الرئيسية / دراسات / الدور التركى واستراتيجية الأمن القومى العربى 2002 ـ 2012
aynxe-the-role-of-turkey-and-the-arab-national

الدور التركى واستراتيجية الأمن القومى العربى 2002 ـ 2012

مقدمة
يعتبر البعض أن الحديث عن الأمن القومى العربى هو من إرث الماضى، كما يُعَد مفهوم الأمن القومى العربى من المفاهيم التى لم يتم الاتفاق حولها، لذا تعددت تعريفاته، وعرفه البعض على حسب حصره لمهددات هذا الأمن القومى مثل تعريف مجموعة العمل للخبراء والمتخصصين التى وضعت لتنفيذ قرار اجتماع الجامعة العربية على مستوى القمة الرقم 336 بشأن الأمن القومي العربي المنعقد في القاهرة 18- 19يوليو2007 أنه يعنى:[1] ” قدرة الدول العربية مجتمعة كلياً أو جزئياً على الدفاع عن نفسها، وحقوقها، وصيانة استقلالها، وسيادتها وسلامة أراضيها، وتقوية ودعم هذه القدرات بتنمية الإمكانات العربية في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والاجتماعية، والثقافية و، التقنية استناداً للخصائص الجيوسياسية والسياسية والحضارية التي تتمتع بها، أخذاً بالاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لِكُلّ دولة، والإمكانات المتاحة، والمتغيرات الداخلية، والإقليمية، والدولية، التي تؤثر على الأمن القومي العربي، الذي يعتبر الركن الأساسي في الأمن الإقليمي وفي استقرار المنطقة.
كما إن مفهوم الأمن القومي العربي يعتبر وسيلة للحفاظ على الانتماء القومي وتعزيز الهوية العربية ويمثل عنصرا أساسيا في الربط بين الدول العربية وصيانة مصالحها الوطنية والقومية وتحقيق نمائها، كما أن هناك العديد من التهديدات لذلك الأمن منها ما هو داخلي في الأقطار العربية، ومنها ما هو إقليمي من الدول المجاورة، ومنها ما هو دولي”.
لذلك فعند وضع إستراتيجية للأمن القومي العربي بغرض حمايته وتعزيزه فإن تلك الإستراتيجية لابد أن تكون متعددة المحاور، وعليها أن تحدد موقع ودور القوى الإقليمية فى تنفيذ تلك الإستراتيجية، وتركيا من القوى الإقليمية التى تلعب دور مهم فى التأثير على الأمن القومي العربي سواء من خلال علاقاتها مع الدول العربية أو مع إسرائيل، أو فى إطار توازن القوى مع إيران كقوى إقليمية أخرى تؤثر على الأمن القومي العربي. حيث أن الدور التركى فى إستراتيجية الأمن القومى العربى يتحدد بناء على تفاعلات كلا من النظام الدولى والنظام الإقليمي، كما يتحدد بالظروف الداخلية فى الدولة التركية ذاتها، وفى مدى رؤيتها لدورها ولمصلحتها القومية.

إشكالية الدراسة:

تسعى الدراسة للإجابة على سؤال رئيسى مفاده: ما هو الدور التركى فى إستراتيجية الأمن القومي العربي، وتسعى الدراسة من خلال ذلك التساؤل الرئيسى للإجابة على بعض التساؤلات الفرعية التالية: ما المقصود بوضع إستراتيجية للأمن القومى العربى؟ وما هى عناصر تلك الإستراتيجية؟ وما هو دور القوى الإقليمية مثل تركيا فى تلك الإستراتيجية؟ ما هى محددات الدور التركى فى المنطقة العربية؟ وما هي توجهات العلاقات التركية العربية خلال الفترة محل الدراسة؟

أهداف الدراسة:

تهدف الدراسة إلى: وضع إستراتيجية شاملة للأمن القومى العربى تشمل تحديد إشكاليات الأمن القومى العربى وعناصر تلك الإستراتيجية، معرفة محددات الدور التركى فى تنفيذ تلك الإستراتيجية سواء أكانت محددات داخلية لتركيا أو محددات إقليمية أو محددات دولية، ثم تحديد توجه العلاقات التركية العربية.

الإطار المنهجى للدراسة:

تضع الدراسة إطاراً نظرياً لإستراتيجية الأمن القومى العربى، كما تستخدم مفهوم الدور، بالإضافة إلى المنهج المقارن.

المحور الأول: إستراتيجية الأمن القومى العربى

يقع العالم العربي جغرافيا في مركز الكرة الأرضية عند مفترق طرق القارات الثلاث القديمة: أفريقيا وآسيا وأوروبا، فهو يحتل الضفة الجنوبية للبحر المتوسط في مواجهة أوروبا، ويفرد جناحيه على جانبي قارتي آسيا، التي يحتل أجزاء شاسعة من جنوبها الغربي، وأفريقيا، التي يحتل شمالها بأكمله. ويحيط بالعالم العربي من حدوده الآسيوية ثلاث دول هي إسرائيل وتركيا وإيران، ومن حدوده الأفريقية ثمان دول هي: إثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومالي والسنغال. ولكن يختلف الجوار الأفريقي للعالم العربي كلية عن جواره الآسيوي، فباستثناء إثيوبيا لا توجد لدول الجوار الأفريقي أية طموحات إقليمية، وهي في مجملها دول صغيرة وتابعة وغير مستقرة تنتمي للعالم الثالث، أما دول الجوار الآسيوي الثلاث فلكل منها طموحات إقليمية خاصة، وتنتمي لمجموعة الدول متوسطة الدخل أو المتقدمة، وترتبط بعلاقات تعاونية أو صراعية متميزة مع الدول الكبرى الطامحة للهيمنة على النظام الدولي.[2] لذا تتعدد الأخطار المحيطة بالعالم العربى، وبأمنه القومى، ويستلزم مواجهتها عن طريق وضع إستراتيجية كاملة لحمايته. والإستراتيجية هى خطط، توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد، اعتماداً على الخطط والإجراءات الأمنية في استخدام المصادر المتوفرة فيالمدى القصير. أو هى المخططات التى توضع من أجل استخدام كافة مصادر القوة القومية من أجل تنفيذ أهداف السياسة، أو أهداف الأمن القومى.
وهى أيضاً عمليات تتعلق بالأساليب والوسائل والأدوات، فى ضوء الاستخدام الأمثل لمجموعات الموارد والإمكانيات المتوفرة والموجودة فعلاً خلال مدة زمنية معينة، وفى داخل إطار دولى محدد المعالم. حيث تُحَدّد الأهداف والغايات، وتكون مهمة الإستراتيجية تحقيق هذه الغايات بما يتوافر من من إمكانيات.[3] الخلاصة أنه فى ظل تعدد الأخطار المحيطة بالعالم العربى، وزيادة تلك الأخطار في ظل نظام العولمة، وسقوط الحواجز التقليدية لنقل المعلومات والمعارف والثقافات، أصبح من الضرورى وضع إستراتيجية لحماية الأمن القومى العربى وتوفير القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية وتعظيم فرص الاستفادة من الإمكانيات والقدرات المتوفرة لدى الدول العربية، ووضع الإستراتيجية يحتاج إلى تحديد: الأهداف، والوسائل، والتهديدات، والإمكانيات المتاحة. وعلى ذلك سيتم وضع إستراتيجية للأمن القومى العربى من خلال تحديد العناصر التالية:

أولاً- تحديد مفهوم إستراتيجية الأمن القومى العربى:

1- مفهوم الأمن القومى:

الأمن كما تعرفه دائرة المعارف البريطانية يعني: “حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية”. وهذا التعريف هو أساس المدرسة القيمية الإستراتيجية التي تنظر إلى الأمن كقيمة مجردة وتربطه بقضايا الاستقلال وسيادة الدولة، حيث تعرفه على انه ” قدرة الأمة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية “[4] بينما المدرسة الاقتصادية في تعريفها للأمن القومي فتركز على اتجاهين: الأول يرى أن الأمن القومي مرتبط بتأمين الموارد الحيوية الإستراتيجية (تأمين موارد الطاقة مثلا، الاتجاه الثاني يرى أن التنمية الاقتصادية تشكل جوهر الأمن، وهو ما ذهب الية روبرت ماكنمارا، وعرفه في كتابه “جوهر الأمن” بأنه ” يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة، وإن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواء في الحاضر أو المستقبل”.[5] بينما يعرفه هنري كسينجر بأنه: ” أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء “. أما على مستوى العالم العربى فقد عرفه د. عبد المنعم المشاط بأنه قدرة المجتمع على مواجهة الأحداث الفردية للعنف، وكذلك الطبيعة المركبة والحادة للعنف “. ويتضمن هذا التعريف ثلاثة مغيرات رئيسية هى:[6] الرفاهية الاقتصادية وما يرتبط بها من توزيع وإشباع للحاجات الأساسية، والتوازن بما يعنيه من فتح قنوات للمشاركة وتحقيق إجماع داخلى، وسلام إقليمى وعالمى، والقدرة العسكرية سواء تعلقت بالأفراد أو المعدات الإستراتيجية.
وعرفه د. ممدوح شوقى بأنه كافة الإجراءات التى تراها الدولة كفيلة لحماية كيانها، وتحقيق أمنها فى مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية. وتنحصر وظائف الدولة فى ثلاث وظائف رئيسية هى حماية الاستقلال وتأكيد سيادة الدولة وحفظ الأمن الداخلى بمفهومه الواسع، بما يتضمنه من وجود سلطات شرعية تعمل على تحقيق الحياة الأفضل أو تحقيق الرفاهية وإشباع رغبات الأفراد فى كافة المجالات، وتسعى الدولة لتحقيق هذه الأهداف من خلال مجموعة من الخطط تتعلق كل منها بتحقيق أحد هذه الأهداف، وتحاول إحداث توازن وتكامل بين هذه الأهداف من خلال إستراتيجية واحدة تضعها.[7] وعرفه مركز دراسات التنمية بالوطن العربي، بأنه عملية محلية مركبة تحدد قدرة الدولة على تنمية إمكاناتها، وحماية قدراتها على كافة المستويات وفي شتى المجالات من الأخطار الداخلية والخارجية، وذلك من خلال كافة الوسائل المتاحة، والسياسات الموضوعة، بهدف تطوير نواحي القوة، وتطويق جوانب الضعف في الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، في إطار فلسفة قومية شاملة تأخذ في اعتبارها كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية “[8] ويتم صياغة الأمن على ضوء أربع ركائز أساسية هى:[9] أولاً: إدراك التهديدات سواء الخارجية منها أو الداخلية. ثانيًا: رسم إستراتيجية لتنمية قوى الدولة والحاجة إلى الانطلاق المؤمَّن لها. ثالثًا: توفير القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية ببناء القوة المسلحة وقوة الشرطة القادرة على التصدي والمواجهة لهذه التهديدات. رابعًا: إعداد سيناريوهات واتخاذ إجراءات لمواجهة التهديدات التي تتناسب معها، وتتصاعد تدريجيًّا مع تصاعد التهديد سواء خارجيًّا أو داخليًّا.

2ـ عناصر إستراتيجية الأمن القومى العربى:

نلاحظ من التعريفات السابقة أن الأمن القومى يشمل أبعاداً متعددة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية، ولكن فى ظل التطور فى وسائل نقل المعلومات والاتصالات، أصبح من الضرورى أن نضيف حماية الثقافة والهوية العربية، ولذا أصبح من الضرورات الملحة أن نضع إستراتيجية لحماية الأمن القومى العربى ومواجهة الأخطار العديدة التى تهدده.
والمقصود بإستراتيجية الأمن القومي العربى أن تكون عمليه تخطيطية مشتركه لاستغلال جميع مقومات الأمة، وقدراتها للوصول لأفضل خطة إستراتيجية توجه طاقات الأمة الرئيسية-الاقتصاد-مصادر الثروة-القوى البشرية -الموقع الإستراتيجي-الدفاع – التكنولوجيا – التراث الروحي والحضاري – السياسة – لتحقيق مستوى عال من القوة والهيبة القومية.[10] والواقع أنه لا توجد إستراتيجية موحدة للأمن القومى العربى بالمفهوم السابق، ولكن توجد لكل دولة عربية إستراتيجيتها الخاصة بها لحماية أمنها القومى. حيث يتم تقسيم مستويات الأمن فى الوطن العربى إلى ثلاث مستويات كالتالى:[11]

الأول: مستوى الأمن القومى القطرى National. وهو يركز على أمن كل دولة عربية فى إطار حدودها السياسية، وفى إطار التزاماتها السياسية القائمة، ويتضمن هذا المستوى التأمين من الداخل ودفع التهديد الخارجى، بما يكفل تحقيق حياة مستقرة.

الثاني: مستوى الأمن دون الإقليمى Sub- Regional، ويركز هذا المستوى على الأمن لعدد محدود من الدول العربية فى إطار الوطن العربى مثل دول مجلس التعاون الخليجى، أو دول المغرب العربى أو دول التكامل – وادى النيل -، أو دول شمال أفريقيا. والأمن على هذا المستوى يفترض أن هناك تقارباً أوسع بين هذه الدول سواء فى إدراكها لمصادر التهديد أو لقدراتها على التعبئة المشتركة للقوات.

الثالث: مستوى الأمن القومى الإقليمى Regional، ويركز هذا المستوى على المفهوم الشامل للأمن القومى العربى فى إطار الوطن العربى ككل، وهذا المستوى يفترض وجود اتفاقاً قومياً على مصادر التهديد، وإستراتيجية مواجهتها، وأن صانعى القرارات والمواطنين يعطون أولوية سياسية للترتيبات والسياسات القومية العليا على المستوى الإقليمى.
ومن معوقات تحقيق الأمن القومى الإقليمى:فكرة السيادة المطلقة لكل قطر، وغياب الدولة العربية القومية، والافتقار إلى الإجماع القومى لإدراك مصادر التهديد وسبل مقاومتها، كما يفتقر إلى سياسات قومية مبنية على إدراك وتخطيط وتنفيذ مشترك لسبل تحقيق الأمن القومى.[12]

ثانياً: الإمكانيات المتاحة لبناء الأمن القومي العربي:

تلك الإمكانيات هى عناصر دافعة لصياغة إستراتيجية للأمن القومي العربي، وهى:
ـ القيم العربية المتبادلة التي تعبر عنها الهوية الحضارية العربية والشخصية، والقيم والمثل والدين والتراث المشترك والدور الإنساني في العلاقات العربية، فالوطن العربى يشكل واقعاً متجانساً فى إطاره العرقى والعقائدى ممثلة بالعروبة والإسلام.

ـ الموقع الإستراتيجي العملاق للأمة العربية في قلب العالم.[13]

ـ الثروات العربية الهائلة، حيث رقعته الجغرافية الواسعة والغنية بالثروات الاقتصادية.
ـ التنوع الشديد فى الوطن العربى سكانياً واقتصادياً وعسكرياً، مما يضيف لقدرات الوطن العربى نتيجة انسجام المصالح بين مختلف الأقطار.[14]

ثالثاً: مصادر تهديد الأمن القومى:

تميز المدرسة التقليدية للأمن القومى بين نوعين من المصادر هما:

1- مصادر خارجية: وهى المصادر التى تأتى من خارج المنطقة العربية، وتتمثل فى أطماع القوى الكبرى، أطماع دول الجوار.

2- مصادر داخلية: وهى تلك التى تنبع من داخل المنطقة العربية، وتضم عناصر الإثارة والشغب، والتنظيمات السياسية غير الموالية لنظام الحكم.

وهناك انتقادات لهذا التقسيم على أساس أنه يعلى من شأن المصادر الخارجية، فى الوقت الذى قد يكون التهديد الداخلى أخطر، ولذلك قدم البعض تقسيم آخر على أساس خطورة تلك العناصر وهو:
المصادر الرئيسية، وتتمثل فى: إسرائيل، أطماع القوى الكبرى، وغياب المؤسسات الديمقراطية وعدم توافر القدرات التوزيعية للأقطار العربية.

المصادر الثانوية، وتتمثل فى: أطماع دول الجوار، قضايا عدم اندماج الأقليات العرقية أو الدينية أو اللغوية أو العقائدية، وقضايا التطرف بأشكاله المختلفة.[15]

رابعاً: وسائل تحقيق الأمن القومى العربى :

1- إنشاء مجلس للأمن القومى العربى يتولى تعبئة القدرات القومية، وتحديد الأهداف، ومن ثم يستطيع تفعيل إستراتيجية الأمن القومى العربى.

2- تكريس مشروعية دستورية ـ شعبية للحكم وإقامة المؤسسات الضرورية التي تكفل ذلك.[16]

3- تأكيد الملكية الشعبية الوطنية العامة للثروات الطبيعية ووضع آلية رقابةومحاسبة فعالة على طرق استغلالها وإنفاقها، وتطال هذه الملكية كافةالموارد والودائع والاستثمارات الخارجية.

4- تحقيق تنمية داخليةوطنية متوازنة تشمل كل الرقعة الجغرافية ـالسكانية، حيث أثبتت الثورات العربية ضعف المجتمعات المدنية والأحزاب السياسية، فى نفس الوقت الذى تنمو فيه ثورات ضخمة تشمل شرائح اجتماعية غير منظمة.([17]) لذا يجب تحقيق تنمية تستجيب للحاجات الاقتصادية والاجتماعية، المعيشية، الثقافيةوالفنية للشعب، وتأخذ في الاعتبار حرصها على التكامل التنموي الاقتصادي معالبيئة العربية المحيطة مباشرة والأبعد، والتنبه إلى مخاطر توسيع الفجوةالتنموية مع الدول العربية الأخرى المجاورة والأبعد،

5- معالجة جادة وحازمة لمخاطر الاعتماد المفرط على العمالة الأجنبيةغير العربية، وما تحمله من آثار مدمرة على الهوية والقيم المكتسبة والتكوينالنفسي والثقافي العربي إضافة إلى التماسك الاجتماعي، ووضع الخططالضرورية التي تكفل تقليص معدلات البطالة على المستويين الوطني والقومي.

6- التوقف بجدية وحزم أمام مخاطر الاعتماد المفرط على الحمايةالعسكرية والأمنية الأجنبية، وما يرافقها من منح تسهيلات وقواعد دائمة تصلإلى حدود تقويض السيادة الوطنية وتسليم مصير البلد ومستقبله، لقد حانالوقت لوضع خطط بديلة تكفل التخلي التدريجي عن هذه الحماية، لصالح السعيلإقامة وتعزيز ترتيبات واقعية لنظام أمني عربي مستقر.

7 – ضرورة تشكيل منظومة أمن عربي ـ إقليمي.
وفى النهاية فإن الاتفاق على تحديد إستراتيجية للأمن القومى العربى سيخلق فرصاً أفضللتشكيل منظومة أمن إقليمي تدخل فيها الدولالرئيسية المجاورة، وخاصة دول الجوار الإسلامي إيران وتركيا، وتهدف هذهالمنظومة إلى وضع العلاقات العربية الإيرانية والعلاقات العربية التركية علىطريق التفاهم، وتعزيز المصالح المشتركة، وإزالة المخاوف المتبادلة على قاعدةالتعاون، وحسن الجوار، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخليةلأي بلد منهم، وتوفير آلية فاعلة للنظر في الخلافات وتسويتها، بما يضمن عدمانتقالها إلى مستوى النزاعات.[18]

المحور الثانى: محددات الدور التركى فى المنطقة العربية:

1ـ العلاقات التركية الأوروبية:

تعتبر العلاقات التركية ـ الأوربية المحدد الرئيسى الذى أدى إلى توجه السياسة الخارجية التركية باتجاه الدول العربية، فعندما واجه الطلب التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوربي صعوبات جمة، فإن رفضه ترتب عليه دفع تركيا لإعادة صياغة الأسس التي تقوم عليها سياساتها وتوجهاتها الخارجية الحالية وبالتالي إعادة صياغة دورها الإقليمي.
فقد كان للموقف الأمريكى والغربى عامة ضد الأتراك، من خلال رفض جميع دول التحالف الغربى الاعتراف بدولة القبارصة الأتراك بشمال قبرص، أن اجتاح الأتراك مشاعر المهانة القومية، وضآلة الوزن النسبى لبلادهم فى نطاق الجناح الجنوبى الشرقى لحلف الأطلنطى، فتولد عن ذلك عملية مراجعة فكرية عميقة وشاملة داخل تركيا لجوهر ومدى الالتزام التركى بالروابط الأمنية الأطلسية، وترجمها العقل السياسى التركى فى صياغة جديدة لمبادئ الأمن القومى والمصالح العليا التركية تتمثل فى:
اعتماد الأمن القومى التركى على علاقات حسن الجوار وبناء جسور الثقة مع الدول المجاورة لتركيا فى المنطقة.
اعتبار تركيا أساساً وفى المقام الأول دولة شرق أوسطية وبلقانية – بحر متوسطية قبل أن تكون دولة أوروبية.[19] وبدأت تركيا تتبنى سياسات أكثر توازنا تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وبسبب رغبتها في تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية التي لديها فوائض مالية، خاصة دول الخليج المرتبطة بالسياسات الغربية.
وهكذا لم يحل سعي تركيا الحثيث للانضمام للاتحاد الأوروبي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، دون التخلي عن طموحها في لعب دور إقليمي في منطقة الشرق الأوسط لموازنة الدور الإيراني، وسعت لتسويق نفسها لدى الغرب باعتبارها قوة إقليمية معتدلة قادرة على كبح جماح التطرف الإسلامي في المنطقة، وربما أيضا لعب دور نزيه ومحايد في الصراع العربي الإسرائيلي.كما لم تحل ارتباطات تركيا القوية بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلف شمال الأطلسي دون تمكنها من لعب دور مستقل في عدد من الأزمات الحادة التي واجهت العالم العربي مؤخرا. وهى لديها عدد من المقومات تمكنها من لعب دور رئيسى وهى:
القدرات الداخلية لتركيا، فهى تمتلك عددا من المقومات التي تمكنها من لعب دور إقليمي مؤثر. فمن حيث القدرات الذاتية تملك تركيا من الثقل الديمغرافي ومن درجة ومستوى التقدم الاقتصادي والعلمي ما يضعها في موقع الصدارة في المنطقة. فيبلغ عدد سكان تركيا نحو 79,749,461مليون نسمة عام 2011، ويبلغ إجمالى الناتج المحلى لها نحو 548 مليار يورو، وارتفع متوسط دخل الفرد بها إلى نحو 7.6 ألف يورو سنوياً، وتحقق معدلات نمو عالية بلغت نحو 8.9 % عام 2010، ونحو 6.6 عام 2011. كما يعد هيكل صادراتها متطوراً بالمقارنة بالدول العربية، وحققت نمواً فى القطاعات الخدمية والصناعة، وتتمثل صادراتها فى الآلات والمعدات، ومعدات النقل الثقيل، والمنسوجات والملابس.[20] كما تملك تركيا وفرة في المياه في منطقة تحتاج إليها بشدة ولديها من المشروعات المائية ما يمكنها من التحكم في دولتين عربيتين جارتين هما العراق وسوريا.[21] أما من حيث نمط التحالفات فلدى تركيا ارتباطات تاريخية وثقافية وإثنية عميقة بدول الجوار تضعها في القلب من تفاعلات المنطقة. فلم تحل توجهاتها العلمانية وسيطرة الجيش من وراء ستار على العملية السياسية دون تصاعد التيار الإسلامي المعتدل في تركيا نفسها وتمكنه من الحكم منفردا، أو من تولي شخصية تركية قيادة الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. ولم تحل ارتباطاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل وطموحها الشديد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون أن تصبح طرفا مهما في تفاعلات شرق أوسطية تمليها اعتبارات تاريخية وثقافية ومصلحية واضحة.
فرضت أحداث الربيع العربي على الدبلوماسية التركية تحديات مركبة تتعلق بالحفاظ على علاقات وثيقة مع دول “الربيع العربي”، في الوقت الذي وقفت فيه أنقرة بين شقي رحى فإما مساندة الجماهير الحاشدة التي انتفضت لإسقاط أنظمتها السياسية السلطوية من جانب، أو الحفاظ على تحالفات وعلاقاتها الوثيقة مع هذه الأنظمة من جانب آخر. هذا في حين شكلت حركة الشعوب العربية غير المسبوقة تحديا لمبادئ السياسة الخارجية التركية التي قضت أدبياتها بالتزام عدم الانخراط في الشئون الداخلية للدول الأخرى.
على هذا الأساس يمكن رصد أبرز محددات المواقف التركية من ثورات “الربيع العربي”، وذلك على النحو التالي:

2- المحدد الجغرافى:

تمثل تركيا نقطة وصل بين أوروبا وآسيا، وكان لهذا الموقع تأثير كبير على التاريخ والثقافة والسياسة التركية، فتتشارك تركيا الحدود مع كل من اليونان وبلغاريا فى الشمال الغربى، وجورجيا وأرمينيا وإيران فى الشرق والعراق وسوريا فى الجنوب، والبحر الأسود فى الشمال، وبحر إيجه فى الغرب، والبحر المتوسط فى الجنوب، تتصل بمضيق البسفور ومرمرة والدردنيل، وهذه الحدود المتعددة تؤثر على الناحية الأمنية.[22] حيث لعبت المحددات الأمنية دورا أساسيا في تشكيل معالم السياسية الخارجية التركية في الفترة السابقة على وصول حزب العدالة والتنمية، غير أن قادة الحزب صاغوا مفهوماً مغايراً للأمن التركي، ينطلق من أن الجوار الإقليمي ليس بالضرورة مصدراً لتهديدات الأمن القومي التركي، وإنما قد يكون التعاون المشترك مع دول الجوار سبيل التعامل مع كافة التهديدات التي يمكن أن تؤثر على سلامة الأمن والاستقرار التركي.
وقد لعبت العوامل الأمنية دورا أساسيا في تحديد المقاربة التركية حيال الثورات العربية، حيث انطلقت تركيا من قناعة مؤداها أن استمرار حالة الاحتجاجات والثورات قد تؤثر في مستقبل استثماراتها السياسية والاقتصادية في المنطقة، بما قد يخدم المصالح والسياسات الإسرائيلية، ويرفع من التكلفة الأمنية لانخراط تركيا في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط.
وعلى هذا الأساس أوضحت ثورات الربيع العربي أن المحدد الأمني مازال يشكل ضلعا رئيسيا في تشكيل السياسة الخارجية التركية، بما أفضى إلى تشكل مواقف تركية متباينة حيال الثورات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية مؤخرا، ففيما يتعلق بسوريا باعتبارها الدولة الأقرب إلى تركيا وتربطها معها بحدود تصل إلى 877 كم، فقد ارتبط حرص تركيا على استقرار سوريا بالتخوفات التركية من تداعيات الأزمة السورية بملفاتها السياسية والاجتماعية وبشقيها العلوي والكردي على الوضع الداخلي في تركيا، والخشية من احتمالات انتقال الأزمة إلي حدودها الجنوبية إذا ما خرج الوضع الأمني عن السيطرة، أو تطور إلى مواجهة عسكرية بين القوى الغربية وسوريا كما حدث في ليبيا. وفيما يتعلق بالوضع في كل من البحرين واليمن، فقد برز المحدد الأمني في تشكيل السلوك التركي، الذي بدت عليه ثمة تخوفات من تحول الأزمة إلى صراع طائفي ومذهبي يكون له امتدادات إقليمية، لاسيما في ظل اشتداد المواجهة الإعلامية والسياسية والدبلوماسية بين العديد من دول الخليج من جانب وإيران من جانب آخر.

3-المحدد السياسي:[23]

عقب وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002 سعت تركيا لإنهاء انفصالها عن منطقة الشرق الأوسط. كما عملت السياسة الخارجية التركية ضمن إطار عام وشامل لتعظيم التواجد التركي في المنطقة وتكثيف العلاقات مع الدول العربية. واعتبر وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو ثورات الربيع العربى بمثابة ” تدفق طبيعي للتاريخ” وحدث “عفوي” و “ضروري” جاء متأخرا حيث كان ينبغي أن يحدث في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. واعتبر داوود أوغلو ما يجري بالعالم العربي “مسارا طبيعيا للأمور”، و أن التغييرات التي تشهدها دول الشرق الأوسط ناتجة عن ضرورة اجتماعية، مشددا على وجوب ابتعاد الزعماء العرب عن الوقوف أمام رياح التغيير.
وقد مثلت هذه الرؤية منطلقا أساسيا لصياغة مبادئ السياسة الخارجية التركية في تعاطيها مع هذه الثورات العربية، بحيث تجسدت في:
أ) احترام إرادة الشعوب ورغبتهم في التغيير والديمقراطية والحرية.
ب) الحفاظ على استقرار وأمن الدول، وضرورة أن يتم التغيير بشكل سلمي، فالأمن والحرية ليسا بديلين ولابد من كليهما معا.
ج رفض التدخل العسكري الأجنبي في الدول العربية، تجنبا لتكرار مأساة العراق وأفغانستان وتعرض البلاد العربية لخطر الاحتلال أو التقسيم.
د) تقديم العون والدعم للتحولات الداخلية حسب الظروف الداخلية الخاصة بكل دولة.
هـ) رعاية المصالح التركية الوطنية العليا، وفي مقدمتها الاستثمارات والمصالح الاقتصادية والحفاظ على أرواح وممتلكات الرعايا الأتراك.
و) الاستناد إلى الشرعية الدولية والتحرك في إطار القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
س) عدم توجيه السلاح التركي إلى أي شعب عربي، واقتصار الدور التركي على المهام الإنسانية غير القتالية والقيام بأعمال الإغاثة.
ح) مراعاة خصوصية كل دولة وظروفها ووضعها الداخلي، وعلاقاتها الخارجية، ومصالح تركيا المتشابكة معها.
إن المحددات السياسية لطبيعة الدور التركي في المنطقة ظلت حاكمة للأنماط المتغيرة للسياسة الخارجية إزاء الثورات العربية ووفقا لخصوصية كل حالة، وفي هذا الإطار بدا جليا خفوت الموقف التركي حيال الوضع في كل من البحرين واليمن، حيث ارتبطت التوجهات التركية بالحرص التركي على العلاقات السياسية مع دول مجلس التعاون الخليجي، بما جعل المقاربة التركية حيال الملفين تقوم على ضرورة إنهاء الأزمات الداخلية في الدولتين وإنهاء الانقسامات المجتمعية عبر الأدوات السلمية، بالتزامن مع رفض التدخلات الخارجية، خصوصاً التدخلات الإيرانية لما لها من تأثير وتداعيات سلبية على عملية التغير السلمي والمتدرج الذي راعته دول الخليج في الحالتين، وعملت على إعادة تكيف دورها في المنطقة سعيا لاستغلال الفرص التي يمكن أن يشكلها “الربيع العربي”، خصوصا بعد أن أكدت الثورات العربية أهمية تركيا “الدور” و”النموذج” بالنسبة لدول المنطقة. وقد عبر عن ذلك مستشار رئيس الوزراء التركي إبراهيم كالين، حيث أكد أنه على عكس ما يرى البعض، فإن التغيرات في منطقة الشرق الأوسط ستعزز موقع تركيا، وستخرج تركيا رابحة في إطار عالم عربي أكثر ديمقراطية، معبرا عن قناعته بأن تركيا لا يجب أن تقلق من التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة، لأن تركيا تدرك أن الشعوب العربية تتقدم على حكامها من ناحية النظرة الايجابية للدور التركي في المنطقة.

4- المحدد الاقتصادي:

تخوفت تركيا من أن تتأثر استثماراتها الضخمة في المنطقة بالتغيرات التي تشهدها الدول العربية، وقد اعتبرت أن المشكلات السياسية والأمنية في المنطقة من شأنها أن تفضي لمشكلات اقتصادية قد تقلص من حجم الصادرات التركية لدول المنطقة، بما قد يسفر عن زيادة الأعباء المالية التي قد تؤثر سلبا على معدلات نمو الاقتصاد التركي.
نلاحظ من إحصائيات التجارة الخارجية لتركيا أن هناك خمس دول من دول المنطقة العربية يقعوا ضمن العشرون دولة الأولى فى التصدير لهم وهم:[24] لذا تخوفت تركيا من التداعيات الاقتصادية للثورات العربية، لاسيما فيما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها مع عدد من الدول العربية، ومنها الاتفاقية الموقعة مع كل من مصر وليبيا، وكذلك اتفاق إقامة منطقة مشتركة بين لبنان وسوريا والأردن وتركيا، وهى الاتفاقية التي علقت بعد ذلك بسبب الموقف التركي من الأحداث فى سوريا.
وتخوفت تركيا كذلك من ارتفاع أسعار النفط عالميا بسبب أحداث المنطقة الملتهبة، لما لذلك من تأثيرات على ارتفاع معدل العجز في الميزان التجاري، بالنظر لاعتماد تركيا على استيراد أكثر من 90 في المائة من احتياجاتها من الخارج. وتكشف المقارنة بين حجم الصادرات والواردات التركية عن تضاعف حجم العجز في ميزان التجارة الخارجية من 505 مليار دولار في ابريل 2010 إلى 9 مليار دولار في ابريل 2011.
هذا في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من صعوبات بسبب ارتفاع الطفرة الاستهلاكية المدفوعة بالائتمان لذروتها، وتجاوز العجز في الحساب الجاري نسبة 10 في المائة، وهو وضع كان محددا رئيسا في إن يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض نسبة النمو الاقتصادي إلى 2.2في المائة خلال عام 2012.
كما سجل عجز الموازنة فى 2011 وهو عام اندلاع الثورات العربية 10453.06 مليون دولار، بينما فى عام 2012 وصل العجز إلى 7178 مليون دولار، فى حين أن نسبة العجز فى المتوسط من عام 1957 – 2011 كانت 1239.50 مليون دولار.[25] وعلى الرغم من الحذر الذي أبدته تركيا في التعامل مع أحداث المنطقة، غير أنه كان من الواضح أن موقفها من الثورة المصرية قد ساهم في تعطل توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع دول الخليج وذلك بسبب طلب الأخيرة توقيع الاتفاقية دون إبداء أي أسباب، وهى اتفاقية كان من المقرر توقيعها في ديسمبر 2011.
كما ساهمت الأحداث التي شهدتها دول “الربيع العربي” في تراجع إجمالي صادرات تركيا إليها بنسبة 13 في المائة.
وقد ساهمت الجهود التركية لدعم العلاقات مع ليبيا بعد هدوء الأحداث نسبيا إلى زيادة الصادرات التركية لليبيا بمقدار 139 في المائة خلال شهر ديسمبر 2011 مقارنة بشهر نوفمبر من العام ذاته. هذه التطورات الإيجابية من المتوقع أن تستمر خلال الفترة المقبلة، لاسيما بعد إعلان الحكومة الليبية أنها ستقدم فرص استثمارية بقيمة 100 مليار دولار للشركات التركية، كما أُعلن عن منح الشركات التركية استثمارات في قطاع التشييد والبناء وصلت قيمتها إلى 15 مليار دولار. وتسعى تركيا في هذا الإطار أن تتضاعف الصادرات التركية لكل من مصر وليبيا، من خلال الإسراع في استكمال خط “RORO” الملاحي بين مينائي مرسين التركي، والإسكندرية المصري، والذي سيجعل من مدينة الإسكندرية بوابة تركيا للدول العربية وأفريقيا.
ومن ثم فإن مواقف تركيا تجاه ثورات “الربيع العربي” تأثرت بمصالح تركيا الاقتصادية في المنطقة التي شهدت تطورات مهمة بفعل فاعلية استراتيجية تركيا في “البحث عن أسوقا جديدة” وازدهار سياسات التصدير بديلا عن أية “برامج أيديولوجية”، وذلك فيما أطلق عليه “السياسات التجارية” الجديدة لأنقرة. وقد انعكس ذلك في مواقف تركيا المتغيرة من “ثورات الربيع العربي”، حيث ساندت مبكرا كل من الثورة المصرية والتونسية، وذلك بسبب انخفاض حجم الاستثمارات التركية في الدولتين مقارنة بليبيا، ففي ليبيا وحدها يوجد ما يقرب من 25 ألف مواطن تركي، وتقدر الاستثمارات التركية فيها حوالى 15 مليار دولار. كما يشكل السوق الليبي السوق الثاني للمتعاقدين الأتراك في الخارج بعد روسيا، ويوجد في ليبيا زهاء 120 شركة تركية. ووصل التبادل التجاري بين الدولتين في عام 2010 إلى 9.8 مليارات دولار.

المحور الثالث: توجه العلاقات التركية العربية2002 – 2012

تمثل تركيا واحدة من دول الجوار الجغرافى الآسيوي للوطن العربى، وينظر إليها البعض بعين الريبة والشك فى نواياها تجاه العالم العربى، بناء على التناقضات التاريخية التى كانت مع المنطقة العربية، والتى يرى أنها قد تسفر عن نفسها فى ظل ظروف معينة، وبشروط معينة، حيث أن تركيا تمتلك من الإمكانيات والقدرات ما يجعلها تمثل تهديداً مؤجلاً على الأمن القومى العربى، فهناك ذكريات مريرة تركتها علاقات تاريخية اتسمت من ناحية، بتبعية العالم العربي للإمبراطورية العثمانية طوال أربعة قرون، تعرض في نهايتها للغزو والاحتلال الأوروبي، ثم بتعاون الحركة العربية من ناحية أخرى، مع بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد ولدت هذه التفاعلات نزاعات حدودية حول أقاليم عربية ضمتها تركيا فعلا إلى أراضيها مثل لواء الإسكندرونة السوري، أو حول ادعاءات بالسيادة على أقاليم عربية، لم تتح ظروف ملائمة للاستيلاء عليها مثل محافظة الموصل العراقية.وكذلك اعتراف تركيا المبكر بإسرائيل، وتعاونها النشط مع الغرب ؛ بانضمامها لحلف شمال الأطلسي، ومشاركتها في الأحلاف العسكرية، التي استهدفت ربط منطقة الشرق الأوسط بالسياسة الدفاعية للمعسكر الغربي، وتطويق الاتحاد السوفيتي، كل ذلك مثل عوامل ساعدت على تصاعد حدة الصدام مع التيار القومي في العالم العربي. كما احتلت المسألة الكردية والمسألة القبرصية بحكم تأثيرهما المباشر على قضايا الأمن والسياسة الداخلية التركية موقعاً مركزيا في سياسة تركيا الخارجية وحددت علاقتها بدول العالم، ومنها الدول العربية على أساس موقفها من هاتين المسألتين.[26] إلا أن البعض الآخر يرى أن العلاقات التركية العربية تتضمن كثيراً من العناصر المجمعة أكثر من العناصر المفرقة، فهناك روابط دينية، ومذهبية، وعوامل حضارية وتاريخية وثقافية واقتصادية.[27]

أولاً: رؤية تركيا لدورها خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية:

خلال العقد الأخير شهدت تركيا بعض التحولات ملخصها ” تركيا جديدة “، فأصبحت مثالاً ناجحاً للتحول من نظام قديم إلى نظام جديد، فعلى المستوى الداخلي حققت تركيا تقدما هاماً وملحوظاً فيما يتعلق بمفهوم الديمقراطية، وعلى المستوى الدولي أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ مبادرات مستقلة، وتغلبت على قضية رفض عضويتها من الاتحاد الأوروبى، وأعادت تقييم علاقاتها مع العالم العربى، وبدأت بمساهمات إيجابية تجاه حل الصراع العربى الإسرائيلى.[28] فتبنت تركيا سياسة العمق الإستراتيجى، ومبدأ العثمانية الجديدة، وهما يؤكدا دور تركيا كقوة ناعمة تطبق سياسة صفر مشاكل مع الجيران.[29] وهكذا تغيرت بعض السياسات الخارجية فى عهد رئيس الوزراء أردوغان فلم تعد السياسة الخارجية تخضع لافتراضية المجموع الصفرى، والتى كانت تعنى أن العلاقات الجيدة مع منطقة لابد أن تستتبع العلاقات السيئة مع منطقة أخرى، بل على العكس لقد أصبحت السياسة الخارجية أداة لخلق مزايا لكل المشاركين، إن السياسة الخارجية لابد أن تنتج مكسباً لجميع الأطراف[30].
وصرح أردوغان أثناء حضوره المنتدى الاقتصادى العالمى الذى عقد فى شرم الشيخ عام 2006أن تركيا تريد أن تكون ” نموذجاً “، فقال ” تركيا نموذجاً لما يمكن للمسلمين فعله “.ويقول أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركى، أن هناك علاقة وثيقة بين التفاعل الاقتصادي الواسع النطاق، وإقامة نظام سياسى مستقر، وينبغى تمتين أدوات الترابط الاقتصادى وتعزيزه من أجل توطيد النظام العالمى.[31] وتعمل تركيا على التكامل مع جيرانها، فهى تعمل على تعزيز الروابط مع إقليمها، و تعمل على إعادة الاتصال بالشعوب التى لها تاريخ مشترك معها، ولها نفس المصير. وهذا الهدف سيستمر ليشكل أولوية فى سياستهم الخارجية. وهذا الهدف يعنى أنهم سيطلبون تسوية الخلافات مع جيرانهم، وتسوية النزاعات التى تفرقهم. ومن خلال زيادة الروابط مع الجيران ستكون فى وضع أفضل للعب دور كدولة مسئولة على المستوى العالمى. وترسم لنفسها دور الدولة الحكيمة wise country خاصة فى وقت الأزمات مثل الأزمات العالمية الاقتصادية أو التحول السياسى فى إقليمهم. ودور الدولة الحكيمة يتطلب توازن بين إدارة الأزمة ورؤية الإدارة.[32]

ثانياً: رؤية العرب للدور التركى:

عكس السلوك التركى العديد من التوجهات التى أثرت على رؤية العرب للدور التركى، ودعمت من قبول العرب للعب تركيا دوراً رئيسياً فى المنطقة العربية ؛ فمنذ صعود رجب طيب أردوغان للحكم، العرب يرون فيه ديمقراطياً مسلماً معاصراً، يجمع بين العقيدة الإسلامية والديمقراطية. ويطلب الحكام العرب نصيحته، فلم تعد تركيا بالنسبة لكثير من العرب دولة الاحتلال العثمانى، الذى يحمله العرب مسئولية انهيار حضارتهم، ولم تعد تركيا جمهورية أتاتورك التى قطعت كل الصلات بالعالم العربى.
وفى الأول من مارس 2003 رفض البرلمان التركى السماح للجنود الأمريكيين بالعبور إلى شمال العراق، فقد خضعت الحكومات العربية للولايات المتحدة، فى حين عارضها الأتراك[33] ثم اتخذ رجب طيب أردوغان قرارات ومواقف جريئة وتأديبية في حق إسرائيل وقادتها منذ وصوله إلى سدة الحكم، استهلها برفض استقباله أرييل شارون واصفا اغتياله للشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس وجرائمه المتكررة في حق الفلسطينيين بأنها إرهاب دولة، ومحاولتهم تضليل الرأي العام الدولي واحتج على الحرب العدوانية على غزةالتي استشهد فيها ما يقرب من ألف وأربعمائة فلسطيني معظمهم من المدنيين، وأعلن انسحابه من منتدى دافوس الاقتصادى عام 2009 غاضبا وعاد إلى بلاده. كما قررت الحكومة التركية إلغاء مشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في المناورات العسكرية التي كان مقررا إجراؤها في تركيا، وهي المناورات التي ورثها أردوغان عن الحكومات السابقة والتي تغتنمها الطائرات الإسرائيلية المطاردة للقيام بتدريبات لا تستطيع القيام بها في مجالها الجوي الضيق. ويأتي هذا الإقصاء المذل ردا قويا على مشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في الجرائم التي ترتكب في حق المدنيين والأبرياء العزل واحتجاجا على الحصار الذي فرضته إسرائيل على القدس الشريف ومنع المصليين الفلسطينيين من دخوله، كما رفضت تركيا تقديم أية مساعدة فنية أو تدريبية لضربة إسرائيلية محتملة ضد إيران الجار المسلم، ولم تقف تركيا عند هذا الحد، بل قررت بعد يومين من إلغاء مناورات ” نسر الأناضول ” أن تقيم مناورات مشتركة مع سوريا، وأعربت مصادر إسرائيلية عن خشيتها من أن تنضم تركيا تدريجياً إلى محور يضم إيرانوسوريا واعتبرت هذه المصادر أن الأزمة بين إسرائيل وتركيا مرشحة للتصعيد أكثر وأن من سيدفع الثمن هو الصناعات العسكرية الإسرائيلية التي ستفقد سوقاً تدر عليها أرباحا بمليارات الدولارات، كما رأت إسرائيل أن سياسة تصفير المشاكل مع الجيران تعنى سلسلة من المشاكل مع إسرائيل، بالإضافة إلى التسامح مع الجهود النووية الإيرانية.[34] وقد رد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على الانتقادات الإسرائيلية لبلاده بسبب قرارها استبعادها من هذه المناورات الجوية بالتأكيد على أن أنقرة لا تتلقى تعليمات من أحد، وقال في مؤتمر صحفي إن على الجميع أن يعلم بأن تركيا دولة قوية تتخذ قراراتها بنفسها، وأكد أن أي سلطة سياسية ملزمة بالأخذ بمطالب شعبها ورأيه وهنا لا يسعنا تجاهل مطالب الشعب التركي[35].

ثالثاً: توجه السياسة الخارجية التركية:

استطاعت الدبلوماسية التركية أن تستثمر موقعها الجغرافى فى آسيا إلى درجة قصوى، حيث ارتبطت بحلف شمال الأطلنطى، وحاولت الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة منذ عام 1964، مقدمة نفسها للعالم الغربى على أنها بلد غربى الطراز والإطار والثقافة، كما ارتبطت بعلاقات اقتصادية بالاتحاد السوفيتى، وبالرغم من ذلك فهى لم تترك روابطها الشرقية تماما، فلقد انضمت إلى منظمة المؤتمر الإسلامى منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضى، وكونت متحالفة مع إيران وباكستان منظمة التعاون الاقتصادى، وتعمق الوجود التركى فى منطقة الشرق الأوسط من خلال موقفها المحايد من أطراف حرب الخليج الأولى، والتى انتهت بالقضاء على قوة خصم قوى لها فى المنطقة وكسر شوكة القوة الإيرانية.
كما أنها استغلت موقعها فى حرب الخليج الثانية محققة مزيدا من المكاسب الإقليمية التى تضاف إلى ميزان قوتها فى المنطقة. كما تستخدم المياه كورقة رابحة فى يدها فى مواجهة المنطقة العربية بما يمثل عنصر تهديد للأمن القومى العربى من الشمال، حيث 88 %من مصادر نهر الفرات، ونحو 87% من مياه نهر دجلة تقع داخل الأراضى التركية، ولذلك تستخدم تركيا تلك الورقة كأداة ترغيب وترهيب سياسية ليكون لها دور فى ترتيبات الأمن بالمنطقة.
كما تستغل الورقة الكردية، وتستغل ميراثها الحضارى والدينى والثقافى رغم توجهها العلمانى فى مخاطبة الدول العربية والإسلامية، محاولة فتح مزيد من الآفاق فى المنطقة من أجل مزيد من العلاقات الاقتصادية، بما يحقق المصالح التركية فى المنطقة.[36] وبعد اندلاع ثورات الربيع العربى اعتبرت تركيا أن الربيع العربي من شأنه أن يسهم في تعزيز قدرة تركيا على وضع إستراتيجية ” العثمانية الجديدة” موضع التطبيق، بحيث تتكامل تركيا بصورة أكبر وأعمق مع الدول العربية التي خضعت لسيطرة ونفوذ الإمبراطورية العثمانية. وترى هذه الآراء أن “العثمانية الجديدة” تقوم في مرحلة ما بعد “الربيع العربي” على ركيزتين أساسيتين:

أولهما، أن تركيا لا تسعى لاستغلال أحداث المنطقة لمحاولة السيطرة على المجتمعات والأنظمة السياسية العربية الجديدة، وإنما تسعى لدعم عملية التحول الديمقراطي في الدول العربية وتعميق الفهم العربي لمفهوم العلمانية. وفي هذا الإطار شهدت المنطقة العربية وتركيا زيادة ملحوظة في الندوات العلمية والمؤتمرات الصحفية واللقاءات المشتركة بين الباحثين العرب والأتراك حول سبل الاستفادة من الخبرة التركية في مجال التحول الديمقراطي، والأدوات اللازمة لتعميق التفاهم العربي التركي على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية.

ثانيهما، التركيز على الدبلوماسية والقوة الناعمة Soft Power من أجل تعميق التعاون الاقتصادي والدبلوماسي ومضاعفة نفوذ تركيا الثقافي، بما يضمن مصالح تركيا في أن تتحول إلى قوى إقليمية كبرى.[37] أما الولايات المتحدة وأوروبا فينظران إلى تركيا على أنه يمكنها أن تلعب دوراً إقليمياً رئيسياً وهو دور الدولة النموذج فى الشرق الأوسط، فهى حلقة وصل بين الشرق والغرب، أو هى جسر ثقافى وإستراتيجى يترجم المواقف الأوروبية والأمريكية فى المنطقة وينقلها بشكل يتلائم مع مصالح هذه الدول، وقيام تركيا بهذا الدور يرفع عن كاهل أوروبا والولايات المتحدة عبئاً أساسياً ؛ فتركيا تقف فى مواجهة التحدى الإيرانى، كما تمنع امتداد الحركات الأصولية الإسلامية لأوروبا.[38] لذا استغلت تركيا أحداث الثورات العربية لتوثيق علاقاتها الدولية وذلك بمحاولة إعادة تأكيد محورية الدور التركي لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال إعادة توظيف الدور التركي في خدمة الاستقرار الإقليمي في المرحلة الجديدة، مستغلة في ذلك نفوذها السياسي وقوتها الناعمة وتشعب علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، وفي هذا الإطار تجلى تزايد التقارب التركي- الأمريكي في ضوء التنسيق المشترك حيال التعامل مع الملف السوري، وإزاء طرق استيعاب التيارات الإسلامية التي تصاعد حضورها في المشهد السياسي العربي.[39]

الخلاصة والنتائج

إذا كانت استراتيجية الأمن القومى العربى تعنى أنها عملية تخطيطية مشتركه لاستغلال جميع مقومات الأمة العربية، وقدراتها للوصول لأفضل خطة إستراتيجية توجه طاقات وإمكانيات الأمة الرئيسية (الاقتصادية – مصادر الثروة – القوى البشرية – الموقع الإستراتيجي – الدفاع – التكنولوجيا – التراث الروحي والحضاري – السياسة لتحقيق مستوى عال من القوة والهيبة القومية.
فإن تلك الإستراتيجية أبرز وأهم عناصرها هو تحديد الأخطار الى تواجه الأمة العربية، والتى تنقسم إلى مصادر رئيسية، وتتمثل فى: إسرائيل، أطماع القوى الكبرى، وغياب المؤسسات الديمقراطية وعدم توافر القدرات التوزيعية للأقطار العربية، ومصادر ثانوية، وتتمثل فى: أطماع دول الجوار مثل تركيا وإيران، قضايا عدم اندماج الأقليات العرقية أو الدينية أو اللغوية أو العقائدية، وقضايا التطرف بأشكاله المختلفة. أما الهدف من تلك الإستراتيجية فهو تحقيق الأمن بمعناه العسكرى وبمعناه الاقتصادى والاجتماعى وتحقيق التقدم والقوة والهيبة للدول العربية، وتلك الإستراتيجية تحتاج إلى إرادة سياسية من الدول العربية، وتحتاج إلى نبذ مفهوم السيادة القطرية، وتفعيل مفهوم الدولة القومية، إنشاء مجلس للأمن القومى العربى يتولى تعبئة القدرات القومية، وتحديد الأهداف، ومن ثم يستطيع تفعيل إستراتيجية الأمن القومى العربى. وتكريس مشروعية دستورية ـ شعبية للحكم وإقامة المؤسسات الضرورية التي تكفل ذلك. وتحقيق تنمية داخلية (وطنية) متوازنة تشمل كامل الرقعة الجغرافية ـالسكانية وتستجيب للحاجات الاقتصادية والاجتماعية، المعيشية، الثقافيةوالفنية للشعب وتأخذ في الاعتبار حرصها على التكامل التنموي الاقتصادي معالبيئة العربية المحيطة مباشرة والأبعد، والتنبه إلى مخاطر توسيع الفجوةالتنموية مع الدول العربية الأخرى المجاورة والأبعد. بالإضافة إلى معالجة جادة وحازمة لمخاطر الاعتماد المفرط على العمالة الأجنبيةغير العربية، وما تحمله من آثار مدمرة على الهوية والقيم المكتسبة والتكوينالنفسي والثقافي العربي إضافة إلى التماسك الاجتماعي، ووضع الخططالضرورية التي تكفل تقليص معدلات البطالة على المستويين الوطني والقومي. والتوقف بجدية وحزم أمام مخاطر الاعتماد المفرط على الحمايةالعسكرية والأمنية الأجنبية، وما يرافقها من منح تسهيلات وقواعد دائمة تصلإلى حدود تقويض السيادة الوطنية وتسليم مصير البلد ومستقبله، ووضع خطط بديلة تكفل التخلي التدريجي عن هذه الحماية، لصالح السعيلإقامة وتعزيز ترتيبات واقعية لنظام أمني عربي مستقر.
وإذا كان العالم العربي يقع جغرافيا في مركز الكرة الأرضية عند مفترق طرق القارات الثلاث القديمة أفريقيا وآسيا وأوروبا، فإن تركيا هى همزة الوصل ما بين القارتين الأوروبية والآسيوية، ومن ثم فإن وضع أى إستراتيجية أمنية للمنطقة العربية لابد أن تكون لتركيا دور فيها، وتنقسم الرؤى تجاه الدور التركى فالبعض يرى أن تركيا هى دولة جارة ذات أطماع فى العالم العربى، ويؤيد ذلك بتاريخ تركيا الاستعماري فى المنطقة العربية، والبعض الآخر يرى أنه يمكن أن يكون لتركيا دور تعاونى، خاصة بعد الثورات العربية، والتى عكست حاجة الدول العربية للتنمية بكافة أشكالها وفى جميع المجالات، ومن ثم الحاجة للسلام لتحقيق تلك التنمية، وفى ذات الوقت أن توجه السياسة الخارجية التركية خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية قد تغيرت فتبنت تركيا سياسة العمق الإستراتيجى، ومبدأ العثمانية الجديدة، وهما يؤكدا دور تركيا كقوة ناعمة تطبق سياسة صفر مشاكل مع الجيران، وانعكس ذلك التوجه على السلوك الفعلى للحكومة التركية، حيث انتقدت تركيا الحكومة الإسرائيلية بسبب اعتداءاتها على فلسطين أواخر عام 2008 وبداية عام 2009، وأوقفت المناورات العسكرية معها، ثم أيدت الثورات العربية ورأت أن تلك الثورات جاءت متأخرة، هذه السلوكيات دفعت العرب لرؤية الدور التركى بصورة يمكن أن يتم التعاون معها، فهى يمكن أن توازن القوى الإيرانية والقوى الإسرائيلية فى المنطقة، ويمكن أن تلعب دوراً داعماً للقضايا العربية، بالإضافة إلى كونها نموذجاً يمكن أن يُحتَذي به، ولكن الدور التركي يتحدد بناء على عدد من المحددات الجغرافية، السياسية والاقتصادية. والتى يجب أن يستغلها العالم العربى لتدعيم علاقات تعاونية، خاصة أن تركيا هى فى حاجة للمنطقة العربية والدول العربية، مثلما هم فى حاجة إليها. ووضع إستراتيجية للأمن القومى العربى يُمَكِّن الدول العربية من التعامل كقوى واحدة مع القوى الخارجية، فكما لاحظنا من خلال تحليل الجدول رقم1 أن تركيا استفادت من الدول العربية بالتصدير لهم عامى 2011، 2012، بينما فى ذات الفترة لم تستورد من أية دولة عربية، مما يعكس عدم استفادة الدول العربية من التوجهات التركية الجديدة. كما يثور التساؤل فى حالة تغيير النظام السياسى فى تركيا، وسيطرة حزب آخر ذو توجهات ليست إسلامية، أوهل إذا قبلها الاتحاد الأوروبى كعضو فى المستقبل فما هى توجهاتها الجديدة فى تلك الحالة ؟ فمن المحتمل أن تتغير السياسة الخارجية التركية تجاه الدول العربية، وقد تكون فى غير مصلحة الدول العربية، خاصة أن تركيا تتعامل من منطلق مصلحتها أولاً، ولذا فمن الضرورى وضع إستراتيجية للأمن القومى العربى تحدد تلك الأخطار الحالية والمستقبلية، وتكون قادرة على التعامل مع ما يستجد من أحداث إقليمية ودولية.

الهوامش:
[1]د. عبد الوهاب القصاب، تهديدات الأمن القومي العربي، بحث مقدم للمؤتمر القومي العربي التاسع عشر، اليمن، 2008.الرابط
[2] د. حسن نافعة، سياسات القوى الإقليمية تجاه العالم العربى، الرابط
[3] د. عبد الملك عوده، إستراتيجية الحوار العربى الأفريقى، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، عدد 46، أكتوبر 1976، ص. 79.
[4] د. هشام عوكل، مفهوم الأمن القومى بين الثابت والمتغير بظل الثورات العربية، الرابط.
[5] زكريا حسين، الأمن القومى، الرابط
[6] د. عبد المنعم المشاط، “الإطار النظرى للأمن القومى العربى “، فى: الأمن القومى العربى: أبعاده ومتطلباته، تحرير: د.عبد المنعم المشاط، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1993، ص. 20.
[7] د. ممدوح شوقى، الأمن القومى والعلاقات الدولية، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، عدد 127، يناير 1997، ص. 35. ص.ص.32 – 47).
[8]د. هشام عوكل، مرجع سابق.
[9]د. زكريا حسين، الأمن القومى، مرجع سابق.
[10]الرابط
[11]د. عبد المنعم المشاط، مرجع سابق، ص. 32.
[12]د. غازى صالح نهار، الأمن القومى العربى: دراسة فى مصادر التهديد الداخلى، دار مجدلاوى، عمان، 1993، ص 3.
[13] عبد الوهاب القصاب، مرجع سابق، ص 8.
[14]د. عبد المنعم المشاط، مرجع سابق، ص 33. وانظر أيضاً:
Yasser M. El-Shimy, The Arab Spring Gathers clouds: Why the revolt for change have stalled, Insight Turkey, SETA foundation for political, economic and social research, Istanbul, vol. 13, No. 4, Fall 2011, p.p 39 – 54. p. 39.
[15]د. عبد المنعم المشاط، مرجع سابق، ص. 36.
[16]منذر سليمان، نحو إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي ومرتكزاته، اللجنة العربية لحقوق الإنسان، الرابط
[17]Leila Hilal, Charting transitions in the Middle East: Lessons learned from Tunisia and Egypt, Insight Turkey, SETA foundation for political, economic and social research, Istanbul, vol. 14, No. 2, Spring 2012, p.p. 1 – 12, p. 2.
[18]منذر سليمان، مرجع سابق.
[19]د. نازلى معوض، مرجع سابق، ص 125.
[20]ناصر حامد، تجاوز الإقليمية: شبكات المصالح الاقتصادية فى منطقة الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، عدد 189، يوليو 2012، ص. 86، ص.ص. 82 – 87 .
[21]حيث تغذى تركيا نهرى دجلة والفرات بنحو 74 % من التصريف السنوى للحوض من المياه، وقد ساءت العلاقات بين كل من سوريا والعراق وتركيا منذ بداية الثمانينيات، بسبب المشروع التركى الخاص بإقامة منشآت مائية ضخمة ترمى إلى تطوير جنوب شرق الأناضول وتنميتها منطقة الجاب ). لمزيد من التفاصيل يرجع إلى:
كريم طه خليل، الإقليمية المفتوحة: شبكات الموارد الطبيعية فى المنطقة العربية، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، عدد 189، يوليو 2012، ص. 75، ص.ص. 74 – 77.
[22] Report on: Investment in Turkey, February 2011, الرابط
[23] محمد عبد القادر، تركيا وثورات الربيع العربى، مرجع سابق.
[24]Foreign Trade Statistics, December 2012, الرابط
[25]Turkey Balance of Trade, الرابط
[26]د. حسن نافعة، سياسات القوى الإقليمية تجاه العالم العربى، الرابط
[27]د. نازلى معوض، دول الجوار الجغرافى والأمن القومى العربى، فى: الأمن القومى العربى: أبعاده ومتطلباه، تحرير: د. عبد المنعم المشاط، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1993، ص. 106، ص.ص. 75 – 142.
[28]Taha özhan, The Arab spring and Turkey: Tha Camp David order vs. the new Middle East, Insight Turkey, SETA foundation for political, economic and social research, Istanbul, vol. 13, No. 4, Fall 2011, p.p. 55 – 64, p. 56.
[29]هانى نسيرة، تركيا أم إيران؟ النماذج المتوقعة للحكم الإسلامى فى مصر وتونس، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام، القاهرة، عدد 189، يوليو 2012، ص. 63، ص.ص. 62 – 66. وانظر أيضاً:
Ziya őniş, Turkey and the ArabSpring: Between Ethics and self – Interset, Insight Turkey, SETA foundation for political, economic and social research, Istanbul, vol. 14, No. 3, 2012, P.P. 45 – 63, P. 48.
[30]راينر هيرمان، تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية: الصراع الثقافى فى تركيا، ترجمة د. علا عادل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012، ص. 182.
[31] Ahmet Davutoglu, Global Governance, Vision Papers, Center for Strategic Research, No. 2, March 2012., Turkey, p. 12.
[32] Ahmet Davutoglu, Global Governance, Vision Papers, Center for Strategic Research, No. 2, April 2012., Turkey, p.p. 4-7.
[33]راينر هيرمان، مرجع سابق، ص 183. وانظر أيضاً: سلام الريضى، التآكل فى العلاقات التركية الإسرائيلية واستبعاد التغير الإستراتيجي، المجلة العربية للعلوم السياسية، بيروت، عدد 30، ربيع 2011، ص. 109، ص.ص. 109 – 122.
[34]Oded Eran, Israel: Quo Vadis, Turkey ?, Insight Turkey, SETA foundation for political, economic and social research, Istanbul, vol. 13, No. 4, Fall 2011, P.p. 31 – 38, p. 33.
[35] محمد الشبونى، رجب طيب أردوغان، رجل من زمن النخوة الإسلامية، الرابط
[36]د. نازلى معوض، ” دول الجوار الجغرافى والأمن القومى العربى “، فى: الأمن القومى العربى: أبعاده ومتطلباته، تحرير: د.عبد المنعم المشاط، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1993، ص. 108.
[37] محمد عبد القادر، تركيا وثورات الربيع العربى، الرابط
[38]د. نازلى معوض، مرجع سابق، ص 86. وانظر أيضاً:
لقمان عمر محمود النعيمى، تركيا فى الإستراتيجية الأمريكية المعاصرة: دراسة فى تطور العلاقات التركية الأمريكية بعد الحرب الباردة 1991 – 2007 )، المجلة العربية للعلوم السياسية، بيروت، عدد 26، ربيع 2010، ص. 201، ص.ص. 201 – 205 ).
[39] محمد عبد القادر، تركيا وثورات الربيع العربى، مرجع سابق.