الرئيسية / دراسات / من فنون الأدب الشعبي المغربي..الملحون
ملحوم

من فنون الأدب الشعبي المغربي..الملحون

تزخر الحياة الشعبية في المغرب العربي، بضروب شتى من الفنون والمأثورات على نحو يسترعي النظر، ويستنهض الفكر، وقد نرى في اتصاله شمالا بالأندلس قديما، والثقافات الأوروبية من بعد، وبالصحراء الإفريقية جنوبا، وبأشقائه المسلمين والعرب شرقا، مسوغا يرشح ذلك الازدهار ويجعل منه نتيجة حتمية للآثار التي نجمت عن ذلك التواصل.
ونستعرض في هذه الدراسة ما يطلق عليه المغاربة اسم “الشعر الملحون”، وهو واحد من صنوف كثيرة من الشعر الشعبي المعروف في المغرب العربيّ عموما، وفي المغرب الأقصى على وجه الخصوص. وسنعتمد فيها على الأجزاء الخمسة التي صدرت عن الأكاديمية المغربية باسم “معلمة الملحون” للمرحوم محمد الفاسي عضو الأكاديمية، والذي كان يخطط لإصدار عشرين جزءا، يضمنها كل ما استقصاه من الشعر الملحون وشعرائه وأخبارهم وغير ذلك مما له صلة به، لولا أن القدر عاجله، رحمه الله، قبل أن ينجز ما عاهد عليه نفسه.

ما هو الملحون:
الملحون في اللغة مفعول من الأصل اللغوي (ل، ح، ن) الذي ينصرف لدلالتين تقع إحداهما على الإصابة في الحديث، والأخرى على الخطأ فيه، مما جعل اللغويين يعدونه في “الأضداد” وقد اختلف الأنباري وابن قتيبة من قبل في أمره اختلافا كبيرا. غير أن أعلى دلالتين للحن، هما التنغيم في الكلام والعدول به عن الصواب، وقد ألّف بعض اللغويين كتبا في “الملاحن” (1) والأضداد، وما تلحن فيه العامة … ونحو ذلك.
ونعتقد أن الملحون المغربيّ، إنما سمي به لأن الشعراء يعرّضون فيه بما يريدون، دون أن يذكروا ذلك صراحة، على نحو ما نجده في قول القتّال الكلابي:
ولقد لَحَنْتُ لكم لكيما تفقهوا وَوَحَيْتُ وحياً ليسَ بالمُرتَابِ (2)
أي ألغزت لكم في الكلام لتفهموا دون غيركم من السامعين على جهة التورية.
وذهب محمد الفاسي في تعليل التسمية مذهبا آخر، إذ قال (3):
“أول ما يتبادر إلى الذهن أنه شعر بلغة لا إعراب فيها، فكأنه كلام فيه لحن، وهذا الاشتقاق باطل من وجوه، لأننا لا نقابل الكلام الفصيح بالكلام الملحون، وإنما باللهجات العامية، ولم يرد هذا التعبير عند أحد من الكتاب القدماء، لا بالمشرق ولا بالمغرب.
قلت: هذا الكلام مردود، وكثيرا ما ورد اللحن في كتب الأولين بمعنى الخطأ، مقابلا الكلام الفصيح، ومما ينسب لمعاوية أن قال للناس: “كيف ابن زياد فيكم؟ قالوا: ظريف على أنه يلحن، قال: فذاك أظرف له”، قال القتبي: ذهب معاوية إلى اللَّحَن الذي هو الفطنة، بتحريك الحاء، وقال غيره: أنه أراد اللحن ضد الإعراب، وهو يستملح في الكلام إذا قلّ (4).
ويؤكد ما ذهبنا إليه، قول أسماء بن خارجة الفزاري في جارية له:
وحَديثٍ ألذُّه هو مما تشتهيه النفوسُ يُوزَنُ وزنا
منطقٌ صائبٌ وتلحنُ أحيانا وخير الكلام ما كان لحنا (5)
إذ قال ابن قتيبة: اللحن في هذا البيت معناه الخطأ، وهذا الشاعر استملح من هذه المرأة ما يقع في كلامها من الخطأ (6). ويروى أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مرّ بقوم يرمون نبلا، فعاب عليهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا من قوم متعلمين، فقال: لحنكم أشدّ عليّ من سوء رميكم، سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “رحم الله امرأ أصلح من لسانه”(7).
وقال العتبي: استأن رجل من جند الشام له فيهم قدر، على عبد الملك بن مروان وهو يلعب بالشطرنج، فقال: يا غلام! غطّها! هذا شيخ له جلالة، ثم أذن له، فلما كلمه وجده يلحن، فقال: يا غلام، اكشفها، فليس للاحن حرمة (8).
ويذهب الفاسيّ إلى أن الملحون مشتق من التلحين، بمعنى أن الأصل في هذا الشعر أن يُنظَم ليتغنى به، واستند في ذلك إلى قول ابن خلدون في معرض حديثه عن الشعر باللغة العامية: ربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على الصناعة الموسيقية (9). ونعتقد أن الفعل بتشديد الحاء، لدلالة على معنى التلحين الموسيقي، لا يتنافى مع ما أسلفنا، من أن الملحون نقيض الفصيح، وهو مع ذلك مما يلحّن ويردد على نحو فيه موسيقى، سواء أكان ذلك مصحوبا بآلة أم لم يكن. وليس شرطا أن يكون اللحن هنا بمعنى الخطأ، إنما المقصود هو العدول عن الإعراب إلى الدارج العامي، وكلاهما قابل للتلحين، على نحو ما نجده في القصائد المغناة لشوقي ورامي وأبي فراس وغيرهم من شعراء الفصيح، وقصائد الشيخ حمد بن راشد المكتوم “المعنى” وغيرها مثل “يا اللي عزمتم ع السفر من نجد تبغون الحجاز” و “يقول الشمري” والأصوات الخليجية وغيرها أكثر من أن يحصى.
والعرب تستملح اللحن، بمعنى العدول عن الإعراب، والتلغيز، والخطأ الطفيف القليل، مثلما تستحسن اللثغة في الصغير، ونحو ذلك. وباختصار، نستطيع أن نقول إن الملحون هو المعدول به عن وجه الفصيح، الذي لا إعراب فيه، انسجاما مع قول ابن خلدون في أهل فاس وغيرهم من العرب، أنهم “تركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم” (10)، فجلّ كلامهم إذا فيه لحن، وهو ملحون به من هذا الباب. ومن أشعارهم ما يلغزون به، ويكنّون، فهو ملحون أيضا، ومن باب آخر، وهو إلى جانب ذلك، يردد منغما ملحنا،فهو ملحون كذلك، ومن باب ثالث.

موضوعات الملحون:
تتعدد فنون الأدب الشعبي العربي في البيئات المختلفة تعددا كبيرا، لكنها في المغرب الأقصى تفوق في ذلك ما نجده منها في الأقاليم الأخرى، ونستعرض فيما يلي طائفة من موضوعات الملحون، أحد فنون الشعر الشعبي المغربي، وهي:
1. وصف الطبيعة، ويسمون القصائد التي تتناول هذا الموضوع أسماء مختلفة، كالعرصة، والرياض، والصبوحي، والديجور، والفجر الذهبية، ويقصدون بها غروب الشمس، ساعة الأصيل.
2. مجالس الأنس والمرح، وغالبا ما يذكرون فيها محاسن المرأة، وقصائدهم في العادة تحمل أسماء البنات، كشعبانة وريحانة وزينب ومنى، والغزال حتى حفلات الحجامة والفصد لم تعدم القصائد، وعادة مايسمونها بالفصادة والحجام.
3. قصائد الغزل والنسيب، وهي تحمل في العادة أسماء مثل المرسول، والجافي والهاجر والمعشوق والشمعة، ونحو ذلك.
4. الخمريات، وتعرف قصائدها باسم الدالية “الحبلة” والساقي، والكاس ونحو ذلك مما له علاقة.
5. الهجاء، ومن أسمائه الشحط، والدق في كلام أهل مراكش، والمهراز (المدفع) والمطموس، ومنها ما يحمل اسم القافية، كالضادية والواوية، والقرصان، وإذا طالت قصيدة الهجاء فهي الزرب (أغصان الشوك). والعزا أو العزو.
6. الشعر المسرحي، ويعرف باسم الحرّاز، والضيف، والقاضي، والخصام، والترجمة، وغالبا ما كان يردد في الألعاب والمناسبات كعيد الأضحى، ومن أسماء تلك الألعاب الفراجة أو الشيخ، إذ كانت تعرض روايات هزلية، يقوم بتمثيلها أشخاص معروفون بإتقان أدورا خاصة. وهي غالبا ما تدور حول رجل ومحبوبته التي لا يستطيع أن يصل إليها، فيحتال لذلك بالتنكر في صورة ضيف أو قاضٍ.
ومن المسرحي قصائد تقوم على المفاخرة بين نقيضين، كالبدوية والحضرية، والحرة والأمة، والشاي والقهوة، ونحو ذلك، وقد نرى في ذلك امتدادا لما نجده في رسائل الجاحظ، من مفاخرة بين السودان والبضان على سبيل المثال.
7. الرحلات الخيالية، وهي غالبا ما تكون إلى بيت الله الحرام، أو إلى بلد الحبيب، ويصفون في قصائدهم الرحلة ومنازلها، وتسمى هذه القصائد في العادة بأسماء، مثل الورشان (نوع من الطير) والحمام والمرحول والطلعة ونحو ذلك. وشبيه بهذا النوع قصائد تدور حول ما يتخيلونه من نسيان المحبوبة بعض متاعها عند حبيبها، الدملج أو السوار، أو أنها تتركها عنده تذكارا فتضيع، ثم يأخذ في البحث عنها، ومن أسماء هذه القصائد المقياس والسوار والدميلج.
8. الشعر الفكاهي، ومن أسماء قصائده على سبيل المثال لا الحصر: الطحين، الزردة (بمعنى الكشتة أو الرحلة) الفار ….
9. الجفريات، وتعني التنبؤ بالحوادث المستقبلية، نسبة إلى الجفر المنسوب لإمام علي بن أبي طالب، وكثيرا ما استخدمه الشعراء في التعريض بالأوضاع السياسية أو بغيرها مما لا يودون التصريح به.
10. الألغاز، وتعرف قصائده باسم السولان أو السوال، (من السؤال والسؤلان والتساؤل).
11. الشعر التعليمي في التوحيد والسيرة النبوية والمنازل الفلكية، وغير ذلك من الموضوعات.

وقد يطول بنا استعراض الاصطلاحات الخاصة بهذا الفن الشعبي، فقد جمع محمد الفاسي جل المفردات التي تجري على ألسنة أهل الملحون، للتعبير عن أساليبهم، سواء من حيث النظم أو من حيث التأدية الموسيقية، المسماة بالقريحة، وبلغ مجموع ما أحصاه منها مائة وواحدا وستين، يمثل كل واحد منها ضربا من ضروب الملحون، يختلف عن سواه، إما في طريقة نظمه أو في طريقة أدائه وتلحينه (11).
وتوصل الفاسي إلى حصر عروض الملحون في ستة أبحر، هيالمبيت ومكسور الجناح وأشتب والسوسي والمزلوق والذكر والسرابة، وجعل قياساتها مائة وخمسة وثلاثين قياسا، تتردد ما بين الألف والباء والجيم والدال (12).

روافد الملحون:
يتبين من يستعرض أنواع الملحون واصطلاحاته المختلفة، أن هذا الفن يمثل مزيجا من ألوان شتى؛ محلية وأندلسية وسودانية ومشرقية، ومرجع ذلك إلى ما انتهى إلى المغرب الأقصى من حضارات المشرق والأندلس، وما امتزج على ترابه من تفاعلات على مر العصور، ونضيف أن في أشعار المغاربة، إشارات واضحة لآثار قادمة من بعيد، تظهر في أسماء بعضهم، كالشاعر السي المدني التركماني، والقصائد العثمانية، وأصبهان والإنجليز والسودان والأسبان والأناضول ونحو ذلك مما يشهد به التاريخ، بعلاقة كانت بين المغاربة وتلك المسميات.

1. الأثر الإسباني الأندلسي:
يظهر هذا الأثر واضحا جليا في الاصطلاحات التي تطلق على بعض أنواع الملحون، كالمشتب، وهو من عروض الملحون أيضا، واشتقاقه من الكلمة الإسبانية Estipula تصغير Estipa من اللاتيني Stipa بمعنى التبن ومنها الشتب الذي تحشى به الفرش، وقد اشتقوا منها مشتباً لهذا النوع من عروض الملحون (13).
ومن ذلك “قياس بريولة” تصغير برولة، وهي قطعة شعرية من الملحون، ضمنها المغاربة بعض الموازين في الآلة، أي الموسيقى الكلاسيكية المغربية، وتقابل الأزجال التي كان أهل الأندلس يدخلونها في موسيقاهم، وما زالت بقايا منها في الآلة المغربية (14). يضاف إلى ذلك عدد كبير من المفردات اللاتينية التي نجدها في أشعارهم مثل:
ميزان ماركو من قول الحاج إبراهيم ولد المشموم في قصيدة خصومة جوج (زوج) عيالات:
مَتْقونْ بالمعاني في ذَ الحَرْفَةْ
وَمْعَايرهم ما كا يتلْفُوا
ميزان ماركو نازل في كفّه (15)
وهو ميزان صغير توزن به الأشياء الدقيقة.
والقشيني من قول السي التهامي المدغري فيقصيدته الزهو:
واقْدامْ مِثْلْ بَلْمعان
خْلَطْ زبدا وْطَراوهْ واعليها من الغاني
بالقْشَيني تَسْحَرْ لَدْهَان (16).
وهو مادة حمراء وأصلها من حشرة صغيرة جدا توجد بالمكسيك، والكمة إسبانية Cochinilla
والنبلي من أنواع البزاة (جمع بازيّ)، وهو منسوب إلى “نبلي” مدينة بالأندلس، وقد ذكره في قصيدة الطرشون لابن علي الشريف إذ يقول:
وِبْقِيْتْ كا نْخَبَّر وِلّي نَلْقَاه كَنسالَه ما جابِ لِي أخْبارْ نِبْلِي فارسُ وْ رِجْلي (17)
وجدير بالذكر أن “الطرشون” اسم القصيدة، هو الباز الصغير بالإسبانية وأصله Torzuelo، يقول في أولها:
طَرْشُونْ غاب لي في الصِّيْدَةْ ما رَيْتْشِي بحالَه
لِله واش ما رَيتُو طَرْشُون غاب لي
وجدير بالذكر أن كل الفنون الشعبية صارت إلى المغرب، في أعقاب الخروج قبل خمسة قرون، لأن جموعا كبيرة من مسلمي الأندلس، آثروا البقاء في المغرب؛ لقربه، وللتشابه الكبير بينهم وبين أهله في أصولهم ولهجاتهم وعاداتهم، وقد نرى في الملحون والموشحات المغربية، امتدادا لموشحات الأندلسيين، التي تناسخت في الألحان العربية إلى الشرق، فكان المألوف التونسي والليبي، والقدود الحلبية في الشام، وما يعرف بالموسيقى العربية في مصر.

2. الأثر المشرقي
وهو عربي عميق في أبعاده وأصدائه، ومنه ما تمثل في استدعاء التراث العربي؛ جاهليّه وإسلاميّه، فصيحه وشعبيه. فمن ذلك ذكرهم عمرو بن كلثوم، جذيمة بن الأبرش، كقول السي التهامي المدغري:
ما يَقْوَى عنْهْ في سُوقْ المَدَامْ ابن كُلثُوم أو جْذَيمَة ولا دار (18)
يريد قول صاحب المعلقة:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقى خمور الأندرينا
وذكر بوران: زوج المأمون بن هارون الرشيد، على نحو ما نجده في قصيدة المدغري نفسه “الزهو” إذ يقول:
بيد خذّ وخَرْصَة عِقْبان لُونها لاح عليه شْعاع جُوهَرْ يْمانْ
فِقْبُوبْ وِمْنَازِه بُوْران
وذكره سحبان (وائل) في قصيدة الزهو نفسها إذ يقول (19):
وشْيِ وشَام بْخَطْ تْلِمْسان بِسْناسِل سَنْسَلْ العقُولْ نيلَه دَهْقان
بَفْصَاحَةْ سَرْدَهْ سَحبان
وما نرى بنا حاجة إلى ذكر مزيد من ذلك، فما الأدب الشعبي المغربي برمته، إلا امتداد طبيعيّ للأدب الشعبي العربيّ، وفيه من ترسبات التاريخ العربيّ الإسلاميّ كثير جدا، بسبب العلاقة العضوية بينهما، ومن ذلك في مجال اللحن، ظاهرة توشك أن تختفي من الأدب الشعبي المغربيّ، وهي تؤكد العلاقة بينه وبين نظيره في جنوب الجزيرة العربية، تلكم هي ألحان الدان، ونستذكر ها هنا ما قيل في نشأة الموشحات، وردّ بعضهم ذلك إلى جنوب الجزيرة العربية، وبعضهم إلى المقري، فنقول: إننا نرجح أن يكون ذلك لعلاقة بجنوب الجزيرة، وقد نرى في ألحان الدان، التي ما تزال حية هناك، ولكنها انقرضت من المغرب أو تكاد ـ ما يرشح ما أسلفنا، ويدعمه، يقول الفاسي في تعريفه بسيدي عبد العزيز المغرواري، من شعراء الملحون في المغرب الأقصى (20):
” كان في أيام المنصور السعدي (أواخر ق16)، وهو الذي اختط طريقة الملحون على الشكل المسمى “داني” وهو على القياس:
يا دَنْ دَني يا داني دَنْدان أَدَنْدان داني ربّي مُولاي
وكانت إلى هذه الأيام الأخيرة، تنشد قصائد على هذه الصيغة بفاس، واليوم سقطت، ولكن لا زال الأشياخ إلى الآن بمراكش، يغنون قصائد خماسية أيبوبية (اسم قصائد الملاحم والبطولة) على هذا الميزان، “وهي صيغة المشرقي المشتق”، “ثم جاء المصمودي وأدخل تجديدا ثوريا … ويقولون أن المصمودي أول من قال مالي (بدلا من داني) وأما الطرقة القديمة المسماة “داني” فإنها أهملت ولم يبق يقرح بها إلا الحلايقية بسوق الخميسبفاس، واليوم انقرضت تماما”.
قلت: تسمية صيغة الدان (الداني) بالمشرقي، تعضّد بدورها مذهبنا في أن هذا اللون من الملحون، يمثل امتدادا لأغاني الدان (والحميني) التي ما تزال شائعة في جنوب الجزيرة العربية، ونذكّر هنا بكتاب المستشرق الإنجليزي روبرت سارجنت “Sout Arabian poetry” ، الذي تناول فيه هذا النوع من الأغاني الشعرية بإسهاب.

3. الأثر السوداني:
يمتد المغرب الأقصى جنوبا إلى الصحراء، وقد اتصل المغاربة بأهلها وسكان الأقاليم التي تقع إلى الجنوب منها، في وقت مبكر، قبل الملك الفنيقي حنون، الذي وصل خليج غانة، وبعد الفتح الإسلامي، ازداد نفوذ المغربة جنوب الصحراء، ونجد في أشعارهم الشعبية، ذكرا واسعا للصحراء (الكبرى) وسكانها، ولبلدان جنوب الصحراء كغانة وغينيا وغيرها، جاء في قصيدة الطرشون لابن علي الشريف قوله (21):
سَوَّلْ في عْرِيبْ وجَاكّانَهْ عاد جَا في حَاله لْسَلا وْتَطْوان وْمِكْناس وْفَاس مَنْزلي
ما جابْ لي خَبَرْ تَصْحِيح ولا قُوْلْ قَالَهْ ما شَاهْدُوهْ في وَطَن ولا في خَلِي
لُو كان في كَنى قالوا لي ما كادْني وْصَالَهْ بِزّافْ مِني يْجيْبْ خَبْرَه ولّي يْتُوقْ لي

والشعر في الصقر إذ يتسائل: هل جاءه بخبر صحيح من تلك البلدان، وذكر منها جاكانه، وهي ناحية في صحراء السودان الغربي، في بلاد التكرور (التي ينسب إليها التكارنة في مكة المكرمة والمدينة المنورة) وبولاق (الدكرور) في مصر، بقلب التاء دالا. كما ذكر كنى، وهي ما يسمى اليوم غينية (وغينية بيساو) وينسب إليها كناوي بجيم قاهرية.
ومن ذلك أنهم وصفوا شعر المرأة بأنه سوداني اللون، لسواده الشديد، وهو مما يستحسن عند العرب عامة، قال المدغري في قصيدة الزهو (22) يصف شعر امرأة:
وَاسْوالَفْ طَلْقَتْ ثَعْبان صابْغا على جْلار الخَدْ لُونها سُوداني
يريد أن سوالفها مضفورة كأنها ثعبان منطلق، وهي تسترسل على خدّ متورد، بونها الأسود الفاحم، والصابغة السابغة، (العميمة الكثيرة) والجلار من “الجلنار” الكلمة الفارسية بمعنى ورد الرمان.
وأكثر ما نجد هذا الأثر في وصف اللون، لون الشعر، والليل، على التشبيه بلون السودان، وهذا هو سيدي قاسم أبي عسرية البويفي يقول في قصيدته التي ضمنها قصة الصبي الذي تشفع في والديه بالقرآن الكريم:
صابْ يمّاه مَعْ باباه في مْثِيل السّودان ولّا كَناوِي تِيتاني (23)
يريد أن الطفل رأى والديه في سواء الجحيم وظلماتها التي تشبه اللون الأسود. وعبر عن ذلك بالسودان والأثيث (الشعر الكثيف) من كناوي نسبة إلى غينية من بلاد السودان.
ويستمد الملحون المغربي بعض مكوناته، مما شاع في الأوساط الشعبية العربية من حساب الجمل، إذ نجد بعض الشعراء يختتمون أشعارهم بأبيات يؤرخون فيها قصائدهم أو الأحداث التي تكلموا فيها عليها أو غير ذلك، مما شاع لدى المشارقة في الشعر الفصيح وشبهه، على نحو ما نجده على سبيل المثال، في أراجيز أسد البحر، احمد بن أبي الركائب النجدي، المعروف بابن ماجد. ومن ذلك في ملحون المغاربة، ما ورد في قصيدة “الجار” للشاعر أحمد بن رقية، إذ اختتمها بقوله: (24):
ذِكْرِ الاسْمْ تَدْرِيه أهْلّْ اللّغَةْ تَذكار قُول لّهُم نَجّ مَذْكور
لِيسْ هُوْ مَنْكُور مَنْ طَافْ وُحَجّ وْ زَار
ويساوي قوله “نج” ثلاثة وخمسين، ن = 50، ج = 3، وهي تساوي مجموع القيمة العددية لأحرف اسم الشاعر “أحمد” أ =1، ح = 8، م = 40، د =4، والمجموع يساوي 53.

ومن ذلك ما نجده أيضا في شعر عبد الواحد العلوي ديال ابحار في قصيدته المعروفة باسم “الزعرية” إذ يقول (25):
وَجْبِين لاحْ ضَيّ كأنّهْ قمَر وَاحْ في عْشِيّةْ
أشْفارها أحَدّ من الحَرْبات
ويريد ب “واح” محموع القيمة العددية لحروفها في حساب الجمل، وهي: و=6، ا+1، ح=8. والمجموع 6+1+8 =15 والمعنى المراد هو ان حبين المحبوبة يلوح للناظر كـأنه البـدر ليلة تمـة.

لغة الملحون:
ولا تختلف لغة الملحون عن لغة غيره من أنواع الشعر الشعبي العربي، فهي لا تلتزم الإعراب، ولا تراعي الضبط الداخلي للبنية الصرفية للمفردات، وتقترب أحيانا من الفصيح، وتنأى عنه أحيانا أخرى، وتكون من المأنوس المألوف حينا، والحوشية أحيانا، ونحاول في السطور القادمة، أن نلقي بعض الأضواء على مستوياتها المختلفة:

أولا: المستوى الصوتي:
تظهر في الملحون جميع المفارقات الصوتية التي تمتاز بها اللهجة المغربية، ونتوقف عند أظهر هذه المفارقات، وهي أكثر ما تكون في القاف والذال والثاء والظاء، ومن أمثلتها:

1. قلب القاف جيما عدنية قاهرية، ونرمز لها بالكاف فوقها شرطة (كـَ) ، وهي لهجة جلّ الأعراب في مشارق الوطن ومغاربه، قال احمد الكندوز (26):
مرّ قُوْتِي وْحْرَام نُوميْ وْلا احْلالي والخْلاكـَ امْساتْ مِنْ حَولَه عْلِيلَةْ
يريد الخلائق، أو الأخلاق، أخلاق الشاعر نفسه، انسجاما مع ما تقدم من حديثه عن نفسه، إذ أصبح قوته مرا، وحرم النوم عليه، ولم يعد يحلو له، وجدير بالذكر هنا، أن الشاعر لم يقلب قاف “قوتي” جيما عدنية.
ومن اصطلاحات الملحون “المشركَي المشكَكَ” أي المشرقي المشقق، وهذا شائع في كلام المغاربة، نعني قلب القاف كافا، لكنه لا يطرد في كل حال.

2. قلب الذال دالا، على نحو ما نجده في قول الحاج أحمد سهوم (27) من قصيدته “لطيفة”:
وَاهُو يا سِيّدِي قُلُوا لِلايْمي يَعْدَرْنِي ـ طَبْعِي ارْهِيفْ
مولُوعْ بالهَوَى وغْرَام العِفّةْ
والحَيَا والجُود وْلُوفا
رَاحْتِي في مْصَالَ الرَّشْفَة
أَمْعَ الرَّجْفَة
والدّاتْ حِين تْدَفّا
حيث قال يعدرني بدلا من يعذرني، والدات بدلا من الذات. وربما قلبوا الذال ضادا، وذلك بعد الخاء، فيقولون في الأفخاذ الفخاض. وجدير بالذكر أن العرب تفخم الحروف مع الخاء، وقد سمعت الحجازيين يقولون في الرغيف السخيف صخيف، واللبيببن في الساخن صخون، يقول السي التهامي (28):
الْخْصَر غَايَرْ والْكُعْبانْ والْبَطَنْ، والنَاتك حْجَر والْوَرْكْ والنَّهْدانِي
غْلَظْ سَاقْ وفْخَاضْ والدُّرعْان
إذ لا نجده قلب الذال “أفخاذ” دالا. وما الضاد إلا دالا مطبقة، لتماثل الخاء. ومثل ذلك قوله في موضع آخر (29):
وُفْخَاضْ كاسْوارِي في القْلَبْ جْمارْهَم كَمْنوا

3. قلب الثاء تاء، ومن ذلك قولهم في الغثيث (الشعر) غتيت، والكلمة شائعة لدلالتها في بلاد المغرب من ليبيا إلى بلاد شنقيط، وهو الأثيث أيضا لكثافته، ومن الأخير بتاءين قول مولاي الطيب بن علي الدباغع في قصيدته “منانة” (30):
غّرّةْ ضْواتْ وَقْدَانه وَجْبِينْ كاضّْيامان
والتِّيْتْ الْمدِيدِ كاتُعْبان
يريد أن غرتها تضيء وتتقد وكذلك جبينها، أما شعرها الأثيث المديد فهو كالثعبان.

ثانيا: المستوى الصرفي:
تختلف اللهجات الدارجة في طريقة لفظ مفردات اللغة اختلافا كبيرا، بل إن بعض الألفاظ لتبدو أعجمية لدى سماعها، ولكن ما عن تحلل ويصحح لفظها، حتى تبدو عربية فصيحة، ولعلنا جميعا سمعنا بالحيّ الذي يقع إلى الغرب من جامعة القاهرة “أبو أتاته”، من ذا يدرك لأول وهلة أن اسمه هو “أبو قتادة” “الصحابي”، ثم قلبت القاف همزة جريا على لهجة أهل القاهرة، وقلبت الدال تاء انسجاما مع التاء قبلها.

1. في الملحون المغربي ألفاظ كثيرة جاءت على غير المنهج الفصيح، ومخالفة لما جرت به عادة جلّ العرب، ونورد في ما يلي أمثلة توضح ذلك، فمنه أنهم لا يسقطون ألف الثلاثي الناقص، إذا أسند لضمير الفاعل مثل: سرى: سروا، فهم يقولون سراوا، بتسكين السين (31). ومن ذلك قول الطيب الدباغ في قصيدته منانة (32):
نْسعاوْا عَالَم أخْفانا يَمْحِي ازْلالنا وْيَقَبلْنا بالعَفو والغُفْرانْ
والمقصود نسعى، وإنما ألحقه بالواو توهما لضمه، وحقه الرفع بضمة مقدرة. وما هي بواو الفاعلين، مع أنها تحتمل أن تكون واو الجماعة. وجدير بالذكر أنهم كثيرا ما يمدون الفتحة قبل الحرف الأخير لتصبح ألفا، يقول الشيخ عبد الهادي بناني (33):
حُوْزِنِي لَرْضاك نُرْحَام
يريد نُرحم.

2. وزن يفعّال، وهو غريب لم يرد في أوزان العربية، ومن ذلك قول الشيخ عبد الفضيل المرنيسي (34) من قصيدته محجوبة:
وْالْخَدّ أكْما الجُلارْ فاق لُونُه عن لُون الباغ والشّْفارِ المَهْدُوبَة
وَنْواجِل يَعَدَّالْ كايَجْرَحُوا تَمثِيل اْجْحَابْ
أي: وعيون نجلاء تسدد وتعدل اتجاهها لتجرح، فكأنها السهام في جعبة، وربما تولد هذا المبنى جراء مدّ الفتحة قبل الأخير (انظر 33) ويتضح ذلك من قول الشيخ غانم من قصيدته “عيشة” (35):
والعاشْقِيْنْ ما يَلْقَاوهْ بِنْصَالْ
يريد يلاقونه.

3. وزن تفعال شائع في كلامهم، وهو عربي فصيح، ولكنه نادر، ومنه في الملحون قول عثمان الزاكي (36):
والخَدَّيْنْ تَبْسَامْ صَالُوا بِوْرودَ اْنْسام
يريد في تبسم. ومن ذلك قول المدغري (37):
وِسبابي في اْلَريْامْ شَارُو عْرَاض ايْتِيه في الَوْهَاد
أَيْصيدِ الّليْثْ بَالْتّمادْ
أي يصيد الليث (الأسد) بالثِّماد، أي عندما يرد المياه القليلة.

4. قلب الدال تاء، ومن ذلك قولهم أم تيوت بدلا من ديود جمع ديد، وهو الثدي، ويحتمل أن تكون جمع أثيث الذي هو الشعر الكثيف. قال السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن في قصيدته حليمة:
الناسْ كُلْهَا بَاشْ كْواتْ وَاناسِبّ إِعْدَامي
كَيَّةْ مِخِلْفَةْ من عِينين أم التّيوت حْلِيمة (38)

5. قلب الظاء ضادا، وهو عكس الشائع بين عامة العرب من الحواضر والبوادي. ومن ذلك قول الشيخ سيد التهامي المدغري (39) في قصيدته “لا له باني”:
حتى شْفَاو عَدياني أنتي مْحَنْتَرَةْ وَنَا قلبي والعْضَام وَهْنُوا
يعني العظام “أني وهن العظم مني واشتعل الرأسشيبا” وقوله بعد ذلك (40):
وَجْعابْ لايمهْ تَغْزِِي قَلْبْ مْنَ الَّلحَضْ غُزْلاني
يريد جعب السهام تصيب قلبه، وهي في الحقيقة لحاظ الغزلان. ويقول محمد بن الحسن العلوي في قصيدته “الباتول” (41):
وَنَا مْواهِبي بالْوَجْدْ بلا عِيْضْ كلْ يُومِ اتَّجَدَدْ وُتْهِيض

6. قلب الصاد سينا، على العكس مما ورد في “4” وما جرت عليه عادة العرب من قلب السين صادا، ومن ذلك قول مولاي الطيب بن علي الدباغ (42):
عَنْدكْعُيون مْكَانه وَسْفارْ كَاسْوارَمْ طَعْنُوني يا ظْرِيْفْتَ الْحُجْبان
يريد أن لحاظها كالسيوف الصوارم. ولكننا نجد شاعرا آخر (الحاج أحمد الكندوز) يصحح الصاد، ولكنه يقلبها في كلمة تليها، إذ يقول في قصيدته “لالة فضيلة” (43):
وُالَغْرامْ والْهيَامَ اْسْرَوا فِي ادْخالي والضَّنا والْتَّيهان اصْوارْمَهْ سْقِيلَةْ
يريد ان الحب سرى إلى داخله، وأن الضنا والهيام صوارم صقيلة تفعل فعلها في النفس.

7. شيوع مبنى تفعال: قال المرنيسي (44) تَوصافِي فيك افْصِيْح عَرْبي
يريد وصفي لك عربي فصيح.
وله قبل ذلك في القصيدة نفسها:
عَنَّك تَرْكَ الْتَّخمَامْ وِبْغِي نَهْجَ الْتَّدْمَام
يريد اترك الظن (التخميم ـ التخمين) والغ طريق الذم، بمعنى تجنبه.

8. المغاربة، كتميم، لا يحذفون الياء إذا كانت عين مفعول، فيقولون مبيوع ومديون، في مبيع ومدين، ومن ذلك في شعر الملحون قول المرنيسي (45):
والجاحَدْ عْمَرْها مْرَايته ما تَصْفَى مَلْيوحْ في الْحْضَرْ الْمَضْرُوبَة
هذا إذاسلمنا بأن “مليوح” من لاح يليح وليس من لاح يلوح.

المستوى النحوي:
والمغاربة فيه كغيرهم من العرب لا يقيمون في دارجتهم وزنا لقواعد العربية، ونكتفي هنا بالقول أن أحدا من العرب لا يلتزم بقواعد العربية، إلا إذا تعمد الفصاحة، اللهم إلا ما نجده في بعض العبارات من إقامة لبعض قواعد النحو العربي، مثل نصب، مثلا، وأيضا، وإذا، وحتما، وإلحاق تاء بالعدد إذا كان المعدود مذكرا بين ثلاثة وعشرة كقول العوام ثلاث تيام، ثلث ترغفة، يريدون ثلاثة أيام وثلاثة أرغفة.

المستوى الدلالي:
تتباين ألفاظ الملحون في مستوياتها الدلالية، وهي تتراوح بين مستوى الدلالات الأصلية القديمة، والدلالات الحديثة المتولدة عنها، وهي بذلك لا تختلف كثيرا عن سائر ألفاظ العربية فصيحها ودارجها، غير ان ما يمكن رصده من الألفاظ التي ما تزال تستخدم لدلالاتها الأصلية كثير، ويتصف بالغرابة، بل منه نادر قل أن نظفر به في غير لهجات البوادي. ولبيان حقيقة ما تقدم نورد أبياتا من قصيدة الزهو للسي التهامي (46):
والبَطَنْ في أوْساط هِمْيان يْقابَلْ سَتْ طَيَّاتهْ مْنَ الْعْكانْ
فالهميان هو السير الذي تشد به السراويل، وربما سمعنا الكلمة عند بعض الأعراب في المشرق، وهي من الفصيح النادر، غير أنا قلما نظفر بها عند عامة العرب. والعككان هي طيات مراقّ البطن للينها، وهي من النادر اليوم.
ومن النادر استخدام “القوط” بمعنى الشجاع، والتفاجج المتسع بين الرجلين أو اليدين، والوند بمعنى البارود. وقد وردت في قول المدغري من قصيدته العود (47):
احتَال يا وَلْد الْوَرْدي عْلى تْفاجَجْ ما بَيْن ابْطالْ عِزّْها في كَفْحِ الْوَند
بِيْن فُرسان الْمَجدْ اولادْ عمِّي وِالْخُوْتْ كُلّ قُوْطْ بِسْهام مْقَلَّدْ
والتفاجج على وزن تفاعل من الفج “العميق” والمتسع من الطرق الطويلة، والخوت الأخوة، بتسهيل همزة القطع وتسكين الواو.
ومن الغريب استخدام الزخار بمعنى البحر، وهي من الفصيح النادر صفة له على جهة المبالغة، يقول البوراشدي في قصيدة السلوانية (48):
خَرْجُوا الابْكارْ يومِ الججُمعَة لِسْواحَلْ الْبْحَرْ بالالَةْ وَنْغايْمَ الوَتَر
حَافوا لِلزَّخَّارْ شُوفْ مْدِيْنْةَ السَّلْوانْ زَاهْرَة
يريد أن النسوة خرجن إلى ساحل البحر يصطحبن أدوات الطرب، فملأن حافة البحر، فانظر إلى مدينة السلوان زاهرة بمن على شطآنها.
ومن الغريب اليوم استخدام “زند” لدلالة تقع على معنى الإيقاد، والصهد للحرارة الداخلية والحمى على نحو ما نجده في قصيدة لطيفة للحاج أحمد سْهوم (49):
الْهَجْرَةْ بَعَدْ ما حَالَت التَّوْليفَةْ
زَنْدَاتْ نارِ امْخِيفَةْ
في قلب قَلْبي وَدْخَالَ الذّاتْ
والْجَوَارَحْ بَالْصَّهَدْ تبات ساخْفَةْ
والمعنى: أن هجرانها بعد المؤالفة أدى إلى قدح زناد نار مخيفة راحت تتقد في أحشائي، وباتت جوارحي في حال سوء لما تلقاه من حرارة الوجد. ويطول بنا الحديث عن هذا الموضوع، لتشعبه وكثرة أمثلته، ونختتمه ببيتين من قصيدة محجوبة للشاعر عبد الفضيل المرنيسي إذ يقول:(50):
قَدَّكْ نَحْكِي صَارِي على الْجُوجْ امْبَوَّجْ ولّا عْلامْ فُوقَ الرْقُوبَة
وَجْبينك بِضْوِي كَنّْ هْلالْ بْهَ افْجَى كُلِّ سْحَابْ
حيث استخدم الشاعر كلمة صاري، بمعنى ساري السفينة، والجوج منها هو الجؤجؤ، أي صدر السفينة، وامبوج، بمعنى مضيء، وأفجى بمعنى صار فيه فجوات، أي انقشع. والكلمة ما تزال حية لدلالتها في لهجة فلسطين وجنوب الحجاز، وربما استخدموا هناك أجهى للغرض نفسه، وهذه المفردات جميعا من الغريب النادر استخدامه اليوم.

عَروض الملحون:
بذل محمد الفاسي جهدا كبيرا في سبيل التعريف بالأدب الشعبي المغربي، وأصوله ونشأته، وقد تمكّن من رصد عروضه وتحديد أوزانه وقواعده، ووضع أسسه، ويمكن إجمال ما توصل إليه في ما يلي (51):
تنقسم كل قصيدة إلى عدة أقسام، ولكل قصيدة حربة، أي لازمة، وإنما تعرف القصائد بحرباتها، وشرطها أن تعاد بعد كل مقطع، كما هي الحال في الموشحات. وهم ينظمون الشعر الملحون دون أن يعلموا أن قياس القصيدة الفلانية (أي بحرها) هو كذا وكذا، وإنما يصدرون عن قرائحهم بسجية مرسلة، ودون تكلف.
وقد أحصى الفاسي للملحون خمسة عروض هي المبيت ومكسور الجناح والمششب والسوسي والمزلوق والذكر. وثمة نوع أخر من الملحون، ليس بقصائد، وإنما باسم السرابة، وإنما سميت به لأنه يسرع في إنشادها، وهي أقرب إلى الأغاني الشعبية منها إلى الملحون، وتمتاز عن قصائد الملحون بعفويتها، وصدورها عن مفاجآت وعواطف جيّاشة، وتتصف بالحزن العميق، والقصر، وأنها لا لازمة فيها، ولا يذكر فيها الشاعر اسمه، على العكس من القصائد، ويمكن حصر نظامها العروضي في أربعة أنواع رئيسة هي:
الأول: ويتركب من سوارح وردمة، او كراسي أو قسم وردمة.
الثاني: يتركب من قسم وسوارح.
الثالث: يتركب من قسم وناعورة.
الرابع: يتركب من ناعورة وسوارح.
أما السوارح فهي فقرة صغيرة لا يلتزم فيها ميزان ولا قافية، وإن وقع فيها شيء من ذلك فإنه يكون عفويا تلقائيا. والردمة عبارة عن فقرات قصيرة تأتي في آخر السرابة، ويتراوح عددها ما بين واحدة إلى ست، ولا تخلو منهاسرابة، وهي علامتها الفارقة، وتمثل القفل في التوشيح، وسميت ردمة لنها تنزل في آخر الإنشاد كالردم، بعد توقف خفيف يلي الإسراع في تأدية السرابة. أما القسم، فهو مثله من القصيدة، وكذلك الناعورة، ومعنى القسم، الجزء من اللازمة (الحربة) إلى التي تليها قسم، وذلك ليرتاح عند نهايته المنشدون، والناعورة قطعة شعرية تجعل في كثير من بحور المبيت بين الأقسام، وغالبا ما تكون أبياتها من شطرين. ولمعرقة الفرق بين القسم والناعورة، نورد المثال التالي:
أللايم ما هزك حال ما عليك بكلفة قلبك مهجة هناها * من بها زينات النخيل
ماشفيت ما اتكويت ولا نظرتهم في حضرة على اتفاق رضاها * ذيك عن ذي بالحب تميل
إلى ان يقول في الحربة (اللازمة) بعد أربعة أبيات أخرى:
آالْسّاقي مَالَكْ وَلْهَانْ عِدّ لِي لا تّكْتَمْ سُولَان (أي سؤال) ما لْحَالَكْ مّالَه
قالْ لي ما ابْقَاني خاطْري وَالسَّاكَنْ دَهْشان مِنْ بْهَا قَتَّالهْ
وَ المَدامْ وُحْسْنَ الْحْسانْ وَالبَهَا وَ الْزِّيْن الْفَتّان والْهْوى وَاحْوالَه
وهكذا، إلى آخر القصيدة التي تتركب من ستة أقسام، في كل قسم ستة أبيات بشطرين وخمس نواعير من ثلاثة أبيات بثلاثة أشطار.

نماذج الملحون:
من قصيدة الزهو لسي التهامي المدغري (52):
هَاكَ اوْصافْ امَّاتِ التِّيجَانْ السّالْباتِ عْقُولَ العُشّاقْ زِيْنْهُم افْنانِي
يُفَنِّنُوا بِفْصَاحَ الفَفّان
اللّي رِاشْقَاتْ عُودَ الزّانْ بِالقْدودْ تَتمايَحْ بِنْسِيمِ اوْ رُمْحِ ثْمَانِي
أو صاري حربي قرصان
والدَّجا في شْعَرَ الْتَيّتَانْ لاحْ فوقَ الفْجَرْ مِنْ ظْليْم راخَفْ الجَنْحاني
فاْظّْلام امْكَسِّل عَيّان
وَسْوالَفْ طَلْقَتْ ثَعبان صَابْغا عْلى جْلارِ الْخَدّْ لُونْها سُودَاني

والمعنى شطر شطر:
خذ أوصاف ذوات التيجان اللواتي يسلبن عقول العشاق، جمالهن اهلكني وهنّ يأتين بألوان معبرة من الفنّ.
وهن رشيقات كعود الخيزران: وهن للينهن يملن إذا هب النسيم، وكأنهن الرماح الطويلة، التي يبلغ طولها ثمانية أذرع، وذلك ألين لهن. أو سواري في سفينة قرصان حربية.
والليل في شعورهن الأثيثة يلوح فوق وجوه كالفجر من ليل مظلم مرخٍ أجنحته وظلامه كسول مريض (كناية عن طول الليل وطول الشعر).
وسوالفهنّ مضفورة طويلة كالثعابين المنطلقة تسترسل فاحمة السواد على خدود كورد الرمان.

نموذج ثانٍ: من قصيدة الدار لسيدي قدور العلمي (53):
كِيْفْ يْتَهَدّا مَنْ يَرْجَاه سِيْفْ عُزْرِيلْ وْ ضِيقِ الْقْبَرْ ومَلْكِيْنْ يُومِ السّؤَالْ
وُكِيفْ تَعْلا يا مَنْ مازال تَرْجَعْ دْلِيل ياللي قالَتْ لَهْ نَفْسَه أنْتْ المِفْضالْ
آشْ ما قاسَك يا ابْنادَمْ تَرْجَعْ عّْطِيل فوقَ النَّعشْ تَرْفَعْ وْلُو تْكُونْ ذا مالْ
آوْرَاك مِنْ نُطْفَةْ مِن ماءْ هْطِيلْ نَسْنَاس وأخّرَكْ لِلتُرْبَةْ وَالدّودْ بالظّالمْ
شُوفْ ما تْحَتْ ثْيابِكْ يا كْثيرْ الأَدْناس مْنَ العَجَبْ لولا الثُّوبْ سَاتْرَ الحشَايِمْ
خَتَمْها بالصّلاة على عاطْرَ الأَنْفَاس سَيْدْنا مُحَمَّدْ بَدْرَ الدّْجى الواسِم

والمعنى بيت بيت:
كيف يهدأ من سيف الموت في انتظاره، ومصيره إلى قبر ضيق ومحاكمة عصيبة. وكيف تشمخ أيها الذليل كيفما انصرفت، يا من قالت له نفسه أنت ذو الفضل. ومهما كنت يا ابن آدم، ستحمل هامدا فوق النعش ولو كنت غنيا، هذا، وإنك لمن نطفة من ماء مهين، ومصيرك للتراب والدود أيها الظالم. انظر ما تحت ثيابك من العجائب يا كثير الدنس، لولا ما يستره الثوب منك. وآخر قولي صلاة على النبي معطر الأنفاس، سيدنا محمد قمر الليل المظلم، الجميل.

نموذج ثالث: من قصيدة البحر للشيخ مْثِيْرَد (54) يقول:
الهوى بْحَرْ مايْلَهْ نهايَةْ تُوصَاف كْلاحَه حتى عاشَقْ بَهْ ما طْمَعْ
وْ مِنْ قُرصانْ فُوقَه تَشْتاتّْ لْواحَه ما نْفَعْهْ صاريْ ولا قْلَعْ
قَلْبَكْ دْخََلْه قِيْسْ لُوحَهْ في مْهالك بَجْيَاحَه خَلا قَفرا بلا نَجَعْ
صَيْدِ يْظَلّ مْعَ الصَّيْدْ وَيْنْ ما راحو وِجْميع الّلي رَاه يَنْخَلَعْ

المعنى بيت بيت:
ـ الهوى بحر ليس له نهاية بحيث توصف شروره، حتى العاشقين فإنهم لا يطمعون به.
ـ وهذا البحر ما أبحجر فيه قرصان (على مهارته) إلا تشتتـ ألواح سفينته ولم تنقذه سارية ولا شراع.
ـ إن قلبك لا يزيد في قياسه عن لوحة تجور بها الأمواج واللجج الخالية المقفرة كالبيداء لو كانت مما يرتحل إليها الناس.
_ وقلبك فيه كصيد البحر، يذهب حيث يذهب، وما رأى أحد هوله إلا أصابه الخلاع والهلع.

وفي نهاية هذا البحث، نورد تعريفا مجملا بمعلمة الملحون التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية لمؤلفها المرحوم محمد الفاسي، فهي تتألف من خمسة مجلدات، بدأ صدورها ابتداء من عام 1408 / 1986. وكان يخطط رحمه الله ـ استنادا إلى ما ورد في فهرس القسم الأول من الجزء الأول ـ لأن يصدرها في عشرين جزءا، غير أن ما نشر منها وهو مخالف لما كان يرجو ـ هو:
1. القسم الأول من الجزء الأول: ويتضمن تعريف الملحون وموضوعاته وعروضه، وذكر أنه سيتحدث في الباب الخامس عن لغة الملحون، ولكنه لم يورد لا الباب ولا الموضوع.
2. القسم الثاني من الجزء الأول: ويتضمن أعاريض الملحون الأربعة والسرابة.
3. الجزء الثاني ـ القسم الثاني: ويتضمن تراجم شعراء الملحون.
4. الجزء الثالث: ويتضمن روائع الملحون من نوعي القصيد والسرابة لمشاهير الشعراء الشعبيين في المغرب الأقصى.
5. ومائة قصيدة وقصيدة في مائة غانية وغانية، وهو ما كان يفترض أن يحمل اسم الجزء العشرين في خطة المعلمة التي أوردها في صدر القسم الأول من الجزء الأول، مما يشير إلى تداخل في الإعداد والتخطيط، أو النشر، ولعل ذلك راجع لموته ـ رحمه الله ـ قبل إنجاز هذا العمل الضخم.
ونعتقد أن محمدا الفاسي متأثر في تسمية سفره هذا بالمعلمة، بروكس بن زائد العزيزي، صاحب معلمة التراث الأردني، التي سبقت صدور معلمة الملحون، وكلتاهما في التراث الشعبي، ونعتقد أن علاقة ما، كانت بين كل من الفاسي والعزيزي.
وأخيرا، فإن هذا العمل الكبير الذي نهض به الفاسي جدير بالتقدير، لأنه وضع بين أيدي الباحثين ثروة ضخمة، من التراث العربي العريق، مما وعته جبال المغرب الأقصى وفيافيه وسهوله، مما انتهى إليها من القادمين مع الشمس من مشرقهها، وتفاعل مع تراث مواطنيها وجيرانهم، فكان ذلك الوطن بذلك، على نأيه، ذاكرة لتاريخ الأمة، وسوقا لثقافتها الأصلية. ويكفي الفاسي فخرا، انه دوّن أشتات الملحون فحفظها بذلك من الضياع، وكم ضاع من تراثنا لم يدون.

الهوامش:
1. مثل كتاب الملاحن والأضداد لابن دريد (ط هيدلبرج سنة 1883).
2. ابن بنين ـ اتفاق المباني وافتراق المعاني، تحقيق يحيى جبر ـ ص126.
3. الفاسي ـ محمد، معلمة الملحون، القسم الول ـ ص29.
4. تاج العروس (لحن).
5. أبو علي القالي، 1/5،6، والبكري، سمط الآل، ص15 ـ 17.
6. ابن بنين ـ ص127.
7. المصدر نفسه ـ ص197.
8. المصدر نفسه والصفحة.
9. الفاسي، ق1، ج1، ص29، وابن خلدون بيروت، 1961 ـ ص582.
10. ابن خلدون ـ المقدمة 1160.
11. الفاسي، المعلمة، ج1، ق1، ص347 ـ 353.
12. المصدر نفسه ص 353 ـ 357.
13. المصدر نفسه ص103 ـ 144.
14. المصدر نفسه ص 73 ـ 135.
15. المصدر نفسه، ج3/124.
16. المصدر السابق ص184.
17. المصدر السابق ص 215 ـ 213.
18. المصدر السابق 3/141. ويريد ولا من ذكر دارة جلجل، امرؤ القيس.
19. المصدر السابق 3/183.
20. الفاسي، ج1، ق1، ص258، ج1، ق1، ص69، 70، 86، 87، 88.
21. الفاسي 3/216.
22. المصدر نفسه 2/182.
23. المصدر نفسه 2/336.
24. المصدر نفسه 3/50.
25. المصدر نفسه 3/178.
26. المصدر السابق، مائة قصيدة ـ ص103.
27. المصدر اليابق، مائة قصيدة ـ ص 146.
28. المصدر نفسه 3/ 185.
29. المصدر اليابق، مائة قصيدة ص45.
30. المصدر السابق ص 45.
31. انظر قول أحمد الكندوز السابق.
32. مائة قصيدة ـ ص157.
33. نفسه 194.
34. نفسه ـ ص105.
35. نفسه ـ ص222.
36. نفسه ـ ص224.
37. معلمة الملحون، مائة قصيدة ـ ص117.
38. معلمة الملحون، مائة قصيدة ـ ص109.
39. المصدر نفسه ـ ص44.
40. المصدر نفسه ص 45.
41. المصدر السابق ـ ص120.
42. المصدر السابق ـ ص237.
43. المصدر نفسه ـ ص103.
44. نفسه ـ ص105.
45. نفسه ـ ص151.
46. نفسه 3/184.
47. المصدر نفسه ـ ص300.
48. المصدر نفسه ـ ص351.
49. مائة قصيدة ـ ص147.
50. نفسه ـ ص105.
51. بتصرف عن المعلمة، ج1، ق1، ص135 وما بعدها، ج1، ق2، ص111 وما بعدها.
52. الفاسي 3/182.
53. المصدر نفسه 3/135.
54. نفسه 3/18.