الرئيسية / دراسات / سياسات الانتشار النووي: دراسة في المحددات السياسية والأطر القانونية
jkrii-policies-of-nuclear

سياسات الانتشار النووي: دراسة في المحددات السياسية والأطر القانونية

مقدمة:
تحتل قضية حيازة وإنتشار الأسلحة النووية بؤرة الإهتمام العالمي لإرتباطها الوثيق بالأمن والسلم الدوليين ويقصد بالإنتشار النووي: الإتساع المستمر في أعداد الدول الحائزة للخبرات والمهارات والوسائل والإمكانات التي تساعدها على إنتاج طاقة نووية سواء للتطبيقات السلمية أو للأغراض العسكرية أو لكليهما معاً، مع ما يحمله ذلك من أخطار محققة على مستقبل السلم والأمن الدوليين.
إن المشكلة الخاصة بالحد من الإنتشار النووي من خلال ضوابط وترتيبات دولية فعالة كانت شاغلاً رئيسياً للأمم المتحدة منذ الستينيات من القرن الماضي، وذلك بإعتبار أن هذا التقييد من شأنه أن يقلل من إحتمالات وقوع حرب نووية كبيرة كانت أم محدودة، كما أنه كان يوفر السبل أمام تركيز إستخدامات الطاقة النووية في المجال السلمي وحده تحت شعار “طاقة نووية نظيفة للبناء لا للقتل والتدمير”، وعلى الرغم من الجاذبية الشديدة لهذا الهدف الإنساني فإن ثمة عراقيل كثيرة معظمها تقني ماتزال تحول دون التوصل إلى نتائج عملية مرضية في هذا المضمار.
وترتبط أولى تلك العراقيل بالكيفية التي تتوزع بها القدرات النووية على المستوى الدولي مما يؤدي إلى تشتيت جهود الحظر والتقييد وبالتالي الإنتقاص من فاعلية الرقابة الدولية على الأنشطة النووية التي تجري داخل حدود الدول.
وتتحدد الصعوبة الثانية في التجهيزات المعملية المستخدمة في إنتاج الوقود النووي وفي عمليات الفصل الكيميائي وهي المراحل الرئيسية لتصنيع المواد التي تنتجها المفاعلات النووية، وأينما وجدت تقنية الفصل الكيميائي فإنه يصبح من السهل إنتاج البلوتونيوم اللازم لتصنيع السلاح النووي، وهو الأمر الذي يزيد من إحتمال إرتفاع عدد الدول الحائزة للأسلحة النووية في المستقبل المنظور.
أما ثالث العقبات أمام جهود حظر إنتشار الأسلحة النووية فهي تتمثل فيما يعرف بأجهزة التفجير النووي، فهذه الأجهزة وإن كان يمكن الإفادة منها في مضمار التطبيقات العلمية للطاقة النووية فإنه من الصعب تمييزها فنياً عن الأسلحة النووية، بل الأهم من ذلك أن الأسس التقنية المستخدمة في تطبيقها تبدو أحياناً وكأنها أكثر تعقيداً من التكنولوجيا الداخلة في إنتاج الأسلحة النووية، ومن هنا تصبح جهود مكافحة الإنتشار النووي غير ذات جدوى دون ان يصحبها إيقاف تام لحركة نقل وتصدير هذه المعدات كما هو الحال بالنسبة للحظر الوارد على نقل الأسلحة النووية، ولقد أثبتت التجربة أن التصدي لهذه المشكلة بالذات يواجه بمقاومة بعض الدول التي ترفض التعاون مع أي محاولة دولية ترمي إلى قصر إستخدامات الطاقة النووية على الأغراض السلمية وحدها متذرعة في ذلك بالمنطق القائل أن مثل هذا الحصر يؤدي إلى التبعية الكاملة للدول النووية حتى في المجالات ذات الأهمية الحيوية للدول النامية.
ويذكر انه عندما تم التوقيع على إتفاقية حظر الإنتشار النووي عام 1968 ثارت تساؤلات دولية واسعة حول مفهوم الإلتزام الذي نصت عليه المادتان الأولى والثانية من المعاهدة والذي يقوم على تعهد الدول النووية بألا تقدم بأي صورة من الصور على مساعدة أو تشجيع أو إغراء الدول غير النووية على إنتاج الأسلحة النووية أو الحصول عليها أو التحكم فيها، كما تتعهد الدول غير النووية بالإمتناع عن قبول أية مساعدة لإنتاج تلك الأسلحة، وهذا الإلتزام المتبادل لا يخلو بدوره من صعوبات فنية تثور في مجال التطبيق.
إذ من المعروف أن أي مساعدة نووية دولية يمكن أن تكون ذات قيمة لأغراض إنتاج الأسلحة النووية، ومن ثم فما دام أنه يتعذر القطع بأن نوعاً معيناً من أنواع المساعدة بالخبرة التقنية في مجال الطاقة النووية لا يساعد على إنتاج هذه الأسلحة التي تحظرها المعاهدة، فإن تفسير تلك النصوص يمكن أن يتسع بصورة لاموضوعية حتى يمكن النظر إلى أي نوع من المشاركة بالخبرة التقنية على أنه يشكل تجاوزاً لهذا التعهد والخروج عليه.
من هنا يبرز تساؤل جوهري مفاده: هل مجرد النص على تلك التعهدات المتبادلة كفيل بإحتواء معضلة الإنتشار النووي؟

إن الرد على هذا التساؤل يأتي بالسلب لعدة مبررات:

إن هناك أموراً لا تصل إليها إجراءات الرقابة الدولية الفعالة على حظر الإنتشار النووي، فقد تقدم بعض الدول على إقامة برامج سرية لإنتاج الأسلحة النووية وتكون هذه البرامج منفصلة تماماً عن برامجها الخاصة بالإستخدام السلمي للطاقة النووية وذلك من قبيل التعتيم والتمويه.
إن الضمانات التي ترمي إلى عدم التحول ببرامج الطاقة النووية السلمية إلى المجالات العسكرية قد تحوي في ثناياها الكثير من التعقيدات الفنية التي من أمثلتها كيفية ربط النظام الدولي للضمانات الذي تطبقه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالنظام الإقليمي الذي تطبقه منظمة الطاقة الذرية الأوروبية (اليوراتوم)، وهل يعني ذلك ان تلتزم اليوراتوم بتنفيذ ذات الترتيبات الدولية ام تكتفي بتطبيق إجراءاتها الخاصة في هذا الصدد؟
إن المشاركة في المواد والأجهزة والمعلومات النووية طبقاً لما نصت عليه المادة الرابعة من معاهدة حظر الإنتشار النووي، تثير تساؤلاً جوهرياً ألا وهو: هل من حق الدول المتخلفة نووياً أن تطلب من الدول المتقدمة نووياً تزويدها بالمعلومات والأجهزة التي تمكنها من تحديث وتطوير أنشطتها النووية لأغراض سلمية؟ أم أن الأمر إختيارياً وليس إلزامياً؟ واضح من صياغة المادة الرابعة أن الأمر برمته معقود على إرادة ورغبة الدول المتقدمة نووياً، إضافة إلى أن هذه المشكلة سوف تبدو أكثر تعقيداً مع الزيادة الهائلة التي ستطرأ مستقبلاً على حجم التعامل بين الدول في تلك الأجهزة والمواد النووية على نحو قد ينشيء سوقاً دولية واسعة للتجارة في هذه المواد والتقنيات المتقدمة، وهو ما يعد مصدراً إضافياً مهدداً لمتطلبات السلم والأمن الدوليين.
هذه القضايا الشائكة وغيرها، التي تثيرها مسألة حظر إنتشار السلاح النووي، تتداخل فيها الحدود بشكل يفتح الباب أمام العديد من التأويلات والتفسيرات المعقدة لاسيما ان مطلب حيازة طاقة نووية لأغراض سلمية أضحى ملحاً بل ومشروعاً من منظور إتفاقية حظر إنتشار السلاح النووي ذاتها، وهو ما يطرح معضلة مدى مشروعية تطلعات الدول إلى الحيازة النووية وهل يقف الحد عند إستغلالها لأغراض سلمية أم يتطور إلى تصنيع السلاح النووي حال إستشعار الدولة بتهديد أمنها القومي وسلامتها الإقليمية ولو على سبيل الردع للخصم؟

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة في حقيقة أن سياسات الإنتشار النووي قد اكتسبت أهمية كبيرة في الفترة الأخيرة على الصعيدين الدولي والإقليمي وأصبحت على جدول أعمال كثير من المؤتمرات ذلك ان انتشار الاسلحة النووية بين دول ليست فى مستوى الدول العظمى يطرح مشاكل عويصة تثير القلق وتحمل على الارتياب بخصوص مدى فعالية الردع النووى.
بالاضافة الى ان من بين هذه الدول من يعيش اوضاعاً داخلية مضطربة لا تستقر على حال، فمنها من لا تتوفر لها المقومات الأصيلة للدول وتفتقر إلى شعب متماسك تجمع بين مكوناته قيم مشتركة وهوية راسخة، ومنها من تنخر الامية والتخلف في جسده، ومنها من تفرز لعبة الديمقراطية لديه حكاما ليسوا مؤهلين لتقييم الاوضاع الدولية تقييماً سديداً، وبالتالى لتحمل مسئولية حيازة اسلحة فى غاية الخطورة.
هكذا يخشى ان يزيد إنتشار الاسلحة النووية من احتمال ارتكاب اخطاء تقنية خطيرة او حدوث حروب نووية محدودة مهددة للسلم العالمى،أو وقوع الحرب بالخطأ ولسوء التقدير للعواقب الوخيمة، او بايحاء من دول عظمى ولحاجة فى نفسها، كاضعاف قوة اقتصادية او احداث تغيير جذرى فى وضع اقليمى واعادة ترتيب موازينه بما يلبي مصالح هذه الدولة العظمى. ولكن في نفس الوقت يطرح الرأي القائل بأن الدول تغدو أكثر أمناً وسلاماً وأوفر ردعاً للخصوم بحيازة ترسانة نووية، وبين محاذير الإنتشار النووي من جهة ومتطلباته المسوغة له أحياناً من جهة ثانية.

مشكلة الدراسة والتساؤلات البحثية:

تتمثل المشكلة البحثية المحورية في مدى مشروعية تطلعات الدول إلى الحيازة النووية وهل يقف الحد عند إستغلالها لأغراض سلمية أم يتطور إلى تصنيع السلاح النووي حال إستشعار الدولة بتهديد أمنها القومي وسلامتها الإقليمية ولو على سبيل الردع للخصم؟.

منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على الاقتراب النظمي: (System approach)فمن خلال منهج النظم يمكن دراسة أهداف النظام السياسى والوحدات المكونة له وتفاعلها فيما بينها أو بين النظام كوحدة واحدة وبين البيئة الخارجية، وكيف يحافظ النظام على ذاته.
ويعتقد بعض علماء العلاقات الدولية أن منهج النظم هو المنهج الوحيد المتاح الذى يستطيع الإلمام بمختلف المتغيرات التى تؤثر فى الحركة السياسية الدولية من خلال دراسة التفاعل والإعتماد المتبادل بين الدول أعضاء النظام الدولى، ويوفر هذا المنهج المعيار القياسى اللازم لشرح السياسة الدولية والذى من شأنه زيادة فهم الظاهرة محل البحث وزيادة قدرة الباحث على التنبؤ والضبط نتيجة للشمول والدقة فى صياغة القوانين.

تقسيم الدراسة:

تم تقسيم الدراسة إلى أربعة مباحث يحلل أولها ملامح البيئة الدولية الراهنة التي تبلورت بعد إنتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفييتي، بينما يحلل المبحث الثاني ظاهرة الإنتشار النووي وذلك من حيث مبرراته ومشروعيته ومخاطره وقيوده، ويدرس المبحث الثالث الأطر الدولية الحاكمة للإنتشار النووي والتي تتمثل في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة حظر الإنتشار النووي وذلك من حيث نشأتهما وطبيعة العمل في كل منهما كما يتعرض للإنتقادات الموجهة إلى معاهدة حظر الإنتشار النووي.أما المبحث الرابع فيتناول المفاهيم والإشكاليات المرتبطة بالإنتشار النووي.

المبحث الأول

ملامح البيئة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991

في عام 1991 تفكك الإتحاد السوفييتي إلى عدة جمهوريات مستقلة وبدأ يتراجع عن مكانته كقوة عظمى في النظام الدولي، وتزامن مع ذلك إنهيار حلف وارسو وهو الذي ظل يقوم حتى هذا التاريخ بدور مشهود في توفير المصداقية اللازمة لنجاح سياسات الردع النووي المتبادل مع القطب الآخر، وكان إنهياره يعني إنهيار إحدى دعامتي التوازن الدولي الذي حفظ الأمن والسلم الدوليين لما يربو على خمس وأربعين عاما، ليصبح العالم على عتبة نظام دولي جديد أحادي القطبية ولندخل مرحلة ما أطلق عليه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب “النظام العالمي الجديد” The New World Order [1].
ومما لاشك فيه تغير هيكلية النظام الدولي الجديد بصورة جوهرية عما كان قائماً من قبل، وبالتالي تغير سلوكيات الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وممارساتها في إطار هذا النظام عما درجت عليه طيلة حقبة الحرب الباردة عندما كانت هناك قوة عظمى تتصارع معها على بسط النفوذ والهيمنة وتشكل كابحاً لجنوحها صوب التفرد بمقاليد الشئون الدولية[2].
ويمكن القول أن ما حدث منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي كان دليلاً لا تخطئه العين النافذة على نهاية نظام دولي منصرم وبداية لتبلور ملامح نظام دولي جديد إستناداً إلى عدة مؤشرات[3]:
1ـ إنهيار الكتلة السوفيتية وإنتهاء الماركسية كنظام بل وكعقيدة، وتبدل العلاقات بين القوى العظمى حيث أدى تفكك حلف وارسو وتحلل الإتحاد السوفييتي إلى إنتهاء الصراع الدولي الذي ساد العالم منذ عام 1945 من القرن الماضي، بمعنى الإنتقال من القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية.
2ـ تراجع الدور الإقتصادي للدولة القومية التي لم تعد قادرة على القيام بوظائفها التقليدية الإقتصادية على نفس الدرجة من الفاعلية، لتختفي ظاهرة دولة الرفاهية لتحل محلها ظاهرة الدولة الحارسة.
3ـ إنتشار التجمعات الإقتصادية العملاقة ومناطق التجارة الحرة في العالم بصورة غير مسبوقة ومن أبرزها: النافتا والأبيك والآسيان والكوميسا ومنظمة التجارة العالمية على نحو يؤكد تحول النظام الدولي من طابعه السياسي إلى طابع ذي صبغة ملموسة إقتصادياً وتجارياً.
وفي غمرة ميلاد النظام العالمي الجديد تعددت توصيفات المتخصصين له فمن قائل أنه نظام ينبع من التطلع إلى وجود عالم يقوم على إلتزام مشترك ببين الأمم كبيرها وصغيرها بمجموعة من المباديء التي تحكم كيفية إدارتها لعلاقاتها المتبادلة ومنها التسوية السلمية للمنازعات والتضامن في وجه العدوان والتعامل العادل مع كل الشعوب وخفض التسلح.
ومن بين الملامح الأساسية للنظام العالمي الجديد كذلك: أنه نظام يتأسس على القيم الإنسانية العامة وليس على المواجهات والصراعات المذهبية، ونظام يحاول تنمية فرص الحوار والتعاون الدولي والإعتماد المتبادل بين الدول والمنظمات الدولية لبناء مجتمع دولي أفضل، ونظام يقبل التعددية السياسية والإجتماعية ويحترم حق كل شعب في إختيار الطريق الذي يلائمه[4].
وإذا كان الباحثون قد إتفقوا على إنتهاء النظام العالمي ثنائي القطبية، إلا أنهم إختلفوا في توصيف ماهية النظام الدولي الراهن، فالبعض منهم يؤكد أننا نعاصر نظاماً أحادي القطبية في حين ذهب البعض الآخر إلى القول بأنه أصبح متعدد الأقطاب تتوازن فيه خمس قوى على الأقل هي: الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وروسيا الإتحادية والصين واليابان، ويرجع الخلاف إلى تباين الرؤية تجاه المحدد الرئيسي لتوجيه التفاعلات الدولية، فالفريق الأول الذي يعطي أهمية قصوى لدور القوة في تشكيل هيكل النظام الدولي جزموا بإضطلاع الولايات المتحدة بدور القطب الأوحد المسيطر عالميا وذلك من واقع تفوقها المشهود عسكرياً وتكنولوجياً.
بينما ذهب الفريق الثاني إلى القول بانه في ظل تنامي ظاهرة الإعتماد المتبادل فإن إحتمال أستخدام القدرات العسكرية لتوجيه التفاعلات الدولية أصبح إحتمالاً محدوداً، كما أن هناك أنواعاً من القدرات يجب أن تتمتع بها الدولة إذا كان لها أن تسيطر على مجرى الأحداث الدولية فإضافة إلى القدرات العسكرية هناك القدرات الإقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي تتفوق فيها الصين واليابان والإتحاد الأوروبي.
بيد أنه – ورغم تضارب الرؤى حول ماهية النظام الدولي الجديد وما إذا كان أحادي أم متعدد القطببية- يمكن القول بأن هذا النظام مازال يدار من مركز قوة وحيد يهيمن على كافة أجهزة إتخاذ القرارات الدولية المهمة فيه وهو ما يتجلى في مجلس الأمن الدولي حيث يقف الفيتو الأمريكي بالمرصاد لكافة القرارات التي لا تلبي المصالح الأمريكية العليا، بل إن تفسير معايير العدالة والشرعية الدولية بات يخضع لما تحدده القوة العظمى بصرف النظر عما يحمله هذا التفسير من إزدواجية وتناقض ينالان من مصداقية ومشروعية مؤسسات النظام الدولي وفي صدارتها هيئة الأمم المتحدة ويصم هذه القوة العظمى بالإنحياز واللاموضوعية، وهذا التناقض ينسف مبدأً أساسياً من جملة المباديء التي قام عليها النظام الدولي الجديد وهو مبدا توازن المصالح كبديل لمبدأ توازن القوى، فلا توازن المصالح بين كل الدول روعي كمبدأ، ولا ممارسات القوة تراجعت أمام توازنات المصالح، وإنما جمعت ممارسات الإدارة الأمريكية أسوأ ما في هذين الأمرين[5].
كما يرى عدد من الدارسين أن النظام العالمي الجديد قد تغير إلى الأسوأ مستندين في رؤيتهم إلى عدة مبررات:
1ـ إن التوازن العالمي الذي هو أساس إستقرار النظام الدولي لم يعد مرتكزاً على دعامتي القوة اللتين حفظتا هذا التوازن وأبقيتا عليه في ظل نظام القطبية الثنائية، وإنما أصبح مرتكزاً على قوة وإرادة وسلوك قوة عظمى واحدة فقط هي الولايات المتحدة الأمريكية وهو مايفسر كل تلك التوترات ونزعات العنف ودموية المواجهات التي تمتليء بها الساحة الدولية في الوقت الحاضر كمحصلة طبيعية لجموح ممارسات القوة من جانب القطب المهيمن على النظام الدولي الراهن.
2ـ السرعة القياسية التي يتم بها تدويل الأزمات المحلية والإقليمية بسبب رغبة الدولة القائدة للنظام الدولي والمسيطرة على مجلس الأمن في إدارة هذه الأزمات وفق مصالحها وأهوائها على نحو يضعف آلية الأمن الجماعي ويغلب لغة القوة الغاشمة على منطق وعدالة القانون.
3ـ كثرة الصراعات العرقية التي باتت تهدد كيانات قومية عديدة بخطر التجزؤ والإنقسام إلى كيانات أصغر وأضعف، وقد أدى تفجر هذه الصراعات العرقية إلى إطلاق موجة جديدة من التعصب العنصري التي فاقت بكثير كل ما عرفه المجتمع الدولي من قبل.
ويضاف إلى تلك المظاهر السلبية للنظام العالمي الجديد أن الدول الكبرى التي تقف بالمرصاد للإنتشار النووي وتحذر من مغبة تداعياته السلبية على الأمن والسلم الدوليين لم تعمد إلى نزع أسلحتها النووية أو حتى تخفيضها خلافاً لما تطالب به الدول الساعية إلى طاقة نووية للإستخدام السلمي إذ لاتكف عن توعدها وتهديدها بدعوى إعتزامها حيازة السلاح النووي، وهذه الإزدواجية الصارخة بين ما تسمح به لنفسها وبين ما تطلبه من الدول الأخرى الإمتناع عنه والإلتزام به يكشف عن الجوانب الأخرى الخطيرة التي لم يتناولها التغيير في النظام الدولي الراهن فاحتمالات الحرب النووية مازالت واردة، كما أن إمتلاك السلاح النووي المتطور مازال يمثل بالنسبة لهذه الدول الكبرى أداة ردع أساسية لكفالة أمنها القومي عندما يكون عرضة للتهديد[6].
ومن هنا يمكن القول أن السلاح النووي ينظر إليه في العديد من دول العالم على أنه الأداة المثلى لردع العدوان الخارجي ومن ثم كفالة أمنها القومي. هكذا يعتبر الردع أحد الأدوات الاستراتيجية التى تستخدمها الدولة فى سياستها الخارجية مع أعدائها على نحو يضفى صفة الشرعية على وجود الأسلحة النووية ودورها على الساحة الدولية، حيث أن تكلفة غزوها ستجعل من العسير جداً على الغازى أن يحرز نصراً عسكرياً حاسماً([7]). بيد أن القدرة التدميرية الهائلة للأسلحة النووية جعلت من الحروب النووية إنتحاراً متبادلاً لذلك بذلت الجهود وتعددت المبادرات للحد من إنتشار هذا السلاح الفتاك بالبشرية وطرحت في هذا المقام العديد من المسوغات المنطقية من جانب الدول الكبرى المالكة للترسانات النووية والتي لم تجد قبولاً لدى تلك الساعية إلى درع نووي يدعم أمنها القومي في مواجهة ما يستهدفه من مخاطر. وسوف تظل المعضلة ما بين قوى كبرى حائزة للسلاح النووي ورافضة لإنتشاره في نفس الوقت، وقوى أخرى صاعدة ترى في هذا السلاح صك أمنها وسلامتها وسيادتها حاكمة لتفاعلات المشهد الدولي لسنوات قادمة.

المبحث الثاني

الإنتشار النووي: مبرراته، مشروعيته، مخاطره، وقيوده

تمثل المشكلة المتعلقة بالإنتشار النووي وسبل تحجيمه إحدى المشكلات الدولية الرئيسية التي إستحوذت على إهتمام المجتمع الدولي وإستأثرت بنصيب وافر من جهوده ومساعيه طيلة حقبة الحرب الباردة وما بعدها، وذلك لما لهذا الإنتشار من تأثيرات ونتائج وخيمة على إستقرار نظام الأمن الدولي.
وكان البعد الأكثر تعقيداً في قضية منع الإنتشار النووي هوكيفية إتاحة الفرصة أمام جميع الدول للإستفادة على قدر الإستطاعة من مزايا التطبيقات السلمية المدنية للطاقة النووية في كافة المجالات الإقتصادية والعلمية والتكنولوجية البناءة مع الإلتزام بعدم التحول بتلك الإستخدامات إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل، بمعنى آخر: كيف يمكن تحديد الخط الفاصل بين هذين التوجهين من الإستخدام المدني والعسكري للطاقة النووية في ظل وجود رقابة دولية فعالة تحقق مثل هذا الإلتزام بل وتفرضه وتعاقب من يخرج عن حدوده؟
وفي حقيقة الأمر تطرح الدول مبررات عدة لسعيها للحصول على السلاح النووي، فما هي تحديداً؟

أولاً: مبررات تملك السلاح النووي:

رصد (Scott Sagan) في دراسة قام بها العديد من المبررات والأسباب التي تدفع الدول نحو تملك السلاح النووي، ومن بين هذه المبررات[8]:

1ـ التهديدات الدولية: تسعى الدول لامتلاك السلاح النووى عندما تواجه تهديداً عسكرياً لأمنها القومى لا يمكن مواجهته بالبدائل التقليدية، إذ تواجه الدولة عندئذ خيارين: أولهما: إذا كانت الدولة قوية، فمن الممكن أن تقوم بنفسها بإنتاج أسلحتها النووية وتطويرها. وثانيهما: إذا كانت الدولة ضعيفة فإنها فى هذه الحالة ستلجأ إلى عقد تحالف مع دولة نووية تكفل لها ردع أي عدوان خارجي وقمعه.
ويرى أنصار المدرسة الواقعية أن حيازة السلاح النووى تكتسب سمة الانتشار إذ أن تملك دولة ما لهذا السلاح سيشكل تهديداً مباشراً لأمن دول أخرى على نحو يحثها بدورها على البدء فى تطوير برامج تسلح نووى من أجل الحفاظ على أمنها القومى[9] 2ـ تطلعات الفاعلين الوطنيين: هناك بعض الفاعلين الوطنيين الذين يقومون بدفع الحكومة لاتخاذ قرار المضى قدماً فى تطوير برامج تسلح نووى من شأنها خدمة مصالحهم سواء البيروقراطية أو السياسية، ومنهم
بعض الأحزاب السياسية وكبار قادة القوات المسلحة الذين يضخمون من التهديدات الخارجية ويضغطون على القيادة السياسية من أجل زيادة نفقات الدفاع والشروع في تملك ترسانة نووية رادعة لتلك التهديدات[10].
وهنا يبرز نموذج الهند التي خضعت فيها القيادة السياسية ممثلة في أنديرا غاندي- رئيسة الوزراء السابقة- لضغوط الفاعلين المحليين الراغبين في صيرورة الهند دولة نووية سواء دعماً للثقة القومية وإرضاءاً للرأي العام أم ردعاً للباكستان الخصم التقليدي.
3ـ القيمة الرمزية: يرى أنصار هذا المبرر الثالث أن القرار النووي يعكس دلالات رمزية مهمة تدعم هوية الدولة وتكرس مكانتهاإن عالمياً أو إقليميا[11]. وأبرز مثال على هذا المبرر: سعي فرنسا ديجول لامتلاك السلاح النووي باعتباره مطلباً لتبوء مكانة مرموقة بين مصاف الدول الكبرى، وشرطاً لإستقلالها الأمني عن الحلفاء الأطلنطيين، وقبل كل ذلك أحد أهم مسوغات إسترداد مجد فرنسا على حد تعبير ديجول[*].
4ـ الدوافع النفسية لصانع القرار: حيث أن قناعات القادة ورؤيتهم الذاتية لمكانة بلادهم إن إقليمياً أو عالمياً وتحديدهم لمصالحها العليا وسبل تلبيتها تعد من الدوافع المحثة على حيازة قوة نووية ضاربة[12].
5ـ توجهات النظم الشمولية غير الديمقراطية: في قناعة معظم المحللين أن الأنظمة الشمولية ذات ميل طبيعي لعسكرة سياستها الخارجية، ومن ثم تسعى لحيازة السلاح النووي، ويضيفون أن نشر الديمقراطية يساعد على كبح جماح الإنتشار النووي وذلك إستناداً إلى نظرية السلام الديمقراطي والتي مؤادها أن الدول الديمقراطية لا يمكن أن تحارب بعضها البعض[13].وأبرز دليل على ذلك أن أغلب الدول الموقعة على معاهدة حظر الإنتشار النووي هي دول ديمقراطية، أو كانت دولاً شمولية وتمتلك سلاحا نوويا ولما تحول نظامها وأصبح نظاماً ديمقراطياً تخلت طواعية عن برامجها النووية وصادقت على معاهدة حظر الإنتشار النووي مثل البرازيل والأرجنتين اللتان كانتا تمتلكان برامج أسلحه نووية سرية وعندما تحول نظامهما إلى نظام ديمقراطي فإنهما تخلتا عن تلك البرامج وإنضمتا إلى معاهدة حظر الإنتشار النووي طوعاً[14].
إلا أننا على الجانب الآخر نجد أن هناك دولاً ديمقراطية قد رفضت التخلي عن برامجها النووية وآثرت الإبقاء على ترسانتها النووية رافضة الإنضمام إلى معاهدة حظر الإنتشار النووي كما هو الحال بالنسبة للهند.

6ـ توفر الفرصة النووية[15]: لو أتيحت أمام دولة ترغب فى حيازة السلاح النووى فرصة سانحة للتغلب على ماتعانيه من قصور نووي فإنها ستغتنم الفرصة من أجل التحول إلى دولة نوويةمتمكنة بذلك من إختصار مراحل التصميم التكنولوجى، ومعتمدة على اكتساب التقنية اللازمة من الدول النووية الفعلية وبالتالي ستحقق وفورات فى تكاليف التصنيع النووى وستتجنب بذلك الضغوط الدولية التى قد تمارس عليها للتخلى عن برنامجها النووى[16]. ويضيف أنصار هذا المبرر السادس أن الدولة التى تحظى بكفاءات صناعية متقدمة سيكون من السهل عليها إنشاء برامج تسلح نووى وبالتالى فمن المتوقع أن هذه الدولة ستكون الأكثر سعياً لامتلاك السلاح النووى ضمن الدول الأكثر تقدماً، ذلك لأن معايير التقدم الاقتصادى والقدرة الصناعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتعاظم فرص صيرورة الدولة قوة نووية[17].
7ــ تصاعد الأحداث الدولية: ولعل من أبرز هذه الأحداث: تفجر أزمات داخلية، وتقلص مصداقية الحلفاء، حصول أقطار أخرى على قدرات نووية لاسيما إذا كانت منافسة، وإنهيار القيود الدولية، تحول سياسى داخلى حاد صوب تملك السلاح النووي، وأخيراً تيسر الحصول على المواد، والعناصر، والتكنولوجيا الضرورية للتصنيع النووي[18].
وبالطبع قد يكون هناك أكثر من دافع بالنسبة لدولة معينة، وليس دافعًا واحداً للسير فى الطريق النووى، إلا أن الرأي السائد أن هاجس “الأمن” هو القاسم المشترك بين كافة الدول، فامتلاك قدرات نووية ذات طبيعة عسكرية فى سياق برنامج نووى موجه عسكريا لا ينطلق من اعتبارات الهيبة وحدها، فالدول المختلفة تسعى إلى بناء قدراتها النووية لتدعيم أمنها القومى الذى يعد الأولوية رقم واحد، وبالتالى فإن الحسابات العسكرية– الأمنية هى أهم الضغوط والدوافع التى تحفز الدول على السعى لامتلاك السلاح النووى، كما أن حل المشكلات النووية يبدأ من مطلب الأمن أيضا على الأرجح، فيما عدا استثناءات قليلة،ومن هنا يمكن فهم الكثير فيما يتعلق بالملف النووي لكل من إيران وكوريا الشمالية.

ثانياً: العوامل التى أدت إلى تصاعد أزمة الإنتشار النووي:

اتخذت مشكلةالانتشارالنووى مظاهر جديدة أشد خطورة منذ حقبة التسعينات إلى يومنا هذا، بفعل عوامل مختلفة كانهيار الاتحاد السوفيتى، وظهور دول نووية جديدة من ورثةترسانته، واكتشاف عدة برامج نووية سرية عام ١٩٩١، ثم قيام كل من الهند وباكستان بالإعلانعن حيازة تلك الأسلحة عام ١٩٩٨، وصولاإلى اكتشاف برنامجى اليورانيوم المخصب لدى ليبيا وإيران، والكشف عن شبكة عبد القدير خان،عام ٢٠٠٣، لكن واحدة من أهم تلك العوامل التى أدت إلى تصاعد أزمة الإنتشار النووى، قد ارتبطت بإتساع دائرة القدرات النوويةبصورة تبدو غير قابلة للسيطرة عليها، وذلك لعدة عوامل أهمها:
1ـ أزمة الطاقة: إذ إن أحد الأهداف الرئيسية من إمتلاك القدرات النووية حالياً هي تغطية إحتياجات الطاقة الكهربائية المتزايدة فنضوب المصادر التقليدية للطاقة يمثل معضلة معقدة بحكم إستنفاذ الموارد عاجلاً أم آجلاً. ووفقاً لذلك تشير الإحصاءات العالمية والدراسات الدولية إلى أن الطاقة النووية تزود العالم حالياً بنحو 16% من إحتياجاته إلى الطاقة المحركة، بينما يحصل هذا العالم على 47% من طاقته من البترول و17% من الغاز الطبيعي والباقي من الفحم ومصادر الطاقة النظيفة والمتجددة من الشمس والرياح[19].
2ـ التوسع فى استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية: فهناك حوالى 60 دولة فى العالم (إضافة إلى القوى العسكرية النووية) تمتلك برامج نووية مدنية ذات أهمية بحيث وصل عدد المفاعلات النووية عموما في مطلع القرن الحالي إلى ما يزيد عن ٤٨٥ مفاعل نووى، إضافة إلى ١٠٢ مفاعل تقريبًا تحت الإنشاء.
وتستخدم الطاقة النووية في العديد من المجالات إذ بالإضافة إلى توليد الكهرباء فإنها تستخدم أيضاً في بحوث الأرض و الفضاء والعلوم الطبية ومكافحة التصحر وتحلية المياه من أجل سد الفجوة الكبيرة في موارد المياه العذبة. كما تستخدم الطاقة النووية في مجال العلاج والتشخيص لبعض الأمراض ولا يقتصر الأمر على ذلك فقد طورت الطاقة النووية العلوم والتكنولوجيا وأسهمت في تطوير الإلكترونيات المتقدمة والحاسبات الآلية، ومهدت لعصر التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية[20].
3ـ توافر مخزون هائل ومتزايد من المواد النووية: فقد وصلت تقديرات المخزون العالمى المعروف من المواد الصالحة لإنتاج الأسلحة النووية إلى ١٥٠ طنًا من اليورانيوم-٢٣٥، ٢٥٠ طنا من البلوتونيوم – ٢٣٩، ويتزايد هذا الرقم سنويا، إلى درجة، أصبحت معها السيطرة على المواد النووية تمثل مشكلة جسيمة يصعب التعامل معها[21].
4ـ اتساع نطاق عمليات السوق السوداء: لتجارة المواد والمعدات النووية فى العالم بفعل تقلص السيطرة لعدة سنوات على المنشآت النووية خاصة فى روسيا ودول الكومنولث المستقلة، بحيث وصل عدد حالات التهريب التى تم ضبطها فى ألمانيا فقط عام ١٩٩٤ إلى أكثر من ٣٤٠ حالة، قبل أن تتشكل شبكات قوية للتعامل مع تلك السوق، وأشهرها شبكة العالم الباكستانى عبد القدير خان التى اكتشفت عام2003.
5ـ العولمة: لقد مثلت العولمة بكل تفاعلاتها فرصة سانحة أمام الدول الراغبة في حيازة السلاح النووي حيث أن العولمة قد ساهمت في إذابة الحدود بين الدول وتسهيل الإتصالات وحرية إنتقال السلع والخدمات والأفكاروالمعلومات بفعل ثورة تكنولوجيا الإتصالات الهائلة مما ساعد على سهولة إنتشار التكنولوجيا والمعلومات الخاصة بالسلاح النووي والمواد النووية[22].

ثالثاً: مشروعية إمتلاك الدول للسلاح النووي:

في مقام تحديد مدى مشروعية تملك الدولة للسلاح النووي لابد من التمييز بين مجموعتين من الدول:
المجموعة الأولي: الدول التى امتلكت السلاح النووى قبل التصديق على معاهدة حظر الانتشار النووى (1968م) ودخولها حيز التنفيذ عام (1970)، وتلك التى سعت لامتلاك السلاح النووى بعد هذا التاريخ، فبالنسبة للدول التى امتلكت السلاح النووي قبل إبرام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهى (الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفيتى السابق، بريطانيا، فرنسا، الصين). وهذه يعتبر امتلاكها لهذا السلاح شرعياً بحسب نص المعاهدة.
المجموعة الثانية: الدول التى سعت لامتلاك السلاح النووى بعد سريان المعاهدة فيعتبر امتلاكها للسلاح النووى مخالفاً للشرعية الدولية[23] وذلك ً بحسب المادة الثانية من نص المعاهدة: التي تحظر على الدول الموقعة على المعاهدة قبول أو نقل أسلحة نووية أو أجهزة تفجير نووية أخرى، وعدم تصنيع أية أسلحة نووية أو أجهزة تفجير نووية أو اقتنائها بأية طريقة، إضافة إلى عدم طلب أو تلقى أية مساعدة فى مجال صنع أسلحة نووية أو أجهزة تفجير نووية. كما تتعهد الدول غير النووية بموجب المادة الثالثة من المعاهدة بقبول الضمانات المنصوص عليها فى اتفاق يجرى التفاوض عليه وعقده مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي إطار هذا التمييز تبرز عدة ملاحظات[24]:

1ـ لا يوجد سند شرعى تستند إليه الدول النووية فى تصنيعها وحيازتها واستخدامها للسلاح النووى واستئثارها به دون غيرها، بل وتحريمها له على الدول الأخرى، وفى الواقع أن الاعتبارات السياسية لدى هذه الدول كانت لها الأولوية فى تفضيل المحافظة على علاقات الود فيما بينها وذلك على حساب القواعد القانونية وقواعد العدالة، حيث آثرت الدول النووية الاحتفاظ لنفسها بمجموعة من الامتيازات التى تمتعت بها دون باقى الدول، مما جعلها بمنأى عن المسئولية الدولية وعن الرقابة الجماعية من الناحية العملية، إذ أدى امتلاك هذه الدول للسلاح النووى واحتكارها له إلى تعاظم نفوذها وسيطرتها على المجتمع الدولى، الأمر الذى أتاح لها التحلل من التزامها بالقواعد القانونية على أساس ما تمتلكه من قدرات تدميرية، وأصبحت صاحبة اليد الطولى فى المجتمع الدولى، تناوئ بها من تشاء وفى أى وقت تشاء دون النظر إلى قواعد القانون الدولى العام.
2ـ أن الأمر لم يقف عند هذا الحد واقتصاره على دول النادى النووى الخمس بل تعداه إلى دول أخرى غير منضمة إلى معاهدة حظر الانتشار النووى مثل إسرائيل والتى تشير التقارير إلى حيازتها أكثر من مائتى قنبلة نووية، هذا بخلاف الهند وباكستان اللتان نجحتا في الإنضمام إلى زمرة النادي النووي.
3ـ طرأ تحور على مبدأ المساواة فى السيادة بين الدول الذى نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، كما أطلق العنان لإزدواجية المعايير إذ أنه في الوقت الذي تناصب فيه واشنطن العداء لإيران بدعوى سعيها لإقتناء السلاح النووى على الرغم من عدم ثبوت ذلك، نجدها تسارع عام 2003 بإبرام إتفاق للتعاون النووى مع الهند، تلك الدولة التى تمتلك السلاح النووى بالفعل وترفض حتى الآن الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، حيث أبرم الرئيس جورج بوش الابن إتفاقاً إستراتيجياً مع الهند لتوفير الطاقة اللازمة لانطلاقتها التنموية والاقتصادية وإمدادها بالوقود النووى لتفعيل برنامجها النووى وذلك إستناداً إلى مسوغات سياسية وأمنية وإقتصادية تفتح الباب على مصراعيه أمام إزدواجية المعايير.
وبناءً على ما سلف يتبدى الحل من أجل كبح جماح دول النادى النووى في الحيلولة دون إستئثارهم بالسلاح النووي وحظرهم تملكه على دول بعينها مع غض الطرف عن دول أخرى مالكة له، في ضرورة تحريم امتلاك السلاح النووى على جميع الدول خاصة دول النادى النووى والتخلى عنه بشكل شامل وهذا يستتبع الانتقال فى اتخاذ القرارات ذات الصلة بهذا الموضوع من دائرة مجلس الأمن الذى تسيطر عليه دول النادى النووى وخضوع قرارته لحق الفيتو إلى دائرة الجمعية العامة التى تمثل فيها كل الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية ويكون التصويت فيها بالأغلبية، وفى نفس الوقت إجراء تعديلات على إتفاقية حظر الإنتشار النووي تلافياً للسلبيات وسداً للثغرات مع الأخذ في الإعتبارالتغيرات المستقبلية المتوقعة حتى تحقق هدفها الرئيسى وهو حماية كوكب الأرض من الحروب النووية[25].

رابعاً: مخاطر الانتشار النووي:

يمكن تصنيف هذه المخاطر إلى الآتي[26]:

1- المخاطر النابعه من الاسلحة الموجودة فعليا:

علي الرغم من تخفيض الاسلحة النووية في فترة مابعد الحرب الباردة, الا انه لايزال هناك مايقرب من 12000 سلاح نووي فعال 90% منها موجودة في ترسانتي الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الإتحادية[27]. ومن قبيل الحقائق المعروفة أنه حتى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي كان إمتلاك الأسلحة النوويةوما يرتبط بإنتاجها وتطويرها من تكنولوجيا معقدة للغاية وقفاً على الولايات المتحدة الأمريكية والإنحاد السوفييتي وحدهما، ولكن هذا الوضع الإحتكاري بدأ ينكسر مع حيازة بريطانيا للسلاح النووي (1954)، ومع سعي الرئيس الفرنسي الأسبق –ديجول- الدائب لإمتلاك فرنسا درعاً نووية يوفر لها إستقلالية عن القوة النووية المشتركة لحلف شمال الأطلنطي وهذا ما تحقق له عام 1960، ثم بدأ الإنتشار النووي في التصاعد مع نجاح الصين في إنتاج سلاحها النووي عام 1964[28].
وقد بدا الأمر أكثر خطورة مع رواج معلومات مؤكدة لسعي كل من إسرائيل والهند وباكستان لتحوز بدورها السلاح النووي وهو ما تحقق أيضاً لثلاثتهم، وإن كانت إسرائيل هي السباقة في هذا المضمار إلا أنه حتى الآن لم يصدر من جانب ساستها أي إعلان رسمي بشأن إمتلاكها للأسلحة النووية.

2- المخاطر النابعة من احتمالية انتشارالسلاح النووي الي دول اضافية.

يرى الخبراء أن الإنتشار النووي يأخذ إتجاهين:

أولهما: أفقي ويقصد به نقل التكنولوجيا النووية من دولة حائزة لها إلى دولة متطلعة إليها وغالباً ما يتحقق ذلك سراً وعبر مسالك غير رسمية على نحو ما أميط عنه اللثام من تقديم عالم الذرة الباكستاني – عبدالقدير خان- تكنولوجيا نووية حساسة إلى كل من إيران وكوريا الشمالية وليبيا[29].
ثانيهما: عمودي ويعني الإرتقاء بمستوى القدرات النووية الموجودة لتصبح أكثر فعالية ودقة وقدرة على إصابة أهدافها.وفي ذلك نسوق سعي الولايات المتحدة لتصنيع صواريخ نووية صغيرة وقنابل مضادة للإستحكامات الحصينة.

3- مخاطر من احتمالية حصول الارهابيين على الأسلحة النووية او استخدامها ضد خصومهم[30]:
تبدو الصعوبة الاكبر التي يواجهها الارهابيون الراغبون في تطوير وامتلاك اسلحة نووية في الحصول علي مواد انشطارية تمكنهم من تصنيع السلاح النووي.وكذلك في تصميم وتطوير أجهزة تقنية مطلوبة لانتاج اليورانيوم المخصب او البلوتونيوم اللازمين لهذا التصنيع، لذا قد يلجأون إلى سرقة الاسلحة النووية من اماكن تخزينها او خلال عملية نقلها،ولقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ديسمبر 2004,إلى وقوع 662 حادث سرقة مؤكدة تشمل اليورانيوم عالي التخصيب وكذلك البلوتونيوم.
كما قد تتحقق الاهداف الارهابية من خلال استخدام ما يسمى بالقنبلة القذرة، وهي سلاح نووي ولكنه ليس متقدمًا؛ مشحوناً بالمواد المشعة، علمًا بأن مثل هذه المواد تستخدم بصورة واسعة في المجالات الطبية والصناعية، كما أن الحصول عليها أكثر سهولة من الحصول على البلوتونيوم واليورانيوم اللازمين لصنع قنبلة نووية بسيطة. ومن بين هذه المواد المشعة التي تستخدم في “القنبلة القذرة” السيانور واليورانيوم 238. و هي بالإضافة إلى قوة انفجارها تخلف هذه القنبلة دائرة من الإشعاعات الكثيفة التي من شأنها تلويث حي بأكمله أو مدينة صغيرة. وهذه القنبلة القذرة لاتسبب خسائر بشرية فادحة ولكن أخطرآثارها يتبدى في التكلفة الإقتصادية وحالة الفوضى الإجتماعية وما تسببه من رعب جسيم خاصة إذا تفجرت فى قلب المدن الكبرى[31].
في ضوء ما سبق، أصبح ينظر للإرهاب النووي على أنه أحد مصادرالتهديد الأكثر إلحاحا للأمن الدولي، وأنه قد يشكل أهم أنماط التهديد الذي تواجهه العديد من دولالعالم في القرن الحادي والعشرين، إذ حسب قول د. محمد البرادعيالمدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية – أن “الإرهاب النووي لم يكن يمثل تحديًا حقيقيًا عاجلا ولكننا الآن أدركنا أنهخطر لا يمكن تنحيته جانبا إذ أنه أصبح في المواجهة تمامًا”.[32] ويطرح المحللون أربع سيناريوهات محتملة للإرهاب النووي:[33] أولها: سرقة سلاح نووي كامل، وثانيها: سرقة مواد قابلة للانشطار يتم استخدامها بعدئذلصنع سلاح نووي، وثالثها: شن هجمات على مفاعلات أو مرافق نووية بهدف إحداث تلوثإشعاعي في المناطق المجاورة، ورابعها: استخدام مواد إشعاعية لتصنيع ما يعرف بالقنبلة القذرة، وبصفة عامة، يمكن القو ل أن مشكلة الإرهاب النووي أصبحت مشكلة جادة وتحتل أهميةكبيرة في الدراسات الأمنية ذات الصلة بالإرهاب الدولي، لكنها لا تزال تمر بواقع انتقالي، لن يتخذ أبعاده المتكاملة إلا إذا وقعت أعمال إرهاب نووي فعلية، ففي هذه الحالة سوف يتحولالإرهاب النووي إلى مصدر تهديد رئيسي في القرن الحالي.
4- مخاطر عسكرية : تتصل بالمرافق النووية كهدف أو بإمكانية استخدام نفايات القدرات النووية عسكريًا، فقد تطر ح احتمالات جادة للاعتداء على المفاعلات النووية فى حالة الحرب، أو التوترات الحادة، وتطرح أيضا احتمالات إلقاء النفايات النووية المشعة لأغراض عدائية فى حالات التوترالمسلح. فالمرافق النووية قد تكون “رهينة” يتم ضربها من جانب الدول الأضعف فى مواجهة تهديدات لا قبل لها بها لتنتج تأثيرات تبدو وكأنها مستوى من استخدامالأسلحة النووية وهو ما طرح مفاهيم مثل الأسلحة الإشعاعيةوالحرب الإشعاعية وهي تهديدات كامنة فى الأقاليم التى تشهد انتشارا للقدرات النووية.
5- مخاطر بيئية : تتصل بمجموعة من المشكلات التى يمكن أن تترتب على انتشار المنشآت النووية فى منطقة معينة، مثل تسرب الإشعاعات النووية من المفاعلات أو دفن النفايات النووية علنا أو سرا أو نقلها فى ظروف غير مأمونة أوكل ما يتصل بالحوادث النووية أو الكوارث النووية والتى لا تقتصر آثارها عادة على الدول التى تقع داخلها وإنما تمتد إلى الدول المجاورة لاسيما فى الأقاليم ذات الوضع الجغرافي الضيق التى تضم دولا صغيرة أومتوسطة الحجم متجاورة، وحتى بالنسبة للأقاليم مترامية الأطراف فإن حدوثكارثة نووية يؤثر على أطراف عديدة فى أماكن تبدو بعيدة[34].
6 – مخاطر ضعف القبضة الأمنية: حيث تتراجع أو تنعدم الإجراءات الخاصة بأمن المرافق والمعدات والمواد النووية سواء فى الظروف العادية أو فى حالة انفجار عدم الاستقرار السياسى داخل الدول على نحوما طرح خلال تفكك الاتحاد السوفيتى، وما ارتبط بذلك من مشكلات كيفية السيطرة علىالقوات والقدرات النووية. إذ ثارت عندئذِ إحتمالات الاستيلاء على المواد أو المعدات النووية أو تهريبها من قبل عناصر أو جماعات مختلفة للاتجار بها في إطار السوق النووية السوداء أو للتهديد بها من قبيل الإرهاب النووى، إضافة إلى ما أثير إعلاميًا من مخاطر بالنسبة للزئبق الأحمر.

خامساً: القيود الواردة على الإنتشار النووي:

تتمثل هذه القيود في ثلاثة وهي تحديداً[35]:

1ـ القيود القانونية: أي تلك التي ترد في صورة إلتزامات تعاقدية رسمية بكل ما يترتب على الإخلال بها من عقوبات دولية، سواء تم هذا الإخلال في شكل مباشر لما تفرضه تلك القيود على الدول المعنية من إلتزامات، أو بشكل غير مباشر كالغش والخداع والتحايل أو التنصل.
2ـ القيود السياسية: وهي التي تأتي نتيجة للضغوط التي تمارسها القوى الدولية الكبرى ضد بعض الدول التي تقطع المؤشرات المتاحة أنها بصدد التحول بتطبيقات الطاقة النووية فيها من المجالات المدنية السلمية إلى المجالات العسكرية وغالباً ما يتم ذلك بإخضاع المفاعلات النووية لهذه الدول لرقابة دولية صارمة والحيلولة بالتالي دون إنتهاكها للإلتزامات التي قبلت بها ووقعت عليها.
3ـ القيود الفنية: ونعني بها مجموعة الإجراءات والأليات التي ترمي إلى عدم تمكين الدول المعنية من حيازة المواد والمعدات وكذلك التكنولوجيا التي تيسر لها إنتاج الأسلحة النووية، وقد تفرض هذه القيود الفنية من خلال معاهدات دولية كمعاهدة حظر الإنتشار النووي (1968)، أو بموجب قرارات منفردة من جانب بعض الدول الكبرى على نحو ما تسعى إليه الولايات المتحدة بالنسبة لكوريا الشمالية وإيران.

المبحث الثالث

الأطر التنظيمية والتشريعية الحاكمة للإنتشار النووي

تتمثل هذه الأطر، تنظيمياً في “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وتشريعياً في “معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية، 1968″، وبروتوكولها الإضافي الصادر عام 1997.

أولاً: الوكالة الدولية للطاقة الذرية:

أنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بناء على اقتراح تقدم به الرئيس الأمريكي أيزنهاور أثناء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ديسمبر عام 1953، والذى أوصي بضرورة أن تشترك حكومات الدول المعنية بالتبرع بجزء من مخزونها من اليورانيوم، والمواد الإنشطارية الأخرى، وأن تستمر فى التبرع إلى وكالة وظيفتها الرئيسية إيجاد السبل التى تضمن استعمال المواد الإنشطارية فى الأغراض السلمية، من أجل إسعاد البشرية. وفى ديسمبر 1954م صدر قرار من الجمعية العامة بالإجماع بعنوان “الذرة من أجل السلام”، يقضى بإنشاء “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وفى عام 1956م عُقد مؤتمر خاص لبحث النظام الأساسى للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذى وضع موضع التنفيذ فى يوليو 1957م، وأصبحت الوكالة جهازاَ قائما معترفا به بعد إيداع وثائق التصديق على ميثاقها من جانب 18 دولة، أهمها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا[36].

وتتلخص مقاصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يلي[37]:

العمل على استخدام الطاقة الذرية فى الأغراض السلمية فى المجالات الصحية والاقتصادية من أجل رفاء العالم وراحة الإنسانية.

التأكد من أن المساعدة التى تقدمها أو تنظمها أو تشرف عليها الوكالة لا تستغل فى الأغراض العسكرية.
التعاون مع الوكالات المتخصصة المعنية من أجل وضع المعايير التي تكفل حماية الصحة العامة والحد من المخاطر المتعلقة سواء بالأرواح أو الممتلكات.
ويلاحظ أنهعند إعداد مشروع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية سنة 1968 م.. ثارت مشكلة بشأن دور الوكالة فى حالة إجراء التفجيرات النووية للأغراض السلمية، وإرتأت الدول حينذاك إسناد هذه المهمة إلى الوكالة.أما بالنسبة لمجهودات الوكالة المستهدفة عدم تحويل استخدام الطاقة النووية للأغراض العسكرية فقد طرح ميثاق الوكالة مجموعة من الضمانات بقصد تعزيز دور الوكالة الرقابى من أجل ضمان عدم تحويل المواد النووية من الإستخدام السلمي إلى الإستخدام العسكري.
وقد تطورت هذه الضمانات عبر المراحل التاريخية كى تواكب الأحداث والتطورات العالمية إلى أن تم التوصل إلى وثيقة الضمانات الشاملة الملحقة بمعاهدة حظر الانتشار النووى التي تطبق على جميع الدول الموقعة على المعاهدة باستثناء دول النادى النووى الخمس الكبرى، بل إن الإختصاصات التى ينبغى على الوكالة القيام بها حسبما هو منصوص عليه فى ميثاقها لا ترقى إلى حيز التنفيذ إلا على الدول غير النووية والتى لا تمتلك سلاحاً نووياً، أما تلك التى تمتلك أسلحة دمار شامل نووية فلا تستطيع الوكالة أن تمارس عليها الاختصاصات المنوطة لها.
ولعل العراق وإيران مثالان ناطقان على هذه الحقيقة إذ فتحت منشآتهما العسكرية أمام لجان التفتيش التابعة للوكالة بالإضافة إلى إجبار إيران على التوقيع على البروتوكول الإضافى والذى يسمح للوكالة الدولية بالتفتيش على جميع مواقعها النووية وفى أى وقت تشاء، بينما لم تخضع إسرائيل التي ثبت بالفعل امتلاكها للسلاح النووى للتفتيش من قبل الوكالة الدولية التي أصبحت سيفاً مسلطاً على رقاب الدول غير النووية خدمة لمصالح وأهداف الدول النووية الكبرى. هذا بالإضافة إلى أن دولاً أخرى رفضت التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووى وبالتالى فإنها لا تخضع للتفتيش مثل الهند وباكستان وإسرائيل ومن ثم لم يستطع المجتمع الدولى منعها من إجراء التفجيرات النووية والتى تتم من آن لآخر[38].

ثانياً: معاهدة حظر الإنتشار النووي:Non- Proliferation Treaty

تم إبرام معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية فى عام 1968م ودحلت حيز التنفيذ عام 1970م. بعد أن وقعت عليها 98 دولة في ذلك الحين، وترتكز هذه المعاهدة أساساً على قناعة أن الدول غير الحائزة للسلاح النووي تمتلك حقا طبيعيا فى حيازة التقنية النووية ولكن لإستخدامها فى الأغراض السلمية فقط، على أن يجرى التأكد عبر آليات سياسية وقانونية وفنية معينة من أن هذه الدول المتلقية للتقنية النووية ستظل غير مالكة للسلاح النووي[39] وهذه المعاهدة جاءت بالأساس لمنع الإنتشار الأفقى للسلاح النووي خارج الدول الأعضاء فى النادي النووي تمهيدا لنزع هذا السلاح فيما بعد كما تعد هذه المعاهدة أوسع المعاهدات عضوية بعد ميثاق الأمم المتحدة باعتبارها دعامة نظام منع الانتشار النووي عالمياً.
وقد نصت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عند توقيعها على عقد مؤتمرات للمراجعة كل خمس سنوات (المادة الثامنة)، وذلك لاستعراض سير المعاهدة وللتأكد من أن أهدافها توضع موضع التنفيذ. وتم عقد هذه المؤتمرات فى أعوام 1975، 1980، 1985، 1990، 1995، كما نصت المعاهدة على أنه بعد مضى 25 عاما من نفاذ المعاهدة يعقد مؤتمر لتقريرمصيرها، وبالفعل تم عقد المؤتمر فى إبريل 1995 والذي أقر التمديد اللانهائى للمعاهدة وأيضا تم عقد مؤتمرات للمراجعة في عامي 2000 و2005و 2010.[40] وفي عام 1997 تم التصديق على البروتوكول الإضافى:والذي يلزم من يوقع ويصادق عليه بعدة التزامات قانونية أهمها الخضوع للمراقبة والتفتيش من قبل خبراء الوكالة فى أى وقت ودون جدول سابق أو دون إخطار مسبق كما يخول خبراء الوكالة حق مراقبة وتفتيش أى منشأة تثور الشكوك بصددها[41].
من خلال ديباجة المعاهدة ونصوصها يتضح لنا أن الأهداف التى تسعى معاهدة حظر إنتشار السلاح النووي إلى تحقيقها تتلخص فى الآتى[42]: حظر انتشار الأسلحة النووية،إلى الدول غير المالكة لها، والتزام جميع الأطراف الموقعة على المعاهدة بمنع انتشار الأسلحة النووية وأن يكون ذلك ضمن تطبيق مبادئ وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية على النشاط النووى السلمى، وضرورة الالتزام باستخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية بما فى ذلك أية منتجات فرعية قد تحصل عليها الدول غير الحائزة للأسلحة النووية، والتزام الدول غير النووية الأطراف فى المعاهدة بقبول ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإبرام اتفاقات مع الوكالة بشأن المزايا التى تقدم لها من الدول النووية أو التى تتوسط فيها الوكالة بهدف استخدام التكنولوجيا فى الأغراض السلمية، والعمل على نزع الأسلحة النووية تحت رقابة دولية فعالة ودقيقة،ووقف سباق التسلح النووى فى أقرب وقت ممكن.
ورغم التأكيد على هذه المبادئ يؤخذ على معاهدة حظر الانتشار النووي العديد من الأمور، من بينها[43]:
1ـ تمثل هذه المعاهدة تجسيدا واضحا للتمييز بين نوعين من الدول: الدول النووية المالكة للسلاح النووي والدول غير النووية، وبالتالى يمكن وصف هذه المعاهدة بأنها تحيزية، حيث تحظر على الدول غير النووية قبول أسلحة نووية أو أجهزة متفجرات نووية أخرى من أى دولة سواء كانت طرفاً فى المعاهدة أم لا، كما تتعهد أيضا هذه الدول غير النووية بألا تصنع أسلحة نووية أو أجهزة متفجرات أخرى. وبموجب هذه المادة فقد تنازلت هذه الدول عن حقها فى امتلاك السلاح النووي دون مقابل، كما تخضع هذه التعهدات لرقابة من خلال نظام الضمانات الشامل للوكالة الدولية الذى يجب ان تنضم إليه للتحقق من الوفاء بهذه الالتزامات.
2ـ غموض مبدأ التمديد اللانهائى للمعاهدة حيث أنه لن يؤدى الى تحقيق الهدف الوارد فى المادة السادسة والذى ينص على تعهد الدول الأطراف بإتخاذ تدابير فعالة لوقف سباق التسلح النووي ونزع السلاح النووي بصورة عامة فى ظل وجود رقابة دولية وفعالة، كما أن التمديد اللانهائى للمعاهدة سوف يؤدى الى استمرار ملكية الدول النووية المعلنة وغير المعلنة للسلاح النووي الى الأبد. بناء على ذلك يمكن القول ان المعاهدة قد فشلت فى احراز تقدم على صعيد نزع السلاح من قبل الدول النووية.
3ـ لم تشر المعاهدة الى كيفية حماية الدول غير النووية فى حال تعرضها لأن هجمات نووية، كما لم تلتزم الدول النووية بتعهداتها الواردة فى المادتين الرابعة والخامسة، والخاصة بتقديمها المساعدة للدول غير النووية فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مما أثر بالسلب فى إمكانيات التنمية التقنية والصناعية فى هذه الدول[44].
4ـ تنص المادة الثامنة من المعاهدة على أن تعديلها يتطلب موافقة الدول الخمس النووية الكبرى والدول الأعضاء فى مجلس المحافظين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وقت التعديل، وهو ما يعني أن أمر التعديل ضرب من ضروب المستحيل إذا رفضته دولة نووية واحدة ولو كانت جميع الدول غير النووية مؤيدة له[45].
5ـ لم تلتزم الدول النووية المعلنة بتعهداتها الواردة فى المادة الأولى من المعاهدة الخاصة بعدم تقديم التقنية النووية المتقدمة الى الدول غير الاعضاء مما أدى الى ظهور قوى نووية اقليمية ترفض الانضمام الى المعاهدة (اسرائيل والهند وباكستان). [46] 6ـ نظام التحقق فى المعاهدة ليس جزءا أصيلا منها، بل إن المعاهدة تكتفى بمطالبة الدول الموقعة عليها بالإنضمام الى نظام الضمانات الشاملة التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونتج عن ذلك حالة فريدة وهى ان عددا كبيرا من الدول قد وقع على المعاهدة ولكنه لم ينضم الى نظام الضمانات الشاملة التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية.[47] 7ـ نصت المعاهدة على تعهد كل طرف من الأطراف بإجراء مفاوضات لإتخاذ تدابير فعالة تتعلق بوقف سباق التسلح النووي فى موعد مبكر، وبنزع السلاح النووي وعقد معاهدة بشأن نزع السلاح الشامل فى ظل رقابة دولية محكمة وفعالة، ولكن المعاهدة لم تنص على أية آلية أو أى تدابير فعالة لذلك أو أى منظور زمني محدد. ومن ثم ففى واقع الأمر وعلى مدى عمر المعاهدة تركز الاهتمام والعمل على منع الدول غير النووية من اقتناء الأسلحة النووية وتم اهمال الشق الثاني المتعلق بتعهد الدول النووية بنزع سلاحها النووي[48].
8ـ إن إجراءات ومعايير الأمان الدولية التي نصت المعاهدة على ضرورة تطبيقها والإلتزام بها ومراقبتها من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تكن محكمة أو فعالة إلى الحد الذي تستطيع معه أن تمنع التحويل غير القانوني للوقود للأغراض العسكرية وذلك مرجعه أساساً ضعف الآليات التي تمتلكها الوكالة في مواجهة التطورات المتسارعة في مجال تكنولوجيا المفاعلات النووية[49].
وفي إطار هذه الاعتبارات يتصادم أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية هدفان متعارضان بسبب تسييس الدول الكبرى لهما، مع أنهما متكاملان إذا توفرت الحيدة والموضوعية فى تحقيقهما: أولهما: تشجيع ومساعدة الدول على استخدام التكنولوجيا النووية فى الأغراض السلمية والتسليم بأحقيتها فى ذلك. وثانيهما: تخليص العالم من التكنولوجيا النووية العسكرية بنزع أسلحة الدمار الشامل والتسليم بحظر ذلك ومنعه.
وبناءً عليه يكون من الضروري على المنظمات الدولية النووية وأطراف المعاهدة النووية، أن توازن بين الهدفين فإذا طغى الهدف الثانى قد يؤدى إلى حرمان الدول وخاصة تلك غير الحائزة للأسلحة النووية من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية مما يجعل إنضمامها إلى تلك المنظمات والمعاهدات أمراً لا طائل من ورائه بل إنه عبء ثقيل يكبلها ويحول دون الانطلاق إلى التكنولوجيا النووية[50].
ولذلك تضطر الدول التى تسعى إلى التكنولوجيا النووية السلمية إلى الانسحاب من هذه المعاهدات والمنظمات أو التهديد به؛ تجنباً لتلك القيود وخاصة عندما تستخدمها الدول الكبرى ذريعة للتدخل فى شئون الدول الأخرى، واحتلالها بدعوى حيازة أسلحة الدمار الشامل أو حتى بدعوى السعى لامتلاكها، مثلما حدث فى العراق و مازال هذا المسلسل تدور حلقاته حيث تهدد واشنطن كلاً من إيران وسوريا وغيرها من الدول بذات المصير إذا أصرت على الحصول على التكنولوجيا النووية.
وبالتالى نستطيع القول أنه عندما تحيد المعاهدات والمنظمات الدولية عن أهدافها وتصبح خطراً على استقلال الدول وسيادتها فلا جدوى للبقاء فيها، وينبغى الانسحاب منها، وفق ما تشير إليه النصوص القانونية لتلك المعاهدات والمنظمات بأن “الدول يمكنها الانسحاب حفاظاً على سيادتها إذا طرأت حوادث وظروف استثنائية تهدد المصالح العليا للدولة وأمنها القومى”[51].
وترتيباً على هذه السياسة الإنتقائية التي تتبعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي تشير إليها معاهدة حظر الإنتشار النووي، وإزدواجية المعايير لاسيما من قبل الولايات المتحدة، أقدمت الهند على تفجيراتها النووية في عام 1998، والتي أعقبتها سلسلة من التفجيرات النووية الناجحة من جانب باكستان، الأمر الذي برهن على ثلاث حقائق[52]:

الأولى: إن نظام منع الإنتشار النووي كان وما زال يعاني من قصور واضح على الرغم من كل المحاولات الدولية التي بذلت في السنوات السابقة لتدعيم فعاليته.
الثانية: إن وجود دول خارج نظام منع الإنتشار النووي والتي تمتلك قوة نووية بصورة غير معلنة يمكن ان يشكل تهديداً للسلم الدولي، وهكذا فإن الهند وباكستان، ومن بعدهما كوريا الشمالية، بتفجيراتهم النووية أنشأت وضعاً دولياً نووياً يفتح الباب أمام دول أخرى لمحاكاته.

الثالثة: إنتفاء عالمية معاهدة حظر إنتشارالسلاح النووي وتآكل فعاليتها ومصداقيتها.
وفي إطار هذه الحقائق يمكن القول أن تحليل المسار المحتمل لانتشار الأسلحة النووية، على ضوء إنتشار القدرات النووية، من واقع تفاعلات السنوات العشرين الماضية، يشير إلى اتجاهين محددين، كل منهما أقرب إلى نمط مثالى، تساهم بعض مكوناته فى تشكيل الأفكار السائدة بدرجة أو بأخرى مع تطور الأوضاع النووية فى العالم، وهما:

الاتجاه الأول: الانتشار الواسع للأسلحة النووية

يشير إلى أن القدرة على إنتاج الأسلحة النووية قد انتشرت بالفعل، وأن من الصعب إيقاف البرامج النووية لبعض الدول خاصة تلك المسماة بالدول المارقة، أو دول محور الشر، (أو المتمردة) بالمعايير الأمريكية، فإن كل ما هو مستطاع للتعامل مع مشكلات انتشار الأسلحة النووية هو إبطاء الانتشار وليس إيقافه أو إنهاؤه، وأن ما أصبح مطروحًا هو : كيف نتعايش مع انتشار الأسلحة النووية؟ بدلا من : كيف نمنع انتشارها؟ وبصيغة أخرى، فإن السؤال المهم لم يعد هو كيف يمكن وقف انتشار الأسلحة النووية لكن كيف يمكن منعها من أن تستخدم ؟
فإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية امتلكت تلك الأسلحة بالفعل، بل أن القنابل الإشعاعية (القذرة) ربما أصبحت متاحة للتنظيمات الإرهابية، وهناك عدد من دول العالم الأخرى سوف يتجه نحو امتلاك أسلحة نووية فى المديين القصير والمتوسط، بحيث يمكن القول بأن السلاح النووى سوف ينتشر عبر مناطق العالم المختلفة خلال الفترة القادمة، بفعل عدة عوامل، أهمها ما يلى[53]:
١ – انتشار التكنولوجيا النووية المتطورة أو المكملة أو المزدوجة وهى التكنولوجيا التى تتيح للدول تطوير أو تحويل قدراتها النووية بإتجاه امتلاك أسلحة نووية كقدرات إعادة المعالجة، أو التصميم الهندسى، أو البنية الصناعية، أو الحاسبات الآلية، مع إمكانية الحصول عليها بأشكال غير قانونية.
٢ – تصاعد الدوافع التى يمكن أن تجعل الدول تتجه نحو إتخاذ قرار امتلاك الأسلحة النووية فإضافة إلى أن كثيرا من الدول لا تزال ترى السلاح النووى رمزًا للقوة، يمكن رصد عدة أسباب لسعى الدول نحو حيازة هذا السلاح فى المرحلة الحالية، أهمها انهيار الضوابط الأمنية التى سادت خلال حقبة الحرب الباردة على نحو يبرر تملك درع نووي، كما هو الحال بالنسبة لليابان وتايوان، في مواجهة تهديدات الصين وكوريا الشمالية..

٣ – قصور نظم منع انتشار الأسلحة النووية سواء على مستوى التعهدات الثنائية أو التحقق متعدد الأطراف أو الاتفاقيات الدولية.

الاتجاه الثاني: السيطرة على انتشار الأسلحة النووية:[54]

يؤكد الاتجاه التقليدى فى دراسات الانتشار النووى أن انتشار القدرات النووية لم (ولن) يؤدى بالضرورة إلى انتشار الأسلحة النووية على المستوى الدولى، وبينما يظل حقيقيًا أن مزيدا من الدول، بما فى ذلك دول العالم النامية، سوف تمتلك القدرة على صناعة الأسلحة النووية عبر الزمن، فإنه ليس من الحتمى أنها سوف تختار أن تفعل ذلك، حتى فى تلك الحالات التى يرتبط فيها امتلاك السلاح النووى، بالنظر إلى مستوى تطور البنية التكنولوجية النووية، بمجرد اتخاذ القرار السياسى بذلك كما توضح حالات اليابان وألمانيا والسويد وكندا على سبيل المثال، إضافة إلى حالتى البرازيل والأرجنتين، اللتين انضمتا مؤخرًا إلى هذه الفئة من الدول، فكل دولة تقوم بعملية تحليل معقدة لمستويات مختلفة من العوائد (التى ترتبط بدوافعها لامتلاك الأسلحة النووية) والتكاليف (الأعباء المالية الكبيرة والضغوط السياسية الدولية) المرتبطة بقرار إنتاج السلاح النووى قبل اتخاذه.
يضاف لذلك أن عوامل مختلفة تمارس تأثيراتها على قرارات الدول على النحو الذى أدى إلى تغيير كثير منها لقراراتها النووية، بوقف أو تجميد برامجها النووية العسكرية أو عدولها عن الاحتفاظ بالأسلحة النووية، كما حدث فى حالات أوكرانيا وروسيا البيضاء (وإن كانت الحالة الهندية ـ الباكستانية تلقى بظلال كثيفة على ذلك)، فالقدرات التكنولوجية النووية تعتبر شرطًا ضروريًا لامتلاك الأسلحة النووية لكنها ليست كافية وحدها للدفع فى هذا الاتجاه.
ويؤكد هذا التجاه أن انتشار القدرات النووية، بدرجات متفاوتة، قد أدى إلى تبلور تفاعلات مختلفة تدفع فى الاتجاه المضاد وهو اتجاه السيطرة على انتشار الأسلحة النووية، توازت مع تطورات مختلفة تؤكد أن العالم لا يسير فى اتجاه انتشار الأسلحة النووية، لكن ربما فى اتجاه إيجاد أطر أو نظم أو ترتيبات تعاونية للحد من مخاطر انتشار القدرات النووية، أو منع انتشار الأسلحة النووية، أو إخلاء بعض المناطق من الأسلحة النووية القائمة أو المحتملة.
وفى هذا الإطار، كانت التفاعلات المتصلة بمشكلة الانتشار النووى على المستوى الدولى، تشير فى كل فترة من فترات مرحلة 2007 – 1991 إلى غلبة تيار على آخر، فقد سيطر تيار حتمية الانتشار فى النصف الأول من التسعينات، قبل أن يسود التوجه الخاص بالسيطرة عليه فى النصف الثانى من التسعينات، وتقلبت التفاعلات النووية بشدة فى بداية القرن الحادى والعشرين بين انطباع بوجود انفلات نووى وبين تصور بوجود سيطرة نووية بشكل جاد.
وتشير تفاعلات الفترة الحالية إلى غلبة اتجاه السيطرة على انتشار الأسلحة النووية استنادا على الحالات التى يمكن رصدها بهذا الشأن، إلا أن عوامل مختلفة تشير إلى أن احتمالات انتشار الأسلحة النووية لا تزال قائمة، لعدة مبررات أهمها ما يلى:
١ – أنه إذا كانت مجموعة من الدول قد عدلت عن قرار امتلاك أسلحة نووية خلال الفترة الماضية كالبرازيل والأرجنتين وكوريا الجنوبية، فإن مجموعة أخرى من الدول قد مضت فى نشاطاتها النووية، وأنتجت أسلحة نووية بالفعل كإسرائيل والهند وباكستان.
٢ – أن مسار عملية انتشار الأسلحة النووية يشير إلى أن كل فترة من الفترات تشهد ظهور مجموعة من الدول تحاول امتلاك أسلحة نووية تعقبها مجموعة أخرى، وإذا كان اتجاه عدم الانتشار قد تغلب فى الحالات الحادة التى شهدتها مرحلة 1998-1991 كالعراق، ومرحلة 2001-2003 مثل ليبيا، فإن نفس المرحلة قد شهدت ظهور حالات أخرى مثل إيران.
٣ – أن كثيرا من الدول التى عدلت عن قرار امتلاك أسلحة نووية يمكن أن تعدل أيضًا عن قرار “عدم الامتلاك”، إذا تعرضت لضغوط إستراتيجية، خاصة فى ظل إمتلاكها بالفعل قدرة متطورة على إنتاج الأسلحة النووية (كوريا الشمالية) ولديها مخزون من المواد النووية (جنوب أفريقيا).
وثمة تقارير تشير إلى وجود نشاطات برازيلية وتايوانية فى هذا الإتجاه، وحتى الدول التى تعتبر أمثلة تقليدية على اتخاذ قرارات إستراتيجية قاطعة بعدم امتلاك أسلحة نووية، كاليابان، فإنها شهدت جدلا حول امتلاك أسلحة نووية عندما بدأت تتعرض لتهديد نووى محتمل من جانب إحدى الدول المجاورة لها.

وتصبح القضية أنه لا توجد نظم أو آليات جادة للرقابة تضمن عدم تراجع تلك “الدول الممتنعة The Abstaining States عن قراراتها فى حالة مواجهتها تهديدات إقليمية خطيرة، ومؤدى هذه النقطة هى أن أول إشارة بأن دولة ما من الدول الواقعة فى إقليم معين يشهد انتشارا للقدرات النووية ستغير موقفها، سوف تدفع الآخرين لأن يتبعونها، لاسيما في حالة الخصومة ومن ثم سعياً وراء تفعيل آلية الردع.
4 – أن محاولات إقامة نظم خاصة للتفتيش النووى تنطبق على كل الدول، أو ترتيبات إقليمية واسعة لمنع انتشار الأسلحة النووية، أو أخلاء الأقاليم الدولية منها، تواجه مشكلات مختلفة عمليًا حتى فى الحالات التى شهدت “تسويات أو حلولا” للمشكلات النوو ية كما أن محاولة تفعيل النظام الدولى لمنع انتشار الأسلحة النووية لاتزال تعاني قصوراً ملموساً[55].
وفي إطار هذه الاعتبارات يمكن القول بأن مستقبل التسلح النووى فى العالم يتسم بالتعقيد الشديد، بحيث يصعب تحديد الآثار الإستراتيجية القائمة والمحتملة لانتشار القدرات النووية فى ظل الأطر التقليدية للانتشار النووى بشكل دقيق إذ لم يعد من الممكن تحليل واقع ومستقبل التسلح النووى استنادا على المفاهيم والنماذج البسيطة التى سيطرت على دراسات الانتشار النووى خلال الحرب الباردة، كما أن نتائج الأساليب التى تطورت بعد ذلك فى إطار العمل من جانب واحد أو استخدام الإكراه أو التساوم لاتزال معلقة، والنتيجة هى أن الوضع السائد يبدو حاليا معقداً بدرجة أكبر مما تظهره أية صورة مبسطة له على أنه عالم يضم دولا مالكة للأسلحة النووية وأخرى لا تمتلكها وفقًا لماهومقررفىمعاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية.

المبحث الرابع

مفاهيم وإشكاليات الإنتشار النووي

تتعدد المفاهيم والإشكاليات التي ترتبط بقضايا الإنتشار النووي، ويمكن الوقوف على أهم هذه المفاهيم وتلك الإشكاليات على النحو:

أولاً: الخلط بين مفهوم القوة النووية والقدرة النووية:

تهتم معظم دراسات الانتشار النووى، بتحليل الأبعاد الإستراتيجية لامتلاك أو انتشار القدرات النووية، باعتبار أن ذلك يمثل الإشكالية الأساسية فى هذا المجال، على النحو الذى يتضح فيما تثيره أية محاولة من جانب أية دولة، خاصة فى إقليم كالشرق الأوسط، لامتلاك قدرات نووية من نوع ما، فالقدرات النووية (وفقًا لمنطق الدول الكبرى) ليست مجرد قدرات ذات مضامين تكنولوجية – اقتصادية، وإنما هى قدرات ذات أبعاد إستراتيجية تتصل بما تمثله من “خيارات عسكرية” تتيح للدول المالكة لها وفق محددات معينة، أن تتجه نحو إنتاج أسلحة نووية. وتوضح تلك التحليلات أن هناك مقولتين رئيسيتين تحكمان العلاقة بين امتلاك وانتشار القدرات النووية، وبين الاتجاه نحو امتلاك الأسلحة النووية، فعلاً[56]:
الأولى: أن هناك علاقة مباشرة بين انتشار التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وانتشار الأسلحة النووية فى العالم، فهناك ارتباط واضح بين المشاريع النووية السلمية والبرامج النووية العسكرية، إذ أن الجانبين يعتمدان تقريبًا على نفس المنشآت والتكنولوجيات والمواد، وبناء على هذه المقولة ترددت كثيرًا عبارة أنه لا توجد طاقة نووية للاستخدامات السلمية وطاقة نووية للاستخدامات العسكرية وإنما توجد طاقة نووية واحدة.
الثانية: أنه لا توجد علاقة مباشرة بين امتلاك القدرات النووية، وانتشار الأسلحة النووية، فالقدرة على إنتاج السلاح شئ، وإنتاجه شئ آخر، وعلى الرغم من أن انتشار القدرات النووية يسهل بالفعل انتشار الأسلحة النووية، ومن المحتمل أن يعجل أو يسرع وتيرة الإنتاج أو يتيح ذلك، إلا أن العلاقة ليست “أوتوماتيكية “فهناك عوامل وسيطة تحكم العلاقة بين انتشار القدرات وانتشار الأسلحة تمارس تأثيرها على القرارات الخاصة بالاتجاه نحو إنتاج الأسلحة النووية أو الامتناع عن إنتاجها.
والواقع أن المقولة الثانية صحيحة إلى حد كبير، فعلى الرغم من أن امتلاك القدرة النووية يسهل إلى حد كبير السير فى طريق إنتاج السلاح النووى إلا أنه لا يؤدى إليه، ولا توجد علاقة مباشرة بين القدرة والقو ة، ففى أوائل السبعينات كانت نسبة الدول التى تمتلك أسلحة نووية إلى الدول التى تمتلك قدرات نووية ٨ :1، حيث كانت حوالى ٤٥ دولة تمتلك مفاعلات أبحاث نووية فى الوقت الذى لم تكن هناك فيه سوى ٥ دول تمتلك قوة عسكرية نووية معلن عنها وما لا يتجاوز دولتين تمتلكان قوة نووية غير معلن عنها أو مشكوك فى وجودها.
وفى الثمانيات كان عدد الدول التى تمتلك قدرات نووية يصل إلى ٦٥ دولة، منها ٣٠ دولة تمتلك مفاعلات قوى، بينما لم يزد عدد الدول التى تمتلك ترسانات نووية معلنة، أو التى تمتلك أسلحة نووية غير معلنة، أو التى فى طريقها لامتلاك أسلحة نووية عن ١٢ دولة تشمل الدول العظمى والكبرى، واستمرت نفس النسب على ماهى عليه، حتى عندما دخلت دول جديدة إلى النادى النووى فى التسعينات. وهو ما يعني أن امتلاك القدرة النووية (من تحليل الواقع العملى) لا يعنى امتلاك أسلحة نووية[57].
وانطلاقًا من وجود تباينات واسعة بين الدول التى تمتلك قدرات نووية، فبعضها دول متقدمة وبعضها دول نامية، وكذلك وجود اختلافات كبيرة فى نوعية الضغوط الإقليمية التى تتعرض لها، والتى تتراوح من عدم وجود ضغوط ذات أهمية، إلى وجود تهديدات أمنية مباشرة، إن هناك عوامل مختلفة تحدد ما إذا كانت الدول المالكة للقدرات النووية سوف تتجه نحو امتلاك الأسلحة النووية بالفعل أم تمتنع عن ذلك.
وثمة أربعة عوامل أساسية تختلف أوزانها من حالة إلى أخرى تمارس تأثيرها على سلوك كافة الدول المالكة للقدرات النووية خاصة دول العالم النامى حالة تطلعها إلى حيازة السلاح النووي وهى[58]:
١ـ مستوى تطور القدرات النووية – العسكرية: ويرتبط هذا العامل بمدى قدرة الدولة (أو دول منطقة معينة) على إنتاج الأسلحة النووية، فهناك مستويات من القدرات النووية تتباين بمدى واسع بين امتلاك بنية نووية أولية ترتبط باستخدامات مدنية محدودة للطاقة النووية وامتلاك برامج نووية متطورة لا تتضمن أو تتضمن عناصر عسكرية تتيح للدولة إنتاج جهاز نووي. كما أن هناك بعد ذلك متطلبات علمية – تكنولوجية عسكرية إضافية يتحدد على أساسها ما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل هذا الجهاز إلى “سلاح نووى” أم لا؟ فالتكنولوجيا النووية العسكرية ذاتها لا تترجم عمليا دائما إلى “نظم تسليحية” نووية.
٢ـ دوافع امتلاك الأسلحة النووية: ويرتبط هذا العامل بمدى قوة دوافع امتلاك السلاح النووى لدى الدول واستمرارية هذه الدوافع أو استمرارية العوامل المشكلة لها، لفترة زمنية طويلة دون تغيير وقد اهتمت كتابات مختلفة، على نحو ما هو قائم بشأن تحليل مستويات تطور القدرات النووية، بتحليل هيكل الدوافع والضغوط والأسباب التى تدفع الدول نحو السعى لامتلاك أسلحة نووية وركزت على دافع الأمن، ثم دافع المكانة، بإعتبارهما الدافعين الأكثر أهمية على هذا المستوى، مع فارق واسع نسبيًا بينهما فيما يتصل بالدول النامية.
٣ـ تمويل البرامج النووية العسكرية: ويرتبط هذا العامل بمدى قدرة الدولة على تمويل برامج إنتاج الأسلحة النووية، لا سيما بالنسبة للدول النامية عبر فترة طويلة، فثمة تقديرات تشير إلى أن الحد الأدنى لتكاليف عملية إنتاج قنبلة نووية واحدة يصل إلى ٢٠٠ مليون دولار سنويا، وتزداد هذه التكلفة 5-10مرات إذا ما تمت إقامة برنامج ضخم يستهدف إنشاء قو ة نووية ضاربة تشتمل على “وسائل توصيل” وقواعد إطلاق ونظم قيادة وسيطرة واتصال.
٤ـ القيد الدولى على إنتاج الأسلحة النووية: ويرتبط هذا العامل بطبيعة وشدة القيود المفروضة على التوجهات العسكرية النووية من جانب القوى الدولية المسيطرة خاصة الولايات المتحدة فى مرحلة القطب الواحد، فمحاولات السعى نحو إنتاج أسلحة نووية قد تواجه بضغوط سياسية وعقوبات اقتصادية وتهديدات عسكرية متصاعدة تؤثر بشدة على حسابات العائد/ التكلفة المتصلة بقرار امتلاك الأسلحة النووية، بما قد يحول دون اتخاذ القرار أو يدفع نحو العدول عنه، كما أنها، أي القيود الدولية، قد تعرقل عملية بناء القوة النووية فى بعض مراحلها، وتمثل حالة إيران حالياً مثالاً ناطقاً على ذلك.
وفي إطار هذه العوامل يمكن القول أن هناك اعتبارات تكنولوجية، عسكرية/ أمنية، سياسية، واقتصادية/ مالية، ودولية يتفاوت وزنها من حالة إلى أخرى، تتدخل فى العلاقة بين امتلاك القدرات النووية وامتلاك الأسلحة النووية، ولا توجد قاعدة محددة لتأثيراتها، فلم يردع تأثير أى عامل من العوامل السابقة دولة مثل باكستان من أن تتقدم فى اتجاه امتلاك أسلحة نووية تعتقد أنها ضرورية لأمنها، حتى لو اضطرت، حسب تعبير ذو الفقار على بوتو، إلى “أكل العشب”، بينما أدت بعض تلك العوامل فى حالات مختلفة إلى منع دول أخرى من امتلاك أسلحة كانت راغبة بشدة فى الحصول عليها، كحالات العراق وليبيا، بينما لاتزال حالات دول مثل كوريا الشمالية وإيران تحت الاختبار[59].
هكذا يتضحإن امتلاك عناصر القدرة النووية السلمية لا يعنى أن “الدولة المالكة” يمكنها بمجهود معقول أن تنتج سلاحا نوويا، فهناك متطلبات إضافية لابد من توافرها لاستكمال “دورة الوقود النووى” التى تتمكن الدولة بعد استكمالها من حيازة المواد النووية التى تمكنها من صنع السلاح النووى، وهى البلوتونيوم -239، واليورانيوم – ٢٣٥، المخصب بدرجة ٩٠ فى المائة على الأقل، بناء عليه طرحت عدة معايير لتصنيف دول العالم على أساس مستوى القدرة، القوة التى تمتلكها، أهمها نموذج شائع هو “سلم القدرات النووية”، الذى يتم على أساسه قياس مستوى القدرة، القوة للدول التى تسير فى الطريق النووى.
ويشتمل المقياس على ١٤ درجة يعبر كل منها على مستوى معين متصاعد من “القدرة” يتيح تحديد الوضع النووى للدولة وذلك كما يلى:
١ – امتلاك المعرفة النووية الأساسية.
٢ – امتلاك مفاعلات قوى أو أبحاث نووية، وتطبيقات نووية مدنية.
٣ – حيازة مواد انشطارية يمكن أن تستخدم لأغراض إنتا ج الأسلحة النووية.
٤ – امتلاك تصميمات بدائية للسلاح النووى، وصناع ات كيميائية، ومعدنية، والكترونية.
5ـ امتلاك خبرة فى إقامة وإد ارة المشروعات الكبرى المطلوبة لتطوير الأسلحة النووية.
6 – امتلاك “خيار” السلاح النووى مع اختلاف المدة المفترضة لبناء القنبلة (عام _ شهر)
7 – امتلاك قنبلة أو قنابل غير مجمعة (مفككة الأجزاء) وغير مختبرة (لم يتم اختبارها).
8 – تفجير “جهاز نووى” بزعم الأغراض السلمية.
9 – الكشف عن برنامج علنى لتطوير سلاح نووى، مخالف للإتفاقيات الدولية.
10 – امتلاك مخزون متنامى من الأسلحة الانشطارية الأكثر أو الأقل تعقيدًا.
١1 – الاعتماد على نظام توصيل محدد (كفرع مستقل ) للسلاح النووى، كالقاذفات النووية (مثلا)
12- توفر نظامقيادةوسيطرةأواتصال غيرمعقدنسبيا،مع تدابيرحماية ضد الهجوم المفاجيء
١3 – جهود لتطويع سلاح انشطارى آمن، موثوق به يسهل حمله، وإدماجه، وتطوير نظام توصيل صار وخى معقد أكثر موثوقية.
١4 – امتلاك سلاح نووى فعلي[60].

والمشكلة هنا أنه بناء على هذا المقياس يمكن تصنيف دول العالم إلى فئات شديدة التنوع، بشكل يؤدى إلى تداخل شديد بين سمات الفئات المختلفة، وقد أدت مثل هذه المشكلة بالفعل إلى وجود تصنيفات ثلاثة هي: الدول النووية، ودول العتبة النووية، والدول غير النووية[61].
وتتمثل الدلالة الأساسية لمثل هذا التصنيف فى أنه يوضح أن الخريطة النووية فى العالم قد أصبحت معقدة فى المرحلة الحالية، ومن المحتمل أنها ستصبح أكثر تعقيدا فى المستقبل، فالتصورات الخاصة بوجود عالم مسلح نوويًا أو عالم خال من الأسلحة النووية تصورات يعيبها التبسيط المخل، إذ أن انتشار مستويات مختلفة من القدرات النووية سوف يفرز واقعاً أكثر تعقيدًا مما هو قائم الآن.
كما أن ملامح المستقبل سوف تختلف من إقليم إلى آخر، تبعًا لمحددات وأنماط سلوك الدول التى تمتلك قدرات نووية فى نطاق هذا الإقليم. وبالتالى، فإنه يمكن القول أنه بقدر ما تتسم الأوضاع النووية فى العالم بالتحديد، فإنها تتسم كذلك بالسيولة، فرغم وجود ملامح عامة لتلك الأوضاع تبدو وكأنها تتيح تفسيرا لقضايا مختلفة، فإن التحليلات الأكثر مصداقية هى التى ترتبط بوضع محدد لحالة بعينها.

ثانياً: السوق النووية السوداء:

أصبحت السوق النووية السوداء لتجارة المواد والمعدات النووية قاسمًا مشتركًا في كل تحليلات الانتشار النووي، كأحد المصادر الرئيسية المحتملة لانتشار الأسلحة النووية في فترة ما بعد الحرب الباردة. ويشير مفهوم السوق النووية السوداء إلى “الاتجار في الخبرة أو التقنيات أو المواد المرتبطة بالمجال النووي التي يجري السعي للحصول عليها لأغراض غير سلمية، وغالبًا ما يتم ذلك عبر سبل سرية[62].
وقد بدأ مفهوم السوق النووية السوداء يروج خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، إذ انتشرت منذ ذلك الحين عمليات سرقة التكنولوجيا النووية التي يقوم بها علماء أو عملاء تابعين لدول ترغب في الحصول على سلاح نووي، وكانت المسألة تتعلق في الأساس بطرق جديدة في تخصيب اليورانيوم، وتصميمات لأسلحة نووية، إضافة إلى نتائج الاختبارات النووية.
وليس بخافِ أن انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، أدى إلى تضخم غير مسبوق في السوق النووية السوداء، شمل مواد حساسة كالبلوتونيوم- ٢٣٩، واليورانيوم ٢٣٥، ومعدات نووية متطورة، وعلماء وخبراء في كافة التخصصات المتصلة بتطوير وإنتاج الأسلحة النووية، ووصل الأمر إلى ظهور تقارير تشير إلى أن صفقات لبيع أسلحة نووية قد تمت، وظهور تصريحات رسمية داخل الولايات المتحدة تؤكد أن مسيرة الانتشار النووي قد انفلتت، لاسيما منذ بداية عام 1992 ، وأنه سرعان ما ستظهر عدة دول نووية جديدة، وأنه يجب التحول نحو التفكير في كيفية التعايش مع الانتشار النووي بفعل ما بدا من عدم القدرة على السيطرة على تلك السوق النووية السوداء[63].
وتزداد قضية السوق النووية السوداء تعقيداً بحكم تركزها في مناطق معينة، أو وجود تجار معروفين على غرار السوق العادية. وكل ما كان معروفًا هو أن هذه السوق موجودة بالفعل، وأنه يمكن الحصول منها على بعض المعدات أو المواد، لكن لاستكمال عناصر خاصة ببرامج نووية قائمة وليس إقامة برامج متكاملة على أساسها. ولكن سرعان ما توافرت معلومات محددة عن تلك السوق، التي كانت عملياتها تتركز أساساً في أوروبا وإفريقيا، وكانت هناك إشارات مختلفة حول عواصم محددة بالاسم تشهد تلك النوعية من التجارة في المواد والمعدات النووية أهمها الخرطوم وبرلين. كما أن إسرائيل قد مارست نشاطات نووية غير رسمية واسعة النطاق، بحيث أرست أسس المفهوم المعاصر للسوق النووية السوداء، وذلك من خلال نشاطات خاصة بسرقة تصميمات وتكنولوجيات من المعامل الأمريكية، ثم القيام بعمليات خاصة للحصول على شحنات هائلة الحجم من اليورانيوم المعالج، ثم أضافت إليها عقد صفقات سرية لمحاولة الحصول على يورانيوم مخصب، وأجهزة تفجير نووية، على نحو فجر أزمة مع الولايات المتحدة بشأن أجهزة الكرايتريون، التي اضطرت إلى إعادتها مرة أخرى.
وقد بدأت الصورة الواقعية لهذه السوق تتضح بشكل كبير منذ عام ٢٠٠٣ مع اكتشاف برنامج تخصيب اليورانيوم بإيران في مفاعل ناتانز، ثم تطورت على نحو واضح مع إرهاصات النشاطات النووية الليبية، ثم شهدت مفاجأة حقيقية إضافية عندما أقرت الباكستان بالفعل بحدوث تسربات نووية واسعة من داخلها. وتعتبر شبكة العالم النووي الباكستاني عبدالقدير خان نموذجًا واضحاً لهذ ه السوق. إذ انفردت بقدرتها على توفير مجموعة واسعة النطاق من السلع والخدمات اللازمة لإنتاج يورانيوم عالي الخصوبة[64].

ثالثاً: الإستراتيجية الذكية للإنتشار النووي[65]

تتمثل الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها هذه الاستراتيجية في البقاء ضمن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية مع السعي إلى امتلاك القدرة على التخصيب ذي الاستخدامات الثنائية وامتلاك المفاعلات ومرافق إعادة المعالجة وتخزين كميات كافية من اليورانيوم، فضلاً عن أجهزة إنشطار نووي ذات إمكانات متواضعة، وعندما تصل الدولة المعنية إلى هذه النقطة، يمكنها أن تقدم إشعارا مدته تسعون يوما للإنسحاب من المعاهدة، وعندئذ يمكن أن تحقق اختراقا من دون أن تنتهك الاتفاقية.
أما الخطوة التالية بعد الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، فهي تحويل الكمية المخزنة من اليورانيوم ذي درجة التخصيب المتدنية إلى يورانيوم معدني عالي التخصيب وإنتاج “أسلحة نووية” ذات تصميمات متواضعة تشبه تلك التي تم إسقاطها على اليابان عام ١٩٤٥، ثم يمكن للدولة المعنية بعد ذلك أن تقوم بتجارب تفجيرية من أجل تطوير التصميمات البدائية.
وبهذه الطريقة، يمكن للدولة الساعية إلى الحيازة النووية أن تختزل الفترة الزمنية التي ستشهد خلالها ضعفا أو انكشافا سياسيا وعسكريا بالغا، وإن كان من المستبعد تجنبها تماما. وواقع الأمر أن هذه الاستراتيجية التي يغلب عليها الطابع المثالي في خطوات تنفيذها وتستبعد الصعوبات الكبيرة التي يمكن أن تواجهها الدولة في تطبيقها لها، ما هي إلا نتاج لبعض الثغرات الموجودة بمعاهدة منع انتشارالأسلحة النووية (1968).

خاتمة:
إن المجتمع الدولي وإن كان قد قطع بضع خطوات لا بأس بها على طريق منع الإنتشار النووي، إلا أن الإنجاز الذي تحقق خلال أكثر من خمسة عقود لا يزال بعيداً عما كان يأمل فيه هذا المجتمع الدولي، وذلك يرجع لعدد من الأسباب:
أولاً: أن صيغة معاهدة منع الانتشار النووي ذاتها مليئة بالعديد من الثغرات التي تسمح للدول بامتلاك السلاح النووي. فالمعاهدة تسمح للدول الأعضاء بتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، لكنها لا تضع حدودا فاصلة بين تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية والأغراض العسكرية. ولذلك، فإنه باستطاعة بعض الدول تخصيب اليورانيوم تحت زعم أنه للأغراض السلمية، ثم تستغله لإنتاج السلاح النووي. وإذا تم الكشف عن ذلك، فإن هذه الدول تقوم بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي تحت دعوى أن أخطاراً غير عادية تهدد مصالحها العليا، وذلك دون أية التزامات قانونية عليها. ‏
إضافة لذلك، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الجهة المخولة بتطبيق المعاهدة والمراقبة والتفتيش علي عمليات تخصيب اليورانيوم، لم تمتلك بعد الصلاحيات القانونية أو المالية أو الأدوات التكنولوجية التي تمكنها من أداء دورها المنوط به في الرقابة والتفتيش لوقف الانتشار النووي. فمفتشي الوكالة الدولية كثيرا ما يجدون أيديهم مقيدة، إما بسبب افتقارهم إلي السلطة القانونية اللازمة لدخول المواقع كافة التي يرون ضرورة لتفتيشها، أو لأن المختبرات التحليلية التابعة للوكالة عتيقة، وعفي عليها الزمن، أو لأن الوكالة تفتقد السبل اللازمة للحصول علي القدر الكافي من صور الأقمار الصناعية.
هذا بالإضافة إلى حقيقة أنه كان لدى الوكالة صلاحيات كامنة لم تمكنها الظروف الدولية أبداً من استخدامها ضد أية دولة بفاعلية، وهى نظام التفتيش الخاص، فالوكالة تقوم عادة بتطبيق نظامين للتفتيش على الدول التى تنضم إلى معاهدة منع الانتشار النووى، هما: التفتيش المحدد الذى يتم بغرض التأكد من معلومات تقدمها الدول ذاتها بشأن ما تقبل تفتيشه بعد انضمامها للمعاهدة، والتفتيش الروتينى الذى يتم بشكل دورى على المنشآت التى يتم رصدها فى اتفاقية الضمانات بين الوكالة وكل دولة عضو فى المعاهدة، من خلال إجراءات معينة تتضمن تحديد الموعد وأماكن التفتيش مسبقاً. لكن فى حالة وجود شك فى أن الدولة المعنية تمارس نشاطات محظورة، فإن من حق الوكالة أن تطلب القيام بعمليات تفتيش خاصة لمواقع غير متضمنة فى اتفاق الضمانات، وهو ما لم تطبقه الوكالة، إذ أنها كانت تعلم أن الاقتراب من تلك المساحة قد يؤدى بالدولة المعنية إلى الرفض والانسحاب.
ثانياً: إن معاهدة حظر الانتشار النووي، وان كانت قد أعطت الدول النووية الخمس الكبرى وضعية خاصة للاحتفاظ بالسلاح النووي، إلا أنها استهدفت نزع هذا السلاح من أجل إقامة عالم خال من الأسلحة النووية. لكن علي مستوي الواقع، فإن الدول النووية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة وروسيا، لم تلتزم بتخفيض سلاحها النووي أو نزعه، بل سعت إلي الحفاظ على احتكارها النووي، في الوقت الذي تطالب فيه الدول الأخرى بعدم امتلاك التكنولوجيا النووية. وهذه الازدواجية من الدول الغربية أفقدت معاهدة حظر الانتشار النووي المصداقية. كما أن سلوك الدول الكبرى شجع الدول الصغري علي التسابق نحو امتلاك التكنولوجيا النووية ومن ثم الأسلحة النووية. وقد ظهر خلال المؤتمرات التي عقدت لمراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي، خاصة في أعوام 1995 ‏و2000 ‏و2005، التعارض في وجهات نظر ومواقف الدول الكبرى والدول الصغري حول قضايا الانتشار النووي، وحق الدول الصغري في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
ثالثاً: ‏إن العوامل السياسية وتوازنات القوى تؤدي إلي تباين مواقف الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، من الدول التي تسعي لامتلاك السلاح النووي، أو التي تمتلكه بالفعل. ففي حالة كوريا الشمالية، نجد أن الولايات المتحدة مزجت بين سياستي العصا والجزرة، لكنها مع ذلك فشلت في تسوية هذا الملف، نظرا لغياب الثقة بين واشنطن وبيونج يانج، في ظل التحالف الوطيد الذي يربط الأولى بكوريا الجنوبية.
‏على حين أنه في الإطار نفسه، اعترفت واشنطن بالسلاح النووي للهند وباكستان، نظرا لحاجة واشنطن إليهما في ظل حربها علي الإرهاب، ولموازنة صعود القوة الصينية. كما تغاضت واشنطن عن البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفضت الضغط علي تل أبيب للانضمام لمعاهدة حظر الانتشار النووي كما تطالب الدول العربية، نظرا لعلاقات التحالف بين البلدين.
إن سياسات الولايات المتحدة المتشددة تجاه البرنامج النووي، لم تكن متشددة على طول الخط، يعني في البدايات كانت متشددة ثم حدثت إنفراجة في العلاقات. وفي ظل رئاسة خاتمي ثم أصبحت بعد ذلك متشددة وتم فرض عقوبات ثم بمجيء أوباما في فترته الرئاسية الأولى كان ينتهج سياسة اليد الممدودة وتم تخفيف حده لهجة الحوار ثم بعد ذلك تم فرض عقوبات مع مزيد من التشدد ثم بدأت حدة الحوار والتشدد تخف قليلا مع مجيء روحاني غلى سدة الرئاسة والذي توج بإتفاق جنيف المرحلي في عام 2013 والذي جرى التمديد له اكثر مرة لتوقيع إتفاق نهائي آخرها كان في 24 نوفمبر 2013، وجرى التمديد له لمدة سته اشهر أخرى، لكن حدث هذا التمديد في 24 نوفمبر 2014 في ظل أجواء من التفاؤل.
‏وتعد هذه الازدواجية في تعامل الدول الكبرى مع القضايا النووية أحد العوامل الرئيسية في تزايد الانتشار النووي في العالم. وبالتالي نستطيع القول أن حتميات القوة تعلو وتسمو فوق مباديء الشرعية الدولية أحياناً، كما أن الولايات المتحدة تفسر الشرعية الدولية من منطلق مصالحها الشخصية البحتة ومصالح حلفائها في المنطقة.
[1] د. إسماعيل صبري مقلد، أصول العلاقات الدولية: الإطار العام، أسيوط، بدون ناشر،2007، ص.ص.311 –312 .
[2]2 د. غسان سلامة، التحولات فى النظام الدولى وأبعادها العربية، مجلة المستقبل العربى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، عدد (288) فبراير (2003)، صــ10.
[3]3 د. درية شفيق بسيوني، قضايا دولية معاصرة، القاهرة، جهاز نشر الكتاب الجامعي- جامعة حلوان، ص.ص.142-143.
[4] د. إسماعيل صبري مقلد، أصول العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص312.
[5]1 د. إسماعيل صبري مقلد، أصول العلاقات الدولية، مرجع سابق، ص317 .
[6] المرجع السابق، ص318.
[7] Martin Taggart, Do Nuclear Weapons Still Have a Role in International Relations in the Post-Cold War Era?, May 10, 2008, الرابط
[8] Scott Sagan, Why Do states Build nuclear Weapons: Three models in search of a bomb, International security, Vol. 21, No. 3, pp 54 – 86.
[9] Kenneth Waltz, “The Spread of Nuclear Weapons: More May Better,” Adelphi Papers, Number 171 (London: International Institute for Strategic Studies, 1981) الرابط
[10]2 Scott Sagan, Why Do States Build Nuclear Weapons: Three Models in Search of a Bomb, Opcit, PP. 54 – 86.
[11] Lavoy, Peter R., Nuclear Myths and the Causes of Nuclear Proliferation. In Z. S. Davis and B. Frankel. The Proliferation Puzzle: Why Nuclear Weapons Spread (and What Results).Portland: Frank Cass & Company, 1993
[*] لمزيد من المعلومات عن مبررات حيازة السلاح النووي الفرنسي راجع: د.درية شفيق بسيوني، العلاقات الفرنسية- الألمانية في عهد ديجول، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة:كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، 1980 .
[12] Jacques Hymans, The Psychology of Nuclear Proliferation: Identity, Emotions, and Foreign Policy, Cambridge: Cambridge University Press, 2006.
[13] BARBARA FARNHAM, The Theory of Democratic Peace and Threat Perception, International Studies Quarterly, 2003, Vol.47, No.2, P.P. 395–415.
[14] George Perkovich, Nuclear Proliferation: Think Again, Foreign Policy, fall 1998, pp 16-18.
[15] Matthew Koenig, Importing the Bomb: Sensitive Nuclear Assistance and Nuclear Proliferation, Harvard University, January 12, 2008, الرابط
[16] Gregory D. Koblentz, The Politics of Nuclear Cooperation: Why States Share Nuclear Weapons Technology, paper presented at the 2005 Annual Meeting of the
American Political Science Association, September 1-4, 2005. الرابط
[17] Matthew Koenig, The Enemy of My Enemy is my Customer: Why States Provide Sensitive Nuclear Assistance. Ph.D. dissertation, University of California, Berkeley, 2007, P.201.
[18] د. محمد عبدالسلام، السلاح النووي والصراع العربي الإسرائيلي: دراسة في إستخدامات القوة النووية في إدارة الصراع، رسالة ماجيستير غير منشورة، القاهرة: كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، 1993، ص29.
[19]1 د. أيمن مرعي، الواقع الراهن للإستخدامات السلمية للطاقة النووية، ملف الأهرام الإستراتيجي، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية، عدد(104)، أغسطس 2003، ص 97-98.
[20]2 د. محمد حسن محمد، الطاقة النووية وآفاقها السلمية في العالم العربي، دراسات إستراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، العدد(88)، الطبعة الأولى،2003، ص80.
[21]1 د. محمد عبدالسلام، القدرات النووية: شبكة من المفاهيم والمقولات المربكة في العلاقات الدولية، سلسلة مفاهيم، القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، عدد(11)، نوفمبر 2005، ص22.
[22]H.H. Gaffney, Globalization and Nuclear Proliferation, Strategic Insights, California Center for Contemporary Conflict, Vol. V, Issue 6, July 2006.P.25.
[23] د. صلاح الدين عبد الحميد، الاتفاقات الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط، القاهرة، دار النهضة العربية، ط1 2009، ص351.
[24]2 د. صلاح الدين عبد الحميد، مرجع سابق، ص352.
[25] د. ممدوح عبد الغفور حسن، الطاقة النووية لخدمة البشرية، القاهرة، الشركة العربية للنشر والتوزيع، 2002،ص43
[26] 2 هانز بليكس, أسلحة الرعب: إخلاء العالم من الاسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية, ترجمة مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 2007, ص 39
[27]SIPRI 2006: Armaments, Disarmament and International Security (New York Oxford University Press, 2006) appendix 13A, PP.639- 642.
[28] د. نادية محمود مصطفى، تطور سياسات منع الإنتشار النووي في العالم الثالث، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عدد أكتوبر 1986، ص 12-13.
[29] حيث بدأت العلاقات التجارية بين شبكة عبد القدير خان وبين الدول الثلاث منذ منتصف عقد الثمانينات، ولم تنته إلا بالقضاء على الشبكة في أواخر عام ٢٠٠٣ وبداية عام ٢٠٠٤. فقد أمد عبد القدير خان إيران بأجهزة طرد مركزي وتصميمات فنية على درجة عالية من التقنية. وفي اعتراف كتابي له عام ٢٠٠٤، كشف “خان” النقاب عن قيامه أيضاً بإمداد كوريا الشمالية بقرابة ٢٤ آلة طرد مركزي، علاوة على مجموعة من الرسومات والبيانات التقنية وغاز سادس فلوريد اليورانيوم المستنفذ. ومثلما حدث مع الإيرانيين، قدم “خان” للكوريين الشماليين قائمة بجهات العرض، ما مكنهم من شراء عناصر إضافية بشكل مباشر من تلك الجهات.
أما التعاملات التجارية التي جرت بين الشبكة التابعة ل “خان” وليبيا، فتكشف النقاب عن الطبيعة المعقدة والدولية لهذه الشبكة، حيث شارك بها متخصصون بالمجال النووي ووسطاء وشركات إمداد من ثلاث قارات وبالنظر إلى أن إسلام آباد لم تعلن بشكل كامل عن اعترافات “خان” أو تفاصيل التحقيقات التي أجرتها بشأن الشبكة التابعة له، بما في ذلك هوية الأفراد الذين ألقى القبض عليهم أوطبيعة الاتهامات أو نوعية النشاطات التي قاموا بها، فإنه تظل هناك تساؤلات تنتظر الإجابة عنها بشأن النشاطات التي قامت بها هذه الشبكة، وهى تساؤلات لها دلالتها بالنسبة للانتشار النووي ودور السوق النووية السوداء في توسيع دائرته، من قبيل : ما هو حجم المساعدة الحقيقية التي قدمها عبد القدير خان لإيران وكوريا الشمالية؟ وما مصير باقي المعدات النووية التي كانت بحوزة شبكة عبد القدير خان، خاصة أنه لم يتم القبض على جميع أعضاء الشبكة، بل أن معظم العناصر الأجنبية لاتزال طليقة؟ وما هى الدول الأخرى أو الجهات غير التابعة لدول التي ربما حصلت على نسخ من تصاميم السلاح النووي؟. أنظر:
David Albright and Corey Hinderstein, Unraveling the A. Q. Khan and Future Proliferation Networks, The Washington Quarterly, Vol.28, No.2, spring 2005,, pp. 111–128
[30]1 Erik Gartzke and Matthew Kroenig, A Strategic Approach to Nuclear Proliferation, Journal of Conflict Resolution, volume 53, issue 2, April 1, 2009, p.p. 151-152.
[31] هانز بليكس, أسلحة الرعب: إخلاء العالم من الاسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية, مرجع سابق, ص40
[32] أشرف عبد الغفار، الإنتشار النووي، سلسلة مفاهيم،، القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، أغسطس 2008. ص30.
[33] المرجع السابق، ص30.
[34]1 د.محمد عبدالسلام، القدرات النووية: شبكة من المفاهيم والمقولات المربكة في العلاقات الدولية، مرجع سابق،ص 24
[35]1 د. نادية مصطفى، تطور سياسات منع الإنتشار النووي في العالم الثالث، مرجع سابق، ص13.
[36]1 SIPRI 2006: Armaments, Disarmament and International Security (New York Oxford University Press, 2006) appendix 13A,
[37]2 محمود كارم، أضواء على الموقف المصرى من معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية، السياسة الدولية عدد (120)، إبريل 1995، ص.ص. 83-84
[38]1 أنتونى كوردزمان، القدرات العسكرية الإيرانية، الإمارات: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007، ص100ـ 101.
[39] محمود كارم، أضواء على الموقف المصرى من معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية، مرجع سابق، ص84 .
[40]2 أحمد ابراهيم محمود، مؤتمر منع الانتشار النووي : الاشكاليات والمواقف واحتمالات المستقبل، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، يوليو 1995، ع (121)، ص 174-175.
[41]1 د. زينب عبد العظيم، الموقف النووي في الشرق الأوسط في أوائل القرن الحادي والعشرين، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2007، ص 30.
[42] المرجع السابق، ص 35.
[43] أحمد ابراهيم محمود، مؤتمر منع الانتشار النووي، مرجع سابق، ص175.
[44]1 Whitney Raas, Beyond the NPT: The Emerging Nonproliferation Environment 279- 289 الرابط
[45]2 د. زينب عبد العظيم، مرجع سابق، ص 35-37.
[46]1 محمد عبدالمعطي الجاويش، الرؤية الدولية لضبط انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، سلسلة دراسات إستراتيجية، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ع (74)، 2002، ص54.
[47]2 JIM WAL SH, .Learning from Past Success: The NPT and the Future of Non-proliferation, Paper prepared for the Weapons of Mass Destruction Commission, Stockholm, Sweden, October, 2005. الرابط
[48] Orde F. Kittrie, Averting Catastrophe: Why The Nuclear Nonproliferation Treaty is losing Its Deterrence Capacity And How To Restore It, Michigan Journal of International Law, winter 2007, P. 340.
[49] 4 د.نادية مصطفى، تطور سياسات منع الإنتشار النووي في العالم الثالث، مرجع سابق، ص17.
[50]1 Pierre Goldschmidt, The Urgent Need to Strengthen the Nuclear Non-Proliferation Regime, policy Outlook, Carnegie Endowment For International Peace, January 2006.
[51] في هذا الإطار اضطرت كوريا الشمالية فى 10/1/2003 إلى الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وطرد مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفك أختامها على منشآتها واستئناف برنامجها النووى.كما هددت إيران بالانسحاب من المعاهدة بعد إتهامها بحيازة برنامج نووى عسكرى سرى وتصعيد العقوبات المفروضة عليها بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم 1737 وذلك رغم إنتفاء أي أدلة جازمة لسعي إيران لتملك تكنولوجيا نووية عسكرية وفقاً لشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقرير المخابرات المركزية الأمريكية الصادر فى 15 ديسمبر 2007 والذي يشير بأن إيران قد أوقفت برنامجها النووى العسكرى منذ عام 2003.
[52]1 فوزي حماد وعادل محمد أحمد، المناطق الخالية من الأسلحة النووية:دراسة مقارنة، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، أبريل 2001، ص 28-29.
[53]د. محمد عبدالسلام، القدرات النووية، مرجع السابق، ص32-33.
[54]د. محمد عبدالسلام، القدرات النووية، مرجع السابق، ص 34.
[55]1 المرجع السابق، ص ص 37-38
[56]1 د. محمد عبدالسلام، السلاح النووي والصراع العربي الإسرائيلي ، مرجع سابق، ص25
[57]1 د. محمد عبدالسلام، السلاح النووي والصراع العربي الإسرائيلي ، مرجع سابق، ص 26.
[58]2 د.محمد عبدالسلام، القدرات النووية: شبكة من المفاهيم والمقولات، مرجع سابق، ص 28-29 .
[59] للمزيد من المعلومات حول العلاقة بين القدرة النووية والقوة النووية، أنظر:
Matthew Fuhrmann, Spreading Tempetation: Proliferation and Peaceful Nuclear Cooperation Agreements, International Security, Vol. 34, No. 1 (Summer 2009), pp. 7–41
[60]1 بُني هذا المقياس على أساس استقراء الحالات المختلفة لدول نووية تمتلك قدرات نووية معروفة، أو لدول سعت خلال السنوات الماضية لامتلاك الأسلحة النووية، أو إمتلكتها بالفعل، فالمستويان الأول والثانى مثلا يعبران عن حالة مصر، والمستوى الثالث يعبر عن حالة العراق فى سنوات من ١٩٨٢ وحتى ١٩٨٨، والمستوى السابع يعبر عن حالة الهند عام ١٩٧٤، وتعبر المستويات 5، 6، 9، ثم المستويات التالية عن أوضاع إسرائيلية مختلفة بافتراض صحة المعلومات المتداولة بشأنها، ويمكن على هذه الأسس محاولة قياس ما لدى إيران وكوريا الشمالية من قدرات نووية، استنادا على المعلومات المتوافرة بشأنهما. (أنظر: د. محمد عبدالسلام، القدرات النووية، مرجع سابق، ص 44).
[61]SIPRI 2005: Armaments, Disarmament and International Security (New York Oxford University Press, 2006), Pp.50-51
[62] David Albright and Corey Hinderstein, Uncovering the Nuclear Black Market: Working Toward Closing Gaps in the International Nonproliferation Regime, paper Prepared for the Institute for Nuclear Materials Management (INMM)45th Annual Meeting, July 2, 2004, الرابط
[63] Christopher O. Clary, The A. Q. Khan Network: Causes and Implications, Master’s Thesis, Monterey, Naval Post graduate School, 2005, P. 50.
[64] David Albright and Corey Hinderstein, Unraveling the A. Q. Khan and Future Proliferation Networks, Opcit, pp. 120-121.
[65] أشرف عبد الغفار، الإنتشار النووي، مرجع سابق، ص14