الرئيسية / دراسات / نماذج من الرحلات الأوروبية إلى المغرب.. خلال العصر الحديث
tahtah

نماذج من الرحلات الأوروبية إلى المغرب.. خلال العصر الحديث

رغم انتماء فن الرحلة إلى جنس الأدب، فإن الاهتمام ازداد بهذا الجنس الأدبي كمجال خصب لدراسات علم الاجتماع والتاريخ وغيرهما من العلوم الأخرى لما يوفره من مادة معرفية متميزة وخصبة.
وقد تعددت الأسفار والرحلات الأوروبية إلى المغرب، واختلفت من حيث المدة الزمنية، وأغلبها كان بتمويل حكومات بلادهم لأهداف استعلامية واستكشافية لذلك تميزت هذه الرحلات بدقة الوصف والملاحظة.

مميزات الرحلة والرحالة
إن الرحلة مرتبطة دائماً بما هو طريف، غريب، عجيب، مختلف، مشوق، مناقض.
والرحالة يكون في الغالب شخصاً هاوياً، مولعاً بالأسفار، مغامراً، شجاعاً، متفتحاً، متمكناً، كفؤاً.
فإلى أي حد توفرت هذه الخصائص في الرحلات موضوع العرض؟
لقد مكث بعض السفراء الأوروبيين بالمغرب مدة طويلة. وكان منهم سفراء دائمون أحياناً. تميزوا بالكفاءة وإتقان اللغات. واستفادوا من تجارب زملائهم السابقين، ومنهم من كان له تكوين دبلوماسي وأكاديمي رفيع المستوى، سيطرت عليهم روح المغامرة، ونجح أغلبهم في الهيئة التنكرية التي تقمصوها، وكان منهم السفراء والمستشرقون والكتّاب والجواسيس والعسكريون وغيرهم حسب طبيعة المهام الموكولة إليهم، وهذا خلاف المبعوثين من المغاربة إلى أوروبا الذين مكثوا مدة قصيرة تناسبت مع سفارتهم المؤقتة، ولم يكن لدى جلهم أي تكوين أو إتقان للغات، إذ كانوا يستعينون باليهود كمترجمين، وغابت عنهم روح المغامرة، فقد غلب عليهم طابع الخوف والترقب والتوجس والتردد والإحساس بالغربة والوحدة. وكمثال على ذلك نقدم لكم نموذج السفير المغربي التمكروتي الذي جاء به السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي من زاوية في تمكروت، دون أن تكون له خبرة كافية بهذا الميدان، فقد كان أفقه الجغرافي محدوداً في المنطقة التي عاش فيها(1).. فإحساسه بالغربة طول رحلته، واشتياقه لوادي درعة، وتشبيهاته المتكررة للسفن بالجبال الشوامخ، وميلها يميناً ويساراً بالبهيمة التي تتمرغ في التراب، تعكس الأفق الضيق لهذه الشخصية، وقد كان شديد الخوف من البحر يقول عن نفس «وقد خصني الله سبحانه بالخوف الكثير من البحر… حتى كان الخوف يمنعني النوم، ينام الناس وأسهر أنا أرعى السفينة لا أقدر على ميلها، وإذا بدأ الريح وتحرك البحر وأزبد… فإذا رأيت ذلك طار عقلي… وخفت أن أموت غرقاً»(2). وقد قدم حكاية معبرة عن موقفه من البحر فقال:«ومما يحكى في بلادنا أن رجلاً ممن امتحن في البحر وابتلي ببلائه )نجا من الموت غرقاً( حلف ألا يسكن إلا في بلد لا يعرفون البحر ولا آلته، فرفع مقدافاً وجعل يسير من بلد إلى بلد ويعرّفه للناس إلى أن أتى به درعة )منطقة صحراوية جنوب المغرب(، فقال لأهلها ما هذا؟ قالوا هذا آلة يدخل بها الخبز إلى الفرن ويستخرج، فسكن هناك»(3).
أشهر الرحلات الأوروبية إلى المغرب.
1 ـ رحلات علي بك (دومينكو باديا) ما بين (1803م/1807م):
عرف تاريخ المغرب الحديث توافد عدد من الرحالة الأوروبيين الذين في الكثير من الأحيان لم تكن الأهداف الحقيقية من زياراتهم هي المعبر عنها ظاهرياً، وإنما كانت هذه الزيارات لأسباب سياسية تهدف لخدمة مصالح البلد الذي يعملون لحسابه. في هذا الإطار يدخل الجاسوس الإسباني «Domingo Badia» الذي تقمص مظهر وجيه مسلم يدعى علي باي العباسي، وهو من أشهر الرحالة الجواسيس إلى المغرب خلال ق 19م.
رحلات علي بك إلى إفريقيا وآسيا بين 1803 ـ 1807 هي رحلة مليئة بالثراء في الوصف والتنوع والبراعة في التعبير، وتضم بشكل كبير المعلومات الجغرافية والتاريخية عن المناطق التي زارها، منها سنتان قضاهما بالمغرب، قبل أن يتجه إلى المشرق وقع كتابه بشريف وأمير عباسي ورع عالم حكيم وحاج إلى بيت الله، وهو لم يكن في الحقيقة إلا الكاتب الإسباني من برشلونة دومينكو باديا، المسؤول السابق عن مصلحة التبغ بقرطبة، تعلم اللغة العربية اعتماداً على نفسه وحفظ ما تيسر من القرآن، وختن نفسه في لندن(4) على يد طبيب يهودي(5)، ثم اتجه إلى المغرب متنكراً في زي عربي، مدعياً أنه من الشرفاء أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من مواليد حلب بسوريا. كان هدف دومينكو باديا أو علي باي كما ادعى إقناع السلطان المغربي المولى سليمان بقبول الحماية الإسبانية، وذلك درءاً لخصومه الطامعين من الفرنسيين والإنجليز، وإذا فشل هذا المخطط فإنه سيلجأ إلى دعم بعض الثوار لإيقاد فتنة داخلية تساعد على إضعاف المغرب وتسهل احتلاله على الإسبان، وقد كان هذا المخطط مدعوماً من طرف الملك الإسباني كارلوس الرابع، كما أنه فيما بعد عرض مشروعه لاحتلال المغرب على نابليون بونابرت، لذلك يمكن القول إن دومينكو باديا عمل جاسوساً لإسبانيا ولفرنسا أيضاً.

مكانة علي باي عند السلطان والعلماء والعامة:
استطاع علي باي أن يحوز ثقة السلطان المولى سليمان الكاملة، حظي بالجلوس إلى جانبه، وأصبح من المقربين إليه ومن خاصته، وهو الوحيد الذي استخدم مظلته التي يستظل بها أثناء تنقل موكبه، وقد كان يعتبره «في مقام ابنه»، فبعد سنة من وصوله أصبح في منزلة الأمراء.
وكان مولاي سليمان يستقبله كل يوم جمعة بالقصر الملكي، حيث يتناول وجبة الغداء في حضرته، كما أن هذا الأخير كان يزوره في بيته، وقد خصص له أثناء إقامته بمراكش المنزل الذي كان مخصصاً من قبل للصدر الأعظم )الوزير الأكبر(، كما منحه ضيعة خاصة بالاستجمام خارج المدينة، تعتبر من أكبر الضيعات التي توجد بالمنطقة، وكانت الطريقة التي تقدم له بها التحية في المناسبات الرسمية لا تختلف عن تلك التي تقدم للسلطان، وقد ساعدته ثقافته العلمية الواسعة وتقمصه لشخصية دينية ورعة في كسبه ود السلطان المغربي، وقد أثار حديث الناس بعلمه الغزير خصوصاً بعد رصده لبعض الظواهر الطبيعية ككسوف الشمس، وفي حضرة السلطان قام ببعض التجارب العلمية جعلت إعجاب هذا الأخير به يفوق كل تصور، لقد كان يتفاخر علي باي بذلك، فقد أصبحفي ظرف وجيز من العلماء المقربين إلى البلاط، كما أن عطاياه وصدقاته لفقراء المسلمين كانت بطنجة مضرباً للأمثال، ويا لسوء حظ متسولي طنجة اليوم من غيابه.
كيف قدم علي باي صورة المجتمع المغربي:
” قدم دومينكو باديا علي باي وصفاً دقيقاً لطقوس الإسلام وشعائره ومعتقداته، كما عرف بالحياة الاجتماعية للمسلمين، لكنه كان في الغالب متحيزاً وغير موضوعي، وقدم صورة مشوهة ونمطية عن الإسلام، لم تكن مغايرة لمن سبقه من المستشرقين.
* وصفه لوضعية العلوم والتعليم بفاس: «شيخ يجلس القرفصاء ويطلق صرخات مرعبة، أو يرتلفي نبرة نائحة آيات من القرآن، التي ترددها وراءه مجموعة من الفتيان بأصوات حادة ناشزة، ولأن النبي لم يخصص مكاناً للنساء في الجنة فإننا لا نجدهن في المسجد ولا في صلاة الجماعة» !!!!(6).
ويستطرد قائلاً: «وفي فاس مساجد كثيرة، تخيلوا شيخاً يقتعد الأرض يطلق صرخات منفرة، أو يتمتم بكلام ما بنبرة شاكية، ويحيط به خمسة عشر صبياً أو عشرون يشكلون حوله حلقة ويرددون صراخه، أو تمتمته على غير نظام، هكذا الدرس لدى المسلمين»!!(7).
أما عن وضعية العلوم فيقول: «النساء والرجال غارقون في الجهل المطبق، فلا أحد في طنجة سمع عن كروية الأرض، كما أنهم لا يفرقون بين التنجيم وعلم الفلك»(8).
* وضعية السكان: ومما استرعى انتباهه أيضاً وضعية السكان (فهم لا يعرفون استغلال مواردهم، وغالباً ما يفترشون الأسمال، ويتسكعون في كل الطرقات نهاراً أو يجلسون في الساحات العامة في حلقات، منهمكين في محادثات فارغة لا نهاية لها)(9)، وقد عدد سكان طنجة بعشرة آلاف (أكثر ما يميزهم هو الكسل… من أطرف ما شاهدت مجلس القائد الذي يستقبل يومياً الناس لفض مشاكلهم شفهياً، يتمدد فوق سجادة تحف به وسائد كثيرة يأتي المتنازعان ويجثوان أمامه على الركب، ينطلقان في الشكوى في آن واحد فلا تفهم، ولا القائد يفهم شيئاً، حتى يتدخل الحرس لإسكاتهما تحت الضرب، ثم يدلي القائد بحكمه، ويخرج المتنازعان تحت ضربات أخرى من الحراس، ليس لدى القائد أي مرجع قانوني إلا فطرته وما يحفظ من آيات)(10).
* وصفه للختان: يقول دومينكو باديا «دخلنا طنجة في العاشرة صباحاً، وشاءت الصدفة أن يكون وصولنا يوم عيد مولد نبي الإسلام الذي يختن فيه صغار المسلمين. . . قيل لي إن حفلات الختان ستمتد لأيام، ولكني انتظرت إلى اليوم الأخير لأحضر إحداها. . فقد اتجهت إلى المسجد الجامع، وقابلت في الطريق جموعاً غفيرة. . اجتزت الباحة، وكانت بدورها غاصة وكان بالباب رجل يستقبل الوافدين، واثنان يحملان المباضع، وآخران كيسا من المساحيق يرشون بها على الطفل المختون، ووراء هؤلاء فريق من الصبيان ينتظرون دورهم وعلى بعد خطوات كانت جوقة موسيقية تعزف ألحاناً بنشاز واضح. فالصغير يأتي به والده، يتلقفه الرجل المكلف بالاستقبال، ويرفع ثوبه ويقدمه إلى الختان في هرج ومرج، ويجذب الجميع انتباه الطفل الى السقف مشيرين بأصابعهم. . العملية لا تستغرق إلا دقائق، ويمنعنا صخب الصغار للأسف من سماع صراخ الضحية مهما يكن قربنا منه، وأخيراً تأتي امرأة وتحمل الصبي على ظهرها وتغادر به الجامع وهو يعتمر برنساً جميلاً»(11).
وصفه لطقوس الزواج: يقول دومينكو باديا «فبعد توقيع عقد القران تبعث أسرة العريس إلى أسرة الخطيبة هدايا كثيرة ليلاً في طقوسية خاصة، تحملها جوقة من العازفين السيئي العزف والذوق طبعاً، ويصاحبهم موكب النساء المزغردات»(12) .
ويضيف قائلاً: «وتقاد العروس في موكب شبيه بمواكب الختان. . فأربع رجال يحملون العروس في.. سلة، نعم سلة كبيرة مغلقة، بحيث لا تكاد تصدق أن في داخله امرأة، وإذ يتلقى العريس السلة يرفع غطاءها، ويرى للمرة الأولى شريكة حياته المقبلة» (هو وحظه)(13).
وعن الموسيقى التي تعزف بالأعراس، يقول وأية موسيقى هي التي يعزفون؟ إنها لا تطرب حتى أقل الآذان رهافة، يبدأ موسيقيان اثنان بالعزف فيذهب كل منهما في اتجاه، لا جامع بين الأنغام الصادرة عن الآلتين، ولا يعرفون الناس هنا العزف على النوتة، وإنما يعزفون من الذاكرة وكما يحلو لكل عازف)(14).
2 ـ شارل دوفوكو: وصف المغرب 1834 م/1883م:
قدم إلى المغرب من الجزائر، تنكر في زي يهودي، زار المناطق الشمالية أولاً ثم قصد فاس وبلاد تادلة وسوس ودرعة والصحراء، وقد وصف جميع مناطق المغرب مع رسومات توضيحية عن كل منطقة.
يعتبر من أشهر الجواسيس الفرنسيين، قام برحلة استكشافية إلى المغرب سنة 1883 لم يهتم بطنجة لكثرة ما كتب عنها سابقاً. وكان الغرض الأساسي من رحلته التعرف إلى المناطق المجهولة التي لم يصل إليها الأوروبيون من قبل، فكانت محطته الأولى بعد طنجة هي مدينة تطوان.
وصفه لبعض مدن المغرب: أقام بتطوان عشرة أيام، وصف بساتينها بالروعة، وتحدث عن ينابيع المياه بها، وقال عنها إنها جد محصنة، أهلها شديدو التدين، واعتبر أن الملاح المنطقة المخصصة لسكن اليهود بتطوان أفضل ما رآه في المغرب، وقدر عدد اليهود بها بحوالي ستمائة (15).
من تطوان انطلق في اتجاه شفشاون، وصف تضاريسها، وقدم رسومات لها، وتحدث عن اليهود بها ومعاناتهم، ووقف على لغة منطقة بني حسان الذين يضيفون تعابير دخيلة للعربية كحرف الدال التي يجعلونها تسبق الأسماء مثل قولهم وادي د نخلة جبل د الأخماس (16).
عاد من شفشاون إلى تطوان ومنها إلى فاس مروراً بالقصر الكبير التي وصفها بأقبح مدن المغرب، فهي سيئة البناء، وقد تحدث عن صعوبة إيجاد غرفة للمبيت بالنسبة لرجل يهودي، ومع ذلك يقول «حصلت في الأخير على غرفة، وأية غرفة لم أظن يوماً أن كمية العنكبوت والفئران كان في إمكانها أن تتجمع في مجال ضيق كهذا» (17).
ثم تحدث عن أغرب الأشياء بهذه المدينة قائلاً: «أحد الأشياء التي يلاحظها المرء بكثرة في هذا المكان، الأعداد التي لا تحصى من اللقالق، إذ لا يوجد منزل بلا عش لهذه الطيور، أظن أن عددها يقارب أو يفوق عدد سكان المدينة»(18).
الهــوامش:
1 ـ الغاشي، صورة مغربية للإمبراطورية العثمانية خلال القرن السادس عشر: نموذج التمكروتي، مجلة الاجتهاد، عدد44، مرجع سابق، ص 90.
2 ـ عبد اللطيف الشاذلي، مسألة الانتماء من خلال رحلة التمكروتي للقسطنطينية سنة 1590، أعمال ندوة الرحالة العرب. . . مرجع سابق، ص 41.
3 ـ المرجع أعلاه، ص41.
4 ـ خوان غويستيلو(في الاستشراق الإسباني)ترجمة كاظم جهاد، نشر الفنك، الدار البيضاء، المغرب،1998 ، مطبعة النجاح الجديدة، ص141.
5 ـ عبد الحفيظ حمان المغرب والثورة الفرنسية مطبعة النجاح الجديدة، 2002، ص172.
6 ـ خوان غويستيلو في الاستشراق الإسباني مرجع سابق، ص150.
7 ـ المرجع أعلاه، ص266 ـ 267.
8 ـ نفسه ص266.
9 ـ عبد الحفيظ حمان رحلات الأوروبيين إلى شمال إفريقيا في مطلع القرن 91، نموذج رحلة دومينكو باديا إلى المغرب 1803 ـــ 1807، ص31 ـ 38.
10 ـ خوان غويستيلو في الاستشراق الإسباني مرجع سابق، ص265 ـ 266.
11 ـ المرجع أعلاه، ص 264.
12 ـ نفسه ص266.
13 ـ نفسه، ص 266.
14 ـ نفسه.
15 ـ انظر شارل دوفوكو التعرف إلى المغرب 1833ــــ1844 ترجمة المختار بلعربي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الاولى، 1999، من ص4 إلى ص5.
16 ـ المرجع أعلاه، من ص8 إلى ص9.
17 ـ نفسه ص15.
18 ـ نفسه.