الرئيسية / دراسات / الشيخ محمد الْمُعْطَى بن الصالح الشرقي من خلال مخطوطته .. حول القدس الشريف
11136682_1003738776305838_3852276218733106319_n

الشيخ محمد الْمُعْطَى بن الصالح الشرقي من خلال مخطوطته .. حول القدس الشريف

إعداد: د. عبد الهادي التازي*

نحن نعلم سلفاً أن الآيات القرآنية فيها ما نزل بالمدينة، ومنها ما نزل بمكة ومنها ما نزل بالمسجد الأقصى كذلك([1]).
وهكذا فالمواقع الجغرافية الثلاثة: المدينة، مكة، القدس كانت في منزلة واحدة عند المسلمين سواء أكانوا في الشرق أو الغرب أو الشمال والجنوب!
كيف والقدسُ أولى القبلتين كما يعرف الخاص والعام؟ كيف وكلّ مَن له علم بالدراسات الإسلامية يعرف أن التاريخ الذي فرضت فيه الصلاة على المسلمين كان يقترن بحادث الإسراء والمعراج على ما نعرف… ما يعني أن أول عبادة في الإسلام كانت في فضاء القدس الشريف، ومن هنا جاء اهتمام المسلمين بهذا الفضاء…
وبما أننا نتحدث اليوم عن الجناح الغربي من العالم الإسلامي فإننا سنكتفي ببعض الومضات التي تعبر عن التشبث بالقدس، والإشارة إلى معتقد الناس هنا بالمغرب بأن القدس يظل حاضراً بقوة في ذاكرة الناس على اختلاف شرائحهم الاجتماعية…
وهل هناك ملكٌ أو قائدٌ أو حاكمٌ في العالم الإسلامي كلّه قام بنسخ المصحف الكريم بكامله سورةً سورة، وآية آية، وحرفاً حرفاً، نقطة نقطة، هل هناك من استطاع أن يفعل ذلك ويقوم بإهداء هذا المصحف “للقدس الشريف” غير العاهل المغربي السلطان أبي الحسن بن أبي سعيد؟
ولابد أننا قرأنا أن معظم الرحالة المغاربة، إن لم أقل كلهم لم يكونوا يتصورون أن يحجوا إلى مكة دون أن يقوموا بالزيارة إلى مدينة الرسول وبيت المقدس.
وقد أورد الرحالة المغربي ابن بطوطة ذكر بيت المقدس، ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول الله r ومعراجه إلى السماء، وقد ردد ذلك في رحلته التي تُرجمت إلى أزيد من خمسين لغة مما ترجمت إليها الرحلة([2]).
ويخصص ابن بطوطة فصلاً على حدة لذكر قبة الصخرة، فيقول: «إنها من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً… وهي قائمة على نشزٍ في وسط المسجد يصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب… وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة ورائق الصنعة ما يعجز الواصف… وفي وسط القبة الصخرة الكريمة التي جاء ذكرها في الآثار… وهي صخرة صماء ارتفاعها نحو قامة، وتحتها مغارة في مقدار بيت صغير ارتفاعها نحو قامة أيضاً، ينزل إليها على درج… وفي القبة دَرَقة كبيرة من حديد معلقة هناك». إلخ إلخ.
لست هنا بصدد استيعاب سائر مصادر الغرب الإسلامي التي اهتمت بإبراز مكانة القدس في عالم الإسلام مما يمكن أن نرجع فيه إلى التآليف التي حررت حول هذا الموضوع مما كان محلَّ عناية من المؤسسات الإقليمية والأكاديمية والمنظمات الدولية.
ولكن ما أريد أن أخصص له حديثي، بهذه المناسبة هو الْحَدَث الغير المسبوق في التراث المغربي، وفي الحياة الأدبية ببلادنا… ويتمثل هذا الحدث في أن يقوم علماء مغاربة بالحديث عن القدس ووصفه بالرغم من أنهم لم يرحلوا إليه ولم يروه!!
ويتساءل المرء حقيقة عن إقدام الكاتب، أي كاتب، على أن يتحدث عن مكان، ويتعلق بموقع ويصفه هو لا يعرفه، الأمر الذي يؤكد ما رددناه منذ البداية عن هيام المؤمنين ببيت الْمَقْدِس، أنقذه الله من الرجس، وحرصهم على أن لا تخلو مؤلفاتهم من ذكر القدس، وما يحتويه القدس من معالم وآثار، يستحضرها المسلمون أناء الليل وأطراف النهار، يرحلون إليها كلما ذكروا مناسكهم ومواقيت صلواتهم.
أريد التأكيد على القول بأنه حتى الذين لم يسعدهم الحظ بالرحلة إلى بيت المقدس كتبوا عنه ووصفوه تعبيراً منهم عن شغفهم به كقاعدة من قواعد الإسلام الكبرى.
وهكذا سنذكر في صدر هؤلاء ابن عبد ربه المتوفى في الربع الأول من القرن الرابع الهجري عام 328 ﻫ/ 940 م، هذا الرجل المشهور بتآليفه الجمة وبدوره في المعلومات التي قدمها للكتاب العربي، رأى من واجبه أن يقدم لنا وصفاً جميلاً لبيت المقدس كما لو أنه زاره…
وسأذكر من هؤلاء الذين أدوا واجبهم نحو القدس ولو أنهم لم يصلوا إليه أبا عبيد الله البكري الأندلسي المتوفى سنة 447 ﻫ/ 1094 م، هذا الرجل المشهور بموسوعته التي تظل محلَّ تقدير وإكبار من لدن الذين قرأوها أو ترجموها…
وسأذكر من هؤلاء الكتاب الذين لم يتمكنوا من زيارة القدس، لأنهم صادفوه أيام احتلال، وكانوا يؤمنون بأن زيارة السجين تعتبر اعترافاً بشرعية السجّان! من بين هؤلاء أذكر محمد بن أحمد بن جبير القرطبي البلنسي المتوفى سنة 614 ﻫ/ 1217 م حيث وجدناه يستطرد وهو يصف المسجد الحرام بمكة، وجدناه يقول: «وطول مسجد بيت المقدس – أعاده الله للإسلام – سبعمائة وثمانون ذراعاً، وعرضه أربعمائة وخمسون ذراعاً، وسواريه أربعمائة وأربع عشرة سارية، وقناديله خمسمائة، وأبوابه خمسون باباً، فيكون تكسيره من المراجع مائة مرجع وأربعين مرجعاً وخمسة مراجع»([3])…
ولم تبق تلك الشهادات بدون تأثير في الآخرين! فقد كانت بمثابة بطاقة بريدية موجهة إلى الغائبين، تحملهم على تخيل بيت المقدس وتصور مرتفعاته ومنعرجاته هضابه وبسيطه…
وقد حُبب إليّ أن أركز على أحد أعيان أولئك الغائبين من الذين تعلقوا بالقدس الشريف… هذا الشيخ هو الذي يحمل اسم محمد المعطَى (بفتح الطاء) صاحب التأليف الذي يحمل عنوان: “ذخيرة المحتاج” والذي خصص جانباً مهماً منه للحديث عن القدس الشريف، فالمؤلف والتأليف معاً أثار، انتباهي، ليس لأن المؤلف يعتبر من الذين طنبوا في الحديث عن القدس بالرغم من أنهم لم يزورُوا القدس ! ولكن لأن الرجل كان مبدعاً في هذا الوصف، وأنا إذْ أستعمل هنا كلمة “الإبداع” أعني ما قول: لأن تأليفه الذي يصل إلى بضع مجلدات لم يقتصر فيه على الكلام المنثور والمنظوم، ولكنه تجاوزه إلى شيء لم يكن معروفاً في عصره، وهذا الشيء هو الأداء بالرسم والصورة… وليس الرسمَ والصورة فقط ولكن الرسوم والصور التي كان يصحبها استعمال الألوان التي تتماوج بين الأحمر والأخضر والذهبي اللامع… وهكذا نجد أنفسنا أمام لوحات فنية رائعة الدقة والانسجام، بحيث يشعر الناظر إليها أنه يعيش إلى جانب فنان ومهندس رفيع المستوى، دقيق التعبير، عما كان يخالجه من حب وتقدير للمكان.
نحن نعلم أن المهتمين بتاريخ الإسلام تنبهوا منذ التاريخ المبكر إلى عنصر مهم في هذا التاريخ… عنصر يتمثل في دراسة ما نسميه (السّيرة النبوية)، ليصلوا من خلال هذه الدراسة إلى معرفة شخصية الرسول عليه السلام… فإذا عرفوا شخصية محمد عرفوا إذن مراميَه وأبعاد دعوته…
بيد أيدينا العدد الكثير من نماذج كتاب هذه السيرة، فيهم المسهبون وفيهم الموجِزون، فيهم العرب والعجم، وفيهم رجال الاستشراق والاستغراب! أسماء هؤلاء تعج بهم الموسوعات الإسلامية وخاصة المكتوبة باللغات الأجنبية، وبخاصة الفرنسية والإنجليزية، لكن أحداً من الذين كتبوا عن “السيرة النبوية” لم ينتبهوا إلى الشيخ محمد المعطَى وإلى “ذخيرته”… لماذا لأنه كتب “السيرة” بطريقة غير الطريقة التي سلكها معاصروه بل ومن سبق معاصريه أيضاً، إنه عوض أن يروي عما قيل عن نشأة النبي r، وعن حياته، كان عوض ذلك الأسلوب المعروف يعمد إلى أسلوب مبدع آخر، هو أن يُفرغ سيرة الرسول r في صيغة صلاة على النبي، يبتكر أسلوبها ويضمنها نمطاً من أنماط سيرته… فهو يسرد السيرة، ولكنه في ذات الوقت يمزجها بالصلاة على النبي r التي نعرف الكثير عن الحض عليها ومداومتها…
ولما كانت السيرة النبوية تتضمن في جملة ما تتضمنه، الحديث عن إسراء النبي r من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقد وجد الشيخ المعطَى نفسه يتحدث عن بيت المقدس… ووجد نفسه بحكم الواقع مدفوعاً لوضع الرسوم والصور، كان الشيخ يسبق عصره، وكان يؤمن بأن الصورة أصدق دلالة من الكلمة، وهذا وحده أمر يؤكد الحاسة الاستباقية للشيخ المعطَى ويؤكد مكانة القدس في وجدان المغرب والمغاربة…
ولعلَ مما يساعدنا على أن نعيش في الجو الذي كان يعيشه الشيخ المعطَى، أن نأتي هنا ببطاقة تعريف مختصرة للشيخ المعطَى بن الصالح الشرقي الْعُمَرِي (ت. 1180 ﻫ/ 1766 م)، وسنعتمد في هذا على الرجال الذين عاشوا معه من أمثال الشيخ محمد ابن عبد الكريم العبْدوني صاحب كتاب “يتيمة العقود الوسطى في مناقب الشيخ المعطَى”، وأمثال الشيخ التاودي بن سودة في “فهرسته” الكبرى عند ترجمته الشيخ محمد المعطَى في الفترة التي أخذ يحرر فيها أول كراسة من تأليفه في ضريح سيدي موسى الراعي المدفون خارج باب عجيسة على مقربة من مشهد سيدي أحمد البرنوصي الواقع في جبل زالغ([4]) الذي كان يحمل اسم جبل الظل… وقد كان من أوائل الذين اهتموا بترجمة شيخ الجماعة محمد المعطَى معاصره ابن الطيب القادري في “نشر المثاني”([5]) الذي استأثر في “النشر” بذكر أن “الذخيرة” كانت تتلى على كرسي خاص بجامع القرويين على مقربة من الثريا الكبرى…
من خلال هذه المصادر والمراجع عرفنا بعض الحقائق عن هذا الشيخ الفريد من نوعه، وعرفنا أنه ابتدأ في تحرير “ذخيرته” بفاس حوالي سنة 1150 ﻫ وعرفنا عن مراسلاته مع علماء عصره من خارج المغرب من أمثال الشيخ جعفر البرْزَنْجِي الذي كان مهتماً أيضاً بالسيرة النبوية وبالمعراج على ما سنرى.
وإذا ما رجعنا إلى نشاطه الاجتماعي فسنجد أن الشيخ كان رجل مواقف اجتماعية رائدة حيث كان يقوم، أثناء بعض الظروف العصيبة، بمساعيه الحميدة بين هذا الجانب أو ذاك، ولا سيما أثناء العقود الثلاثة التي أعقبت وفاة السلطان المولى إسماعيل… في تادلة، وبين أهل الرباط وسلا، وبين فاس الإدريسية وفاس المرينية… كان الشيخ عنصر بناء، وكان يربأ بنفسه عن أن يكون له غرضٌ وراء مساعيه، بل كان ينفق من ماله من أجل إسعاد المحتاجين وخاصة أوقات المجاعة…
عاش الشيخ المعطَى مع تسعة ملوك كانوا جميعاً يحترمونه ويقدرون مواقفه عند النوائب الداخلية… لقد كان نموذجاً لوالده الشيخ الصالح الذي خاطبه المؤرخ محمد الصغير الإفراني بقوله: «نحن خُلْجانكم وأنتم البحار»!!
وقد رأيت أن لا تفوتني الفرصة وأنا أتحدث عن هذه المعلمة التاريخية الكبرى، أن لا تفوتني الفرصة دون أن ألتفت إلى الجانب العائلي في حياة هذا الرجل العظيم… جانب اهتمامه بتربية بناته، وهنا سيكون لزاماً علينا أن نتعرف على كريمته لالة هنية التي كانت عالمة “نساخة” لعيون المخطوطات، حريصة على الإسهام في المجالس العلمية النسوية، وهذا جانب من الأهمية بمكان في سيرة الشيخ المعطَى رحمه الله([6]).
لقد حرص هذا الشيخ على أن لا يقطع الحلقات التي تربط بين المواطن المغربي وبين السيدة المغربية لأنه كان يؤمن بأن صلاح المجتمع في صلاح نصفه الآخر…
أما عن تأليفه (موضوع حديثنا) فهو – على ما أشرنا – يحمل عنوان: “ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”.
وقد اهتم فيه بالسيرة النبوية ولكن بأسلوب غير مسبوق، على ما أسلفنا، بمعنى أنه كان يُفرغ السيرة النبوية في قالب صيغة يخترعها، لنقرأ هذه الصلاة: «اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد عين الأعيان، ونور بصيرة أهل السعود والعيان، الذي لما أردتَ أن تُظهر مزيته على الأملاك والإنس والجان، وتنشر صيتَه على أقطار السماوات والأرضين وسائر الأكوان، أسريتَ به من مكان إلى مكان لتريه ما خصصتَ به ذلك المكان من الآيات والعجائب الدالة على باهر قدرتك الني تحار في وصفها العقول ولا تكيفيها الأذهان»([7])…
اهتمام الناس عامة والباحثين خاصة بشأن السيرة النبوية حملت النخبة من العلماء على الانشغال بهذا الحقل من الحقول المثمرة المنتجة.
وكان على رأس هذه النخبة الشيخ المعطَى الذي بلغ من الافتتان بشخصية الرسول الأكرم درجة عالية من الحب والتقديس.

كل ما كان يتمتع به الشيخ من التبجيل والتقدير والإكبار، من مُحبيه صغاراً وكباراً كان ينساه عندما “تسنح في خاطره” شخصية الرسول r حيث يصبح عبداً مملوكاً! الأمر الذي كان يذكرني في قول الشاعر:

ونَحْنُ الْمَوَالي في البلادِ جميعِها
وفي حُبِّ لَيْلَى من أَقَلِّ عبيدها!!

الشيخ المعطَى كان يرى في شمائل الرسول r، وفي سيرته ما يبرر له أن يَقرن كل شَمِيلة وكل فضيلة بالصلاة عليه والدعاء له… فهو يعمل بالمثل الفرنسي الذي ينوه بالجمع بين المفيد والمستحب (Joindre l’utile à l’agréable) ذلك شأنه، وعلى هذا الأساس كان تركيب تأليفه الفريد “ذخيرة المحتاج” الذي يحتوي على عشرات المجلدات:
يؤلف كل مجلد أو مجلدات في موضوع من مواضع السيرة.
له في القدس وفي الإسراء والمعراج سبع مجلدات، وله في الحج وزيارة المدينة سبعة، إلى آخر المجلدات التي بلغت نيفاً وسبعين مجلداً من القالب الكبير، والمهم أن نذكر أن هذا التأليف “ذخيرة المحتاج” اشتهر مشرقاً ومغرباً… وقد قرَّضه أعلام عصره من الحجاز ومصر وتونس وغيرها من بلاد المغرب الكبير… ممن لا نطيل بذكر أسمائهم، ولهذا فإن “الذخيرة” تعتبر فعلاً من أهم المصادر العلمية التي تعبر أصدق تعبير عن تعلق المغاربة بالقدس الذي يعتبر حلقة وَصْلٍ بين الأرض والسماء على حد تعبير العلماء…
لكن الذي أريد أن أبرزه وأنا أتحدث عن هذه الموسوعة الثرية التي بين أيدينا أنها المصدر العربي الوحيد في العالم الإسلامي الذي جرؤ على أن يوظف الرسوم والأشكال في الحديث عن القدس الشريف استنهاضاً للتراث، وهو حدث لم أَرَ له نظيراً في الأرشيفات العالمية.
وهكذا نجد لوحات رائعة بريشة الشيخ محمد المعطَى، للقدس الشريف: اللوحة الأولى تصور خارطة، أو إذا شئت القول: تصمم المكان الذي تقع فيه القبة، تصوره على خلْفية أن الإقلاع كان منه للعروج إلى السماء.
وهكذا نقرأ هذه اللوحة الجميلة التي يرسم الشيخ في أسفلها أربع منارات: اثنتان على اليمين واثنتان على اليسار… ونجد نقشاً يحمل اسم مصلى الشافعي([8]) يتدلى عليه مصباحان، ثم ما يشبه شكلاً ذا درجات.
بعد هذا الرسم السفلي ننتقل إلى القسم العلوي، وهو غني جداً، فهو يبتدئ من اليمين بمربع يحتوي على مقام يوسف ومقام سيدنا جبريل على أن ينتهي في المربع المقابل برسم مقام سيدنا الخضر ومقام سيدنا عيسى…
وبين المربعين المذكورين نجد مربعاً بالغ الزخرفة يحتوي على دائرة كتب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وتوجد في قلب الدائرة عبارة: (صخرة بيت المقدس من الجنة) ومن هذه الصخرة ينطلق سلَّم صاعد إلى أعلى الرسم يمثل المعراج الذي انطلق من الصخرة…
على يمين الصخرة والمعراج منبر جميل رسم في أعلاه (مقام سيدنا زكرياء) عليه السلام، أما على يسار الصخرة والمعراج فنجد صورة لمنبر ثان إلى جانبه رسم لمقام إبراهيم… وفوق هذا اسم الإمام مالك رضي الله عنه، ومقام سيدنا يحيى وفوقه منارة نقش إلى يمينها مقام سيدنا موسى عليه السلام…
نصل بعد كل هذا إلى لوحة جميلة مستطيلة يقسمها المعراج الصاعد قسمين، القسم الأول من اللوحة نقش عليه بيت من الشعر من قصيدة العلامة الأديب عز الدين بن عبد السلام بن غانم المقدسي المتوفى بالقدس عام 678 ﻫ/ 1280 م جاء فيها:

سَلامٌ على تلك الديار وقدست
نفوسٌ بها ثَوَى النَّدَى متأصلا
فمِن رحبِها الدرُّ المصونُ ومن حَيا
محياها جاءَنا الكتابُ مفصَّلاَ
تذكرتُ أيامي بقربها، والْمُنَى
يقابلني، والسعدُ يأتي محصّلا
أَعِي من بقاع الْقُدْس دارَ صبابةٍ
وما زلتُ من شوقي إليها مواصلا

والبيت الأخير هو الذي نقش على الشطر الأول من اللوحة، أما القسم الثاني من اللوحة فقد نقش عليه بيتٌ من التائيةِ الصغرى لابن الفارض. التي جاء فيها من جملة ما جاء:

نعم بالصِّبا قلبي صَبَا لأحبتي
فيا حبَّذا ذاك الشَّذَا حين هبَّتِ
سَرَتْ فأسْرَتْ للفؤادِ غدِية
أحاديثَ جيرانِ الْعُذَيب فسرت
تُذكرني العهدَ القديمَ لأنها
حديثةُ عهد من أخيل مودَّتِي
يداعِي الصَّبا قلبي صَبا لأحبتي
سلامٌ على تلك المعاهد من فتي

والبيت الأخير هو الذي نقش على الشطر الثاني من اللوحة الجميلة المستطيلة التي تقع من أعلى الرسم الرفيع الذي نتحدث عنه([9]).

كل هذا عن اللوحة الأولى المنعوتة عندي بصفة بيت المقدس.
“ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”
للشيخ المعطَى بن الصالح الشرقي
صفة بيت المقدس
سفر أخبار بيت المقدس وأحاديث الصخرة
مخطوط الخزانة الحسنية رقم 7868

أما عن اللوحة الثانية التي عنونتُها: بيت المقدس حلْقة وصل بين السماء والأرض. فهي حسب اعتقادنا تكملة للأولى بمعنى أنها تكمل المعراج إلى أن يصل إلى سدرة المنتهى حيث كان الرسول r على “قاب قوسين أو أدنى” من الحضرة كما تقوله أدبيات الإسراء والمعراج…
والطريف في أمر هذه اللوحة أنها وهي تهتم بأمر حدث هام في السيرة النبوية يتعلق بموقع جغرافي خاص في الخارطة السماوية، أنها أي اللوحة كانت بحاجة من الشيخ محمد المعطَى وهو العالم الفلكي إلى استحضار مصادر من أمثال تأليف العلامة القزويني الذي تناول الحديث عن الجانب العلوي من الكون… كان بحاجة إلى أن يعيدنا إلى مصادرنا الأولى في علم الفلك الذي تلقيناه في فاس بجامع القرويين… من أمثال شيخنا سيدي مَحمد العلمي رحمه الله.
إن الأمر يتعلق بفضاءٍ جديد من السيرة النبوية فضاء ينطلق من بيت المقدس إلى حيث سدرة المنتهى…
لابد إذن أن يتصوّر الشيخ المعطَى في لوحته منازلَ القمر ومنازل الأفلاك… ومن هنا وجدناه يعتمد على (بيرْكَارِه) ليضع دائرةً أولى تحتوي على أسماء المنازل التي يبتدئها من الشرطينثم البطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرفة، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، والذابح، وبلع، والسعود، والأخبية، والمقدم والمؤخر والرشا.
تنتهي هذه الدائرة لتبدأ دائرة أخرى للأفلاك: فلك القمر القريب من أهل الأرض، ثم عطارد، والزهرة، الشمس، والمريخ، والمشتري.وقد رسم في كل فلك اسماً من أسماء الأنبياء: موسى، إدريس، المسيح، هارون، يوسف، عيسى؟
لِنَعد بعد كل هذا إلى السلَّم: المعراج لنجد أن الأفلاك الست العليا التي ذكرنا أسماءها جميعاً محفوفة بملائكة الرحمان إلى أن تختتم لائحة الملائكة بمكائيل؟ وتختم لائحة الأنبياء بمحمدr.
واللاّفت للنظر في هذه اللوحة الثانية التي – كما قلنا – أنها كانت امتداد للوحة الأولى كما يرشد لذلك شكل المعراج… أقول اللافت فيها أن المعراج ينتهي برسم لما عرف في ثقافة الإسراء والمعراج بسدْرة المنتهى، وهي كما نرى شكل لشجرة رائعة المنظر.

“ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”
للشيخ المعطَى بن الصالح الشرفي
بيت المقدس حلقة وصل بين الأرض والسماء
سفر أخبار بيت المقدس وأحاديث الصخرة
مخطوط الخزانة الحسنية رقم 7868

وسأسمح لنفسي بأن أختم رسم هاتين اللوحتين برسم ثالث ألح الشيخ محمد المعطَى على أن يكون على مقربة من رسوم بيت المقدس وقبة السماء وهذا الرسم الثالث يعبر في الواقع عن العمق الفكري للشيخ الذي كان يريد أن ينبه قراءه إلى الأثر العظيم الذي كان ويكون وسيكون لهذه “الريشة” التي لا يخلو إنسان من الاعتماد عليها، ولا تخلو ثقافة في الدنيا من الإشادة بها، ولا حضارة من الحضارات دون الاهتمام والتبصير بقامتها وقيمتها ألا وهي “القلَم”… الشيخ المعطَى في أكثر من مرة أتى برسم القلم وكأنه يذكرنا بأن سر هذا الكون الجميل كله مبني على القَلَم، وهو من جهة أخرى ينبه إلى حقيقة أكبر منا، وهي أن القرآن عندما أقسم بالقَلَم وما سطَّر، إلى جانب قسمه بالله مبدع الكون ومدبره، أقول القرآن عندما أقسم بالقَلَم كان يقول لنا بصريح العبارة إنه لا شيء بدون قَلَم !!

“ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج”
للشيخ المعطَى بن الصالح الشرقي
صفة قلم القدرة النوراني واللوح المحفوظ الرباني سفر المعراج الحسني
مخطوط المكتبة الوطنية للمملكة المغربية رقم 652 ج

أعتقد أن كل ما جمعه الأستاذ: ب. و. روبنصن B.W. Robinson كل ما جمعه عن المعراج من فوائد ومعلومات موثقة ومنوعة، كل ما جمعه كان يستحق التقدير والتنويه بما في ذلك أسماء الذين ألفوا عنه من العلماء الأجلاء، وخاصة الشيخ جعفر البرْزَنجي معاصر الشيخ المعطَى والذي كانت له معه مراسلات تعبر عن زمالة صادقة بين الرجلين… ولا سيما ما حرره الاثنان عن أدبيات المعراج وكذا غيرهما في مختلف جهات العالم الإسلامي بما في ذلك بلاد فارس، وبما في ذلك القارة الإفريقية: شرقها وغربها، وبما في ذلك أندونيسيا التي كانت تعتمد على معراج البرْزَنجي سالف الذكر.
كل ما جمعه الأستاذ روبنصن بما في ذلك ما يتناول الفنون الإسلامية… كان يستحق التنويه والإشادة به، أقول: كل ما جمعه لنا الأستاذ المذكور كان ينقصه الوقوف على ما حرر الشيخ محمد المعطَى بن الصالح الشرقي حول الموضوع مما كان فريداً في بابه، ومما كان فيه “نسيج وحْده” كما يقولون…
وإني على مثل اليقين أن الأستاذ روبنصن لو كان يعلم عن “ذخيرة المحتاج” لسعى إليها حبْواً لأنها صاغت المعراج بأسلوب يختلف كلياً عن الأساليب التي اعتدنا عليها في التآليف المتداولة بين ظهرانيّنا… أسلوب لا تشعر فيه بأنك تقرأ سيرة الرسول r في أبواب وفصول، ولكنك تقرأ السيرة وأنت تؤدي واجباً آخر تنتظره منك أخلاقيات الإسلام وتعليماتُه إزاء نبي الإسلام… هذا نمط كان ينقص د. رُوبِنْصَن الاطلاع عليه…!!
إن العنصر الذي تميز به شيخنا المعطَى، على ما أشرنا، هو جانب توظيف التشكيل والفن في هذا الموضوع الذي كان يهم البروفيسور رُوبنصن بالدرجة الأولى، ونحن نعرف أنه مولع بالفن والتشكيل… وهو الذي خصص عمودين من بحثه حول المعراج لاهتمام الفنون الإسلامية، وهكذا فعلى نحو ما تحدث عنه من لوحات فارسية ترسم المعراج بدرجاته… وتشير إلى مَن يحتف بهذا المعراج من ملائكة مقربين، على ذلك النحو رأينا الشيخ المعطَى يقدم لنا رسوماً في منتهى الروعة والجمال تجعلنا في الجو الذي كان يريد أن يتحفنا به ولكن من غير أن يُقدم على تصوير إنسان!!
ونحن نتحدث عن نموذج من نماذج القدس في وجدان المغاربة لابد أن نذكر القصيدة البائية التي قالها الشيخ محمد المعطَى متشوقاً لبيت المقدِس، أنقذه الله من الرّجس.
ومن اللافت للنظر أن نجد القصيدة تبتدئ على ما جرت به العادة في الأدب العربي بأبيات في التغزل والنسيب، مما يعطينا فكرة أخرى عن أرْيحية الشيخ التي لا تعاكس ما دأبت عليه النفوس مما نعته الشيخ المقَّري (الجد) بالْمُفاعِل الذي يُدخل السرور على النفس!!
فالشيخ المعطَى، يبدأ قصيدته بوصف تلك الجارية الحوراء التي دوَّخ جمالُها قداسة البابا وسائر الناس… !!لا فرق بين عبادهم وصلحائهم، ويُقحم هنا اسم (البابا) وهو متولي الكرسي في حاضرة الفاتيكان.

حَسناء لو أبصرتْها الناس مقبلةً

لصَارَ في أسرها النُّسَاك والبابا!!

وهكذا نلاحظ أن الشيخ المعطَى لا يجد مانعاً من استعمال اللفظ الأجنبي “البابا” في فصيح الشعر حتى يبرهن على أنه لا يشعر بعقدة وهو يحترم مصطلحات الآخرين، على ما رأيناه يستعمل كلمة “الشاوش” بمعنى الرسول التي يستعملها الأتراك في عصره والتي قد ينعت بها سيدَنا جبريل…
القصيدة طويلة تبلغ نحو خمسة وعشرين بيتاً، سأحتفظ بها، ولكني لابد أن أقتبس منها هذه الأبيات التي تخلص فيها الشيخ المعطَى من وصف الْحَوراء الحسناء التي بخلت عليه بالوصال، بالرغم من أنها كانت تعرف أنه صادق في حبه لذلك الجناب مستعذبٌ لكل أنواع الدلال!!
ولم يلبث أن كشف عن اسم ذاك الجناب الذي جعله متيماً مغروماً مشغوفاً متعلقاً:

قطرٌ إذا عُدَّتِ الأقطارُ كان يرى
رأساً بما قد حوى، والغيرَ أذناباً
وكيف لا؟ وهو أُولَى الْقِبْلتين بما
في روْضِه من ثمار العلم قد طَابا !
وثالثُ الحرمين مهْدُ كل الْبَرَى
من كل فجّ به عجْماً وأعرابا!!

والشيخ المعطَى في هذه القصيدة لا يتردد في الاعتراف بأن حبه لبلاد الشام التي كان له فيها أصدقاء يراسلهم، لا يتردد في القول بأن حبه لأصدقائه بالشام يرجع أيضاً إلى أنه يحب بيت المقدس الذي يقع في أرض الشام!

من أجل حبّه قد صيّرت، يا أملي،
أهاليَ الشام لي في الناس أحبابا!!
بالمسجدِ الأقصى وحرمتِه
أنال أقْصَى المنى ولستُ مرتابا!
إني، وحقِّك، لا أزال معترفاً
بقدرك المعتلى في الفضْل أبوابا
وفي رحابكم القدسُ الكريمة، قد
سادت فمَن أمها، واللهِ ما خابا!!

وقد أبى الشيخ المعطَى إلا أن يختم قصيدته، حول القدس، بتسجيل اسمه كاملاً في آخرها زيادةً في التوثيق والتحقيق. قال:

ومن محمدٍ المعطَى بن صالح الـشرقي
سلام بين الْوَرَى طابا
لا زلتَ يا قدس! يا مهد النبوءة في
قدْرٍ عظيم وستْرٍ دام جلبابا
عليه أكملُ تسليمٍ يدوم له
عَرف يعم شذى آلاً وأَصْحابا!

ومرة أخرى نرى أن الشيخ المعطَى لم يصل القدس نجده يتحلَّب شوقاً إليه، ولا يرى في الكون مثيلاً لهذه البقعة الطاهرة التي تعتبر “سُرَّة الدنيا”!
وهكذا فكما ظهر افتتان الشيخ محمد المعطَى في اللوحات الفنية التي حاول فيها أن يتتبع خطى الرسول الكريم r وهو في بيت المقدس عند الإسراء والمعراج، تجلى كذلك تعلّقه بالمكان عن طريق شِعره، وكما عرفنا عن قصيدته البائية التي ابتدأها – على عادة الشعراء – بالغزل والنسيب، سمعنا كذلك عن مراسلاته الشعرية مع بعض الشخصيات التي تنتسب إلى القدس الشريف من كبار السادة أمثال العلامة الشاب أبي عبد الله بن محمود ابن بدير الملقب بالخَضِر:
قالوا لكل زمان في الْوَرَى خَضِرٌ
روض العلوم به في وقته خَضِر!
فقلت: قد صَدَقُوا لأن ذا زمنٌ
وأنتَ يا بهجة العليا به الْقَمَر!!

——————————

([1]) الإشارة إلى الآية: }واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا{ التي نزلت عليه في بيت المقدس. سورة الزخرف، الآية: 44.
([2]) رحلة ابن بطوطة، تقديم وتحقيق عبد الهادي التازي، طبع أكاديمية المملكة المغربية، ج 1، صص. 120-121. رقم الإيدع القانوني، 321/ 1997.
([3]) المرجع مقياس أرضي عشرة أقدام، ستة أمتار مربعة، رحلة ابن جبير، منشورات دار الهلال، بيروت، 1981، ص. 73.
([4]) فهرس الشيخ التاودي بن سودة، أطروحة في الخزانة العامة رقم 725؛ كذلك ابن جعفر الكتاني، سلوة الأنفاس، ج 3، ص. 184-185.
([5]) الجزء الثاني، ص. 301.
([6]) التازي، المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي، نشر الفنك بمساهمة مؤسسة Friedrich Ebert، الدار البيضاء، ط. 1، 1413 ﻫ/ 1992 م، ص. 120.
([7]) المعراج الحسي، ج 2، صص. 11-12. ولابد أن أذكّر هنا برمزية السفر، أي سفر من الأسفار من حيث هي أسفار تشير إلى اكتمال الشخصية، إلى نضجها وكما يقول القائل: «مَن لم يُسافر قل له: أنت صبي»!! وعلى قياس هذا أذكر هنا بالمغزى الذي يكمن في جعل (الحج) الركن الخامس من أركان الإسلام… إنه أي الحج يبصر الإنسان بواقع الحياة ! وعلى نحو المثل الدارج: اللي جال خير من اللي عاش!!
([8]) يلاحظ أن النص على مصلى الشافعي في هذا المكان ذكره السفير محمد ابن عثمان في رحلته المقدسة.
([9]) نغتنم هذه الفرصة لنشكر الأستاذ الباحث السيد الراضي كنون على مساعدته الثمينة لقراءة هذه الأشعار…

————————————————-

* عضو أكاديمية المملكة المغربية – الرباط/ مجلة التاريخ العربي-العدد 53