الرئيسية / دراسات / القدس وعلماء الغرب الإسلامي عشية الاحتلال الصليبي وفي أثناء التحرير
Jerusalem_from_mt_olives

القدس وعلماء الغرب الإسلامي عشية الاحتلال الصليبي وفي أثناء التحرير

مقدمة:‏

كانت القدس والمسجد الأقصى المبارك في طليعة الأماكن التي يتوجه إليها العلماء الرحالة من كل أنحاء العالم الإسلامي، لاسيما من المغرب والأندلس، لأنها تمثل مركز جذب رئيسياَ، نظراً للمكانة الدينية التي كانت تتمتع بها باعتبارها أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وهي موقع الإسراء والمعراج، وفضل الصلاة في مسجدها الأقصى كبير، وإليه يشد الرحال. وكانت عملية التواصل معها من قبل علماء الغرب الإسلامي تمثل معلماً من معالم الوحدة الثقافية والحضارية مع العالم العربي والإسلامي عبر العصور.‏
وقد تم التركيز في هذا الموضوع على نماذج من العلماء الذين كانوا موجودين في القدس في حقبتين مهمتين من تأريخها، الأولى: الاحتلال الصليبي، وحينما كانت تخضع تارة للخلافة العباسية، ممثلة بالكيانات التي كانت تدور في فلكها، مثل السلاجقة، والأراتقة، وتارة للخلافة الفاطمية. وفي هذه الحقبة الأولى التي تتميز بعدم الاستقرار السياسي، والصراع بين مختلف هذه الكيانات، الذي أدى بالنهاية إلى وقوع المدينة تحت ظل الاحتلال الصليبي سنة 492ه/1098م، نجد للعلماء الأندلسيين والمغاربة دوراً كبيراً في الحياة العلمية والثقافية، التي كانت مستقرة، بعكس الحياة السياسية. ومن خلال تتبع نموذجين لهؤلاء العلماء، هما: الإمام أبو بكر الطرطوشي، والإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، نستطيع الوصول إلى قناعة تامة عن الأهمية العلمية لهذه المدينة، ودَوْر المدارس والمساجد فيها، حتى في أحلك أيامها. وكذلك نتوصل إلى جهود هؤلاء العلماء القادمين من الغرب الإسلامي، ونشرهم للعلم والمعرفة في القدس وتواصلهم مع علمائها، واندماجهم معهم، والأخذ عنهم، ومن ثم الرجوع بإرث حضاري متميز من المشرق، لنشره في المغرب والأندلس.‏
أما الحقبة الثانية التي تم تناولها في هذا البحث، فهي حقبة التحرير. وتدل أهمية وجود علماء مغاربة في المدينة، حينما دخلها القائد المحرر صلاح الدين الأيوبي، على أن التواصل لم ينقطع بين القدس والغرب الإسلامي، رغم الاحتلال الصليبي. ويأتي في مقدمة العلماء الذين كانوا في القدس يوم تحريرها سنة 583ه/1187م، العالم علي بن محمد بن جميل المعافري، وقد عيّنه السلطان صلاح الدين إماماً في مسجد قبة الصخرة. ومن العلماء الآخرين، الشاعر والطبيب عبد المنعم الأندلسي الجلياني، الذي صنّف لصلاح الدين الأيوبي بعض الكتب، منها في مدحه، ومنها ماله علاقة بتحرير مدينة القدس. وقد تمت الإشارة أيضاً إلى ما أثارته حادثة تحرير القدس، عند بعض علماء الغرب الإسلامي، ورحلتهم، إليها، وحث الناس على زيارتها بعد التحرير.‏
وقعت بلاد الشام عامة وفلسطين بشكل خاص تحت النفوذ السلجوقي قبيل الاحتلال الصليبي. وكان السلاجقة يدينون بالولاء للخلافة العباسية، وقد قاوموا محاولات الفاطميين المتعددة للسيطرة على فلسطين والشام، لأن هذه المناطق تمثل امتداداً طبيعياً لمصر، ومن أجل نشر السيادة الفاطمية على أكبر مساحة ممكنة من العالم الإسلامي. ولم يكن أهل فلسطين، وبلاد الشام عامة يرغبون في الوجودين الفاطمي أو السلجوقي، بل كانوا يتطلعون إلى الإمارة العربية العقيلية في الموصل، بقيادة الأمير مسلم بن قريش العقيلي، الذي حاول بالفعل العمل على طرد أحد زعماء السلاجقة المدعو تتش بن ألب أرسلان، من بلاد الشام، والاستيلاء على القدس ودمشق. ولكن الأمير مسلم بن قريش أخفق في محاولاته لتأسيس دولة عربية كبرى تضم الجزيرة الفراتية وبلاد الشام مع بعض أجزاء العراق، بسبب قوة السلاجقة، فبقي تتش بن ألب أرسلان في فلسطين وجنوبي بلاد الشام.‏
وقد أقطع تتش القدس وأعمالها إلى أحد قادته، وهو أرتق بن أكسب التركماني ليحكمها(1) ، وأصبحت فلسطين في عهد هذا القائد، وابنيه من بعده، كياناً سياسياً له شخصيته المستقلة إلى حد ما. وقد ارتبطت طموحات الأراتقة مع طموحات أهل فلسطين التواقة إلى تكوين مارة متميزة عن القوى السياسية المحيطة بها. ودامت هذه الإمارة أكثر من عقد من الزمن، من سنة 479-491ه/ 1086-1097م(2).‏
وشهدت القدس فترة من الهدوء في عهد أرتق بن أكسب، الذي استقر في إقطاعه، وابتعد عن التدخل في النزاعات بين أمراء السلاجقة أو غيرهم، واتبع سياسة متسامحة إزاء النصارى الموجودين في القدس. وبعد وفاته عام 484ه1097م. ويبدو أن القدس تمتعت في عهدهما أيضاً بشيءْ من الهدوء والاستقرار، الذي انعكس على الحياة العلمية في المدينة، كما وصفها ابن العربي الذي زارها في عهدهما، والتقى فيها مجالس الشيخ الطرطوشي، كما سنرى لاحقاً.‏
وكان دور الأراتقة في عهد ابني أرتق مهماً في الصراع السياسي في بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة. وقد شاركا في معركة أنطاكية ضد الصليبيين، التي خسر فيها المسلمون سنة 491ه/1097م. ولكن إمارة الأراتقة لم تدم طويلاً، فقد استغل الفاطميون ضعفهم بعد معركة أنطاكية، فهاجموا القدس بقيادة أمير الجيوش المصرية الأفضل بن بدر الجمالي، في السنة ذاتها واستولوا عليها بعد أربعين يوماً من صمود الأراتقة(3). ومما لاشك فيه أن ما فعله الفاطميون في هجومهم على القدس في تلك الظروف الحرجة، كان له أثره في إرباك السلاجقة، وبالتالي تشجيع الصليبيين على المضي قدماً في مهاجمتهم للمدن الإسلامية(4). وكانت القدس في مقدمة هذه المواقع التي زحف إليها الصليبيون، ولم يستطع الفاطميون الدفاع عنها والمحافظة عليها. وتمكنت الحملة الصليبية الأولى من أخذها من الفاطميين في شهر رمضان من سنة 492ه/ تموز 1098(5). وأعقب الاحتلال قتل آلاف من المسلمين الأبرياء، ومنهم جماعات كثيرة من الأئمة والعلماء، والعباد، والزهاد، الذين فارقوا أوطانهم، وجاوروا ذلك الموضع الشريف عند المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة(6).‏
وهكذا نرى أنه على الرغم من الجو السياسي الملبد بالغيوم، والذي تميز بعدم الاستقرار، كانت مدينة القدس، مقصداً للعلماء، يزورونها، ويتلقون العلم فيها. وما تأكيد المؤرخ ابن الأثير، فيما أشرنا إليه آنفاً، عن استشهاد الكثير من العلماء الوافدين إلى القدس حين احتلالها، إلا دليل على هذا الزخم الهائل من المسلمين الذين تركوا الأهل والأوطان ليقيموا فيها. وربما لا نجانب الصواب إذا قلنا أن عدداً كبيراً من هؤلاء كان من المغاربة، والأندلسيين، الذين جاؤوا من الغرب الإسلامي، نظراً للنصوص الكثيرة التي تشير إلى وجودهم في القدس. وسنكتفي بالإشارة إلى اثنين من كبار هؤلاء العلماء الأول: هو الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد القرشي الفهري الأندلسي المالكي المعروف بالطرطوشي، نسبة إلى مدينة طرطوشة بالأندلس.‏
ولد هذا العالم سنة 451ه/ 1059م تقريباً، وتتلمذ على كبار رجال العلم في الأندلس، أمثال أبي الوليد الباجي، الذي قرأ عليه وسمع منه مسائل الخلاف في مدينة سرقسطة، وأبي محمد بن حزم، الذي درس عليه الأدب في مدينة إشبيلية. كما قرأ الحساب والفرائض في موطنه مدينة طرطوشة. وقد ابتدأ الطرطوشي رحلته إلى المشرق سنة 476ه/ 1083م، ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، وعلى أبي أحمد الجرجاني، وسكن الشام مدة، ودرس بها. وله من المؤلفات كتاب “سراج الملوك”، وكتاب “بر الوالدين”، وكتاب “الفتن”، وغير ذلك(7).‏
وهكذا كان هذا العالم الفاضل متبحراً في العلم والثقافة حينما وصل إلى القدس في حدود سنة 484ه/ 1091م، أو 485ه/ 1092م، أي في أثناء حكم الأراتقة للقدس، لاسيما إيلغازي وسقمان، ابني أرتق. وقد بقي الطرطوشي في هذه المدينة المقدسة لعدة سنوات أخرى. ومن المحتمل أنه غادرها بعد استيلاء الفاطميين عليها، قبيل وقوعها تحت الاحتلال الصليبي، لأنه نجا من المذبحة التي أعقبت احتلالها. وقد استقر الطرطوشي بمدينة الإسكندرية، وتوفي فيها سنة 520ه/ 1126م(8).‏
لقد كان للطرطوشي دور بارز في الحياة العلمية في مدينة القدس، وكان له تلاميذ يتلقون العلم عنه، ويجتمعون حوله في أماكن متعددة في المدينة، منها موضع يُقال له الغوير)، يقع بين باب الأسباط ومحراب زكريا في ساحة الحرم القدسي الشريف، حيث كان العلماء يتناظرون فيه. كما كان يجلس للعلم أيضاً في موضع آخر يقال له السكينة). وقد زودنا الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المغربي المعافري الإشبيلي المعروف بابن العربي في رحلته(9) ، بمعلومات قيمة جداً عن الدور الثقافي للشيخ الطرطوشي. وابن العربي، هو الشخصية العلمية الثانية التي تثير الاهتمام في هذا المجال، لأنه زار القدس قبيل الاحتلال الصليبي. ابتدأ ابن العربي رحلته المشرقية من الأندلس مع أبيه في مستهل شهر ربيع الأول سنة 485ه/1092م. وشملت رحلته شمال إفريقية، ومصر، والحجاز، والعراق، وبلاد الشام، فضلاً عن القدس موضوع بحثنا. ثم عاد إلى الأندلس سنة 493ه/ 1099م بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وتوفي سنة 543ه/ 1148(10).‏
والذي يثير الاهتمام هو لقاء هذين العالمين من الغرب الإسلامي في القدس. وقد وصف لنا ابن العربي هذا اللقاء، ولهفته في البحث عن الشيخ الطرطوشي، والأخذ من علمه، بقوله: “مشيت إلى شيخنا أبي بكر الفهري رحمة الله عليه، وكان ملتزماً من المسجد الأقصى بموضع يقال له الغوير، فلم نلقه بها، واقتصصنا أثره إلى موضع يقال له السكينة، فألفيناه بها، فشاهدت هديه، وسمعت كلامه”(11).‏
ويبدو أن مجلس الطرطوشي كان حافلاً غزير العلم والفائدة، الأمر الذي استهوى ابن العربي كثيراً، وشجعه على البقاء في القدس لمدة أطول مما كان قرره لإقامته فيها. وقد انفتح له على يدي الطرطوشي أعظم أمل في المعرفة والثقافة، فالتزم هذا الشيخ ومجالسه، لاسيما بقبة باب السلسلة. ولنقرأ كلام ابن العربي المعبر بهذا الخصوص عن أهمية مجلس الطرطوشي العلمي وتأثيره عليه، وعلى سواه من المترددين على مجالس العالم والمعرفة في القدس: “وانفتح لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت ببيت المقدس مباءة والتزمت فيه القراءة، لا أقبل على دنيا، ولا أُكلم أنسياً، نواصل الليل بالنهار، خصوصاً بقبة باب السلسلة”(12).‏

وهكذا نرى أن ابن العربي كان جاداً كل الجد، صادقاً في طلبه للعلم، الذي كان هدفه الأول في رحلته المشرقية التي ابتدأها مع والده من الأندلس سنة 489ه/ 1095م(13). وعلى الرغم من كل ما يقال عن أسباب هذه الرحلة، ودوافعها التي يرجعها البعض إلى عوامل سياسية لها علاقة بالأوضاع في الأندلس بعد استيلاء المرابطين عليها، أو أنها سفارة سياسية قام بها ابن العربي الوالد وابنه بتوجيه من من يوسف بن تاشفين لزيارة الخليفة في بغداد(14). فإن آثار هذه الرحلة العلمية ونتائجها الثقافية بالنسبة لابن العربي لا يمكن نكرانها.‏
والذي يهمنا في هذا المجال، هو مدى التأثير الثقافي الذي تركته مدينة القدس في ذهنية هذا العالم الأندلسي، وما هو التفاعل الذي ولدته زيارته لهذه المدينة المقدسة؟ فقد انبهر من الجو العلمي الذي كان يغلف أجواء المدينة، ويبدو ذلك واضحاً من قوله: “… فدخلنا الأرض المقدسة، وبلغنا المسجد الأقصى، فلاح لي بدر المعرفة، فاستنرت به أزيد من ثلاثة أعوام”(15). كما نلاحظ هذا التعلق الشديد أيضاً في موقفه من والده، وتخليه عن رفقته حينما أراد الذهاب إلى الحج، مفضلاً البقاء في القدس لطلب العلم، وذلك بقوله له: “إذا كانت لك نية في الحج، فامض لعزمك، فإني لست برائم عن هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها، وأجعل ذلك دستوراً للعلم وسلماً إلى مراقيها”(16).‏
فما الذي استهوى ابن العربي في القدس؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من استعراض بعض النصوص التي جاءت في كتبه المختلفة، لاسيما الرحلة أو ترتيب الرحلة(17) ، حيث يشير دائماً إلى حضوره التناظر بين الطوائف المختلفة، وتردده على المدارس الموجودة في القدس، وحلقات العلم فيها، من ذلك مثلاً قوله: “وأدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم لحضور التناظر بين الطوائف، لا تلهينا تجارة، ولا تشغلنا صلة رحم، ولا تقطعنا مواصلة ولي، وتقاة عدو”(18) ومن جملة المناظرين الذين أشار إليهم في مدرسة الشافعية، التي تقع بباب الأسباط، شيخ الشافعية بالمسجد الأقصى، أبو الفضل عطاء المقدسي(19) ، والقاضي يحيى بن علي المعروف بابن الصائغ، وقاضي القضاة مجلي بن جميع المخزومي(20). ويعود الفضل إلى ابن العربي في إشارته إلى المدرسة الحنفية، التي تدعى بمدرسة أبي عقبة الواقعة بإزاء قمامة، والتي لم نسمع بوجودها من مصدر آخر(21). فقد ذكرها في ثلاثة من كتبه(22) ، وأشار إلى المناظرات، التي كانت تجري فيها، وأن شيخها كان يدعى القاضي الريحاني(23). وأورد مناظرة جرت أمامه بين هذا القاضي وعالم غريب دخل إلى المدرسة في أحد أيام الجمع، يدعى الصاغاني)(24).‏
وهكذا يتبين من كلام ابن العربي أن القدس كانت مركزاً لنشاط المدارس الإسلامية المختلفة، وملتقى المتناظرين المسلمين وغير المسلمين، فقد ذكر أنه حضر مناظرات لعلماء من ملل مختلفة(25). كما أشار إلى وجود ثمان وعشرين حلقة لطلب العلم في المسجد الأقصى(26) ، وإلى وجود عدد كبير من العلماء الوافدين على المدينة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي(27). وكانت العلوم الشائعة في فترة زيارته للقدس هي: علم الكلام، وأصول الفقه، ومسائل الخلاف، حيث يشير إلى اطلاعه عليها هناك(28). كما يذكر أيضاً أنه اطلع على كتاب المدونة بالطريقة القيروانية، التي تقوم على التمثيل، والطريقة العراقية التي تقوم على الاستنباط واستخراج العلل. وبيّن أن دراسة المدونة، وهي الأصل الثاني للفقه المالكي بعد موطأ مالك، في مدينة القدس، كانت تقوم على الجمع بين هاتين الطريقتين(29).‏
واهتم ابن العربي بدراسة كتب الحديث في القدس، وساهم بنقلها إلى المغرب والأندلس، من ذلك مثلاً، كتاب المصباح والراعي إلى الفلاح في حديث رسول الله ، تأليف أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي توفي 490ه/ 1096- 1097م)، الذي سمعه منه بلفظه، وحدّث به أحد تلامذته، علي بن خلف بن ذي النون العبسي، الذي سمعه بدوره أيضاً عن مؤلفه في القدس. واستمرت رواية هذا الكتاب في الغرب الإسلامي لمدة ليست بالقصيرة، حتى وردت ضمن ما سمعه ابن خير الإشبيلي في فهرسته عن شيوخه في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي(30).‏
ويتبين مما سبق أن ابن العربي قضى نحو ثلاث سنوات في القدس، رافق فيها الشيخ الطرطوشي في حلقاته العلمية، وزار مدارس القدس، ومعاهدها، ومشايخها، وأخذ العلم عنهم. ومن المرجح أن هذه السنوات الثلاث، هي التي تقع بين سنتي 486 و 489ه، لأنه غادر في السنة الأخيرة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. وبعد ذلك رجع مرة ثانية إلى بغداد، حيث لقي فيها أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم غادر إلى مصر، ومنها إلى الأندلس(31).‏
لقد انشغل كل من الشيخ الطرطوشي، وابن العربي في القدس بطلب العلم والمعرفة، والنهل من العطاء الحضاري المتميز لهذه المدينة المقدسة، غير آبهين بالأحداث والتقلبات السياسية التي أشرنا إليها آنفاً. وكانت مدة وجودهما في هذه المدينة تقع ضمن سيطرة الأراتقة على القدس. وبعد انتقال السلطة إلى الفاطميين، وسقوط المدينة بيد الصليبيين في رمضان سنة 492ه/ تموز 1098م، وعلى أثر المذابح التي جرت في المدينة، ومحاربة كل ما هو عربي، أو يمت إلى الإسلام بصلة، وقعت القدس في حقبة مظلمة لما يقرب من تسعين عاماً. ومع هذا يبدو أن بعض المغاربة استمروا في التوجه إليها. وكان بوسع التجار المسلمين أن يقدموا إلى بيت المقدس وبقية المدن الفلسطينية الأخرى المحتلة(32).‏
ومن الأمثلة على وجود المغاربة في القدس أثناء الاحتلال الصليبي، قبيل دخول القائد صلاح الدين الأيوبي إليها، وجود العالم علي بن محمد بن جميل المعافري، الذي نشأ في مدينة مالقة بالأندلس، وأخذ عن شيوخها، ثم رحل إلى المشرق، فأكمل علومه في مصر، ودمشق، واستقر أخيراً في المسجد الأقصى، حيث عرف بالشيخ المالقي. وكان زاهداً فاضلاً حافظاً للحديث، عارفاً بالقراءات، إماماً في النحو، حسن الخط، اشتهر بمتانة الدين، وكمال الفضل. وعندما افتتح السلطان صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس سنة 583ه/ 1187م، عينه إماماً في قبة الصخرة، بترشيح وإجماع من حضر هناك من العلماء الأفاضل(33). وينقل ابن عبد الملك الأنصاري عن العماد الأصبهاني قوله في هذه المناسبة: “ورتب السلطان في قبة الصخرة إماماً من أحسن القراء تلاوة، وأزينهم طلاوة، وأنداهم صوتاً، وأسماهم في الديانة صيتاً، وأعرفهم بالقراءات السبع بل العشر، وأطيبهم في العرف والنشر… ووقف عليه داراً وأرضاً وبستاناً”(34).‏
واستمر هذا الرجل في منصبه حتى وفاته سنة 605ه/ 1208م، وكان خلال ذلك لا يكتفي بالقيام بواجبات منصبه الديني، بل واصل الدراسة وتلقي العلم، وساهم في الحياة الثقافية في مدينة القدس، فسمع في شهر رمضان من سنة 596ه/ 1199م كتاب فضائل القدس على مصنفه الحافظ بهاء الدين القاسم بن عساكر(35) ، وبذلك يكون هذا الرجل قد أسهم مساهمة فعالة في نقل العلم الذي أخذه عن شيوخ مالقة في فترة شبابه إلى المشرق، ثم أكمله في بقية جولاته في المشرق، وظهر واضحاً في رفد الحركة الثقافية في مدينة القدس بعد التحرير.‏
لم يكن الشيخ المالقي هو الأندلسي الوحيد الذي نال حظوة ومكانة مرموقة في الحياة الثقافية لمدينة القدس، وأسهم فيها بشكل مباشر إبان تحريرها من الاحتلال الصليبي، بل نجد آخرين ساهموا بشكل أو بآخر في هذا التيار، ونالوا تشجيع السلطان صلاح الدين الأيوبي، منهم عبد المنعم بن عبد الله بن حسان الغساني الأندلسي الجلياني، الأديب والشاعر والطبيب، الذي رحل من الأندلس، ودخل بغداد، ثم اتصل بالسلطان صلاح الدين الأيوبي(36). وألف له كتابي: منادح الممادح، وروضة المآثر والمفاخر في خصائص الملك الناصر، سنة 589ه/1193م. ويعرف الكتاب الأخير بالمدبجات، وهو أول ديوان المبشرات والقدسيات للجلياني المذكور، ويدور حول تاريخ تحرير مدينة القدس. وتضم المكتبة الخالدية في القدس مخطوطتي هذين الكتابين، الموجودتين فيها منذ الفتح القدسي(37). ويشير إسهام هذا العالم الأندلسي إلى مدى التفاعل الثقافي بين الغرب الإسلامي، وأحداث القدس العربية والإسلامية، لاسيما حادثة التحرير من الاحتلال الصليبي، التي أثارت المشاعر، ودفعت بها الأديب إلى التأليف لتخليد تلك الذكرى العزيزة على قلوب المسلمين جميعاً في مشرق العالم الإسلامي ومغربه.‏
ولقد أثارت حادثة تحرير واسترجاع القدس من أيدي الصليبيين أشجان عالم أندلسي آخر، هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الذي لم تتيسر له الظروف لزيارة المدينة المقدسة في رحلته المعروفة الأولى إلى بلاد الشام سنة 5802ه/ 1184م، لوقوع المدينة بيد الصليبيين، وعدم رغبته بالذهاب إليها لهذا السبب، واكتفى بالإشارة إليها في رحلته إشارة عابرة، تتضمن مقدار بعدها عن عكا ودمشق، مبدياً أمله في أن تعود إلى أيدي المسلمين، ويطهرها الله من المشركين بعزته وقدرته(38). ولكنه ما أن سمع بتحريرها حتى رجع إلى المشرق، فزارها سنة 587ه/ 1191م، ثم عاد ثالثة سنة 597ه/1200م، ليسكن مكة المكرمة، وينتقل منها إلى القدس، وبقي يرتدد بين الحرمين الشريفين، ويحدّث فيهما إلى أن استقر أخيراً بالإسكندرية، وتوفي فيها عام 614ه/ 1217م(39).‏
والمهم في زيارة ابن جبير لبلاد الشام قبيل التحرير الإسلامي للقدس بسنوات قليلة، أنه نبه الأذهان بعد رجوعه إلى الأندلس، إلى أهمية الرحلة وطلب العلم بالنسبة للشباب المغربي في بلاد الشام، ذاكراً أهم المميزات التي تجعل الفلاح من نصيب الراغبين بالقيام بذلك، منها فراغ البال من أجل المعيشة، والكرم الذي يلاقونه، لأن إكرام الغرباء هي صفة مميزة لسكان بلاد الشام، لاسيما المغاربة منهم(40). ولا يمكن أن تأتي مثل هذه الدعوة إلا نتيجة اقتناع تام من قبل ابن جبير بملاءمة بلاد الشام لإخوانه في الغرب الإسلامي. ولم تكن القدس بعيدة عن تفكير ابن جبير في دعوته هذه، وإلا لما توجه إليها بعد سماعه بتحريرها، ومن ثم جعلها أحد الأماكن التي فضل البقاء فيها، ومواصلة عملية سماع وإسماع الحديث النبوي الشريف فيها. وقد لاقت دعوة ابن جبير هذه آذاناً صاغية في كل الغرب الإسلامي، مما أدى إلى توافد الكثير من علمائه إلى بلاد الشام، لاسيما القدس، التي لعبوا فيها دوراً مميزاً، يتسم بالفاعلية والعطاء، والتواصل الثقافي. وقد استمر هذا الدور إلى عصور لاحقة.‏

——————————-

(1) عز الدين أبو الحسن علي بن الكرم المعروف بابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1979: 10/282.‏
(2) ينظر: فاروق عمر ومحسن محمد حسين، تاريخ فلسطين في العصور الإسلامية الوسطى، بغداد، دار الحكمة، 1987، ص159.‏
(3) ابن الأثير، المصدر السابق: 10/283.‏
(4) ينظر: عمر وحسين، المرجع السابق، ص 162.‏
(5) ينظر: حسن حبشي، الحملة الصليبية الأولى، القاهرة، دار الفكر العربي، د.ت)، ص85.‏
(6) ابن الأثير، المصدر السابق: 10/283- 284؛ وينظر: خاشع المعاضيدي وآخرون، الوطن العربي والغزو الصليبي، الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1981، ص46- 47.‏
(7) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء الزمان، تحقيق إحسان عباس بيروت، دار صادر، 1968: 4/262- 264.‏
(8) المصدر نفسه: 4/264؛ القاضي مجير الدين الحنبلي، الأُنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، النجف، منشورات المطبعة الحيدرية، 1968: 1/301؛ أحمد بن محمد المقري، أزهار الرياض في أخبار عياض، المغرب والإمارات العربية المتحدة، صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك، 1978: 3/ 162- 165.‏
(9) ينظر: رحلة ابن العربي إلى المشرق كما صورها قانون التأويل)، مجلة الأبحاث، ج 2-3، بيروت، 1968،/ ص 80؛ ويقارن: عبد الجليل حسن عبد المهدي، الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى في العصرين الأيوبي والمملوكي، مكتبة الأقصى، 1980، ص30.‏
(10) أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، كتاب الصلة، القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966: 2/590- 591؛ ابن خلكان، المصدر السابق، 4/296- 297؛ الحنبلي، المصدر السابق: 1/302.‏
(11) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص80.‏
(12) المصدر نفسه، ص 80- 81؛ وينظر: عبد المهدي، المرجع السابق، ص22.‏
(13) ابن بشكوال، المصدر السابق: 2/590.‏
(14) ينظر عن هذا الموضوع: إحسان عباس، “الجانب السياسي من رحلة ابن العربي إلى المشرق”، مجلة الأبحاث، بيروت، 1963، ج2، 217 –236.‏
(15) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص79.‏
(16) المصدر نفسه، ص79.‏
(17) توجد نسخة مخطوطة من رحلة ابن العربي في المكتبة الخاصة بالمرحوم الشيخ محمد المنوني بالرباط. كما نشر إحسان عباس جزءاً منها بعنوان: رحلة ابن العربي إلى المشرق كما صورها قانون التأويل) في مجلة الأبحاث المشار إليها في أعلاه، سنة 1968.‏
(18) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص81.‏
(19) الحنبلي، المصدر السابق: 1/298.‏
(20). رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص80.‏
(21) ينظر: كامل جميل العسلي، معاهد العلم في بيت المقدس، عمان، جمعية المطابع التعاونية، 1981، ص31.‏
(22) ينظر: رحلة ابن العربي إلى المشرق ص83؛ ابن العربي، أحكام القرآن، تحقيق، علي محمد البجاوي، القاهرة، 1972، القسم الأول، ص107؛ ابن العربي، العواصم من القواصم، تحقيق، عمارة الطالبي، الجزائر، 1974، ص61.‏
(23) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص83.‏
(24) ابن العربي، أحكام القرآن، ص107.‏
(25) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص65، 81، 82.‏
(26) ابن العربي، العواصم من القواصم، ص61.‏
(27) رحلة ابن العربي إلى المشرق، ص 65، 82.‏
(28) المصدر نفسه، ص82.‏
(29) المصدر نفسه، ص65، 82، وينظر: عبد المهدي: المرجع السابق، ص32.‏
(30) أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي، فهرسة ما رواه عن شيوخه، نشر، فرانشثكة قدارة زيدين وخليان ربارة طرغوة، سرقسطة، 1893، أعادت نشره في بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1979،‏ ص159.‏
(31) ابن بشكوال، المصدر السابق: 2/591؛ ابن خلكان، المصدر السابق: 4/296.‏

(32) ينظر: الباز العريني، الشرق الأوسط والحروب الصليبية، القاهرة، دار النهضة العربية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1963: 1/285.‏
(33) أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأوسي الأنصاري المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، تحقيق، إحسان بيروت، دار الثقافة، 1965، السفر الخامس/ القسم الأول ص315- 316.‏
(34) ينظر: العماد الأصبهاني، الفتح القسي في الفتح القدسي، تحقيق، محمد محمود صبح، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، 1965، ص141- 142؛ جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق، جمال الدين الشيال، القاهرة، المطبعة الأميرية، 1957: 2/230؛ ويقارن: الأنصاري، المصدر السابق، ص5/ ق1، ص 316؛ عبد المهدي، المرجع السابق، ص54.‏
(35) الحنبلي، المصدر السابق، ج2 عمان، 1973)، ص135؛ أحمد بدر، “الأندلسيون والمغاربة في القدس”، مجلة أوراق، العدد الرابع، مدريد، 1981، ص132.‏
(36) ينظر عن الجلياني: ابن أبي أُصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق، نزار رضا، بيروت، دار ومكتبة الحياة، 1965، ص 630- 635؛ محمد شاكر الكتبي، فوات الوفيات والذيل عليها، تحقيق، إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1974: 2/ 407- 409.‏
(37) ينظر: عبد المهدي، المرجع السابق، ص 272.‏
(38) أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، رحلة ابن جبير، بيروت، منشورات دار ومكتبة الهلال، 1981- ص255.‏
(39) الأنصاري، المصدر السابق، ص5/ ق2، ص 605- 605؛ لسان الدين محمد بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق، محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، 2: 1974/232؛ أحمد بن القاضي المكناسي، جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، الرباط، دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973: 1/278؛ وينظر عن سماع طالبي العلم للحديث من ابن جبير في القدس: الأنصاري، المصدر السابق، الرباط، مطبعة المعارف الجديدة، 1984 تحقيق محمد بن شريفة)، ص8/ ق1، ص131.‏
(40) ابن جبير، المصدر السابق، ص232- 233.‏

* أستاذ في كلية التربية – جامعة الموصل.‏

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 ه آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون