الرئيسية / دراسات / جبهة “البوليساريو” حركة تحرير وطني أم .. حركة انفصال عن الوطن
10492287_851550428191341_3946959534992155509_n

جبهة “البوليساريو” حركة تحرير وطني أم .. حركة انفصال عن الوطن

اعداد: ذ .سعيد الشريف

(مقارنة الحالة الصحراوية مع الحالة الفلسطينية)

تعتبر مشكلة الصحراء المغربية من أعقد المشاكل التي واجهها المجتمع الدولي والتي ظلت تراوح مكانها مدة تزيد على عدة عقودا …

وقد عادت هذه المشكلة لتحتل واجهة الأحداث العالمية بعد المبادرة الجريئة التي اعلنها جلالة الملك محمد السادس. .والتي تقدم بها المغرب إلى الأمم المتحدة والمتمثلة في منح حكم ذاتي موسع لسكان الأقاليم الصحراوية وهذه المبادرة رأت فيها العديد من دول العالم ـ باستثناء الجزائر وجبهة البوليساريو ـ حلا واقعيا يمكن أن يؤدي إلى فض النزاع الدائر بين الإخوة الأشقاء… نزاع دام أكثر من اربعين عاما دون أن يجد له حلا ممّا ترتب عنه مآسٍ إنسانية واجتماعية كثيرة كانت عائقا أمام مسيرة التنمية في المنطقة بأكملها.

ومما لاشك فيه أن فهم هذا الصراع المرير الدائر في هذه المنطقة العربية ووضعه في سياقه التاريخي والسياسي الصحيح، يكتسي أهمية بالغة بالنسبة لنا في منطقة المشرق العربي، خاصة وأن إعلامنا ـ وأقصد به إعلامنا العربي في منطقة الشرق الأوسط ـ لا يزال يتميز بشحّ في تناول قضايا المغرب العربي وشؤونه وبخاصة موضوع النزاع في الصحراء المغربية.

وكثير من القراء يتساءلون حول أوجه التشابه بين النضال الذي يخوضه شعبنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة ضد الاحتلال الصهيوني والحرب التي تخوضها جبهة البوليساريو في الصحراء المغربية…!

وهو سؤال يجد مبرراته المنطقية إذا ما تتبعنا أدبيات جبهة البوليساريو وخطابها ووقفنا أمام عملية التوظيف ” المقصود ” لمفردات النضال الفلسطيني من قبيل “مناهضة الاحتلال “، ” الجدار العازل “، ” الممثل الشرعي والوحيد “، “الانتفاضة الشعبية “، ” حقّ تقرير المصير”، ” استرجاع الأراضي المحتلة”…الخ. وهي كلها مفردات ارتبطت بشكل وثيق بالخطاب النضالي الفلسطيني بل وأكثر من ذلك يحاول الكثير من منظّري جبهة البوليساريو إسقاط الواقع الفلسطيني على الحالة الصحراوية، فيشبهون الحالة الصحراوية بالحالة الفلسطينية “..شعب مظلوم، محاصر يقف في مواجهة القوى الكبرى في المحافل الدولية..” كما يشبهون الجيش المغربي وقوى الأمن المرابطة في الأقاليم الصحراوية بـ “قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تنكل بالسكان المدنيين العزل في الأراضي المحتلة الفلسطينية..” أما أعمال الشغب والمظاهرات التي شهدتها الأقاليم الصحراوية فهي في قاموس منظّري البوليساريو” انتفاضة شعبية للسكان الصحراويين ” هؤلاء السكان الأبرياء الذين يخوضون انتفاضة سلمية في الأراضي الصحراوية… انتفاضة نجحت ـ كما يزعمون ـ في فرض استمراريتها…” بل وأكثر من ذلك فإنّ عَلَمَ ما يسمى ب ” الجمهورية العربية الشعبية الصحراوية ” الذي اعتمده قادة البوليساريو.. يكاد يكون نسخة طبق الأصل من العَلم الفلسطيني، لا يفرق بينهما سوى النجمة والهلال الموجودين على عَلم ” الدولة الصحراوية “

لا شك في أنّ مسألة التطابق والتشابه بين الحالتين الفلسطينية والصحراوية توجب علينا أن نطرح سؤالا مهما وهو:

هل يمكن إدراج حركة البوليساريو، مثلها مثل منظمة التحرير الوطني الفلسطيني، ضمن حركات التحرر الوطني ؟

الجواب عن هذا السؤال يفترض بنا وضع تعريف لمفهوم “حركات التحرير الوطني” وهو ما يعتبره رجال القانون من قبيل المستحيلات… وعليه سنعتمد رأي بعض أصحاب الاختصاص الذين وضعوا عددا من العناصر التي تميز “حركات التحرير الوطني” عن” الحركات الانفصالية “أو” الحركات الإرهابية ” على النحو الآتي:ـ

ـ الهدف من حركات التحرير الوطني هو تحقيق الاستقلال الوطني من الاستعمار سواء أكان استعمارا استيطانيا أم إحلاليا غازيا بمعنى أنه لابدّ من ربط حركات التحرير الوطني بالاستعمار كأحد أهم أسباب وجودها.

ـ اعتماد حركات التحرير الوطني المقاومة المشروعة وسيلة من أجل تحقيق الاستقلال الوطني وتحرير الأرض من قبضة المستعمر و الوصول إلى تقرير المصير.

ـ اشتمال هذه المقاومة المشروعة على طبيعة عسكرية شعبية تحظى بتأييد شعبي واسع.

ـ اتصاف هذه المقاومة بالوطنية وهذا الوصف يتعلق بالإقليمية في ممارسة هذه الأعمال أي أنها تباشر عملها ونشاطها داخل إقليم الدولة المحتلة.

ـ وهدف هذه المقاومة هو إزالة الاحتلال أو الاستعمار الذي يفرضه شعب متسلط على شعب مسلوب القوة والحركة، وهذا ما يميزها عن غيرها من الحركات التي تستهدف مصلحة خاصة لبعض الفئات من المواطنين أو تنافس و تناحر للسيطرة على السلطة أو تهدف إلى فرض فلسفة معينة أو تأجيج الحرب من أجل انفصال إقليم معين أو جزء من الدولة.

ـ ومن الناحية القانونية فإنّ عمليات المقاومة التي تقوم بها حركات التحرر الوطني ضد المستعمر أو المحتل هي عمليات مشروعة لأنها تمارس ضمن إطار قانون دولي مشروع وهو حق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.

وانطلاقا مما سبق يمكن القول إنّ نضال الشعب الفلسطيني بقيادة ممثله الشرعي والوحيد ” منظمة التحرير الوطني الفلسطيني” يندرج ضمن حركة التحرير الوطني .. فقد بدأت مأساة هذا الشعب عام 1948م عندما استباح الانتداب البريطاني تحويل بلد بأكملها إلى بلد آخر استيطاني استعماري.. هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري المسمى إسرائيل، الذي نما وترعرع في أحضان الإمبريالية البريطانية والعالمية التي قدمت له الدعم الكامل والمطلق، وإلا لكان من غير الممكن أخراج مشروعه الصهيوني الاستيطاني إلى حيز التنفيذ، وقد تمثل هذا الدعم في :

ـ تعهّد بريطانيا في رسالة بعث بها وزير خارجيتها آنذاك بلفور إلى روتشيلد بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين… وبذلك تكون بريطانيا أعطت أرضا لا تملكها وهي (فلسطين) إلى جماعة لا تستحقها (الصهاينة) على حساب صاحب الأرض الأصلي (الشعب الفلسطيني).

ـ دعوة بريطانيا عن طريق مندوبها السامي في فلسطين هربرت صمويل إلى فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتسهيل تسريب الأراضي الفلسطينية إلى اليهود وكذلك السماح بإقامة مشاريع اقتصادية خاصة لليهود لجعلهم يحتكرون مصادر الطاقة والصناعة في البلاد.

وعلى الرغم من محاولة بعض القادة الصهاينة تغليف مشروعهم الاستيطاني في فلسطين بصبغة دينية إلا أن ذلك لا يمكن أن يغيّر الطبيعة الاستعمارية لهذا المشروع أبدا… فمعظم المستوطنين الذين اختاروا الهجرة إلى فلسطين قد جاءوا بدوافع اقتصادية استهلاكية في المقام الأول وهذا ما أدى إلى هجرة ربع مليون روسي و أوكراني من غير اليهود في السبعينيات من القرن الماضي بل إن معظم اليهود المهاجرين إلى فلسطين هم علمانيون.

إذن فنحن هنا أمام معادلة واضحة: “هناك احتلال إسرائيلي بدأ تاريخه عام 1948م… وهناك شعب تعرض للاحتلال وهو الشعب الفلسطيني… وهناك قرارات صادرة عن الشرعية الدولية بدءا بقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى القرار رقم 194 المتعلق بحق العودة وهناك قرارات أخرى كثيرة تدعم حق الشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي يمارس عمليات المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني… وهي مقاومة مشروعة كفلتها جميع الأديان السماوية والمواثيق الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان… والممثل التاريخي لهذا الشعب هو” منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية ” ممثلة بجميع أطياف هذا الشعب، الشعب الفلسطيني وفصائله الوطنية والإسلامية.

وهنا سؤال مهم يطرح نفسه : هل جبهة البوليساريو تندرج ضمن هذا السياق ؟ هل يمكن اعتبارها حركة تحرير وطني أم أنها حركة انفصالية تسعى من أجل انفصال الأقاليم الصحراوية عن الوطن الأم؟؟

إنّ الجواب عن هذا السؤال يفرض علينا إلقاء الضوء على أهم العوامل التي جعلت من هذا الإقليم منطقة نزاع، أي لابدّ من التطرق إلى موقع الإقليم الجغرافي وأهميته الاستراتيجية والاقتصادية وكذلك محاولة توضيح الخلفية التاريخية للمشكلة باعتبارها امتدادا لعوامل تاريخية… وسنعتمد على مصادر مختلفة نذكر منها ” تقرير المركز الأوروبي للاستخبارات والأمن ” الصادر في شهر نوفمبر2005 وبعض الأعداد الصادرة عن النشرة الماركسية العالمية بالإضافة إلى مقالات ودراسات منشورة على مواقع مختلفة في الإنترنت.

أولاـ الخلفية الجغرافية:
يمتدّ إقليم الصحراء المغربية على مساحة تقدر بنحو 265 ألف كلم مربع من الأراضي الصحراوية داخل منطقة عرضها 460 كم وطولها 1200 كلم وينقسم الإقليم إلى منطقتين رئيسيتين، هما: ـ

أ ـ منطقة الساقية الحمراء في الشمال وعاصمتها العيون بمساحة تقدر بـ 82000 كلم مربع.
ب ـ منطقة واد الدهب في الجنوب وعاصمتها الداخلة بمساحة تقدر بـ 184000 كلم مربع.

ومن مزايا هذا الإقليم:
1. تعتبر مدن “العيون”، و” الداخلة” و” السمارة” من المدن الرئيسية في الإقليم.

2. يقدّر عدد سكان الإقليم بحوالي 380 ألف نسمة معظمهم من السكان العرب المسلمين.
3. تتميز الصحراء بمناخ معتدل كونها محاذية للساحل الأطلسي إلا أنّ مناخها الداخلي صحراوي قارس حيث تصل درجة حرارته ليلا إلى ما دون الصفر، ونهارا إلى 51 درجة.
4. تعاني الصحراء من شحّ الأمطار حيث إنّ معدلها الطبيعي هو 43 ملم في العيون، و45 ملم في الداخلة، و45 ملم في الكويرة.

ثانياـ الموارد الاقتصادية:
1ـ الثروة الحيوانية: تتركز الثروة الحيوانية في المنطقتين الشمالية والوسطى. ففي المنطقة الشمالية (كليميم ـ السمارة) يبلغ عدد الماعز 380000 رأسا ثم تليها الأغنام البالغ عددها 320000 رأسا ثم الجمال البالغ عددها 33600 رأس.

أما المنطقة الوسطى ( العيون ـ الساقية الحمراء) فيبلغ عدد الجمال فيها 89500 رأس، ويبلغ عدد الماعز 193000 رأسا ثم تليها الأغنام البالغ عددها 120300 رأسا… هذه الثروة الحيوانية تعد إحدى أهم الثروات التي توفر مصدر عيش للسكان الذين ألفوها منذ قرون عديدة رغم شحّ البيئة وجفافها المتفاقم.

2ـ الثروة السمكية: يبلغ طول السواحل الصحراوية 1400 كلم، وتوفر طاقة إنتاجية تقدر بحوالي مليون طن من الأسماك سنويا توزع على 200 نوع من الأسماك و60 نوعا من الرخويات وإضافة إلى العشرات من أنواع القشريات وراسيات الأرجل.

وتعد موانئ العيون وطان طان وبوجدور وطرفاية من أهم موانئ الصيد البحري على السواحل الصحراوية حيث تضم العديد من التجهيزات المرتبطة بعمليات الصيد، والمئات من وحدات معالجة المنتجات البحرية وتصنيعها وتبريدها وتخزينها كما تستقبل المئات من سفن الصيد.

3ـ الثروة المعدنية: لم يكن لإقليم الصحراء المغربية في الماضي أهمية تذكر حتى العام 1965م إذ حدث تطور جديد منح هذه المنطقة أهمية خاصة باكتشاف مواد أولية ذات أهمية اقتصادية ألا وهي رواسب الفوسفات التي قلبت الموازين، وجعلت المعادلة في هذه المنطقة تتغير وتتبدل، ومن ذلك:

الفوسفات: يوجد بالمنطقة احتياطي مهم من الفوسفات، ويرتكز في منجمي بوكراع وتشلة ويمتاز هذا الفوسفات بنوعية وجودة عالية.

البترول والغاز: بدأت عمليات التنقيب عن البترول والغاز في الصحراء المغربية منذ العام 1961م بواسطة اثنتي عشرة شركة تنقيب لكن ونتيجة لارتفاع تكاليف التنقيب طرأ تباطؤ على عمليات التنقيب إلا أنّ الدراسات الجيولوجية لا تستبعد وجود مخزون هام من الغاز والبترول في سواحل الصحراء المغربية، علما أنّ جهود التنقيب لم تظهر حتى الآن نتائج ايجابية في هذا الصدد، وقد عمد المغرب إلى توقيع اتفاقيتين للتنقيب عن البترول مع شركتي ” توتال فينا الف” و ” كيرمالك غي كروب” الأمريكية في العام 2001م.

معادن أخرى: أدت جهود التنقيب عن المعادن إلى اكتشاف عدد من خامات المعادن مثل خامات النحاس والمنغنيز والحديد والرخام إذ تشكل أهم الموارد المعدنية المكتشفة في الصحراء المغربية بعد الفوسفات وإن لم يتم استغلالها بعد .

الملح: تحتوي منطقة الصحراء المغربية على عشر سبخات تشكل خزانات ضخمة للملح يتم استغلالها بالطرق التقليدية حتى الآن… ويقدر إنتاج المنطقة من الملح بحوالي 20000 طن سنويا موفّرة بذلك فرص عمل موسمية لحوالي 5000 عامل.

التجارة: يعتبر قطاع التجارة من أكثر القطاعات جذبا للعمالة وهو نشاط تقليدي من الأنشطة التي مارسها أهل الصحراء منذ القدم حيث كانت المنطقة تشكل معبرا للقوافل القادمة من المغرب المتجهة نحو جنوب الصحراء الكبرى.. ورغم اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية اليوم عن الوضع السابق فإن الصحراويين ما زالوا مولعين بأعمال التجارة حيث يعمل بهذا القطاع حوالي 25% من مجموع السكان الناشطين اقتصاديا.

ثالثاـ الخلفية التاريخية:

أ ـ القبائل التي سكنت الصحراء:
كانت منطقة الصحراء المغربية قبل مؤتمر برلين مرتعا يجوبه الرعاة بحثا عن المرعى منذ آلاف السنين ثم اعتمرها الصنهاجيون الذين ينحدرون من القبائل الأمازيغية (البربرية) قبل أن يلتحق بهم عرب بني معقل الذين استقروا أصلا بالساقية الحمراء وقد عرفوا باسم بني منصور ثم اختلط بهم فيما بعد بنو حسان وأولاد أبي السبع…

ويرجح بعض المؤرخين تاريخ دخول الصنهاجيين إلى الصحراء المغربية إلى القرن الثاني بعد الميلاد حيث أتوا إلى الصحراء بحثا عن مأوى آمن… وفي القرن الثالث بعد الميلاد سيطرت صنهاجة على كامل التراب الصحراوي حتى تخوم السنيغال والسودان ويرجع لهم الفضل في تأسيس عدد من المراكز الحضارية في الصحراء . ومن الصنهاجيين الذين أسسوا الدولة المرابطية التي ينحدر منها القائد المرابطي المسلم يوسف بن تاشفين الذي خرج من هذه المناطق لينقذ سلطة المعتمد بن عباد، ونتج عن ذلك تأخير سقوط الأندلس أكثر من أربعة قرون… وقد كانت منطقة الصحراء المغربية من أوائل المناطق التي اعتنقت الإسلام على يد عقبة بن نافع… بل إن القائد المسلم طارق بن زياد خرج من هذه المناطق ليطيح بمملكة ازريق، ويقيم على أنقاضها نظاما إسلاميا في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي أثناء الفتح العربي الإسلامي في القرن التاسع الميلادي وصلت قبائل الحساسنة العربية إلى الصحراء المغربية في مهمة إعادة تثبيت الإسلام في المنطقة بعد أن ارتدّ أهلها الذين كانوا قد اسلموا على يد عقبة بن نافع.

وعلى مرّ السنين هاجر إلى هذه المنطقة عدد من الأجناس البشرية المختلفة نذكر منهم الزنوج الأفارقة من الجنوب والأوروبيين من الشمال كما هاجر إليها بعض القبائل من اليمن وفلسطين وجاء إليها آخرون مع الفتوحات الإسلامية… وان كانت هذه القبائل قلة بالنسبة إلى القبائل الأصلية إلا أنّ تعايش هذه القبائل جميعا مع بعضها البعض شكل السمة الأساسية للإنسان الصحراوي خاصة، والإنسان المغربي عامة.

ب ـ بداية الوجود الاستعماري في المنطقة:
وتعود أولى اتصالات الأوروبيين بهذا الإقليم إلى القرن الخامس عشر، وتحديدا عام 1476م حيث قامت أسبانيا بإنشاء برج في مصبّ وادي ” الشبكة ” وفي العام 1462م استرجعه المغاربة ثم أعاد الأسبان احتلاله في العام 1496م فاسترجعه المغاربة في العام 1517م وفي السنة نفسها استرجعه الأسبان أيضا ولم يتمكن المغاربة من استرجاعه إلا بعد مرور عشر سنوات أي في العام 1527م… وفي أثناء المفاوضات المغربية الأسبانية عام 1766م طلب الملك الأسباني كارلوس الثالث من المغرب الموافقة على إعادة إعمار البرج… وستنتظر أسبانيا 93 سنة لتعود إلى المكان الذي كان يوجد فيه البرج لتنشئ مركزا للصيد وذلك بعد أن أعلنت الحرب على المغرب في العام 1859م وهزمت جيش المغرب في عهد السلطان محمد عبد الرحمن، وفرضت عليه صلحا يقضي بأن يسلم إلى أسبانيا قطعة الأرض التي كان بها البرج… وخلال هذه الفترة كان الوجود الاستعماري في المنطقة محدودا إذ اقتصر على إنشاء بعض الموانئ الصغيرة على الساحل الصحراوي بالأساس لتجارة العبيد.

وفي العام 1879م نزل بطرفاية الإنجليزي Mackenzie مدعيا أن الأرض خلاء وانشأ منطقة استقر بها.

ج ـ مؤتمر ” برلين ” وتكريس الحماية الاسبانية ـ الفرنسية على المغرب:
ولم يتجدد الاهتمام الفعلي بالصحراء المغربية إلا مع القرن التاسع عشر خلال صراع الدول الأوروبية الاستعمارية حول أفريقيا. و يمكن اعتبار أن مشكلة الصحراء الغربية بدأت سنة 1884م عندما اجتمعت الدول الاستعمارية في برلين وقررت تقاسم أراضي القارة الأفريقية التي اعتبروها “أراضي خلاء” لا مالك لها .. وقد نتج عن هذا التقسيم حدود رسمت بـ ” المسطرة” بعيدا عن أي منطق جغرافي أو تاريخي أو عرقي مما قاد هذه القارة إلى التخبط والوقوع في مشاكل خطيرة في مجال السيادة قي القرن الماضي وحتى اليوم.

وهكذا أقرت الدول الإمبريالية الأوروبية في مؤتمر برلين سيادة أسبانيا على منطقة الصحراء المغربية فقامت هذه الأخيرة بتنفيذ ما جاء في مؤتمر برلين حيث أوفدت في 3/11/1884م إلى مدينة الداخلة الأسبانيRonelli وأنشأ كوخا من خشب جعله مركزا للتجارة باسم ” الشركة الأفريقية للتجار ” كما أصدر مجلس الوزراء الأسباني في نفس السنة قرارا ينص على أن يصبح واد الدهب و سانتاس تحت الحماية الأسبانية وفي 26/12/1884م أعلنت أسبانيا أمام الملأ نزولها في منطقة الداخلة وبسط حمايتها عليها دون أن يكون للمغرب علما بذلك… وكان ذلك بمثابة الشرارة التي فجرت التحرك الجماهيري ضد الاحتلال الأسباني، فاندفعت هذه الجماهير لمهاجمة مدينة الداخلة ومهاجمة مركز الشركة التجاري إذ تمكنوا من طرد الأسبان من المركز في 9 /3/1885، فأرسلت أسبانيا كتيبة عسكرية يوم 8/6/ 1886 ومنذ ذلك اليوم ولغاية العام 1894م ظل المركز يتعرض لهجمات المغاربة في محاولة لتحريره وتخليصه من سطوة أسبانيا.

وفي يوم 13/3/1895م أبرمت المغرب وبريطانيا في مراكش معاهدة استرجع بمقتضاها المغرب المنطقة التي كان الإنجليزي Mackenzie قد أنشأها في طرفاية.

وفي يوم 20/7/1900م أبرم بمدينة مراكش بروتوكول تفاهم مغربي أسباني ينص على أن يعهد إلى لجنة مشتركة بالبحث عن مكان يقام فيه مركز للصيد البحري المتفق عليه في معاهدة تطوان بتاريخ 26/4/1660م على أن يكون في الشواطئ المغربية الممتدة من رأس جوبي في طرفاية حتى رأس بوجادور بالساقية الحمراء.

وفي هذا الوقت كانت أسبانيا تفاوض فرنسا من أجل اقتسام الأرض المغربية برمتها، ووقّع الطرفان في يوم 27/6/1900م بباريس معاهدة جزئية خاصة بالصحراء تأخذ بمقتضاها أسبانيا وادي الدهب مع الرأس الأبيض في الجنوب إلى رأس بوجدور في الشمال.
وفي 11/11/1902م تم الاتفاق بين فرنسا وأسبانيا على اقتسام باقي الأراضي المغربية على أن يكون لأسبانيا منطقتان محميتان، واحدة بالشمال المغربي والأخرى بجنوبه تمتد من رأس ” أغير ” قرب أغادير إلى رأس بوجدور بالساقية الحمراء إلا أن البرلمان الأسباني رفض الموافقة على هذه الاتفاقية.

وفي يوم 8 /10/1904م وقعت فرنسا وأسبانيا معاهدة سرية لاقتسام المغرب يكون لأسبانيا بمقتضاها منطقة الشمال المغربي ( جبال الريف وشاطئ الأبيض المتوسط) ومنطقة جنوبية (من رأس بو جادور جنوبا إلى ضواحي اغادير شمالا)… لكن لم يتم تنفيذ هذه الاتفاقية إلا بعد معاهدة مدريد التي وقعت بتاريخ 27/11/1912م.

في يوم 7/4/1906 وضعت المعاهدة التي تمخضت عن مؤتمر الجزيرة الخضراء المغرب تحت الحماية الدولية.

وفي يوم 30 /3/1912م تمّ التوقيع على اتفاقية في المدينة المغربية (فاس) يصبح المغرب بمقتضاها تحت الحماية الفرنسية الخالصة، ويصبح المقيم العام الفرنسي هو الذي يمارس السلطة الحقيقية.

وفي يوم 27/11/1912م تمّ التوقيع على اتفاقية بمدريد تم بمقتضاها مقايضة بين فرنسا وبريطانيا وايطاليا وألمانيا تنازلت فيها فرنسا لبريطانيا وايطاليا وألمانيا على حقها في احتلال طرابلس ومصر والكونغو على أن تتنازل هذه الدول لفرنسا عن حقها في احتلال الشمال الإفريقي.

وبعد أن فرضت الحماية على المغرب في 30/3/1912م نفذ الاتفاق الفرنسي الأسباني القاضي بتقسيم المغرب بينهما. فسيطرت أسبانيا عام 1912م على طرفاية، وفي العام 1920م أقامت مستعمرتها الثالثة في المنطقة الواقعة أقصى الجنوب والمسماة (الكويرة).

وقي العام 1934م تم توقيع اتفاقية بين فرنسا وأسبانيا نصت على أن تكون الصحراء تحت النفوذ الأسباني وأطلق عليها اسم ” الصحراء الأسبانية “.

د ـ مقاومة المغاربة للاحتلال : عسكريا ودبلوماسيا:

لم تتوقف مقاومة المغاربة للاحتلال الفرنسي والأسباني منذ أن وطأت أقدامهم أراضي المغرب شمالا وجنوبا…

وقد اتخذت هذه المقاومة أشكالا مختلفة… حيث كانت أول حركة منظمة جادّة للنضال المسلح بقيادة الفقيه الديني الشيخ ماء العينين الذي ينتمي إلى قبيلة ادرار المغربية الصنهاجية الأمازيغية… فكان الشيخ ماء العينين أول من أسس مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الأجنبي تحت شعار ” الجهاد الإسلامي ” وكان يرى ضرورة الاستعانة بالسلطة المركزية فأعلن بيعته للسلطان عام 1894م وحصل على تفويض من السلطان بقيادة القبائل في محاربة المحتل ودعا إلى تحالف قبلي في مدينة السامرة من أجل المقاومة وفي خريف 1905م التقى في السامرة كل القبائل بحضور بعثة رسمية تمثل السلطان في فاس وتعاهد الجميع على المقاومة…

انطلقت المقاومة المسلحة التي حققت انتصارات متتالية ابتداءا من 1908م واستطاع الشيخ ماء العينين أن يحكم قبضته على الساقية الحمراء وواد الدهب ثم بدأ يزحف شمالا نحو تادلا لمواجهة قوات الجنرال الفرنسي (مواني) عام 1910م في اكبر معركة يواجهها الاحتلال الفرنسي منذ دخوله المنطقة إذ انتهت بهزيمة الشيخ ماء العينين.
بعد وفاة الشيخ ماء العينين عقب هزيمته أمام الفرنسيين، أخذ ابنه احمد الهيبة بإعادة تنظيم المقاومة وزحف مرة ثانية نحو مراكش وتمركز في مدينة بن غرير ولكنه تراجع أمام القوات الفرنسية الهائلة… وفي تلك الأثناء استمر التوغل الفرنسي والأسباني شمالا وجنوبا.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن أسبانيا لم تكن قادرة على السيطرة على كل المناطق الصحراوية التي منحت لها، بل اكتفت في البداية بالتحصن داخل مراكز معزولة على الشواطئ في مناطق طرفاية والداخلة والكويرة، وبذلك تركت العمق الصحراوي لسيادة القبائل، الأمر الذي شكل متنفسا لحركة المقاومة ضدّ التقدم الفرنسي في المغرب والجزائر وموريتانيا.. فلم يكن يهم الاحتلال الأسباني وقتها سوى الثروات البحرية.
وخلال النصف الثاني من القرن الماضي شارك الآلاف من الصحراويين في حرب تحرير المغرب خاصة في إطار جيش التحرير الوطني / جناح الجنوب من اجل الحصول على الاستقلال الذي أعلن يوم 3 مارس 1956م.
وهنا لابد من التذكير بان المغرب بعد نيله الاستقلال استمر في المطالبة بمغربية الصحراء… فقد طالب الملك محمد الخامس مباشرة بعد نيل الاستقلال بالحقوق التاريخية للمغرب و بإعادة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الأسباني إلى سيادة المغرب.
كما أن الأحزاب المغربية طالبت هي الأخرى باسترجاع الصحراء المغربية… فقد أعلن حزب الاستقلال أن مهمة تحرير البلد لم تنته بعد ولن تنتهي إلا بعد تحرير كل الأراضي التاريخية للإمبراطورية العلوية.
وفي 7 ابريل 1956م وقعت أسبانيا معاهدة مع السلطان محمد الخامس تنهي الحماية الأسبانية عن منطقة سيدي افني وطرفاية.
وهكذا ابتداء من الخمسينيات وتحت الضغط الدولي المكثف بدأت أسبانيا تتنازل عن الأراضي التي تحتلها للمغرب على النحو التالي:

1956م ـ تخلت عن منطقة الشمال ( تطوان والناظور)
1958م ـ تخلت عن منطقة (طان طان وطرفاية)
1969م ـ تخلت عن منطقة ( سيدي افني)

وفي العام 1958م تم القضاء نهائيا على جيش التحرير الوطني / الجناح الجنوبي الذي كان يزعج الأسبان خاصة في ضواحي طرفاية اثر معركة شرسة شنتها القوات الأسبانية والفرنسية المتحالفة حيث أطلق عليها اسم ” عملية ايكونين” وقد أدت هذه العملية إلى إحداث هجرات جماعية للسكان الصحراويين نحو الشمال.

وفي العام 1963م وبطلب من المغرب، سجلت اللجنة الخاصة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة طلبا بإدراج ما يسمى بـ “الصحراء الأسبانية” في لائحة المناطق التي يجب إنهاء الاحتلال فيها…

وفي 16 أكتوبر 1964م تصاعدت قضية الصحراء المغربية على اثر قرار لجنة تصفية الاستعمار بمنح الاستقلال للشعوب المستعمرة فقدمت المغرب الحجج والأدلة القانونية التي تثبت حقّها في الإقليم وانه جزء لا يتجزأ من التراب المغربي.

وخلال سنوات الستينيات بدأت منطقة الصحراء المغربية تشهد تحولا سسيولوجيا اقتصاديا عميقا… فقد أدى اكتشاف الفوسفات في منطقة بوكراع إلى إحداث تغيرات عميقة في المجتمع الصحراوي… كما أصبح هذا الإقليم يكتسي أهمية اقتصادية كبيرة خاصة بعد أن استثمر رجال الأعمال الأسبان مبالغ طائلة في إنتاج الفوسفات.

وقد أدت هذه التغيرات السوسيو اقتصادية إلى تمدن سريع للمجتمع الصحراوي إذ عمل اغلب السكان على هجرة حياة الترحال الصعبة واستقر في المدن الرئيسية فصار العديد منهم عمال مستأجرين في الوقت الذي تحول فيه آخرون إلى تجار كما اتجه بعض الرعاة الرحل إلى العمل في الزراعة، وتقدر الإحصائيات انه في العام 1974م كان حوالي 55% من الصحراويين المسجلين يعيشون في المدن الثلاث الرئيسية : (الداخلة، العيون والسمارة) من مجموع 73497 صحراوي مسجل .

وكما اشرنا إليه سابقا، فان اكتشاف الفوسفات جعل الإقليم الصحراوي يكتسي أهمية اقتصادية كبرى مما جعل أسبانيا تتمسك بتواجدها في الإقليم وترفض التخلي عنه…

وهنا لابدّ من التنويه إلى أن الاحتلال الأسباني منذ الستينيات عمل على إتباع استراتيجية مختلفة في الصحراء المغربية ، فمن جهة كان قسم من حكومة الجنرال فرانكو الذي يتزعمه غريرو بلانكو يريد الحفاظ على وجود استعماري مباشر مطلق في الصحراء الغربية، وكان مؤمنا بولاء الساكنة المحليين لأسبانيا بسبب التحديث الذي أدخلته إلى المنطقة، بينما ارتأى قسم آخر من النظام وهو الذي كان الأقوى داخل الجيش أن يطلق مسلسلا لإزالة الاستعمار متحكما فيه عبر قوة موالية لأسبانيا يمكنها حماية الثروات الطبيعية في المنطقة وخاصة مناجم الفوسفات ومياه الصيد الغنية… والتقت كلتا الاستراتيجيتين حول ضرورة خلق هوية صحراوية مستقلة من اجل تخطي الحركة الموالية للمغرب.

وإدراكا من الاحتلال الأسباني بأنه مقبل على صراع عنيف بخصوص وجوده في الإقليم، فقد شرع هذا الاحتلال بتوسيع مدينة العيون وتهجير الأسبان إليها كما انشأ فيها مراكز للتبشير المسيحي… وحتى العام 1967م كانت أسبانيا قد هيأت كل شيء لتثبيت وجودها الاستعماري إذ أقامت قواعد عسكرية لها في كلّ من مدينة العيون والسمارة والداخلة، كما عمدت إلى تكوين حزب صحراوي معتدل موال لها أطلق عليه اسم ” حزب الوحدة الوطني الصحراوي ” الذي تألف من بعض رؤساء القبائل، وقدمت لهم الدعم هادفة من وراء ذلك إيجاد قوة سياسية محلية تواجه بها المطالب المغربية التاريخية.

كما بدأ الاستعمار الأسباني يستقطب شيوخ القبائل الصحراوية ويجعل منهم أدوات طيّعة للسيطرة مقابل امتيازات مادية وسياسية واعتمدهم الاستعمار الأسباني وسيلة للمناورات الاستعمارية الرامية إلى إجهاض الوعي التحرري وسد الباب في وجه العواصف التي تهدد المصالح الاستغلالية الأجنبية المعدنية والتجارية والعسكرية.

أمام هذه المحاولات الاحتلالية التي كانت أسبانيا تحيكها من اجل تعطيل استقلال الإقليم والقضاء على الوصاية الإمبريالية تم تأسيس ” الحزب المسلم ” في شهر ديسمبر 1966م… وقد اعتمد هذا الحزب في البداية على أفكار خطري ولد الجماني المعادية للوجود الاستعماري ثم قوي بأفكار البصري محمد.

وتكوّن الحزب بسرية تامة في مدينة السمارة معتمدا في البداية على الأقرباء والأصدقاء المخلصين حيث انتمى إليه السكان من كافة المجتمع الصحراوي (عمالا، وجنودا، وأصحاب مهن حرة).

وقد حدد الحزب مبادئه الأساسية في:

ـ تحرير الصحراء من الوجود الاستعماري الأسباني.

ـ الانضمام إلى المملكة المغربية.

ـ طريق التحرير هي الحرب المسلحة.

كما عمل المغرب على خلق فرقة من رجال حرب العصابات تدعى ” جبهة التحرير والوحدة ” التي بدأت تشن هجمات على القوات المحتلة الأسبانية ابتدءا من 1975م وكذلك مضايقة مراكب الصيد الأسبانية… مستغلا بذلك الظروف المعقدة التي كان يعيشها النظام الديكتاتوري لفرانكو في أسبانيا حيث اجتاحت أسبانيا موجة ثورية عارمة مهددة بقلب نظام حكم الديكتاتوري لفرانكو كما أن الطبقة الحاكمة في أسبانيا كانت مذعورة مما يجري في الصحراء المغربية إذ كانت تخشى أن تؤثر حرب العصابات التي تواجهها القوات الأسبانية في الصحراء على الأوضاع في الداخلية… فقررت الهروب إلى الأمام بالإعلان عن إجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية عام 1975م.

أدت الضغوط التي مارسها المغرب على أسبانيا وضعف هذا الأخير عن مقاومة هذه الضغوط إلى انهيار ” حزب الوحدة الوطني الصحراوي ” الموالي لأسبانيا ومعه انهارت أيضا استراتيجية أسبانيا في تطبيق حكم محلي مسيطر عليه.

في ديسمبر 1974م وبناءً على طلب تقدم به المغرب، طالبت الأمم المتحدة رأي محكمة العدل الدولية حول سؤالين:

ـ هل كانت الصحراء أرضا لا مالك لها قبل الاستعمار الأسباني؟

ـ ما هي طبيعة العلاقات التي كانت تربط بين الصحراء والمغرب وموريتانيا قبل الأسبان؟

وفي أكتوبر 1975م أعلنت محكمة العدل الدولية رأيها فيما عرض عليها وانتهت إلى أن الصحراء لم تكن أرضا غير مملوكة وقت الاحتلال الأسباني واعترفت بوجود روابط قانونية وعلاقات ولاء (البيعة) بين زعماء بعض القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب وموريتانيا…

واستند المغرب على رأي المحكمة الدولية وأعلن الملك الحسن الثاني رحمه الله.. تنظيم مسيرة خضراء بمشاركة 350 ألف مواطن ساروا إلى منطقة الصحراء.

لم يكن أمام النظام الأسباني من خيار سوى الدخول في مفاوضات مع المغرب وموريتانيا لإنهاء الوجود الاستعماري الأسباني في الصحراء المغربية.

وفي21 نوفمبر 1975م تم التوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية بين المغرب وأسبانيا وموريتانيا يتم بموجبها إنهاء الوجود الأسباني في موعد أقصاه 28 فبراير 1976م مع وضع الإقليم حتى ذلك التاريخ تحت إدارة ثلاثية أسبانية مغربية وموريتانية.

لم ينه الاتفاق الثلاثي المغربي الموريتاني الأسباني مشكلة الصحراء المغربية، بل على العكس من ذلك فقد زاد من تفجير هذه المشكلة حيث عملت البوليساريو على تصعيد عملياتها العسكرية ضد الأسبان ردا على اتفاقية مدريد كما استولت على عدد من المواقع الصغيرة في المنطقة قبل وصول القوات المغربية والموريتانية غير أنها في النهاية اضطرت إلى الانسحاب والذهاب إلى مخيمات تندوف.

الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الدهب ” ـ ” البوليساريو”:

ـ النشأة:
أدت التغيرات السوسيو اقتصادية التي شهدتها الصحراء المغربية في الستينيات إلى ظهور حركة قومية شابة مستندة على الطبقة الوسطى الجديدة خاصة منها الطلبة الصحراويون الذين كانوا قد أفادوا من التعليم الجامعي في الخارج والذين تأثروا أيضا بالأفكار المعادية للاستعمار المنتشرة آنذاك وقد سميت هذه المنظمة ب” منظمة تحرير الساقية الحمراء وواد الدهب” وكان قائدها سيدي إبراهيم الباسيري المنحدر من قبيلة الركيبات والذي درس في المغرب ومصر وسوريا… وسحقت هذه الحركة من قبل الفيلق الأجنبي الأسباني الذي أطلق النار على المواطنين المتظاهرين في العيون عام 1970م… وجاءت المحاولة الثانية لإعادة تنظيم هذه الحركة المناهضة للاستعمار مرة أخرى بمبادرة من عدد من الطلبة المنحدرين من الأقاليم الصحراوية والموجودين في الجامعات المغربية حيث شكلوا خلية سنة 1971م ـ 1972م بالرباط، وقد كانت هذه الخلية متأثرة بشكل واضح بالأفكار الراديكالية ، خاصة الماوية التي كانت مهيمنة في ذلك الوقت على الجامعات المغربية بل إن عددا من قادة هذه الخلية الصحراوية كانوا أعضاء في تنظيمات مغربية ماوية.

وقد أعلن عمّا يسمى بـ ” الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الدهب” في مؤتمر نواكشوط في موريتانيا في 10 مايو 1973م.

وحتى نفهم من هي ” البوليساريو” كان لابد لنا من فهم الظروف التي رافقت نشأتها والأيديولوجية التي تتبناها وطبيعة بنيتها الهيكلية…

ـ الظروف الجيو سياسية:
لعبت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في القرن الماضي دورا بارزا في النزاع الدائر في منطقة الصحراء المغربية خاصة في السنوات الأولى من الحرب… وكنتيجة لهذا الصراع فقد كان العالم منقسما إلى معسكرين: معسكر شرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي كان مدعوما من حركة عدم الانحياز التي كانت تضم الدول الاشتراكية القريبة بشكل أو بآخر من الاتحاد السوفييتي، هذا المعسكر الذي كان يحاول نقل الحرب الباردة إلى دول العالم الثالث… وكانت استراتيجيته في تحقيق ذلك تقوم على إنشاء حركات التحرر الوطني أو دعمها بهدف خلق ” مناطق توتر ” تؤدي بالتالي إلى إرهاق ” العدو الغربي ” مستعينة في ذلك أيادٍ محلية وفي حال الصراع الذي نحن بصدده فقد كانت الجزائر وجبهة البوليساريو ـ اليد التي يحارب بها الاتحاد السوفييتي النظام المغربي باعتباره حليفا للولايات المتحدة..

ـ الظروف الإقليمية:
ـ وجود خلاف هادئ بين المغرب والجزائر مما أدى في العام 1963م إلى مواجهة عسكرية قصيرة عرفت في التاريخ باسم حرب الرمال بين المغرب والجزائر.

ـ اختلاف النظام السياسي بين البلدين الجارين وتضارب المصالح وانقسام من الناحية الأيديولوجية إلى معسكرين متناحرين.

ـ دعم الرئيس الجزائري الراحل وبشكل قوي تأسيس جبهة البوليساريو وذلك باحتضان مجموعة من الطلبة الصحراويين الذين كانوا يدرسون في الجزائر ومدّهم بالمال والسلاح راجيا من وراء ذلك إلى:

أولا ـ استنزاف المغرب في قضية الصحراء المغربية حتى لا ينشغل بقضية صحراء تندوف التي كان المغرب ينادي بمغربيتها.

ثانيا ـ حرص الجزائر على أن يكون لها منفذ على المحيط الأطلسي من خلال إيجاد كيان صحراوي مصطنع و ضعيف وممارسة نفوذها المباشر وغير المباشر على الشعب الصحراوي.

ثالثا ـ التطلع إلى زعامة منطقة المغرب العربي والقارة السمراء.

رابعا ـ دخول ليبيا على خط المواجهة،
فبعد انقلاب سبتمبر 1969م ضد الملك إدريس أعلن القدافي في طرابلس عن قيام “الجمهورية العربية الليبية ” التي كانت متأثرة بنموذج جمال عبد الناصر في مصر كما تقرب من الاتحاد السوفييتي الذي رأى في نظام القذافي حليفا بهدف الحصول على ضمان حليف استراتيجي في المنطقة فمده بالسلاح المتطور… وبدأ القذافي حربا على الأنظمة “الرجعية” في القارة الأفريقية فكان أول من قام بتسليح البوليساريو بالسلاح والمال معتبرا جبهة البوليساريو جزءا من الثورة العربية المعادية للرجعية والإمبريالية والصهيونية لكن سرعان ما قررت ليبيا خلال سنة 1984م أن الثورة ليست بالضرورة الشكل الأكثر فاعلية لإنجاز الوحدة العربية فتخلى عن مساندة البوليساريو، ووقع معاهدة وحدة مع المغرب.

خامسا ـ دخول كوبا على خط أفريقيا بدعم من الاتحاد السوفييتي

وذلك بغرض قلب أنظمة الحكم في أفريقيا ودعم الحركات الماركسية وإنشاء مناطق لحرب العصابات والتمرد على الأنظمة الخارجة على تلك الدول الاشتراكية… وهنا يجب الإشارة إلى الكوبيين الذين توافدوا إلى الجزائر عام 1963م حيث كانوا قد بعثوا إلى هناك بكتيبة دبابات ومستشارين عسكريين وخبراء أمنيين وكان احد أهم ادوار هؤلاء المستشارين هو دعم التنظيمات الانفصالية في المنطقة . ففي العام 1965 اتخذ فيديل كاسترو قرارا بتدريب مجموعة من الصحراويين لتصبح بعد سنوات قليلة فيما بعد تسمى جبهة البوليساريو كما يؤكد ذلك خوان بيبيس ـ احد رجال الاستعلامات سابقا في نظام كاسترو ـ والذي كان موجودا في الجزائر في تلك الفترة.

ـ المعطى الداخلي المغربي:
إنّ نهاية سنوات الستينيات وبداية السبعينيات تميزت بأنها كانت سنوات صعبة على الساحة السياسية والحقوقية المغربية وهو ما يؤكده الباحث المغربي مصطفى بوعزيز حيث يقول إنّ هذه السنوات كانت مميزة على العديد من المستويات، لقد كانت ظروفا استثنائية حيث أغلق الحقل السياسي والثقافي في ظروف اتسمت بمخاض اجتماعي عميق…

ـ الطبيعة العقائدية لجبهة البوليزاريو:
وفي نهاية الستينيات هزت العالم أزمات سياسية كبرى كان لها الأثر الكبير على تفكير الشباب وتوجهاتهم… فقد وجد الشباب نفسه في غمرة هذه الأزمات متمردا على كل الأنظمة، فاخذ يؤطر نفسه في إطار تنظيمات راديكالية مقاتلة أو يلتحق فرادى أو جماعات في صفوف تنظيمات تقاتل من أجل ” عالم جديد “.

ولم يكن الشباب الصحراوي حالة استثنائية عن هذا الواقع حيث نشأت جبهة البوليساريو في خضم هذه الظروف كمنظمة من أقصى اليسار تؤمن بالفكر الماركسي الستاليني اقرب إلى الفكر الماوي، تجند أعضاءها من الشباب وخاصة من شباب الثانوية العامة، أبناء محاربي جيش التحرير الوطني / الجناح الجنوبى الذين تربوا وترعرعوا في مخيمات اللاجئين بعد أن لجأ آباؤهم إلى هذه المناطق بعد معركة اكوفيان التي هزم فيها جيش التحرير الوطني / الجناح الجنوبي عام 1958م… لقد كان هذا الشباب متمردا ضد جميع أشكال السلطة بما فيها سلطة القبيلة والعشيرة والجماعة والعائلة… ومن هؤلاء الشباب تم تشكيل النواة الأولى لجبهة البوليساريو.

ـ البنية التنظيمية للبوليساريو:
منذ العام 1967 أصبحت جبهة البوليساريو ذات بنية تنظيمية هرمية على النمط الماركسي الكلاسيكي. فهي تخضع لقيادة كاتبها العام الذي تعاونه لجنة تنفيذية من سبعة أعضاء يشكلون في الوقت نفسه جزءا من المكتب السياسي المكون من 21 عضوا، ثلاثة منهم مكلفون بمهام التنظيمات الجماهيرية التي تضم ثلاث فئات من الصحراويين ” العمال، الفلاحين والنساء ” ويشكل أعضاء المكتب السياسي مضافا إليهم الأعضاء التسعة المنتخبون في لجان ” قاعدة الشعب ” ما يسمى ب ” المجلس الوطني للشعب ” أما على مستوى القاعدة فان كل جماعة من عشرة أشخاص تشكل خلية وكل معسكر يخضع لترتيب عسكري معين.

إنّ النتيجة المنطقية لهذه الطريقة في التنظيم انعدام أي شكل من أشكال الديموقراطية… فكل الأوامر تأتي من قمة الهرم وأي قرار لا يمكن أن يتخذ من دون المصادقة عليه من جانب القيادة…

هذا التنظيم الهرمي بشكل واضح يضاعف منه وجود هوس امني حقيقي.. فقيادة البوليساريو تتوقع دائما ثورة مضادة واي تعبير مخالف لرأي القيادة لا يمكن أن يكون سوى نتاج مؤامرة تريد القضاء على الثورة أو تدبير من جانب المخابرات المعادية ولحماية نفسها من كل ” الأوهام ” تخضع البوليساريو لحراسة الجيش وخاصة الأمن العسكري المكون والمدرب من طرف الأمن العسكري الجزائري… ويعمل الأمن العسكري لجبهة البوليساريو بشكل دائم على مراقبة الأجانب والصحراويين المقيمين في المناطق الخاضعة لسلطة جبهة البوليساريو كما يمنع الأمن العسكري أعضاء البوليساريو الذين يسمح لهم بالسفر إلى الخارج من اصطحاب أفراد عائلتهم معهم لضمان وفائهم وانضباطهم ومنع عودتهم إلى وطنهم الأم ـ المغرب ـ كما حدث مع حوالي 7000 من المواطنين الصحراويين المغاربة الذين قرروا الالتحاق بوطنهم المغرب رافضين العودة إلى مخيمات تندوف ومن بينهم عدد من قيادة البوليساريو سابقا…

هذا المناخ غير الديموقراطي والاستبدادي أدى إلى حدوث انتفاضة حقيقية في مخيمات تندوف عام 1988م ووجّهت بعنف من طرف قيادة البوليساريو.

ونعود إلى سؤالنا الكبير:
هل يمكن اعتبار منظمة البوليساريو حركة تحرير وطنية؟

من خلال ما تقدم وما راجعناه من أدبيات في الموضوع يمكن إجمال ما توصلنا إليه من استنتاجات فيما يلي :

ـ لم نجد ما يشير إلى وجود دولة مستقلة في الصحراء المغربية قبل الاستعمار الأسباني في الصحراء جنوب المغرب سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث…

ـ إن الحقائق التاريخية تؤكد وجود دولة مغربية مركزية كان لها نفوذ في هذا الإقليم وذلك من خلال:

أ ـ وجود روابط البيعة بين زعماء القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب.

ب ـ تعيين مسؤولين إداريين (قادة وباشوات وولاة) من قبل السلاطين في المغرب.

ـ إنّ الأحداث التاريخية تؤكد وبشكل واضح أن القبائل الصحراوية كان لها علاقات وامتدادات تاريخية عميقة مع القبائل الأمازيغية في المناطق الشمالية من المغرب.

ـ اعتماد آليات عمل البوليساريو على حرب العصابات التي تفتقد إلى دعم شعبي ووطني لكنها مدعومة من الجيش الجزائري.

ـ إنّ جبهة البوليساريو ومن خلال أسلوب حرب العصابات الذي تبنته لسنوات ، كانت تسعى إلى فصل الأقاليم الصحراوية، التي أكدنا مغربيتها بالوقائع التاريخية، عن الوطن الأم ـ المغرب، وهو ما يؤكد الطابع الانفصالي لجبهة البوليساريو وينطوي على مس خطير بمبدأ الوحدة الترابية للمغرب وبمبدأ الوحدة السكانية لشعبه وبالتالي فان ادعاء هذه الحركة بالمطالبة بحق تقرير المصير لسكان الصحراء المغربية لا يستند إلى أي مبدأ في القانون الدولي،لأن هذه الأقاليم تعود إلى المغرب بشهادة محكمة العدل الدولية.

واستنادا إلى كل هذه المعطيات يمكن القول إنه لا يمكن اعتبار (جبهة البوليساريو) حركة تحرر وطنية، بل إن استمرار مطالبتها بانفصال الإقليم الصحراوي وإقامة “دويلة ” هزيلة على هذا الإقليم ليؤكد بشكل واضح الطابع الانفصالي لهذه المنظمة التي تميزت على مدى العقود الثلاثة الماضية بطابعها الشمولي حيث لم تؤثر فيها التحولات العميقة التي شهدها العالم بعد سقوط المعسكر الاشتراكي… فباعتراف بعض أعضاءها، تفتقر هذه الحركة إلى رصيد معرفي وثقافي عند قادتها كما هو الحال عند القياديين الفلسطينيين، وكذلك تفتقر هذه الحركة إلى مؤسسات ديموقراطية منتخبة ـ على غرار المجلس التشريعي الفلسطيني الذي له تأثير كبير على برامج الهيئة التنفيذية مقابل الدور المعدوم الذي يقوم به ما يسمى بالبرلمان الصحراوي كما يلاحظ انعدام وجود أي معارضة منظمة ومهيكلة كما هو الحال بالنسبة للنظام السياسي الفلسطيني حيث توجد معارضة متمثلة بقوى إسلامية وديموقراطية ووطنية.

ـ مقترح الحكم الذاتي الموسع ـ
الحل الأمثل لمشكلة الصحراء المغربية:

إنّ الحل الذي يطرحه المغرب اليوم والمتمثل بإعطاء ساكني الإقليم الصحراوي حكما ذاتيا موسعا مع صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية تحت السيادة المغربية، يمكن أن يشكل أرضية جيدة لتسوية هذا النزاع المزمن وتجاوز سنوات العداء… فالمقترح المذكور يسمح للصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف العودة إلى وطنهم و الانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبالتالي إنهاء نزاع دام أكثر من اربعة عقود بدون حل. وترتبت عنه مآسي إنسانية كبيرة لا تزال فصولها مستمرة حتى يومنا هذا، ناهيك عن استنزاف ثروات شعوب هذه المنطقة… وفي مقابل التحرك البناء للمغرب من اجل وضع حد لهذا النزاع لا تجد الجزائر وجبهة البوليساريو من شيء سوى الطعن في مشروعية الاقتراح المغربي مدعين بأنه حل غير ديموقراطي يهدف إلى القضاء على حق الصحراويين في تقرير مصيرهم… فهل سيتغلب منطق العقل واغتنام هذه الفرصة لإنهاء هذا الصراع… فالمنطقة لا تحتمل صراعات ” بينية ” في ظل الهجمة الإرهابية التي تستهدف البلدين الشقيقين ـ المغرب والجزائرـ بل انهما في أمس الحاجة إلى تكاتف جهودهما حفاظا على الأمن الإقليمي في هذه المنطقة.

———————————-

خاص ديوان اصدقاء المغرب