حدوث مذابح ذهب ضحيتها عدد كبير من الأرمن (يقدّرها الأرمن بمليون ونصف المليون، فيما ينفي الأتراك جملـةً وتفصيلاً حدوثها من الأساس) في أواخر القرن التاسع عشر وفي العام 1915. وقد أدت هذه الأحداث إلى حدوث موجـة نزوح شاملة للأرمن من شرق تركيا إلى الدول المجاورة ولا سيما إلى لبنان وسوريا. غير أن اتفاقية لوزان 1923 اعترفت للأرمن، كما لليهود اليونانيين، بصفة وضع الأقلية، وحقها في افتتـاح مدارس خاصة بها وحماية أملاكها وحرية التعبير والنشر باللغة الأرمنية وكذلك الحرية الدينية.

وكان من جراء تفريغ الأناضول الشرقي من السكـان الأرمن، تحوّل من تبقى منهم إلى المدن الكبرى، ولا سيما اسطنبول، وممارسة نشاطات تجارية وحرفية في نطاق ضيق. وقد خلقت الروابط بين الدياسبورا الأرمنية في العالم وأفراد الطائفة الأرمنية في تركيـا، شكوكاً لدى السلطات التركية التي كانت تتخذ إجراءات من وقت لآخر لتضييق نشاط السكان الأرمن.

اليوم، من أصل مئات الآلاف من الأرمن كانوا يسكنون في تركيا عشية الحرب العالمية الأولى، وبعد موجات الهجرة الكثيفة خلال الحرب وبعدها، لم يبقَ في تركيا الآن سوى بضعة آلاف تتفاوت التقديرات حول عددهم من خمسين إلى ثمانين ألفاً، تعيش أكثريتهم الساحقـة في اسطنبول حيث يوجد المقر الرئيسي لبطريركيَّتهم في منطقة “كوم قابي” في مقر فرعي في منطقـة “رومللي حصار”، وفروع أخرى في محافظات: قيصري، ديار بكر والإسكندرون.

وما يزال يوجد حوالى الألف شخص في مدينة أنقرة. ويتحدث هؤلاء جميعاً اللغة الأرمنية، فيما يتوزعون مذهبياً على ثلاث كنائس: الكنيسة الغريغورية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومية والكنيسة البروتستانتية.

وباستثناء حالات قليلة جداً، فإن مشاركة الأرمن في الحياة السياسية التركية معدوم تقريباً.

السريان والكلدان

ومن الأقليات الدينية في تركيا، نجد كذلك مجموعة من السريان وهم سوريون يدينون بالأرثوذكسية، ويقطنون، تبعاً لذلك، في مناطق قريبة من الحدود السورية ولا سيما في ماردين، ونصيبين وميديات وسافور وقيلليت وايديل وديار بكر. غير أن معظمهم هاجر إلى اسطنبول، حيث يقدر عدد القاطنين منهم فيها حوالى العشرين ألفـاً. كما أن أعداداً كبيرة منهم غادرت إلى أوروبا. ويتحدث السريان الأتراك اللغـة السريانية، ولهجات أخرى مشتقة من اللغة الآرامية.

أما الكلدان، فيقارب عددهم العشرة آلاف نسمة. يقطنون المناطق المحاذية للحدود السورية – العراقيـة في تركيا ولا سيما في ماردين (مدينتا ايديل وسيلوبي) وفي حقّاري (مدينتا اولوديري وبيت الشباب) وفي سعرت (مدينتـا برفاري وشيرناك). كذلك يوجد البعض منهم في ديار بكر وميديات واسطنبول، يتحدثون اللغة الكلدانية ويتبعون لبابـا روما، فيما توجد مطرانيتهم في اسطنبول وبطريركهم الأكبر في الموصل (العراق).

ولا تُعدم الفسيفساء التركية من وجود أقليات عرقية ودينية أخرى تتراوح أعدادها بين مئات وبضعة آلاف، ومن هؤلاء الآليان (خمسون ألفاً) وهم مسلمون منفيون، والروس والألمان والأستونيُّون ومجموعات عرقيـة من آسيا الوسطى (أوزبك، قرغيز، قازاق، تاتار، اويغور، اذريون، . . .) وغيرهم.

II – الأقليات العرقية

الأكراد

يشكل الأكراد في تركيا ثاني أكبر مجموعة عرقية بعد العرق التركي. وإذ يقارب تعداد سكان تركيا حوالى 60 – 65 مليونـاً، فإن الأكراد يُقدَّرون باثني عشر مليوناً أو حوالى خمس السكان، وإن كانت التقديرات شبه الرسمية تشير إلى 5 – 7 ملايين كردي. مع الإشارة إلى أن الإحصاءات الرسميـة لا تتضمن التمييز بين الأعراق، ذلك أن معاهدة لوزان، لم تعترف سوى بوجود أقليات على أساس ديني، أي أقليات غير مسلمة (الأرمن، اليونانيون، اليهود)، ولم تعترف بوجود أقليات عرقية. وعلى هذا الأساس، فإن الإيديولوجيا الرسمية التركية، الإيديولوجيا الكمالية، لم تعترف مطلقاً بالأكراد كمجموعة عرقيـة مختلفة عن العرق التركي، واعتبرتهم أتراكاً، وكانت تطلق عليهم لقب “أتراك الجبال “. واستمرت هذه النظرة الرسمية سائدة حتى آخر العام 1991 حين أقر رئيس الحكومة التركية حينها (والرئيس الحالي للجمهورية) سليمان ديميريل، بوجود “واقع كردي”، خلال جولة له في جنوب شرق تركيا، حيث الغالبية كردية.

ويتمركز الوجود الجغرافي للأكراد في تركيا في مناطق الجنوب الشرقي، المحاذية لسوريـا والعراق وإيران، ولا سيما في محافظات: حقّاري، فان، آغري، بتليس، موش، دياربكر، اوفا، قارس، ماردين، بينغول، ايلازيغ، تونجيلي، آدي يمان، ارزبخان، غازي عينتاب، ملاطيا. ويتوزع الأكراد في تركيا مذهبياً بين سنَّة (70 في المئة، ومعظمهم شافعيُّون) وبين علويين (30 في المئة) مع وجود أقليـة تقدر بـ 10 – 20 ألفاً من اليزيديين (أو الأزيديين). ويتحدثون جميعاً اللغة القرمانية (أي الكردية المعروفة). وتنشط في صفوفهم الطرق الدينية التقليدية، وفي مقدمتها النقش بندية والقادرية، فيما يسود مجتمعهم التنظيم العشائري. ويعتبر أكراد تركيا امتداداً لأكراد العراق وإيران وسوريا. ويطلق تاريخياً على المناطق التي يقطنون اسم “كردستان”، لذا يعتبر أكراد تركيا مناطقهم بأنها “كردستان الشمالية” فيما أراضي العراق الشمالية “كردستان الجنوبية” وأراضي إيران الكردية “كردستان الشرقية”. ولا يقتصر الوجود الكردي في تركيا على المناطق التي ذكرناها، ذلك أن التخلف الاقتصادي في هذه المناطق والاضطرابات الأمنية الدائمة بين المقاتلين الأكراد والقوات الحكومية، دفعت على امتداد عقود، عدداً كبيراً منهم إلى النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، وكانت كلٌّ من اسطنبول وأنقرة هدفاً منفصلاً الأمر الذي أدى إلى نشوء ضواحٍ بكاملها في المدينتين يسكنها أكراد، حيث يقدر عددهم في اسطنبول فقط بحوالى 3 – 4 ملايين كردي. فضلاً عن ذلك، فإن أعداداً كبيرة من أكراد تركيا هاجرت مباشرة إلى دول أوروبا الغربية، ويقدر عددهم بحوالى المليون نسمة نصفهم في ألمانيا.

أمَّا المشكلة الرئيسية التي يواجهها أكراد تركيا فهي عدم اعتراف الدولة (الكمالية) بهـم كمجموعة عرقية متمايزة عن العرق التركي، وبالتالي رفض منحهم ما يمكّنهم مـن تجسيد هويتهم المستقلة، ثقافياً وسياسياً، مثل حق التعلم في المدارس باللغة الكردية أو تأسيس جمعيات ومنظمات تعزز الثقافة الكردية، بمختلف تجلياتها، أو فتح محطات إذاعيـة وتلفزيونية باللغة الكردية وما إلى ذلك من مظاهر التعبير عن خصوصية ثقافيـة متميزة. واستتبع ذلك، منع الدولة، في الدستور والقوانين، من تأسيس أية منظمـة أو جمعية أو حزب على أساس عرقي أو ديني، والحؤول، بالتالي، دون تأسيس الأكراد أحزاباً تعكس تطلعاتها السياسية في الاستقلال أو الحكم الذاتي، على سبيل المثال. وحين أسس بعض الأكراد أحزاباً تُعبِّر، ضمناً، عن هوية كردية، كان نصيبها الحظر وتعريض زعمائهـا للسجن أو النفي. وقد تكثَّفت عمليات الحظر هذه في النصف الأول من التسعينات.

ومع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، واعتبار اتاتورك جميع المواطنين “أتراكاً”، كان ذلك يعني نفي وجود كل عرق آخر وفي مقدمهم الأكراد. وكانت ردة فعل هؤلاء المباشرة القيام بانتفاضات وعصيانات في العشرينات والثلاثينات، وأهمها انتفاضة الشيخ سعيد الكرادي عام 1925 وانتفاضة آغري بين 1928 و 1930 وانتفاضة ديرسيم عام 1938. وكانت هذه الانتفاضات تُواجه بقمع دموي من جانب الجيش التركي.

ولعل المحطة الأبرز في تاريخ مواجهة الأكراد للسياسة الرسمية التركية حيالهم، كانت تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978، والذي بدأ، بزعامة عبد الله أوجلان، حرب عصابات مسلحة في العام 1984 ما زالت مستمرة حتى اليوم.

وقد واجهت الدولة حرب العصابات هذه بسلسلة إجراءات أهمها:

1- تشكيل ما سمّي بـ “حرّاس القرى”، لحمايـة القرى التي تتعرض لهجمات عنـاصر حزب العمال الكردستاني. وأفراد “حرّاس القرى” جميعهم من العشائر الكردية، الموالية للدولة، والمستفيدة من تشكيل مثل هذا التننظيم الذي يُقدَّر عدد أفراده بخمسين ألفاً ينالون رواتب شهرية بمعدَّل 300 دولار للفرد الواحد. وقد تمّ تأسيس هذا التنظيم عام 1985.

2- فرض حال طوارئ على المناطق الكردية الأكثر تعرضاً للنشاطات العسكرية لحزب العمال الكردستاني. وذلك بدءاً من العام 1987، وهي تُجدَّد تلقائياً كل ستة أشهر. وبموجب قانون حال الطوارئ، تقدم الحكومة إغراءات مادية مضاعفة للموظفين الأتراك، عسكريين ومدنيين، العاملين في مناطق حال الطوارئ، وذلك لتشجيعهم على البقاء والتصدي لمحاولات حزب العمال تفريغ المنطقة من العرق التركي.

3- اللجوء إلى الأسلوب العسكري لقمع حرب حزب العمال الكردستاني، وذلك من خلال إرسال عشرات الألوف من الجنود والطائرات والدبابات والصواريخ لمهاجمة معاقل المقاتلين الأكراد في الجبال الوعرة. وقد أسفرت هذه المواجهات المستمرة منذ 12 سنة عن سقوط آلاف القتلى في صفوف الطرفين.

4- تطوير المواجهـة العسكرية، من الداخل التركي إلى المناطق الحدودية المحاذية لمناطق جنوب شرق تركيا، في سوريا وإيران، ولا سيما في العراق، حيث تقوم القوات التركية بحملات منتظمة خارج الحدود على قواعد حزب العمال، خاصة في شمال العراق. وقد تكثفت هذه الحملات بعد حرب الخليج الثانية، ونشوء فراغ أمني في شمال العراق استفاد منه مقاتلو حزب العمال لإقامة قواعد لهم هناك والانطلاق منها في عمليات داخل الأراضي التركية ضد الجيش التركي.

5- اعتماد سياسة تفريغ القرى الكرديـة من سكانها، وصولاً إلى تدميرها إذا تطلب الأمر، وذلك لمنع استخدامها مأوى يختفي فيه المقاتلون الأكراد ويتموّنون من السكان الأكراد القاطنين فيها والمتهمين دائماً بمساعدة حزب العمال. وعرّاب فكرة تفريغ القرى، وتهجير سكانها إلى المناطق السكنية الكبرى في المدن الرئيسية، هو رئيس الحكومة والجمهورية الراحل طورغوت اوزال، مع أن هذا النهج لم يكن غائباً تماماً في ما مضى.

6- إنطلاقاً من أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يعزّز النزعة الانفصالية لدى السكان الأكراد، ظهر أيضاً مشروع ” تنمية جنوب شرق الأناضول” الذي بدأت نواته في مطلع الستينات لكن العمل فيـه تكثف منذ العام 1983، وما زال مستمراً حتى الآن. ويهدف هذا المشروع، في بعده الكردي الداخلي، إلى إنشاء 21 سدّاً على نهري الفرات ودجلة ومحطات كهرمائية وأنفاقٍ للري، تضمن، حين اكتمالها، تنمية شاملة زراعية وصناعية وتجارية للمنطقة الكردية، كما يرفع من مستوى الحياة الاجتماعية للسكان، ويدفعهم إلى التخلّي عن فكرة الانفصال عن الدولـة والاستقلال. ويهدف هذا المشروع أيضاً، في بعده الكردي الإقليمي، إلى تشديد الضغـط على الدول المجاورة لتركيا والتي تستفيد من مياه الفرات ودجلة، وهي تحديداً سوريا والعراق، لوقف ما تتَّهما به أنقرة دائماً بدعم حزب العمال الكردستاني، وبالتالي قطع شريان الدعم الخارجي عن الحركة الكردية المسلمة.

وتكلِّف حرب الدولة التركية مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني ما لا يقل عن ثمانيـة مليارات دولار سنوياً، وتعتبر هذه الكلفة إحدى أهم مسببات التضخم الاقتصادي الذي يتراوح منذ سنوات بين 70 و 100 في المئة سنوياً. وتواجه تركيا، بسبب، هذه الحرب مع الأكراد، انتقادات واسعة من جانب المجتمع الدولي، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي التي وضعت تحقيق الاعتراف بحقوق الأكراد الثقافيـة، والحرية والديموقراطية، أحد الشروط الرئيسية لقبول انضمام تركيا في عضوية الاتحاد.

وفي الواقع، تتباين بصورة واضحة الطروحات بين الأحزاب التركية نفسها حول السبل الكفيلة بوضع حدّ نهائي للمشكلة الكردية. فبعضهم (بولنت أجاويد) يرى أن أساس حلّ المشكلة هو في تصفية النظام الإقطاعي والعشائري السائد في المجتمع الكردي، فيما يحاول حزب الشعب الجمهوري (العلماني اليساري) مقاربة المشكلة بصورة أكثر تطوراً لجهة ترسيخ الديموقراطية والاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد. أما الإسلاميون (نجم الدين اربكـان) فيكتفون بإطلاق شعار “الأخوة الإسلامية” لحل المشكلة الكردية دون تحديد لعناصر هذا الشعار.

لكن ما يبدو تقاطعاً بين جميع الأحزاب التركية، العلمانية اليسارية واليمينية، أو الإسلاميـة، فهو الرفض القاطع لأية فكرة انفصالية أو حتى حكم ذاتي للمناطق الكرديـة في جنوب شرق تركيا. إذ ترى معظم الأحزاب، أن مجرد منح الأكراد حقوقاً ثقافية، من بث تلفزيوني وإذاعي ونشر وتعليم باللغة الكردية، سيكون الخطوة الأولى نحو اكتمال الوعي الثقافي فالسياسي بوجود أمة كردية لها حقها المشروع في المطالبة بالانفصال والاستقلال، وفي أحسن الأحوال بإقامة فيدرالية أو حتى حكم ذاتي.

إن النظرة الرسمية باعتبار الحركة الكردية المسلحة حركة “إرهابية”، والسبيل الوحيد لمواجهتها هو استئصال جذورها عسكرياً، ما زالت سائدة بقوة متعاظمة في أوساط النظام، وفي القلب منه المؤسسة العسكرية، التي ترى في ذلك الطريقة الوحيدة لحماية الكيان التركي من التفكك والانقسام.

العرب

كما الأكراد والأقليات العرقية الأخرى، لا توجد إحصاءات رسمية أو دقيقة للمجموعـة العرقية العربية في تركيا. ولا تعترف الايديولوجيا الكمالية بالأقلية العربية، بصفتها مجموعة متمايزة لغوياً أو ثقافياً. وبالتالي لا يحق لأفرادها افتتاح مدارس خاصة بهم أو التعلم بلغتهم وتأسيس وسائل إعلامية باللغة العربية.

وتتوزع الأقلية العربية في تركيا في المناطق المجاورة لسوريا، مثل الاسكندرون وماردين واورفه وسعرت وديار بكر. ويقارب عدد أفرادها ، في أوائل السبعينات، الأربعمئة ألف نسمة نصفهم من السنّة ونصفهم من العلويين مع عدد قليل من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك (20 ألفاً). ويتمركز الوجود العربي السني في محافظات ماردين واورفـه وسعرت مع فئة تقدر بأربعين ألفاً في الاسكندرون، فضلاً عن محافظات مدش وبتليش وديار بكر وغازي عينتاب. أما العرب العلويون فجميعهـم (أكثر من مئتي ألـف) يعيشون في لواء الاسكندرون (يطلق عليهم الأتراك اسم “هاتاي”) مع وجود قليل في أضنة وإيتشيل. فيما يتواجد العرب المسيحيون في الاسكندرون، ولا سيما في مدينة انطاكيا، وفي مرسين. كما توجد في اسطنبول وأنقرة مجموعات قليلة من العرب بمختلف مذاهبهم.

وبعكس الأكراد الذين أسسوا أحزاباً تعبر، بصورة غير مباشرة، عن تطلعاتهم ووصلوا إلى البرلمان عبر تحالفاتهم الانتخابية مع أحزاب علمانية كبرى، فإن العرب في تركيا لم يحاولوا التعبير عن أنفسهم عبر أية أحزاب أو جمعيات. وهم يتعرَّضون في تركيا، ولا سيما في الاسكندرون، لرقابة مشددة من جانب النظام التركي، نظراً للوضع الخاص والحساس للواء الاسكندرون الذي ضُمَّ إلى تركيا عام 1938 بموجب اتفاق مع فرنسا، الدولة المنتدبة حينها على سوريا (ولبنان). وقد اعترض السوريون بشدة على نزع الاسكندرون من الأراضي السوريـة وإلحاقه بتركيا. ومنذ ذلك التاريخ، لا تعترف الدولة السورية بشرعية فصل الاسكندرون عن سوريا و ما زالت تعتبره أرضاً عربية مغتَصَبة، ولا تدرجه ضمن الحدود التركية بل ضمن خريطة سوريا، معتبرة أن الحدود الحالية بين سوريا وبين لواء الاسكندرون (الملحق بتركيا) هي “حدود مؤقتة”، فيما يذهب خط الحدود الدولية في الخرائط السورية إلى الخط الفاصل شمالاً بين لواء الاسكندرون وبين الأراضي التركية.

وعلى هذا، وبعد مرور ستين عاماً على إلحاق الاسكندرون بتركيا، ما زالت السلطات التركية تنظر، ضمناً، إلى المواطنين الأتراك من أصل عربي في الاسكندرون، بعين يعتريها الشك والريبة. ونقلت بعض المصادر الإعلامية التركية، في العامين الأخيرين، أن السلطات التركية قررت تعيين مواطنين أتراكاً بدلاً من المتحدرين من أصل عربي في المواقع الأمنية الحساسة في لواء الاسكندرون، بعد تزايد نشاطات حزب العمال الكردستاني العسكرية في تلك المنطقة، والاشتباه بتعاون مسؤولين أتراكاً من أصل عربي مع “جهات خارجية”.

أقليات عرقية أخرى

تمثل الأقليات التي تحدثنا عنها، إن كانت دينيَّـة أو مذهبية أو عرقية، حساسية فائقة في نسيج المجتمع التركي. في حين أن هذا المجتمع يعرف أقليات أخرى تمثل حساسيات محدودة، وإن كان عديدها يتعدى عشرات الآلاف. من هذه الأقليات: اللاز والشركس والكرج. وهي تعود بمنبتها الجغرافي إلى مناطق القوقاز. ومثل الأقليات العرقيـة الأخرى لا ذكر لها في أية إحصاءات رسمية، ويُعتمد في معرفة أعدادها على التقديرات.

ويقارب عدد أفراد اللاز المئة وخمسين ألفاً يرفعهم البعض إلى 250 ألفاً، ويقطن القسم الأعظم منهم في المناطق المحاذية للبحر الأسود من تركيا ولا سيما محافظتي “ريزه” و”أرطوين”. ويدين اللازيون بالمذهـب السني الحنفي، وهم بذلك على انسجام مع مذهب الغالبيـة التركية، ويتحدثون باللغة اللازية، فضلاً عن لغة البلاد التركية. وهم كمجموعة عرقية متمايزة، شرعوا في السنوات الأخيرة في محاولة إقامة مؤسسات ثقافية تعبّر عن هويتهم وشخصيَّتهم، في ظل اتِّساع النقاش الداخلي في تركيا حول خصوصية المجموعات العرقية والمذهبية، وفي المقدمة ما يتصل بالأكراد العلويين.

أما الشركس فهم إحدى المجموعات العرقية الكبرى في تركيا ويحتلون المرتبة الثالثة بعد كل من الأتراك والأكراد. يُقدَّر عددهم بمليون نسمة يتواجدون بصورة رئيسية في مناطق الأناضول الغربية والوسطى. ويُعتبر الأبخازيون جزءاً من المجموعـة الشركسية في تركيا. لذا فإن اللغات التي يتكلم بها الشراكسة هي الشركسية وبنسبة أقل اللغة الأبخازية. ونظراً لاعتناقهم الدين الإسلامي على مذهب الأغلبية التركية السنية الحنفيَّة، فهم أيضاً في وئام مع أكثرية السكان من العرق التركي. ويتركز وجود الشركس في تركيا في خمس مناطق أساسية:

1- صقاريا، بولو، قوجالي، اسطنبول.

2- بورصة، بيليجيك، باليق أسير، تشاناق قاله.

3- أنقرة، اسكي شهر، قوتاصية، قونية.

4- مانيسا، ازمير، أيدين، دنيزلي، افيون، إنطاكيا.

5- سنيوب، سمسون، تشوروم، أماسيا، طوقات، يوزغات، سيواس، قيصري، قهرمان مراش.

ويشكل “الكرج” أو الجورجيون، مجموعة عرقية كبيرة يقارب عددها الـ 70 – 80 ألفاً يتحدثون اللغة الكرجية ويدينون بالمذهب السني الحنفي، وبعضهم بالأرثوذكسي. ويقطنون في المناطق القريبة من الحدود الجورجية، مثل محافظة باطوم كما في محافظة أرطوين، وقد جاؤوا إلى تركيا بعد العام 1877 إثر انتفاضات لهم ضد السلطات القيصرية الروسية ووقوفهم مع تركيا أثناء حربها مع روسيا في ذلك العام. ويوجد في تركيا مجموعة عرقية أخرى من أصول قوقازية، هم الشيشان والاينغوش ويقدّر عددهم بعشرين ألفاً ويتوزعون بين محافظات ماردين و سيواس وقهرمان مراش ويتحدثون اللغة الانغوشية ويدينون بالمذهب السني الحنفي.

بعض مصادر ومراجع الدراسة

باللغة التركية

1- بيتر اندريوس، “المجموعات العرقية في تركيا”، ترجمه إلى التركية: مصطفى كوبوش اوغلو، اسطنبول 1992.

2- موشي شارون، “يهود تركيا”، اسطنبول 1993.

3- أفرام غالانتي، “الأتراك اليهود”، اسطنبول 1995.

4- رضا زيليوت، “العلوية تبعاً لمصادرها الأصلية”، اسطنبول 1992.

5- رها تشامور اوغلو، “مسائل العلوية في يومنا هذا”، اسطنبول 1992.

6- رضا زيليوت، “ما الذي يجب أن يفعله العلويون”، اسطنبول 1993.

* أعداد متفرقة من الصحف التركية: حرّيت، ميللييت، جمهوريت، شالوم.

ومجلات: نقطة، جيم.

باللغة العربية

1- شاوارش طوريكيان، “القضية الأرمنية والقانون الدولي”، ترجمة خالد الجبيلي، اللاذقية 1992.

2- محمد نور الدين، “تركيا في الزمن المتحول: قلق الهوية وصراع الخيارات”، بيروت، دار الرياض الرسمي للنشر، 1997.

* أعداد مختلفة من الشهرية: صوت كردستان.

————————–

مجلة الدفاع الوطني الجيش اللبناني