الرئيسية / دراسات / ما موقع الصحراء المغربية في النظام السياسي الجزائري؟
al0000

ما موقع الصحراء المغربية في النظام السياسي الجزائري؟

بقلم: ذ. الحسان القاضي*

لقد خاضت الجزائر والمغرب نضالاً مشتركاً ضد الاستعمار الأوربي، حيث وقف المغرب إلى جانب الجزائر في كفاحها من اجل الاستقلال الذي نالته عام 1962. ولم يثر المغرب مسألة الحدود مع الجزائر إلا من بعد استقلالها. و مما لاشك أن الوحدة الجغرافية التي شاءت الأقدار أن تجمع بين الجارتين المغرب والجزائر،أفرزت عدة مقومات على المستويين الروحي والسوسيولوجي جمعت بين تشابه مناهج الحياة والعادات والتقاليد، بل و أنتجت وحدة على مستوىات عدة: كاللغة، اللهجات، الجنس، الدين، المذهب والماضي المشترك الذي يزخر بمحطات تاريخية مهمة.
رغم كل ما سبق، فإن النزاع حول الصحراء لا زال يلعب الدور المركزي لأزمة العلاقات المغربية -الجزائرية، و بالتالي استمرار حالة الغموض الشديد الذي يلف مستقبل تسوية هذا المشكل، مما يوضح أن دراسة العلاقات المغربية – الجزائرية هي بمثابة المفتاح لفهم مختلف المشكلات التي يعرفها الوضع المغاربي بشكل عام، سواء أكان ذلك على مستوى مشكلة الصحراء، أو على مستوى العلاقات بين دوله، أو مستوى التفاعل مع السياسات الأوروبية و الأمريكية الموجهة للمنطقة.

وعلى الرغم، أيضا، من فترات التعاون والهدوء النسبي التي عرفتها العلاقات بين الطرفين، فإن السمة الغالبة لها – منذ حصول الجزائر على استقلالها في 1962م- هي سمة التوتر، مما يكشف عمق الأسباب المنتجة لهذه الوضعية وتعقد الملفات المطروحة على البلدين بما فيها، و بشكل خاص و مباشر، مشكلة الصحراء الغربية، خاصة و أن الجارين اقتربا في محطات سابقة، من حافة المواجهة العسكرية المفتوحة، و ذلك بعد أن خاضا في بداية الستينات ما عرف بحرب الرمال بسبب النزاع الحدودي. و من هذا المنطلق يجوز لنا أن نتساءل عن الكيفية التي استطاعت الجزائر بها جعل قضية الصحراء المغربية المحرك المركزي لنظامها السياسي، و بالتالي أولوية دبلوماسية في سياستها الخارجية؟ بل و مسألة حقوقية – إنسانية في خطاباتها الإعلامية الرسمية؟، فما هي الدوافع و الأسباب التي دفعت بالجزائر إلى نهج هذا السبيل؟.

فبعد التوقيع على معاهدة الحدود في سنة 1972م، وتنازل المغرب عن أراضيه المتنازع عليها ، كانت التصريحات الصادرة عن مسئولي الجزائر السياسيين لا تنم عن أية نية ظاهرة للتدخل في قضية الصحراء المغربية، بل على العكس من ذلك، عبر قادتها السياسيون عن تأييدهم للحقوق المغربية ليس فقط في الصحراء، بل أيضا في سبتة ومليلية وكل المناطق الخاضعة للاستعمار الإسباني. وهو ما يجد تفسيره في تصريح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالرباط في أكتوبر 1974م.

لكن الأحداث المستقبلية التي سيعرفها مسار ملف الصحراء ستثبت للمغاربة أن التصريحات الرسمية الجزائرية لا تعدو أن تكون سوى مناورة سياسية ذكية لخدمة الأهداف الإستراتيجية الجزائرية في المنطقة، مما يستلزم أخذ الحيطة و الحذر الكبيرين في التعامل مع كل المبادرات الجزائرية في المستقبل المنظور.

إن صحة هذه المقولة تستند على الدلائل التالية:

أ- صدور الرأي الاستشاري لدى محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر1975م، والذي أكد على الروابط التاريخية والقانونية التي تجمع المغرب بصحرائه.

ب- حدث المسيرة الخضراء والتوقيع على اتفاقية مدريد في 14نونبر1975م، التي تم بمقتضاها تصفية الاستعمار الإسباني بالصحراء.

و لتوضيح الرؤية، بشكل لا يدع مجالا للشك في صحة المقولة السالفة الذكر، لابد أن نربطها بالأحداث السابقة، و ذلك بالتساؤل عن موقعها في التحليل السياسي الجزائري؟. فبكل بساطة ، و مما لاشك فيه، أن تلك الأحداث تؤكد توصل المغرب إلى استكمال وحدته الترابية، وهو ما يحسب للدبلوماسية المغربية، إلا أنها في المقابل جعلت المسئولين الجزائريين يشعرون بخيبة الأمل، و هو ما يفسر في التحليل السياسي للجزائر بانتقال المغرب من مجرد حليف تاريخي للقوى الكبرى، إلى حليف إستراتيجي وخزان مهم للبترول.

إن هذا التفسير سيزداد رسوخا و تعقيدا لما تربع ضباط الجيش الجزائري على الهرم السياسي، وانتقال سلطة القرار إليهم بشكل سريع في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، لاسيما بعد أن تم عزل الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد عن حزب جبهة التحرير ، وعن رئاسة الحكومة وأيضا عن المجلس الوطني وقيادة الجيش (1)، و مما زاد الطين بلة هو ضعف التكوين السياسي لهؤلاء الضباط، و هو ما يزكيه إقدامهم على إلغاء نتيجة أول انتخابات تشريعية تعددية تعرفها الجزائر في 16/11/1991م، وذلك بعد إخفاقهم فيها، و هو الأمر الذي جعلهم يجدون أنفسهم أمام وضع سياسي ، اقتصادي واجتماعي جد مرعب.

إن هذا الوضع السياسي الجديد في الجزائر يفرض علينا إبداء الملاحظات التالية:

أولا- فعوض أن يركز القادة السياسيون العسكريون بحثهم عن حلول عقلانية من شأنها ضخ دم جديد في النظام السياسي الجزائري ، وبالتالي جعله يلقى قبولا كبيرا من قبل الشعب الجزائري ، مما سيمنحه بشكل مباشر ثقة واحترام الجيران المغاربة بل وكل شعوب العالم، عمل جنرالات العسكر الجزائري على تصفية كل من يتعاطف مع جبهة الإنقاذ الجزائرية ، و هو ما تفسره إجراءات إحالة عدد من ضباط الجيش الشباب على التقاعد المبكر؛ بل و تؤكده عملية اغتيال رئيس البلاد محمد بوضياف عام 1992م، الذي حاول إيجاد حل سياسي للأزمة الجزائرية ، وإعادة زرع الروح في العلاقات المغربية –الجزائرية، مما يسمح لنا بالقول أن عملية الاغتيال تمت باعتبار أن محمد بوضياف ربما لم يكن ينوي تنفيذ أوامر جنرالات الجيش التوسعية و بالتالي عاكس عداءهم للمغرب، و هو ما يؤكده الدكتور عبد الحميد إبراهيمي – الضابط السابق في جيش التحرير الوطني الجزائري من سنة 1956م إلى عام 1962 م، ورئيس الوزراء من سنة 1984 م حتى عام 1988م- (2).

ثانيا- : إن القيادة السياسية العسكرية الجزائرية ، بافتعالها لمشكلة الصحراء المغربية، و بالتالي إقحامها في أجندتها السياسية بشكل مباشر و فعال، إنما تريد صرف أنظار عامة الشعب الجزائري عن المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها البلاد: سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ، و هذا الفعل يجد تفسيره في العمل المتواصل للنظام الجزائري على الزيادة في تقديم الدعم المالي والعسكري لصنيعته جبهة البوليساريو، بل إن الساسة العسكريون للجزائر لا ينفكون عن حشد تأييد بعض الدول الإفريقية، إما بتقديم الجزائر نفسها كزعيمة للحركات التحررية في إفريقيا، خاصة و أن جل بلدان إفريقيا جنوب الصحراء حديثة العهد بالاستقلال . أو عن طريق شراء الذمم الإفريقية خاصة و أنها تعاني من فقر مدقع مما دفع ببعضها إلى بيع الضمير بأموال جد مغرية ؛ بل الأكثر من هذا كله هو محاولة الجزائر استقطاب بعض الدول الأوروبية لتقديم تحفظات على اتفاقية الصيد البحري التي أبرمها المغرب مع الإتحاد الأوروبي ، وذلك تحت ذريعة أن الصحراء المغربية منطقة متنازع عليها.

ثالثا- عوض أن يوجه ساسة الجزائر الأموال التي تجنى من بيع الغاز و البترول إلى مشاريع تنموية ، قصد احتواء البطالة ، و بالتالي التأسيس لمصالحة حقيقية مع الجماهير الشعبية و إشراكها في عملية بناء الصرح الديمقراطي الجزائري، قاموا بتوجيه تلك الأموال نحو صفقات الأسلحة مع العديد من الدول الكبرى قصد تنفيذ طموحات توسعية وهمية كاستعراض للعضلات أمام المغرب .

إن الملاحظات السالفة الذكر تؤكد الاستنتاجات التالية:

أولا- سعي نظام الجزائر في البحث عن منفذ إلى المحيط الأطلسي ، قصد تصريف السلع والمنتجات و بالتالي خلق فضاء لتبادل تجاري مريح و غير مكلف مع الغرب، خاصة و أن ميناء وهران يبعد عن مناجم الحديد بتندوف حوالي 1400كلم مما يشكل زيادة مباشرة في تكلفة الإنتاج، في حين لا يفصل ميناء العيون عن مدينة تندوف سوى حوالي 500 كلم.

ثانيا- إن هدف النظام الجزائري لا يستهدف فقط سحب الثقل التاريخي و الدور الاستراتيجي للمغرب داخل المغرب العربي فحسب، بل و في إفريقيا وأوروبا، خاصة بعد إدراكه لاحتمال توفر إقليم الصحراء المغربية على خزانات مهمة من البترول، مما يمكن أن يشكل إرباكا مباشرا في التعامل التجاري الجزائري مع الغرب ، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية التي بلغ حجم المبادلات التجارية معها 12 مليار دولار في سنة 2005م.

ثالثا- اقتناع و إدراك ساسة الجزائر بأن تمكن المغرب من إيجاد حل لمشكلة صحرائه سيعرض و بشكل مباشر و واقعي الجزائر للتهميش ، و بالتالي سيفقدها آمالها في الحصول على كرسي الزعامة داخل المغرب العربي ، و هو ما يفسره تصريح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في إحدى خطبه “… لا مغرب عربي بدون الجزائر”.، وهذا الأمر تفسره العراقيل التي ما انفكت الجزائر في وضعها أمام وجه كل تسوية لمشكلة الصحراء سواء التي يتقدم بها المغرب أو المنتظم الدولي ، بل إنها لا تتوقف عن تشجيع البوليساريو على التشبث بحق تقرير المصير دون استيعاب مدلوله و لا حتى تداعياته السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، ولا المجال الذي يمكن أن يطبق فيه، و ربما فكرة التجزئة هذه تجد مرجعيتها التاريخية في التاريخ الاستعماري الفرنسي عندما عرض الرئيس الفرنسي الجنرال شارل دوغول، على القادة الجزائريين ثلاث خيارات لتسوية مشكلة استعمار الجزائر:

1ـ الانفصال عن فرنسا ، وهذا لا يسري على الجزائر كلها ، وإنما يستثني الصحراء الجزائرية التي قال عنها دوغول ” سوف نتخذ جميع التدابير لكي نضمن في جميع الحالات استثمار البترول الصحراوي ، ونقله وشحنه في الموانئ “(3).

2ـ جعل الجزائر فرنسية ، وهذا حسب وجهة نظره لا يتضمن أية مشكلة.

3- حكم الجزائريين من طرف الجزائريين ، اعتمادا على مساعدة فرنسا عن طريق الإتحاد الوثيق معها . هذا الاحتمال يشترط أن يكون النظام الداخلي الجزائري من النوع الفدرالي.

رابعا- ضعف التكوين السياسي للقادة الجزائريين، وتغليبهم للهاجس التوسعي على حساب التسوية الأممية، و هذا ما يزكيه تقديم مقترح لتقسيم الصحراء المغربية من طرف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 02 نوفمبر2001 م لجيمس بيكر بمدينة هيوستن(4)، وهو ما يفسر أن هدف الجزائر ليس هو ضمان حقوق أهل الصحراء ، وإنما تجزئة تلك الحقوق ، و بالتالي الضرب بعرض الحائط كل التماسك القبلي، و كذا المقومات الروحية والدينية التي تجمع الصحراويين مع بعضهم البعض في ارتباطهم بوطنهم المغرب.
ومن كل ما سبق، و من خلال ما توفر من معطيات سابقة من خلال دراسة الخلاف الحدودي المغربي الجزائري، نخلص إلى معطيين اثنين هما:
المعطى الأول : أن أول مشكلة برزت بين المغرب والجزائر بعد حصولها على استقلالها ، هي مشكلة الحدود التي ستؤدي إلى اندلاع حرب الرمال سنة 1963م، حيث تشبثت الجزائر بالحدود التي رسمها المستعمر الفرنسي، متحججة بعرف منظمة الوحدة الإفريقية.

المعطى الثاني: تنكر الجزائر للاتفاقية التي أبرمتها الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس مع المغرب في 06 يوليو1961 م، والتي جاء فيها: ” وفاء لروح مؤتمر طنجة، المنعقد في شهر أبريل 1958 ، ونظرا لتعلقها المتين بميثاق الدار البيضاء ، والقرارات المتخذة من قبله ، تقرر الحكومتان السعي لبناء المغرب العربي على أساس المشاركة الأخوية في المجال السياسي والاقتصادي ، وتؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب ، مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية ، وتعلن عن دعمها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساس احترام وحدة التراب الجزائري ، وستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكل الوسائل المحاولات الرامية إلى تقسيم أو تفويت التراب الجزائري. وتعترف الحكومة المؤقتة من جانبها، بأن المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدود المفروضة تعسفا فيما بين القطرين، سيجد حلا له في المفاوضات بين الحكومة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة، ولهذا الغرض، تقرر الحكومتان إنشاء لجنة جزائرية مغربية في أقرب أجل لبدء دراسة المشكل وحله ضمن روح الإخاء والوحدة المغربية” (6).

من خلال هذين المعطين يمكن أن نستنتج الأسباب الكامنة وراء التدخل الجزائري في قضية الصحراء المغربية، و جعلها من بين أوراق لعبتها الدولية و الإقليمية على مستوى السياسة الخارجية للجزائر، و بالتالي يمكن القول بالأسباب التالية:

أولا: في الأهمية الاقتصادية للأراضي المتاخمة لمنطقة تندوف ،لاسيما بعد أن تأكد وجود خام الحديد فيها، ويبدو هذا من خلال التقرير الذي أعطته إحدى الشركات الفرنسية المكلفة بدراسة استغلال الحديد في المنطقة، والذي مفاده أن نسبة خام الحديد في المنطقة يبلغ حوالي 75%، و أن هذا الإنتاج إذا ما أضيف إلى إنتاج موريتانيا سيمثل نسبة 50 % من احتياجات السوق الأوروبية المشتركة(7).

ثانيا: في طبيعة عقلية وتكوين الفاعلين في النظام الجزائري، بحيث ساعد التحاق بعض الضباط الجزائريين الفارين من الخدمة العسكرية الفرنسية ، أو ربما المبعوثين إلى الجزائر والمتشبعين بدروس وافرة من طرف مستعمر الأمس ، على تكريس سياسة الهيمنة وإستراتيجية التوسع الاستعماري، ورسم معالم التوجه الاقتصادي والسياسي للبلاد، والذي اضطر فيه الجزائريون إلى الابتعاد عن النهج اللبرالي، وتفضيل التوجه الاشتراكي.

ثالثا: الرغبة في البحث عن أسلوب يضمن خلق توجه وحدوي بين الاتجاهات المتصارعة داخل جبهة التحرير الحزب الحاكم(8) خاصة و أنه خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي كانت هناك عدة اتجاهات سياسية لحركة التحرر الوطني في الجزائر، و التي سيتم اختزالها قبيل استقلال الجزائر في جبهة التحرير كحزب وحيد (*)، لتبرز الصراعات فيما بينها من جديد مع حصول البلاد على حريتها . خاصة بعد بروز تيارات سياسية أخرى كالحزب الشيوعي الجزائري، ومناصرو التسيير الذاتي حاملي التكوين الماركسي، بالإضافة إلى بعض المنظمات الجماهيرية: كالإتحاد العام للشغيلة الجزائرية، والإتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، وشبيبة جبهة التحرير الوطني(9).

وختاما: فإن الجزائر وجدت نفسها بعيد الاستقلال تتخبط في أزمة سياسية خانقة، استغلها الضباط الجزائريون العائدون من فرنسا ليحددوا معالم السياسة الخارجية ، مستفيدين من الأزمة التي اندلعت بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ، والتي ستمكنهم من السيطرة على القطاعات الإستراتيجية ، خاصة داخل وزارة الدفاع والدرك الوطني، التي وقعت تحت إشرافهم كليا منذ عام 1962م، ومنذ هذا التاريخ أصبح الجهاز العسكري، هو المسير لدواليب الحكم داخل النظام السياسي الجزائري وهو المحدد والمتحكم في السياسة الخارجية للجزائر خاصة تجاه المغرب.
استنتاج: إن تغير الموقف السياسي الجزائري من قضية الوحدة الترابية المغربية، يبقى رهن المؤشرات التي تنبأ بتغير في القيادة السياسية التقليدية الجزائرية التي يسيطر عليها جنرالات الجيش: إما بإرادة من الجيش نفسه، و هو أمر مستبعد، أو بإرادة شعبية تكون قادرة على تغيير نظام حكم العسكر، أو بتدخل فاعل أجنبي ذو رؤية مستقبلية، يرى في تجزئة أحد البلدان المغربية ضررا بمصالحة الإستراتيجية و هو أمر قد لا يوجد في الخلفيات السياسية للدول التوسعية، و بالتالي لم يبق أمامنا سوى التساؤل عن مدى الإرادة، و القدرة السياسية والدبلوماسية للمغرب في تغيير الوضع لصالح الوحدة الترابية، سواء بفرض الأمر الواقع و المشروع، أو بفرض توجهات سياسية جديدة في المغرب العربي عن طريق الاستمرار في تعميق الإصلاح الديمقراطي، الذي انخرط فيه المغرب بشكل جدي و فعال، مما سيكون له كبير الأثر على الجيران، خاصة و أن مشكلة الهوية و دستوريتها من بين التحديات المستقبلية لبلدان المغرب العربي، و هو ما فطن له المغرب مبكرا بترسيمه للأمازيغية. و في المقابل سيشكل تحديا و جبهة سياسية جديدة للنظام الجزائري ، باعتبار مطالب الطوارق في الجنوب و أما زيغ تزي وزو في الشمال من جهة، و باعتبار النظام الجزائري شموليا رافضا للتغيير من ناحية أخرى- و هو ما يزكيه إعادة ترشيح بوتفليقة لولاية رابعة رغم العجز الجسدي و الرفض الشعبي- مما يسمح بطرح تساؤلات عدة حول مصداقية الزعامة التحررية للجزائر الديمقراطية الاشتراكية الشعبية؟

*طالب ماجستير قسم الدراسات التاريخية
معهد البحوث و الدراسات العربية ـ جمهورية مصر العربية

———————————————————
هوامش:
1 – عبد الحميد إبراهيمي: في أصل الأزمة الجزائرية 1958 ـ 1999 ، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت ، 2001 ـ ص169.
2 – نفسه، ص241.
3 – محمد الميلي: المغرب الحربي بين حسابات الدول ومطامح الشعوب، دار الكلمة للنشر ـ بيروت، 1983 ـ ص 94.
4 – وهو ما تضمنه التقرير الأممي الذي تقدم به السيد كوفي عنان أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير 2002 والذي جاء فيه وضع أربع خيارات لحل مشكلة الصحراء:
أ – تنظيم استفتاء دون اشتراط اتفاق الأطراف.
ب – إعطاء حكم ذاتي للصحراويين ضمن السيادة المغربية.
ج – تقسيم الصحراء بين المغرب والبوليساريو.
د – سحب الأمم المتحدة للمراقبين الدوليين من الصحراء وترك الأطراف وشأنها.
5- عبد الحميد الوالي : القانون الدوالي العام، مطبوع موجه لطلبة السنة الأولى من السلك الثاني، قانون عام، كلية الحقوق ـ الدارالبيضاء ـ الموسم الجامعي ـ 1987 /1988.
6- نفسه.
7- أحمد مهابة: نزاعات الحدود بين بلدان المغرب العربي ـ مجلة السياسة الدولية ـ العدد 111 ـ مطابع الأهرام ـ مصر ـ 1993 ـ ص 242.
8- يحي جلال : المغرب الكبير ـ الجزء الرابع ـ دار النهضة العربية ـ بيروت ـ1981 ـ ص 215.
(*) التيارات السياسية الجزائرية التي أقصتها جبهة التحرير من الحياة السياسية :
الاتجاه اليميني: كان يضم نخبة من الشباب الجزائري ذو الثقافة الغربية، كالأمير خالد بن محي الدين ،حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، والذي أنشأ هيئة سياسية تحت اسم “وحدة النواب الجزائريين ” للمطالبة بتحقيق المساواة .
الاتجاه اليساري : ظهر بعد الحرب العالمية الثانية في شكل جمعية نجم شمال إفريقيا ضمت مجموعة من العمال المهاجرين من شمال إفريقيا إلى فرنسا.يعتبر مصالي الحاج هو مؤسس هذه الحركة التي بدأت في نشاطها سنة 1926
الاتجاه الإصلاحي الديني : بدأ في شكل نادي للترقي ، أطلق عليه ” نادي الترقي ” أسسه بعض العلماء لأغراض ثقافية محضة،إلا أنه في مطلع الثلاثينات ، سيتحول هذا النادي إلى جمعية أطلق عليها اسم ” جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ” كانت هذه الحركة سلفية إصلاحية.
9 – عبد الحميد إبراهيمي: مرجع سابق، ص 98.