الرئيسية / دراسات / معاهدة وادي عربة وتداعياتها
Wadi-Araba

معاهدة وادي عربة وتداعياتها

انطلاقاً من إيمان الأمة العربية بأن إقامة «إسرائيل» عمل غير شرعي وأنها ظاهرة استعمارية وتجسِّد الاستعمار الاستيطاني رفضت الدول العربية وبحق الاعتراف بها.
نتج تأسيس «إسرائيل» كدولة لجميع اليهود في العالم عن مجموعة من الأعمال غير الشرعية بدءاً من عدم شرعية وعد بلفورونظام الانتداب وقرار التقسيم وانتهاكه ، ومروراً بالحرب العدوانية التي أشعلتها العصابات الإرهابية اليهودية المسلحة، وترحيل الشعب العربي الفلسطيني من وطنه، وتدمير مدنه وقراه، وارتكاب مجازر جماعية بحقه وانتهاك حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وحتى الحروب العدوانية التي أشعلتها في أعوام 1956، 1967، 1978، 1982، 1993، 1996، 2006 وحتى الهولوكوست على غزة في نهاية 2008. واقترن تأسيسها ووجودها وممارساتها بانتهاكات صارخة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وكافة العهود والمواثيق الدولية واتفاقيات جنيف لعام 1949 وبأعمال عنف وحروب عدوانية ومجازر جماعية واغتيالات واعتداءات يومية وجرائم حرب وجرائم ضد السلام والإنسانية.
فالحروب العدوانية التي أشعلتها والمجازرالجماعية التي ارتكبتها والمستعمرات اليهودية التي أقامتها واتخاذها من القدس العربية بشطريها المحتلين الشرقي والغربي عاصمتها الموحدة والأبدية أنهت أي إمكانية للاعتراف بها والتعايش معها دفاعاً عن الأرض والثروات والمقدسات والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
إن توقيع أي معاهدة مع دولة معتدية كإسرائيل التي احتلت الشطر الشرقي من القدس في السابع من حزيران 1967 العاصمة الثانية للمملكة الأردنية، وفي ظل التمسك باحتلال الأراضي العربية واستخدام القوة والتهديد باستخدامها باستمرار يجعل المعاهدات التي توقعها الدول العربية مع «إسرائيل» باطلة ولاغية وغير شرعية وغير ملزمة للشعب والأمة والحكومات الوطنية لأنها معاهدات إملاء وقعت تحت ضغط وابتزاز الاحتلال لشرعنته وتنظيمه وتثبيته لتصفية قضية فلسطين وتهويدها وتحقيق المشروع الصهيوني على أنقاض المشروع العربي وإقامة «إسرائيل العظمى» الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.
توقيع المعاهدة
وقّع الملك حسين والجنرال رابين في (25) تموز1994 إعلان المبادئ الأردني ـ الإسرائيلي في واشنطن، ووقّع البلدان في (26) تشرين الأول 1994 المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية في وادي عربة بحضور الرئيس الأميركي كلنتون، والملك حسين، والرئيس الإسرائيلي عازار وايزمان، والجنرال رابين وخمسة آلاف مدعو من بينهم وزراء خارجية عرب وأجانب.
ووقعها عن الجانب الأردني، رئيس الوزراء عبد السلام المجالي، وعن الجانب الإسرائيلي، رئيس الوزراء اسحق رابين، وعن الجانب الأميركي، وزيرالخارجية وارن كرستوفر، وعن الجانب الروسي وزير الخارجية أندريه كوزيريف.
وعزفت فرقة القوات الأردنية الموسيقية «النشيد الإسرائيلي»، كما عزفت فرقة الجيش الإسرائيلي السلام الملكي الأردني، واشتركت الفرقتان في عزف السلام الوطني الأميركي، وافتتح الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم ومقطع من التوراة، وتبادل قادة الأسلحة الأردنيون والإسرائيليون الهدايا التذكارية.
وألقى الرئيس الأميركي كلينتون كلمة أشاد فيها بالملك حسين والجنرال رابين وقال: «إن الملك حسين أوفى بعهد جده في السعي بشجاعة من أجل السلام»، ووجه حديثه إلى الجنرال رابين قائلاً «أمضيت عمرك وأنت تقاتل بمهارة وشدة وشجاعة والآن تقود جيش السلام وتحرزأعظم الانتصارات» ، وشدد الرئيس الأميركي على أن القوى المتطرفة (أي القوى العربية الوطنية الرافضة لاغتصاب الأرض والحقوق والثروات وهيمنة إسرائيل) لن تتمكن من القضاء على عملية السلام، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك.
وأكد الملك حسين في كلمته على أن السلام مع إسرائيل هو سلام كرامة والتزام وليس مجرد ورقة، وأن المعاهدة بكل ما فيها تحظى بدعمه وتأييده وبدعم السواد الأعظم من الشعب الأردني وقال عن وادي عربة:
«سيصبح هذا الوادي العظيم الذي نقف فيه وادي السلام عندما نلتقي لنبنيه ونجعله يزدهركما لم يحصل من قبل».
وقال الجنرال رابين: «أن إسرائيل والأردن سيتعاونان لجعل الزهور تنبت في الصحراء ويمكنني أن أؤكد لكم أننا سنكون مَنْ سيحول هذا المكان القاحل إلى واحة خصبة»، وأعرب شمعون بيريس عن الأمل في «أن يعم السلام والازدهار كل منطقة الشرق الأوسط وتنضم كل الدول في المنطقة إلى نادي السلام».
ووافقت الكنيست على المعاهدة بغالبية (105) أصوات في حين عارضها ثلاثة نواب وامتنع ستة آخرون عن التصويت، وحضر الاجتماع (114) نائباً من أصل الـ (120)، وكان السفاح ومجرم الحرب شارون من الممتنعين عن التصويت احتجاجاً على الفقرة التي تعترف بدور تاريخي للأردن في إدارة الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.
ووافق مجلس الأمة الأردني على المعاهدة وصدر قانون تصديقها رقم (14) في الجريدة الرسمية العدد (4001) بتاريخ 10/11/1994.
قراءة في نصوص المعاهدة:
تنص المادة (26) من قانون تصديق معاهدة وادي عربة على ما يلي:
«يتعهد الطرفان خلال ثلاثة أشهر من تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة بتبني التشريعات الضرورية لتنفيذ هذه المعاهدة وإلغاء أي تشريعات تتناقض مع هذه المعاهدة» ، وبالتالي تجعل معاهدة وادي عربة علاقات الأردن مع «إسرائيل» أهم من علاقاته مع الدول العربية الشقيقة، مما يؤثرتأثيراً سلبياً على علاقات الأردن العربية ودوره العربي والإسلامي ويشل تأثيره في الوطن العربي، وبموجب المعاهدة انفرد الأردن في التفاوض والصلح والتطبيع مع العدو التاريخي للعروبة والإسلام وانتهاك المواثيق والمعاهدات العربية وأضعف الموقف العربي الموحد، وعزز الوجود الإسرائيلي وأخل بالتزاماته القومية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك بتفضيل نصوص المعاهدة على المعاهدات والمواثيق العربية الثنائية والجماعية بما فيها اتفاقية الوحدة الاقتصادية وأحكام المقاطعة العربية.
تتضمن المعاهدة مقدمة وثلاثين مادة وخمسة ملاحق وتتناول قضايا الحدود والأراضي والمياه والأمن والمقدسات والبيئة والجريمة والمخدرات، وعبرت عن الاستجابة لمساعي إسرائيل بالاستفراد في كل طرف عربي على حده للحصول على أكبر التنازلات العربية والمكاسب والامتيازات.
يعترف الأردن في المادة الثانية من المعاهدة بسيادة «إسرائيل» وسلامتها الإقليمية ضمن حدود آمنة ومعترف بها.
وتنص المادة الثالثة حول الحدود الدولية ما يلي: «تحدد الحدود الدولية بين الأردن «وإسرائيل» على أساس تعريف الحدود زمن الانتداب البريطاني»، وبالتالي تشكل هذه المادة اعترافاً من الحكومة الأردنية بأن «إسرائيل» هي وريثة فلسطين العربية بحدودها إبان الانتداب البريطاني.
وتتضمن المادة الثالثة في البندين الثامن والتاسع مبدأ تأجير الأراضي الأردنية لليهود، أي استمرار بقاء المستعمرات والمزارع اليهودية فوق الأراضي الأردنية مع الاعتراف اللفظي والشكلي بالسيادة الأردنية عليها.
وأكدت الصحف الإسرائيلية أن التلال الاستراتيجية في وادي عربة قد ضمت إلى «إسرائيل»، وكذلك المستوطنات (المستعمرات) ومزارعها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من «إسرائيل» .
وتلقى الأردن مقابل الأراضي الأردنية التي ضمت أو أجِّرتْ مجاناً لإسرائيل ، وهي التلال الاستراتيجية والأراضي الخصبة التي أقيمت عليها المستعمرات والمزارع اليهودية أرضاً صحراوية قاحلة من أراضي فلسطين العربية.
وتعهد الأردن في الملاحق المرفقة بألا يطبِّق تشريعاته الجمركية على المتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم وبدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي وأسلحتهم إلى الأراضي الأردنية المؤجرة وعدم تطبيق قوانينه الجنائية في المنطقة.
إن نظرية تأجير أجزاء من الأراضي الأردنية التي احتلتها «إسرائيل» في الفترة الواقعة ما بين 1968 و1971 ولم يسمع الشعب الأردني عن احتلالها إلاّ خلال توقيع وادي عربة عام 1994 تعيد إلى الأذهان فترة الحروب والدول الاستعمارية التي كانت تفرض فيها الدول المنتصرة على الدول المهزومة التنازل عن السيادة على أجزاء من أراضيها باسم التأجير لفترة طويلة من الزمن.
وبالتالي «تؤكد المادة الثالثة من معاهدة وادي عربة أن الأردن لم يسترد أراضيه المحتلة كاملة وإنما استرد بعضها، كما أن «إسرائيل» صاحبة اليد العليا في المنافع التي ستعود عليها نتيجة لاحتفاظها ببعض المناطق الاستراتيجية الأردنية (الغنية بالينابيع المائية) .
ويعني القبول الأردني لهذه المادة تراجعاً عن مبدأ «الأرض مقابل السلام» ومرجعية مدريد وقرارات الشرعية الدولية، ونجاحاً إسرائيلياً بانتزاع سابقة من حكومة عربية رفض حتى السادات الموافقة عليها، وهي ضم أو تأجير شبر واحد من الأرض المصرية لإسرائيل في مستوطنة ياميت أو في طابا، مما يؤكد أن ما توصل إليه الأردن أسوأ بكثير مما توصل إليه السادات، حيث حرم الأردن من تطبيق قوانينه على جزء من أراضيه ووافق على تعهدات تنتقص من سيادته عليها لصالح «إسرائيل» والمستعمرين اليهود في الأراضي الأردنية.
وتتناول المادة الرابعة من المعاهدة موضوع «الأمن» وتعمل على توفير الأمن الإسرائيلي وإقامة شراكة أمنية إقليمية وتكريس مفهوم بيرس لنظام الأمن الإقليمي، ويتعهد الطرفان بمقتضاها الامتناع عن تنظيم الأعمال والتهديدات العدائية أو المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة وعن التحريض عليها أو المشاركة فيها.
ويندرج تحت هذه المادة كل نشاط سياسي وإعلامي، أي كل شكل من أشكال الكفاح والنضال العسكري والسياسي ضد «إسرائيل».
وهنا يتبادر لذهن المواطن العربي السؤال التالي: لماذا يوافق الأردن على التعاون في مجال الأمن مع إسرائيل وهل تتفق مصالح الشعب الأردني والأمة العربية في التعاون الأمني بين البلدين؟ وبشكل خاص ضد المقاومة الفلسطينية.
إن التعهدات الواردة في بنود المادة الرابعة من معاهدة وادي عربة تجعل الأردن يتولى حماية أمن حدود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما تسرح «إسرائيل» وتمرح في الضفة والقطاع والجولان وجنوب لبنان وتضع حجر الأساس لنظام الأمن الإقليمي، وتشكل إلغاءً عملياً لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتحول دون تحقيق تعاون أو تنسيق عسكري عربي مع الأردن في المستقبل، وبالتالي مقدمة لإقامة نظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط على حساب نظام الأمن القومي العربي وبقيادة العدو الصهيوني.
وتقيد بنود هذه المادة «حرية السياسة الأمنية والدفاعية الأردنية وتخضعها لمبدأ التعاون مع إسرائيل في مجال الأمن..، كما سيجد الأردن نفسه ملزماً باتخاذ الإجراءات الضرورية والفعالة للتأكد من أن الأعمال أو التهديدات بالعداء والمعاداة أو التخريب أو العنف لا ترتكب من أراضيه» .
وانطلاقاً من بنود هذه المادة توجه مجرم الحرب الجنرال باراك، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق قبل انعقاد قمة شرم الشيخ الأمنية إلى عمان لتنسيق المواقف خلال انعقاد القمة ولإقامة نظام الأمن الإقليمي.
وقام الأردن في مؤتمر القمة العربي في القاهرة عام 1996بدور خدم الإرهابي نتن ياهو بحجة التريث والانتظار حتى تتشكل حكومته الجديدة، وحاول تسويقه فيما بعد والترويج له وبرغبته للسلام مع الدول العربية.
وتتضمن المواد 1و2 و5 إقامة السلام الدائم وحسن الجواروالعلاقات الدبلوماسية والقنصلية الكاملة وبما يشمل العلاقات الاقتصادية والثقافية.
وتقرر المادة السادسة من الاتفاقية المتعلقة بموضوع المياه الحيوي للأردن ومواطنيه إذعان الأردن لانتقاص حقوقه الكاملة من المياه واعترافه بهيمنة إسرائيل على حقوقه المائية في نهري اليرموك والأردن كحق قانوني لإسرائيل.
وكان المشروع الأميركي لاستغلال مياه الأردن عام 1954 قد أعطى الأردن 150 مليون م3من النهرين العربيين اليرموك والأردن، ولكن انطلاقاً من مرجعية المفاوضات والحل الوسط.. رضخ الأردن ووافق على قبول (50) مليون م3 وتخزن في مياه بحيرة طبرية الملوثة، لقاء مياه الينابيع العذبة والنقية في المنطقة التي احتفظت بها إسرائيل في وادي عربة وحصة الأردن من مياه نهراليرموك النقية القادمة من سورية.
وتعالج المادة السابعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث يتضمن البند الأول منها تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وضمن إطار الاقتصاد الإقليمي، ويتعهد الأردن في البند الثاني من نفس المادة بالعمل على إلغاء المقاطعة العربية، وتتضمن الفقرة (ب) من نفس البند المخطط الإسرائيلي للهيمنة على الاقتصاد الأردني عن طريق التجارة والمناطق الحرة والاستثمار والأعمال المصرفية والتعاون الصناعي والعمالة الأردنية الرخيصة، وقيام الأردن بترويج البضائع الإسرائيلية في البلدان العربية.
تتناول المادة الثامنة موضوع اللاجئين والنازحين، وتتضمن الموقف الإسرائيلي من حق العودة للفلسطينيين إلى وطنهم فلسطين وعدم ربط قضية اللاجئين بقرارات الشرعية الدولية على الأقل وتحيل قضية اللاجئين إلى المفاوضات المتعددة الأطراف وقضية النازحين إلى اللجنة الرباعية المشكلة من إسرائيل والأردن ومصر وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، وتشير إلى توطين اللاجئين وتحميل العرب والمجتمع الدولي تبعات الاستعمار الاستيطاني اليهودي التي تطبقها إسرائيل في مجالات الهجرة اليهودية وترحيل العرب والمستعمرات اليهودية.
وتعبر هذه المادة الواردة في معاهدة وادي عربة عن أول وثيقة سياسية يوقع عليها الأردن وتقر بالتوطين وليس بتنفيذ حق العودة كحل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وتعتبر مشكلة اللاجئين والنازحين مشكلة إنسانية، وأن «إسرائيل» غير مسؤولة عن ترحيل وطرد الفلسطينيين قانونياً وأخاقياً ويتعهد الطرفان لإيجاد مخرج لها بتوطينهم في أماكن تواجدهم.
وتعطي «إسرائيل» بموجب المادة التاسعة للأردن مكانة في إدارة الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وبالتالي تكون إسرائيل قد وضعت نفسها قيِّمة على الأماكن الدينية في القدس العربية المحتلة , ومنحت الأردن الدورالذي يخدم مصالحها ويحقق أطماعها، مما يؤدي في النهاية إلى تعزيز وترسيخ الاغتصاب اليهودي للقدس العربية بشطريها المحتلين العربي والشرقي , وتهويد المقدسات العربية الإسلامية منها والمسيحية، ويكرسها في القدس كمرجعية للأردن والسلطة الفلسطينية ، مما يؤدي إلى التنافس بينهما.
وتنص المادة التاسعة على تعزيزحوار الأديان والذي يخدم فقط ما دونه كتبة التوراة والتلمود والاعتراف به وتغيير ما ورد في الديانتين المسيحية والإسلامية لمصلحة الأساطيروالخرافات والأطماع والأكاذيب التوراتية والتلمودية.
وتجعل هذه المادة «إسرائيل» المرجع وصاحب الصلاحية في إقرارالوضع النهائي لمدينة القدس كعاصمة موحدة وأبدية للكيان الصهيوني.
واعتبرت قيادة عرفات المتنفّذة في منظمة التحريرالفلسطينية أن ماجاء في هذه المادة بخصوص إعطاء الأردن والاعتراف بدوره في الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس بمثابة تحد لها وبداية معركة سياسية بينها وبين الأردن، واعتبرت أن إسرائيل قد خدعتها وانتهكت اتفاق الإذعان في أوسلو الذي ينص على بحث قضية القدس في مفاوضات الحل النهائي.
واعتبرت «أنَّ الأردن أصبح تابعاً لإسرائيل وداعماً لها بحكم المعاهدة التي وقعها، وأنَّ من الضروري التوجه إلى عمق عربي آخرله مقومات الإسناد، أي مصر».
وتؤدي المادة (11) الفقرة (أ) إلى حدوث انقلاب سياسي وثقافي لخدمة المشروع الصهيوني في الوطن العربي وتعزيزمكانة «إسرائيل» المغتصبة للأرض والحقوق والمقدسات العربية , حيث تنصُّ على الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية من قبل أي فرد أوتنظيم موجود في المناطق التابعة لأي منهما.
ويعني ذلك منع أي مواطن أردني من ممارسة حقه في التعبيرعن رأيه ومنع أي لجنة أو نقابة معادية لإسرائيل من هذا الحق، بينما تمارس إسرائيل الإرهاب والعنصرية والإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني كسياسة رسمية , وتدعم المستعمرين والمتطرفين اليهود وتعمل على تهويد القدس بشطريها المحتلين.
وتتناول المادة 13 النقل والطرق وتنصُّ على فتح وإقامة طرق ونقاط عبوربين البلدين وإقامة المشاريع المشتركة وطريق سريع يربط الأردن ومصر وإسرائيل بالقرب من إيلات (القرية الفلسطينية أم الرشراش).
وقال المهندس سفيان التل إن الصحف الأردنية ومنها العرب اليوم أكدت أن دائرة الأراضي والمساحة استملكت لصالح وزارة النقل أراضي عن طريق الحيازة الفورية تشمل أراضي من 58 قرية أردنية تمتد من الحدود مع الكيان الصهيوني إلى الحدود العراقية ، ويؤكد المسارخطاً لسكة الحديد يربط بين حيفا وبغداد وموازياً لخط أنابيب النفط القديم.
ويضيف التل «إن سكة الحديد هذه ستوصل الكيان الصهيوني من البحرالأبيض المتوسط إلى منابع النفط في العراق… وإن تصميم المشروع تمَّ خارج الأردن».
بدأت الأموال الأجنبية تتدفق إلى الأردن لإنشاء الطرق السريعة منذ أكثرمن ربع قرن كالطريق السريع الذي ربط القدس بعمان وسمي بطريق السلام.
وطرحت الصهيونية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي فكرة إقامة قناة البحرين من المتوسط إلى الميت، واقترح الكيان الصهيوني إنشاء قناة البحرين من البحرالأحمرإلى البحرالميت وتراجع عنه وتبناه الأردن وطرحه كمشروع أردني «والهدف من ذلك هو أن يموّل وينفذ مشروع قناة البحرين الأحمر والميت عربياً أو دولياً بدون مساهمة الكيان الصهيوني، وبالنتيجة سوف يستفيد الكيان الصهيوني من الأهداف المخططة لهذا المشروع بعد تنفيذه ».
وتعالج المادة (14) حرية الملاحة والوصول إلى الموانئ، وتعتبر مضيق تيران وخليج العقبة العربيين ممرات مائية دولية مفتوحة للملاحة والطيران فوقها , أمام جميع الأمم بدون إعاقة أو توقف، وهكذا يكون الأردن قد تبنى في هذه المادة الموقف الإسرائيلي الذي يعتبرخليج العقبة ومضائق تيران ممرات مائية دولية خلافاً للموقف العربي الذي يعتبر أن خليج العقبة خليج عربي مغلق ومضائق تيران جزء لايتجزأ من المياه الإقليمية المصرية.
وتتضمن المادة 20 أهمية كبرى للتنمية التكاملية لمنطقة أخدود وادي الأردن ليشمل ذلك مشاريع مشتركة في المجالات الاقتصادية والبيئة والمشاريع المرتبطة بالطاقة والسياحة، ووضع الكيان الصهيوني تصوره الكامل لتنمية أخدود وادي الأردن بمساعدة ودعم كاملين من الولايات المتحدة وزرع الأخدود من العقبة حتى البحر الميت وعلى جانبي القناة بالمستوطنات والمشاريع السياحية والفنادق الضخمة والبحيرات والحدائق النباتية والحيوانية.
ويخلص المهندس سفيان التل إلى القول: «إن هذا يعني أن كامل التنمية في أخدود وادي الأردن برؤيا وتخطيط إسرائيلي ولكن على أرض أردنية 100%» .
وتجسد المادة (23) تحت عنوان «العقبة وإيلات» الأطماع الإسرائيلية في مدينة العقبة العربية الأردنية حيث تنص على التعاون في تحقيق التنمية المشتركة لمدينتي العقبة وإيلات , وتنمية السياحة المشتركة والرسوم الجمركية المشتركة ومنطقة تجارة حرة، والتعاون في الطيران والشرطة والأمور البحرية، وذلك نظراً لطبيعة مساحة إيلات الضيقة جداً وحاجتها الماسة إلى مطار العقبة ومينائها.. وبالتالي نجحت بموجب هذه المادة في غرس أقدامها في مطاروميناء العقبة تماماً كما غرستها في منطقة الباقورة ومياهها العذبة ومدينة الحسن الصناعية .
وعالجت المواد من (13 ـ 23) علاقات النقل والطرق وحرية الملاحة والوصول إلى الموانئ والطيران المدني والبريد والاتصالات والسياحة والبيئة والطاقة وتنمية أخدود الأردن والصحة والزراعة والعقبة وإيلات.
تمَّ في بادئ الأمر الاتفاق على إقامة مطارمشترك في العقبة، وتراجعت عنه «إسرائيل» . واعتبرالمطارالأردني في العقبة مطاراً مشتركاً، وتتجه النية لإقامة مطارفي الأغوارلخدمة المصالح الإسرائيلية على حساب المزارع الأردني الذي سيفقد أراضيه الزراعية ونقل الخضارإلى بلدان الخليج.
وتعتبر المادة (26) من المواد الخطيرة في المعاهدة لأنها تنطوي على أفضلية المعاهدة على أي التزام سابق أو لاحق ولها الأفضلية حتى على التشريعات الأردنية، حيث تنص على إلغاء أي تشريعات متناقضة مع هذه المعاهدة.
ويتضمن الملحق الثاني للمعاهدة في مادته الثانية على «أن يتعاون الأردن وإسرائيل لبناء سد تحويلي على نهر اليرموك»، وكانت الأردن وسورية قد اتفقتا على إقامة سد الوحدة في الأردن على نهر اليرموك بتمويل كويتي على أن تكون المياه للأردن والكهرباء لسورية، فتدخلت «إسرائيل» ومنعت الأردن من تنفيذ الاتفاق , وتوقفت الكويت عن التمويل، وهكذا قضت «إسرائيل» على التعاون المائي المشترك لمياه نهر اليرموك بين الأردن وسورية.
لقد اتفق الطرفان، الأردن و«إسرائيل» على أن يأخذ الأردن (50) مليون متر مكعب من حصته من مياه نهر الأردن في المرحلة الحالية، حيث يعتقد المواطن الأردني أنها لقاء الينابيع العذبة الأردنية، التي تأخذها إسرائيل، شريطة أن يتم تخزينها في بحيرة طبرية الملوثة أولاً ثم تنساب منها إلى الأردن، مما أدى إلى أن يشرب المواطن العربي المياه الملوثة بالبراز البشري في العاصمة الأردنية.
فتحت مواد معاهدة وادي عربة والبروتوكولات الملحقة بها أبواب الأردن لإسرائيل وحوّلت الإعلام الرسمي إلى أداة لتلميع العلاقات الجديدة التي أرستها المعاهدة والتنازل عن الأراضي وتأجيرها مجاناً وعن حصة الأردن من الأنهر والمياه العربية، وتتضمن البنود السرية من الملاحق حول الأمن فسح المجال لنشاط الموساد في الأردن، مما أدى إلى محاولة اغتيال المواطن الأردني خالد مشعل في وسط النهار وفي قلب العاصمة الأردنية.
ويلتزم النظام الأردني بموجب المعاهدة (المادة الرابعة) بمنع أية أعمال عدائية في أراضيه ضد «إسرائيل»، وبعدم الانضمام إلى أية أحلاف واتفاقات تعتبرها «إسرائيل» موجهة ضدها، وعدم السماح لدول أخرى بإدخال قوات عسكرية إلى أراضيه ومن خلال التعاون بين الطرفين في مكافحة الإرهاب ومنع التسلل إلى الضفة الغربية المحتلة يلتزم الأردن بالقيام بالمحافظة على أمن احتلال «إسرائيل» للأراضي الفلسطينية.
وتعمل «إسرائيل» من خلال المعاهدة والاتفاقات العديدة التي وقعتها مع الأردن لتحويله إلى مجال حيوي مباشر للمصالح الإقليمية لإسرائيل واليهودية العالمية وإعادة صنعه كمنطقة تقودها إسرائيل للتوسّع وتحقيق الأطماع التوراتية والتلمودية في أرض ما يسمونه «أرض الآباء والأجداد»، وبالتالي أخشى على سيادة واستقلال وحرمة المملكة الأردنية في المرحلة المستقبلية القادمة ، لأنَّ الأطماع التلمودية في الأرض والثروات والحقوق العربية لا تقف عند حدود معينة بل تمتد أيضاً لتشمل شرق الأردن . وتفتح المعاهدة أبواب الأردن كمدخل لإسرائيل على دول الخليج والدول العربية المجاورة، فبعد أن كان الأردن يشكل عازلاً بين «إسرائيل» والعرب أصبح الأردن معبراً وجسراً لإسرائيل إلى الوطن العربي .
وصف الجنرال رابين السلام بين البلدين بالسلام الحاروقال عنه الوزير / يوسي سريد/ بأنه يتحرك سريعاً ولا بد من الوصول عبره إلى منطقة الخليج، وأعلن وزيرالزراعة / يعقوب تسور/ أنه بحث موضوع التصديرعن طريق الأردن إلى منطقة الخليج.
التمهيد الأردني للتصديق على المعاهدة
مهدت السلطة الأردنية لإضفاء الشرعية على معاهدة وادي عربة فأقدمت على حل مجلس النواب الحادي عشر والذي كانت تتمتع فيه القوى الوطنية الأردنية بحضورجيد، وجاء حله قبل نهاية المدة القانونية التي حددها الدستور الأردني في مادته 168.
وأصدرالأردن قانون الصوت الواحد المخالف لنص المادة (94) من الدستورلفسح المجال أمام أبناء العشائر للفوز بالانتخابات، وهذا ما حصل بالفعل وأدى إلى تصديق البرلمان على معاهدة وادي عربة.
ومررت الحكومة الأردنية أخطرالقوانين بعد أن وافق عليها المجلس الجديد بدءاً من قانون الصوت الواحد ومروراً بمعاهدة وادي عربة والعديد من الاتفاقات مع «إسرائيل» وحتى الهرولة في التطبيع والتعاون الأمني مع العدو الصهيوني .
مخاطرالمعاهدة :
ظهر بجلاء أن كل ما قيل من فضائل ومحاسن عن معاهدة وادي عربة ووعود الرخاء والازدهار التي بشّر بها العديد من المسؤولين في الأردن والجنرال رابين ومجرم الحرب بيرس قد ذهبت كلها أدراج الرياح، بل وشرب المواطن في بعض أحياء عمان حصته من المياه العربية ملوّثة بالطلاحب والبراز البشري الإسرائيلي، وحل الركود الاقتصادي والخلافات السياسية وتبين أن العدو الإسرائيلي لا يضمر الخير لا للأردن ولا للعروبة والإسلام أو حتى مبادئ وقرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي وافقت عليه الحكومات العربية.
وتشكل المعاهدة مخاطر كبيرة على الأرض والحقوق والثروات الأردنية ومستقبل الأردن العربي وعلى قضية فلسطين والأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى الوحدة العربية والمشروع العربي وعودة اللاجئين إلى ديارهم وعروبة القدس.
أعطى الأردن بموجب المعاهدة ,الشرعية لاستمراربقاء المستعمرات اليهودية والسيادة الإسرائيلية كلها، ومشروعية استمرارالاغتصاب الإسرائيلي لكل فلسطين العربية والمستعمرات اليهودية فيها.
وتزيد المعاهدة الانفراد والتفكك والانقسام والضعف العربي وتزيد غطرسة وتصلب وعنجهية إسرائيل وأطماعها المستقبلية في الأرض والحقوق الفلسطينية والأردنية ، والأمة العربية.
إن المعاهدات التي وقعتها مصروقيادة عرفات والأردن مع «إسرائيل» برعاية يهود الولايات المتحدة والرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلنتون ما هي إلا ثمرة من ثمرات حرب حزيران العدوانية وتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية في الوطن العربي، وإعادة تنظيم للاحتلال وشرعنته وتثبيته على حساب العروبة والإسلام والوحدة العربية والمشروع العربي وتصفية قضية فلسطين وتهويد المقدسات العربية وإقامة إسرائيل العظمى الاقتصادية والقضاء نهائياً على عروبة القدس وتدميرالمسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه .
خلاصة القول إن الأردن لم يسترجع سيادته الكاملة على أرضه، ولم يسترجع كامل حقوقه في مياهه، وقيّد سياسته الأمنية والدفاعية وتحالفاته الإقليمية بمتطلبات الأمن الإسرائيلي , وتنازل عن القدس الشرقية , العاصمة الثانية للمملكة الأردنية .
وأبعدت المعاهدة الأردن عن أمته العربية وقرّبته من «إسرائيل»، وجعلت العلاقات مع العدو الإسرائيلي علاقات استراتيجية . وأنهت الثوابت الوطنية والقومية وأحلّت الهوية الشرق أوسطية، ووجهت ضربة قاسية للتنسيق والتعاون العربي المشترك، وكرّست سوابق جديدة استجابت فيها للاستعمار الاستيطاني اليهودي، ووافقت على تصفية قضية فلسطين , وتنازلت عن الهوية العربية لصالح الهوية الشرق أوسطية , وتجاوبت مع محاولات هيمنة «إسرائيل» على الوطن العربي.
إنَّ الأردن بحاجة إلى مجلس نيابي وحكومة وطنية ـ تلغي معاهدة وادي عربة تماماً كما ألغت حكومة سليمان النابلسي المعاهدة الأردنية ـ البريطانية.
تداعيات المعاهدة:
مرت عشرون سنةً على توقيع معاهدة الإذعان الأردنية ـ الإسرائيلية في وادي عربة ولا يزال العدو الصهيوني يمارس أبشع أنواع الاستعمارالاستيطاني في القدس المحتلة، العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية والتي احتلها من الأردن بالقوة العسكرية في حرب حزيران العدوانية عام 1967، ويعلن المرة تلو الأخرى على لسان كبار مسؤوليه من جنرالات وقادة سياسيين عن عزمه تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين، مما يشكل تهديداً مباشراً لوجود وكيانية المملكة الأردنية لتحقيق نظرية المجال الحيوي للصهيونية من النيل إلى الفرات بإقامة «إسرائيل العظمى» الاقتصادية عبر مشروع الشرق الأوسط الجديد.
وتعتبر مساعي توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن من أخطر المخططات التي يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحقيقها وخاصةً بعد توقيع معاهدة الإذعان في وادي عربة.
وعلى الرغم من الإملاءات والضغوط الأمريكية لجعل الأردن بوابة التطبيع لبلدان الخليج وشمال العراق أفشل الشعب الأردني التطبيع على المستوى الشعبي، وفشلت الحكومات الأردنية المتعاقبة بفرض التطبيع وثقافة التطبيع على الشعب العربي في الأردن عن طريق المؤسسات الحكومية.
وذهبت أكاذيب حكومة عبد السلام المجالي والرئيس بيل كلنتون والجنرال رابين حول الازدهار والرخاء الاقتصادي الذي سيعمًّ الأردن أدراج الرياح، وزادت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحريات العامة سوءاً عاماً بعد عام منذ توقيع الاتفاقية عام 1994وازداد الاستبداد والفساد وكبت الحريات وهيمنة المخابرات على المجتمع الأردني .
إنَّ الوعود الكاذبة والمضللة والمخادعة التي أطلقها مهندسووموقعو معاهدة الإذعان حول الرخاء الاقتصادي والاستقرارالأمني والسلام الإقليمي ظهرت على حقيقتها جراء الحروب التي أشعلها العدو الإسرائيلي والمجازروجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها.
وأخذ الكيان الإرهابي يغذّي الخلافات والتنافس والصراع بين بعض رجالات السلطة الفلسطينية وبين السلطات الأردنية، وأفقد السلام المزعوم, السلام بين العرب أنفسهم، حيث تتناقض فكرة الصلح مع الكيان الصهيوني مع جوهرالوحدة العربية ، وتتماهى مع تمزيق الوطن العربي والقضاء على الوحدة العربية وبث الطائفية والمذهبية والعرقية لتفتيت الدول العربية الكبيرة وإعادة تركيبها بما يخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد وهيمنة الكيان الصهيوني على الوطن العربي.
وظهربجلاء أن المعاهدات التي وقعها السادات قد أخرجت النظام المصري من الصراع مع العدو الصهيوني، واتخذ الرئيس المخلوع مبارك خطاً معادياً للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ويعمل على تسويق المخططات الإسرائيلية والأمريكية على حساب الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.
واعترف عرفات في اتفاق الإذعان في أوسلو بالكيان الصهيوني في 78% من مساحة فلسطين وأنهى الانتفاضة الأولى وتخلى عن مقاومة الاحتلال، وتبنى استراتيجية المفاوضات المدمرة مما أعطى العدو الوقت الكافي لتهويد القدس بشطريها المحتلين وأجزاء هامة من بقية الضفة الغربية، وألغى الميثاق الوطني، وأدخل قضية فلسطين في نفق مظلم وشطب على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، وأخرجت معاهدة وادي عربة الأردن من الصراع مع العدوالصهيوني وحولته إلى حارس لاحتلال «إسرائيل» للأراضي الفلسطينية وتعزيزالتعاون الأمني معه لإحباط عمليات المقاومة.
وتضمنت معاهدة وادي عربة تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني وإقامة المناطق الصناعية الإسرائيلية في الأردن لضرب المنتجات الأردنية والعربية وخاصة صناعة النسيج والألبسة، مما ولد نتائج اقتصادية خطيرة نتجت عن سياسة التطبيع مع العدو.
تعتبر معاهدة وادي عربة إذعان وباطلة لأنها نتجت عن استخدام العدوللقوة في حرب حزيران العدوانية واستغلال احتلال الأراضي ودورالراعي الأمريكي المنحاز للعدو الإسرائيلي لتوقيعها، وهي باطلة انطلاقاً من اتفاقية فيينا حول المعاهدات ومن الناحية الدستورية، لأن مجلس نواب الضفتين لم يبت في قرارفك الارتباط غير الدستوري، مما يؤكد حاجة الأردن الماسة إلى ملك دستوري بصلاحيات محدودة وليست مطلقة.وفك التحالف الاستراتيجي مع العدو الصهيوني .
كان للأردن حق استعادة الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية بموجب قرار مجلس الأمن 242 الذي أكد على حق الأردن باستعادة الضفة الغربية بما فيها القدس، وجاءت اتفاقية الإذعان وأفقدت الأردن حقاً مكتسباً بموجب قرارات الشرعية الدولية باستعادة الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية باعتبارها جزءاً من الأردن، وبالتالي انعكست المعاهدة سلباً على الأردن.
تشكل معاهدة وادي عربة انتهاكاً لسيادة الأردن وحقوق شعبه واستفزازاً للمواطن الفلسطيني والأردني والعربي والمسلم، وذلك لاستمرار الاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات العربية واستخدام القوة والتهديد باستخدامها وتهويد حائط البراق وساحة المغاربة وزرع عشرات الكنس اليهودية حول المسجد الأقصى وداخله وتحته مقدمة لتدميره وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه.
كبّلت معاهدة الإذعان الحكومات الأردنية بقيود سياسية وأمنية واقتصادية وأخرجتها من الصف العربي الإسلامي، وأخذت تعمل على تسويق بعض المخططات الإسرائيلية في الأردن نفسه وبعض البلدان العربية.
آن الأوان لتحقيق مطالب الشارع الأردني بما فيه مطالب أحزاب المعارضة وشباب 15 أيار بإلغاء المعاهدة تماماً كما ألغى الأردن المعاهدة الأردنية ـ البريطانية عام 1957.
وأكَّد العديد من المحللين الإسرائيليين أن دوائرحكومية أردنية أعربت عن التشاؤم وخيبة الأمل الكبرى بعد مرورعشرين عاماً على توقيع المعاهدة، لأن هذه الدوائراعتقدت أن المعاهدة محطة على طريق حل الصراع العربي الصهيوني ولإحلال الرخاء الاقتصادي..وهذا الزعم لم يحدث على الإطلاق .
وكان ملك الأردن قد أصيب بخيبة أمل كبرى من نتنياهو حتى أنه عندما أصيب الملك بمرض خبيث أطلقوا عليه جرثومة بيبي، وكررالملك عبد الله الثاني خيبة أمله من نتنياهو وقال: «أعطاني قائمة من الوعود ولكنه لم ينفذ حتى الآن أي واحد منها ».
جسدت معاهدة وادي عربة مفهوم التعاون الشرق أوسطي بين الأردن والكيان الصهيوني على حساب علاقة الأردن العربية ـ في خمس عشرة مادة تتعلق بالتعاون الاقتصادي وتطبيع العلاقات، ووضعت الأسس لتنسيق أمني وسياسي أصبح الأردن الرسمي من خلالها ملزماً بالتعاون ضد أي شكل من أشكال العداء للعدوالإسرائيلي وإلغاء كافة الإشارات والتعبيرات العدائية في التشريعات وفي كافة المطبوعات الحكومية وذلك بموجب المادة 11 من المعاهدة.
وتنص المادة 26على إنهاء أي التزامات دولية وأي تشريعات تتناقض مع هذه المعاهدة، وتعني هذه المادة أن نصوصها تسموعلى كل المعاهدات الأخرى التي وقعها الأردن، مما يرسخ التبعية للكيان الصهيوني.
وأصبح الأردن من أكبر المراكز العربية للتعاون الشرق أوسطي مع الكيان الصهيوني ولتطبيع العلاقات معه والانطلاق لتعميم التطبيع على بلدان الخليج.
وجاءت مؤتمرات دافوس الاقتصادية التي عقدت في البحر الميت وعمان لدمج الكيان الصهيوني في النسيج الاقتصادي للمنطقة وصهينتها وإقامة «إسرائيل العظمى» الاقتصادية.
ووضعت المعاهدة الأردن أكثرفأكثر تحت وصاية المؤسسات الاقتصادية الدولية، مما أدى إلى رفع الضرائب والرسوم على الفئات الشعبية وتخفيضها عن الشركات الأجنبية، وبيع القطاع العام بأسعار زهيدة جداً، وكرست إجراءات الحكومات الأردنية نحوالخصخصة تبعية الاقتصاد الأردني للخارج، واندلعت أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ترافقت مع انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية.
وجاءت معاهدة الإذعان في وادي عربة التي غيّرت موقف الأردن في التعامل مع قضية فلسطين والتعاون الأمني مع العدوالصهيوني المحتل ضد حركة المقاومة الفلسطينية وتطبيع العلاقات معه، وتحويل الأردن إلى جسر لترويج المنتجات الإسرائيلية، وتغيير المناهج الدراسية في المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية، وحذف تعليم قضية فلسطين، وتصعيد القضية الأمنية، وخنق حرية الرأي والصحافة وحركة الشارع الأردني مما يتطلب ملكية دستورية وإصلاحات ديمقراطية واقتصادية، والانتقال إلى النهج الوطني الذي يخدم مصلحة الوطن والمواطن في إطارالمصلحة القومية ومؤسسات العمل العربي المشترك وتقوية العلاقات مع بلاد الشام.
وجاء الدور الأمني، الذي تقوم به قوات الأمن الأردنية لمنع عمليات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وإعفاء (2500) سلعة إسرائيلية من الرسوم الجمركية بموجب البروتوكول الملحق باتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي بين الأردن و«إسرائيل» المنبثق من معاهدة الإذعان في وادي عربة ليزيد من تطبيع العلاقات مع المحتل الإسرائيلي على حساب قضية فلسطين ومصالح الأردن الوطنية والقومية.
وأسقطت معاهدة الإذعان في وادي عربة قضية اللاجئين وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم تطبيقاً لمبادئ القانون الدولي والعهود والمواثيق الدولية ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقرار 194 وأسوة بالتعامل الدولي، مما أدى إلى تصديرالكيان الصهيوني مشاكله وأزماته إلى الداخل الأردني وحلها على حساب فلسطين والأردن والأمة العربية، وهذا يفقد السياسة الأردنية بعديها الوطني والقومي، وبرميل بارود قابل للانفجار لإشعال فتنة داخلية خطيرة ويزيد من التدخل الأجنبي في شؤون الأردن الداخلية ومن تبعيته للخارج.
إن مواد معاهدة الإذعان في وادي عربة مشروع لتصفية قضية فلسطين ولتفتيت وحدة الشعب الأردني وبث الفتنة في أوساطه وتهديد السلم الأهلي، لذلك فإن إسقاط معاهدة الإذعان في وادي عربة يخدم الوحدة الوطنية ووأد الفتنة الأهلية، ويضع الأساس السليم للعلاقة الأردنية الفلسطينية في مواجهة الخطرالصهيوني الذي يشمل الأمة بأسرها والمحافظة على وحدة المملكة الأردنية بملك دستوري ونظام انتخابي ديمقراطي بعيد كل البعد عن العشائرية والتبعية للكيان الصهيوني.
أثبتت الوقائع أن قانون الانتخاب القائم على الصوت الواحد قد تم إقراره لتمرير معاهدة الإذعان في وادي عربة، كما أن تصعيد القبضة الأمنية وسريان الأحكام العرفية ساعد في تمريرالمعاهدة ,وتنفيذ استحقاقاتها وتكريس نهج التبعية للولايات المتحدة الأمريكية، وقمع حرية الرأي والتعبير.
وأدى الالتزام بمواد معاهدة الإذعان إلى تغوّل أجهزة الأمن وبقية الأجهزة الحكومية ضد حرية المواطنين وحقوقهم الدستورية وفي مقدمتها حقوق الإنسان لفرض نهج وادي عربة المذل، وبالتالي أدت المعاهدة إلى وأد مشروع دمقرطة الأردن وتغوّل أجهزة الأمن الأردنية في التصدي للمقاومة الفلسطينية وفبركة برلمانات تجسد التبعية المطلقة للحكومة ولنصوص معاهدة الإذعان في وادي عربة.
فرض العدو الصهيوني الذي أشعل حرب حزيران العدوانية وانتصر فيها شروطه على الجانب الأردني الضعيف والمهزوم وبرعاية وتسويق الولايات المتحدة وشراء موقف الحكومة الأردنية بالمساعدات السنوية التي تدفعها واشنطن لتأزيم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الأردن ودفعه أكثروأكثر للاستجابة إلى الإملاءات الإسرائيلية وخدمة مصالح إسرائيل الاستراتيجية .
أدت معاهدة الإذعان إلى تكريس تبعية الأردن من خلال النص في المادتين 25 و26 وتنصّان على أن نصوص المعاهدة تسموعلى غيرها من المعاهدات لتكريس التبعية على قاعدة احترام المعاهدة الموقعة تماماً كما حصل في اتفاقيتي كامب ديفيد اللتين وقعهما السادات والتزم بهما الرئيس المخلوع حسني مبارك.
إنَّ أي مشروع نهضوي ديمقراطي وتغييروإصلاح حقيقي في أي بلد من البلدان العربية يجب أنْ يكون عربياً مناهضاً للصهيونية والإمبريالية ومتمسكاً بعروبة فلسطين والحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني وفي طليعتها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم بموجب القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
احتلت «إسرائيل» في الحرب التي أشعلتها عام 1967 القدس الشرقية العاصمة الثانية للمملكة الأردنية، والتي كانت ولا تزال دستورياً جزءاً لا يتجزأ من المملكة، واحتلت في عامي 1969 و1971 أراضٍ أردنية من وادي عربة وسمع الأردن والوطن العربي والعالم أجمع لأول مرة باحتلال شارون لهذه الأراضي الأردنية إبان توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994.
نددت وتندد المسيرات الشعبية في عمان بالتواجد الإسرائيلي على الأراضي الأردنية وتطالب بطرد السفيرالإسرائيلي وقطع العلاقات ووقف التطبيع وإلغاء اتفاق الإذعان في وادي عربة.
وتطالب أحزاب المعارضة بالانسحاب الإسرائيلي الشامل ورفض الاحتلال وعودة اللاجئين إلى ديارهم، ورفض التوطين والوطن البديل، وتعتبرأن وجود السفارة الإسرائيلية على الأرض الأردنية تكريس للاحتلال وشطب حق عودة اللاجئين والسكوت عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها «إسرائيل» بحق الشعب العربي الفلسطيني.
ورفعت المسيرات بمناسبة الذكرى السنوية للخامس عشرمن أيارعام 2013 شعارات: «الشعب يريد تحريرفلسطين» و«الشعب يريد إسقاط وادي عربة » و«اسمعي يا إسرائيل الأردن مش وطن بديل».
لقد حان الوقت أكثر من أي فترة مضت كي يستجيب الملك عبد الله الثاني لرغبة شعبه ومناصرة الشعب الفلسطيني المضطهد بإغلاق سفارة العدو في عمان وإلغاء معاهدة الإذعان في وادي عربة.
خلاصة القول يقف الشعب والبرلمان الأردني ضد معاهدة وادي عربة ويطالب بإلغائها وصد السفارة الإسرائيلية ويطالب بإغلاقها، ويؤكد على عودة اللاجئين وتحرير فلسطين.
جاء توقيع المعاهدة لصالح العدوالصهيوني وعلى حساب الحقوق الوطنية الثابتة غيرالقابلة للتصرف للشعب الفلسطيني وعلى حساب الأردن وحقوقه وكرامته ودوره العربي، وكشفت عن بعض العلاقات السرية بين الأردن وإسرائيل.
تنازل رئيس الوزراء الأردني عبد السلام المجالي في معاهدة الإذعان عن أراضي الباقورة الأردنية التي احتلها العدوالصهيوني ، وأقام عليها المستعمرات اليهودية ومشاريع زراعية وشرطة وجمارك إسرائيلية وحفرفيها 23 بئراً ارتوازياً تتدفق مياهها العذبة إلى المستعمرات اليهودية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بدلاً من أن تتوجه للقرى والبلدات الأردنية التي بأمس الحاجة لمثل هذه المياه النقية.
وأدت معاهدة وادي عربة إلى إغراق السوق الأردني بالمنتجات الزراعية والسلع الإسرائيلية، مما ألحق أفدح الأضرار بالمزارعين والمنتجين الأردنيين.
وتلعب الحكومة الأردنية دورشاهد الزوربإخفاء مصدرالبضائع الإسرائيلية عن شعبها لحمله على شرائها، وجعلت المعاهدة الأردن جسراً للتغلغل الإسرائيلي في بلدان الخليج وبعض البلدان العربية الأخرى .
وأحيت المعاهدة مشروع قناة البحرين الصهيوني ومشروع سكة حديد حيفا ـ بغداد ومد خطوط أنابيب النفط والغازوإقامة الطرقات السريعة كطريق السلام بين القدس وعمان.
وقامت الحكومة الأردنية بتغييرالمناهج الدراسية بما يتناسب مع مواد المعاهدة ولتصفية عروبة فلسطين وتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي.
وتقوم السلطات الأردنية بتبادل المعلومات مع الكيان الصهيوني لإحباط عمليات المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي وحماية حدود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ويعتبرالتطبيع والشرق أوسطية من أهم سمات معاهدة وادي عربة، ويعني التطبيع إقامة علاقات طبيعية مع عدو الله والوطن والمواطن ومع من اغتصب القدس مدينة الإسراء والمعراج وشرد ستة ملايين لاجئ فلسطيني في أصقاع الدنيا كافة ، ومع من اغتصب حقوق وأراضي وعقارات ومياه الشعب والأمة.
وأدت المعاهدة إلى صناعة طبقة غنية جراء تعاملها مع العدولتسويق منتجاته في الأردن وفي بلدان عربية أخرى.
إن المطالبة بإسقاط معاهدة الإذعان في وادي عربة وبإغلاق السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأردنية عمان وبملكية دستورية واحترام حقوق الإنسان والقواعد الديمقراطية مطلب عادل وحضاري ومحق ويتماشى مع روح العصر ومع أبسط المفاهيم الديمقراطية التي تفرض نفسها يوماً بعد يوم في الوطن العربي بفعل المسيرات والمظاهرات والانتفاضات والحراك الشعبي لتكريس خيارالمقاومة وتعزيز ثقافتها وتحريرالأراضي العربية المحتلة، والقضاء على الكيان الصهيوني ككيان استعماراستيطاني غريب عن المنطقة، دخيل عليها، جاء من وراء البحاربدعم وتأييد كاملين من الدول الاستعمارية على شكل قوة حليفة لها ومعادية لشعوبها.

المصــادر:
1 ـ جريدة المجد الأردنية في 7/8/2000 .
2 ـ المصدر السابق نفسه.
3 ـ الحياة اللندنية في 27/4/1994.
4 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 20، بيروت 1994، ص99.
5 ـ المجد الأردنية في 21/8/2000.
6 ـ مجلة الحرية، دمشق في 30/10/1994، ص10.
7 ـ المحامي حسين مجلي، المجد في 7/8/2000 .
8 ـ د. جمال الخطيب، المجد في 14/11/1994.
9 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 20، بيروت 1994، ص108 ـ 109.
10 ـ انظر: نصوص معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل المادة 13 الفقرات: 2 و3 و4.
11 ـ المهندس سفيان التل، جريدة العرب اليوم في 13/8/2009.
12 ـ العرب اللندنية في 7/7/2009، ص6.
13 ـ المصدرالسابق نفسه.
14 ـ المصدرالسابق نفسه.
15 ـ المحامي حسين مجلي، المجد الأردنية في 7/8/2000 .
16 ـ السفيرفي 26/10/2009 .