الرئيسية / دراسات / القرصنة بين العصور القديمة وعصر التكنولوجيا
karsana

القرصنة بين العصور القديمة وعصر التكنولوجيا

مسيرة تطوّرت وشبكات منظّمة تثير الشكوك
برزت أخبار القرصنة الصومالية في نهاية العام 2008 في معظم وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لما تشكّله من تهديد لحركة التجارة العالمية ونقل الطاقة، في منطقة استراتيجية حسّاسة، قرب مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. فتلك المنطقة تشكّل نقطة الإتصال الحرجة في خطوط النقل البحري باتجاه قناة السويس، نحو أوروبا وأميركا، وخصوصاً أن الشرق الأوسط يشكّل مصدراً مهماً للطاقة في العالم. فمن هم القراصنة؟ وما هي القرصنة؟ وكيف تحوّلت الصومال الى مصدر تهديد وخطر على الملاحة البحرية؟ سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات عبر محورين:
1- القراصنة والقرصنة عبر التاريخ (جزء أول).
2- القرصنة في سواحل الصومال وتداعياتها المحلية والعالمية، وموقعها في السياسة الدولية والقانون الدولي (جزء ثان).

تعريف القرصنة
القرصنة هي عملية سطو تُرتكب في البحر وأحياناً على الشاطئ من دون إذن دولة ما أو موافقتها.
يعتبر قرصنة بحرية، وفقاً لمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) للعام 1982: «كل عمل عنفي أو جرمي، أو سلب أو حجز، يُرتكب لغايات خاصة بواسطة طاقم أو ركاب باخرة خاصة أو طائرة، تُوجّه نحو أعالي البحار لاعتراض باخرة أو طائرة أخرى، أو ضد أشخاص أو أملاك على متن هذه الباخرة أو الطائرة. كذلك يعتبر قرصنة العمل المرتكب ضد سفينة، أو طائرة، أو أشخاص، أو ملكية، في أي مكان خارج صلاحية الدولة القضائية».
والقرصنة في اللغة العربية «من القرصان وتُجمع على قراصنة، وهم لصوص البحر»، ويعتبر البعض أن أصل الكلمة إيطالي، وكلمة قرصان في الإنكليزية «Pirate» تعتبر من أصل لاتيني «Pirata» إو إغريقي «Peirates» ومصدرهما «Peira» ومعناها «محاولة العثور على الحظ في البحر».

القرصنة في التاريخ
• المصادر القديمة:
يعتبر البعض أن القرصنة وُجدت منذ أصبح البحر طريقاً للتجارة، وأقدم الحوادث الموثقة عن أعمال القراصنة تتحدث عن «شعوب البحر» الذين كانوا يهددون تجارة بحري إيجيه والمتوسط، منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد (1200 ق.م). ويعتبر بعض المؤرخين أن «التيرانيين» (Tyrrhenians)، و«التراقيين» (Thracians) قد عُرفوا كقراصنة في التاريخ القديم، وكانت جزيرة «لمنوس» (lemnos) ملجأ لهم ضد هجمات الإغريق. كما يؤكدون أنه كان للقراصنة دول على طول ساحل بلاد الأناضول (تركيا اليوم) خلال القرن الأول ق.م وكانت هذه الدويلات تهدّد تجارة الإمبراطورية الرومانية.

• يوليوس قيصر ضحية القراصنة:
يروي المؤرخ «بلو تارك» أن يوليوس قيصر وقع ضحية للقراصنة السيليسيين (كيليكيا الحالية) العام 75 ق.م وسجن في إحدى جزر الدوديكانيز، (جزيرة فرماكوزا) في بحر إيجيه وطالب خاطفوه بفدية قُدّرت بعشرين «تالنت» من الذهب (التالنت Talent هو وزنة كانت تقدر في تلك المرحلة بين 25و30 كلغ من المعادن). ولما كان يوليوس الشاب يقدّر نفسه غالياً فقد رفض هذا العرض وطلب من القراصنة أن يرفعوا قيمة الفدية الى 50 تالنت من الذهب. وبالفعل فقد رفع القراصنة قيمة الفدية التي تمّ دفعها ثمناً لحرية القائد الشاب. ولكن قيصر عمد الى شن حملة بحرية بعد ذلك حيث قبض على القراصنة وأعدمهم، كذلك فقد شنّ القائد الروماني بومباي العام 67 ق.م حملة بحرية كبيرة للقضاء على القراصنة على امتداد سواحل المتوسط وبعمق 50 ميلاً من الشاطئ وذلك وفق قانون «غابينيوس» (Lex Gabinia)، الذي منحه السلطة المطلقة للقضاء على القراصنة.

• قراصنة البلقان:
من أشهر الشعوب التي مارست أعمال القرصنة الشعب «الإلليري» (Illyrian) أي سكان سواحل شبه جزيرة البلقان الغربية على البحر الأدرياتيكي، حيث سبّبوا الكثير من المشاكل مع الجمهورية الرومانية خلال عقود، الى أن تمّ القضاء عليهم من قبل روما العام 68 ق.م بعد شنّ حرب عليهم واحتلال بلادهم.

• قراصنة بلاد الأناضول:
منذ القرن الثالث قبل الميلاد كان الغوط يشنّون غارات القرصنة على سواحل البحر الأسود، وبحر مرمرة وسواحل بحر إيجيه، والعام 264 ق.م وصل القراصنة الغوطيون الى جزيرتي قبرص وكريت حيث استولوا على ثروات كبيرة واحتجزوا الآلاف من أبناء هذه البلاد.

• قراصنة غرب أوروبا:
يمكن الملاحظة أن أعمال القرصنة في تلك الفترة كانت منتشرة في سواحل فرنسا وبلجيكا وانكلترا وقد عانى الرومان من نشاطهم الكثير.

القرون الوسطى
يعتبر «الفايكنغ» (Vikings) أشهر القراصنة المحاربين الذين اجتاحوا السواحل الأوروبية خلال القرون الوسطى، وقد وصلوا في انتشارهم الى ساحل البحر الأسود وبلاد فارس، كما أنهم وصلوا الى سواحل بريطانيا وافريقيا وإيطاليا وجنوب فرنسا، ولما كانت أوروبا في ذلك الوقت تفتقد الى سلطة موحدة وقادرة، فقد هيمن الفايكنغ على الكثير من المدن والقرى الأوروبية سواء أكانت مشاطئة للبحر أو على ضفاف الأنهر الصالحة للملاحة داخل أوروبا.
كذلك فقد شهد البحر المتوسط أعمال القراصنة المسلمين الذين اتخذوا من سواحل فرنسا الجنوبية وشمال إيطاليا منذ نهاية القرن التاسع الميلادي مقراً لشن هجماتهم على المدن الإيطالية مثل روما (846م)، واستمر نشاطهم قرب السواحل الإيطالية حتى القرن الثالث عشر، بعد أن اتخذوا من جزيرة كريت مقراً لهم.
كذلك يشهد تاريخ هذه الفترة وجود قراصنة «سلاف» على شواطئ بحر البلطيق، وقراصنة إيرلنديين على شواطئ الجزر البريطانية. كما قامت قبائل «الهايدا» (Haida)، و«التلينجت» (Tlingit) على شواطئ أميركا الغربية بأعمال القرصنة وتجارة العبيد من جنوب «ألاسكا» وحتى كاليفورنيا الحالية.
ولم يقتصر نشاط القراصنة على بحار أوروبا وأميركا وأفريقيا، بل امتد الى سواحل الهند وآسيا الشرقية حيث اشتهر القراصنة الصينيون والهنود باعتراض السفن التجارية ما بين بلاد فارس وأفريقيا، كما شكّلت جزيرة مدغشقر ملجأ لعدد كبير من القراصنة الذين أقاموا فيها مستعمرة.

ما بين القرون الوسطى والقرن العشرين
شهد مطلع القرن الثالث عشر الميلادي بداية أعمال القرصنة اليابانية والتي عرفت باسم «ووكو» (Wokou)، وهؤلاء كانوا من الجنود والتجار والمهربين اليابانيين، وقد غزوا شواطئ الصين وكوريا، وكان البحر الأصفر مسرحاً لنشاطهم، حيث تحالفوا في القرن السادس عشر مع زملائهم الصينيين ووسعوا نشاطهم الى دول شرق آسيا وبحارها. ومع الوقت تحوّلت قيادتهم الى الصينيين، ويقدر بعض المصادر أنه كان لديهم ما بين 20 الى 400 مركب، ويعزون سبب ظهورهم الى عدم الاستقرار السياسي في اليابان في تلك الفترة، وبعضهم يعتبر أنهم كانوا يوجّهون من قبل «لوردات الحرب» لجني الثروة وسلب السفن التجارية مع السلطة الحاكمة في اليابان. وقد وضع البرتغاليون حدّاً لهذه الأعمال بالاتفاق مع السلطات الصينية لتأمين حرية التجارة ما بين الصين والهند وأوروبا.

• أوروبا الشرقية:
تعتبر جمهورية «زابوريجيان سيك» في السهوب الأوروبية الشرقية قرب نهر الدنيبر (Dneper) أول جمهورية للقراصنة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وكانت تتكّون من الأوكرانيين الهاربين من أسيادهم الإقطاعيين، والخارجين على القانون من مختلف الأنواع، كذلك من الهاربين من نير العبودية التركية، وقد تَسمّى هؤلاء بإسم «القوزاق» (Cossacks)، وقاموا بأعمال القرصنة في البحر الأسود والاعتداء على الشاطئ التركي حتى اسطنبول وسواحل فارس.

• قراصنة شمال أفريقيا:
أُطلق على قراصنة شمال أفريقيا، إسم «القراصنة البربريين». وكانوا ينطلقون في أعمالهم من موانئ تونس وطرابلس الغرب، الجزائر وبعض مرافئ المغرب، وذلك منذ بداية الحروب الصليبية وحتى القرن التاسع عشر. وقد اشتهر منهم «خير الدين بربروسا» الذي أصبح حاكماً لشمال أفريقيا من قبل الدولة العثمانية وقائداً لأسطولها البحري في عدة معارك ضد الأساطيل الأوروبية في البحر المتوسط، وانتصر في عدة معارك بحرية أهمها معركة بريفيزا (Preveza). والعام 1538 عيّنه السلطان العثماني «سليمان القانوني» أميراً للبحر (Fleet Admiral)، حيث تمّت السيطرة على البحر المتوسط من قبل العثمانيين حتى معركة «ليبانتو» العام 1571، وهنا يجب التمييز ما بين القراصنة الذين يقومون بأعمالهم العدائية تجاه السفن الأخرى لمصلحتهم الخاصة، وبين «القراصنة المفوضين» (Privateer)، الذين يقومون بأعمال القرصنة للسطو، أو الإستيلاء على السفن العدوة بتفويض من إحدى الدول، التي تكون بحالة عداء مع دولة أخرى، وهذا التقليد كان متبعاً خلال القرون الوسطى وحتى القرن العشرين، من قبل الدول الأوروبية وغيرها، أي أن العمل يصبح من مسؤولية الدولة المفوِّضة التي تتحمل تبعات عملها، وهذا ما حدث عندما شنّت الولايات المتحدة الأميركية أول حرب لها في البحر المتوسط ضد القراصنة البربر في تونس والجزائر والمغرب ما بين 1801 و1816، وعاملت القراصنة كأسرى حرب نظراً الى ارتباطهم بدول ترعاهم وتوجّههم في أعمالهم.

• القرصنة في البحر الكاريبي:
يمكن اعتبار أن العصر الذهبي للقرصنة في البحر الكاريبي يمتد على طول الفترة ما بين العامين 1560 و1720، خصوصاً بعد انتهاء حرب الوراثة الإسبانية في أوروبا (1700 – 1730)، فقد لجأ الكثير من الأوروبيين واستقروا في كثير من جزر هذا البحر وتحوّلوا الى قراصنة. وتحول الصراع بين دول أوروبا الى صراع ما بين القراصنة، وخصوصاً أولئك الذين ينتمون الى أصول بريطانية وفرنسية وهولندية، فقد كانوا يهاجمون السفن الإسبانية، لأن إسبانيا في ذلك الوقت كانت تسيطر على منطقة البحر الكاريبي، ولديها مستعمرات كثيرة فيها، فقد استطاع القراصنة الهولنديون أن يستولوا على أكثر من 500 سفينة إسبانية وبرتغالية ما بين 1623 و1638م. كذلك، وصل نشاط هؤلاء القراصنة الى سواحل أميركا الشمالية كما أنهم مارسوا نشاطهم وصولاً الى سواحل أفريقيا الغربية. وبرز من قراصنة تلك الفترة إدوارد تيتش المشهور بلقب اللحية السوداء (Black beard)، كذلك الكابتن هنري مورغان. وقد تمّ تصوير عدد من الأفلام السينمائية المشهورة تتناول هاتين الشخصيتين، وتصور بعض أعمالهم وأحداث تلك الحقبة.

القرصنة في العصر الحديث
يشكّل موضوع القراصنة المنقولين بحراً، اليوم، قضية اعتبارية مهمة وكذلك مادية، فقد قدّرت الخسائر الناتجة عن القرصنة سنوياً بما بين 13 و16 بليون دولار، خصوصاً في المياه الواقعة ما بين المحيط الهادئ والمحيط الهندي، شواطئ الصومال، كذلك مضيق «مالاقا» و«سنغافورة»، وهذه الممرات المائية تسلكها أكثر من 50 ألف سفينة تجارية كل عام.
تتخذ قضية القرصنة بُعداً دولياً كبيراً في عالم اليوم ذلك أن القسم الكبير من التجارة الدولية المعاصرة يتم بواسطة السفن، كذلك نقل موارد الطاقة من الشرق الأوسط باتجاه الشرق الأقصى كالصين واليابان وغيرها (نفط، غاز، معادن)، وباتجاه أوروبا والغرب وأميركا، وأهم الخطوط الدولية البحرية للنقل والشحن والتجارة إنما تمر عبر محورين بحريين يمتازان بأهمية استراتيجية وحسّاسة كونهما محكومين بالمرور عبر مضيقين هما: مضيق باب المندب باتجاه قناة السويس فالبحر المتوسط، ومضيق مالاقا (Malacca) ما بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الأندونيسية، ويفصل ما بين المحيطين الهندي والهادئ. ونظراً الى ازدحام حركة المرور البحري أمام هذين المعبرين وكثافة عدد السفن الموجودة في البحر، ازدهرت عمليات القرصنة خصوصاً قرب هذين الممرين، في مالاقا وأندونيسيا وماليزيا، وقرب سواحل الصومال وخليج عدن، وقد قدّر عددها العام 2008 بأكثر من 90 عملية قرصنة، كما قدّرت أعمال القرصنة التي وقعت في هاتين المنطقتين في الأعوام القليلة الماضية بأكثر من نصف مجموع أعمال القرصنة التي وقعت في مختلف مناطق العالم، وذلك استناداً الى إحصاءات «مكتب الملاحة الدولي» (IMB)، وهو مكتب يرتبط بمنظمة الأمم المتحدة للبحار، ويهتم بحركة السفن التجارية والنقل في العالم ويرفع تقارير يومية عن النشاط البحري للسفن عبر العالم.
تبيّن تقارير المكتب الدولي تراجعاً في أعمال القرصنة ما بعد العام 2004، ولكنه يرتفع العام 2007، وذلك لازدياد انخراط الدول وتعزيز إجراءات الحماية على سفنها ضد أعمال القرصنة.
ولا تزال منطقة أندونيسيا ومضيق مالاقا أكثر المناطق التي تزدهر فيها أعمال القرصنة، مع ملاحظة ازديادها في منطقة سواحل الصومال، خصوصاً خلال العام 2008، كما يعتبر مكتب الملاحة البحرية أن أخطر المناطق التي تتم فيها أعمال القرصنة هي سواحل نيجيريا، وشواطئ بنغلادش وسانتوس في البرازيل، ويعزو خبراء المكتب سبب ازدياد هذه الأعمال في منطقة ما، الى عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول القريبة من أماكن ارتكاب القرصنة، ما يسهّل للقراصنة قواعد إنطلاق وملاجئ آمنة تحميهم من الملاحقة، أو لتورط بعض زعماء العصابات والمافيات العالمية، أو أمراء الحرب الموجودين في الدول القريبة. كما يرى البعض الآخر، إن أعمال القرصنة اليوم تنتمي الى شبكة عالمية، لها قيادتها ومنظماتها وتعمل في العالم وفق مخططات معينة وتمتلك وسائل إتصال ونقل حديثة وأسلحة، وتستخدم أحدث التقنيات في الاتصال عبر الأقمار الإصطناعية مما يثير الكثير من التساؤلات حول عملها وخلفيات نشاطها وتداعياته، مما يضع منظمات عالمية ودولاً، وسياساتها في دائرة الشك والإتهام. (يتبع في العدد القادم).

المراجع
1-www.Un.org.UN Convention on the Law of the Sea (UNCLOS)
2- المنجد في اللغة والإعلام – دار الشروق – بيروت – الطبعة 35 – 1996.
3- www.wikipedia: Piracy.
4- www.wikipedia: Ancient Maritime History.
5- البحر والتاريخ – إ. إ. رايس – عالم المعرفة – ابريل 2005 – الكويت.
6- Plutarch – (Caeser 1 – 2 – 8) – www.wikipedia – Piracy, Lex Gabinia – wikipedia.
7- The New York Times: Pirates of the mediter – Robert Harris Sept 30 – 2006.
8- wikipedia, Piracy in Eastern Europe – East Asia.
9- wikipedia – Berbery – USA wars:
– First war (1801 – 1805).

*عميد متقاعد