الرئيسية / دراسات / الحرب على غزة ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني*
ghaza

الحرب على غزة ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني*

(الحرب على غزة كأحد آليات صناعة دولة غزة )
مقدمة
انشدت الأنظار في السنوات القليلة الماضية إلى ما يشهده قطاع غزة من احداث وخصوصا العمليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت أوجها في العدوان الاخير في يوليو 2014، بحيث بات مصطلح الحرب أو العدوان على قطاع غزة الأكثر ترددا على ألسنة المواطنين والمحللين السياسيين، كما غطت أحداث غزة على القضية الوطنية برمتها وخصوصا، ما يجري في الضفة والقدس من عمليات استيطان وتهويد. بحيث لا يتم الحديث عن حرب وعدوان إلا إذا كان موجها لغزة، وكأن غزة كيان مستقل قائم بذاته، وكأن الضفة تعيش استقرارا وهدوء وتربطها بإسرائيل علاقات سلام ومحبة ؟ !.
الاحتلال بحد ذاته عدوان وحرب على الشعب بكامله، والاستيطان والتهويد حرب وعدوان، كما أن الحصار على غزة عدوان وحرب، فلماذا لا تُستعمل كلمة حرب وعدوان إلا إذا أقتصر الأمر على قطاع غزة ؟. لأن المفاهيم والمصطلحات في السياسة ليست بريئة،، لذا فإن خدعة لفضية تخفي أهدافا سياسية تجري من خلال استعمال مصطلح الحرب أو العدوان على غزة، فتخصيص غزة بالحرب والعدوان يوحي وكأنه لا توجد حرب وعدوان متواصل على كل الشعب الفلسطيني، وهي محاولة لدفع قطاع غزة نحو التموضع كحالة ذات خصوصية منفصلة عن الحالة الوطنية، وبالتالي إيجاد حل لـ (مشكلة غزة ) بمعزل عن مجريات ومرتكزات المشروع الوطني.
في الوقت الذي فيه الجميع منشغلون بمأزق المشروع الوطني والتسوية والمفاوضات والبحث عن بدائل لفشل المفاوضات، وبالمصالحة الوطنية وكيفية إنجاح لقاء مخيم الشاطئ بهذا الشأن، في هذا الوقت قامت إسرائيل بعملية عسكرية كبيرة على قطاع غزة اوقعت أكثر من الفين ومائتي شهيد وعشرة آلاف جريح بالإضافة إلى تدمير ما يزيد عن ثلاثين الف بيتا وبرجا سكنيا.[1]

الحرب على غزة جزء من صناعة دولة غزة

في الحروب والصراعات الدولية لا تكشف الدول والكيانات السياسية عن كامل أهدافها واستراتيجياتها، فهناك أهداف معلنة وأهداف خفية، والحروب العدوانية الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة لا تخرج عن هذا السياق، فالخفي من هذه الحروب قد يكون أكثر خطورة على القضية الوطنية من الأهداف المعلنة منها، وضجيج الصواريخ ودماء الشهداء وحالة الدمار قد تكون غطاء لتمرير مخططات كبيرة عجزت السياسة والمواجهات الصغيرة عن تمريرها، فالحرب سياسة ولكن بوسائل عنيفة أو أداة لفتح مغاليق السياسة. لا شك أن صواريخ ومقذوفات كانت تنطلق من القطاع إلى إسرائيل حتى وإن كانت في غالبيتها لا تُوقع إصابات أو أضرار بالإسرائيليين، ولا شك أن فصائل المقاومة كانت تزيد من تسلحها، ومن المؤكد أن انفاقا تم حفرها، وقد نجح مقاتلون بالتسلل عبرها والاشتباك المباشر مع جيش الاحتلال، ومع ذلك لا نعتقد أن هذا فقط سبب التصعيد الإسرائيلي على القطاع. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تراقب التسلح في القطاع وتتعرض لضغوطات من سكان جنوب إسرائيل المتخوفين من صواريخ المقاومة وإنفاقها، إلا أن الحرب أو الحروب الثلاثة على غزة جزء من استراتيجية محكمة لصناعة دولة غزة، استراتيجية تعتمد على أربع ميكانزمات : 1) الانسحاب احدي الجانب من القطاع 2) الانقسام وسيطرة حماس على القطاع 3) الحصار 4) إبقاء القطاع في حالة حرب.
إسرائيل تعرف أن معركتها الأساسية ليس في قطاع غزة بل في الضفة الغربية والقدس، إسرائيل تُصعِد عسكريا في القطاع ولكن معركتها تجري في الضفة والقدس، إنها معركة الاستيطان والتهويد، وبالتالي فهي تُصَعد عسكريا في القطاع لتُبعد الأنظار عما يجري في الضفة من استيطان وتهويد ولتبعد الأنظار عن فشل المفاوضات ولتتهرب من الاتفاقات الموقعة، تريد أن تلهينا وتلهي العالم بغزة والحرب على غزة، وخلف كل ذلك يوجد توجه أو قرار إسرائيلي بفصل غزة عن بقية مناطق السلطة وإيجاد حل لها كحالة سياسية وجغرافية قائمة بذاتها.
لم تخرج الحروب على غزة – 2008، 2012، 2014 – عن سياق صناعة دولة غزة وتكريس فصل غزة عن الضفة، حيث نلاحظ ان كل هذه الحروب كانت تجري بين قطاع غزة وإسرائيل، أما الضفة فكانت دورها محدودا في التأثير في مجريات الحرب. إسرائيل ودول العالم بما فيها مصر التي رعت اتفاقات الهدنة تعرف أن الحرب تدور بين إسرائيل وحركة حماس ومعها بالتبعية فصائل مسلحة اخرى في القطاع، وأن منظمة التحرير والسلطة الوطنية وحكومة التوافق والدولة الوليدة خارج إطار معادلة الحرب، حتى عندما تم تشكيل وفد موحد للتفاوض على الهدنة في القاهرة كان الجميع يعرف أن المفاوض الرئيس هو حركة حماس، وأن الهدف من المفاوضات ليس حل القضية الفلسطينية بل إيجاد حل لمشكلة غزة الخاضعة فعليا لحركة حماس. [2] لأن قرار الحرب لم يكن وطنيا فلسطينيا [3]، ولأنه جاء في ظروف فلسطينية وعربية غير مواتية، ولأن نتائجها كانت محصلة لموازين القوى حيث تتفوق إسرائيل، فإننا نخشى أن تكون تداعيات الحرب على المشروع الوطني كارثية من عدة جوانب، بل يمكن القول بأن معركة غزة لها أبعاد استراتيجية ترمي لإعادة رسم الخريطة السياسية في فلسطين.
الحرب الاخيرة على قطاع غزة ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة، ولكنها الأولى التي تأتي في سياق متغيرات وطنية وإقليمية : سقوط حكم الإخوان في مصر وانكشاف ما يسمى بالربيع العربي، أزمة حركة وحكومة حماس، وقف المفاوضات وفشل عملية التسوية الأمريكية، الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة، وتأتي اخيرا بعد التوقيع على تفاهمات مخيم الشاطئ وتشكيل حكومة توافق وطني.
بالرجوع إلى كل حالات العدوان السابقة على قطاع غزة سنجد ان إسرائيل تختار الوقت المناسب للعدوان، ودائما يكون مصاحبا إما لتحريك ملف المصالحة الفلسطينية او لتحريك ملف المفاوضات أو في حالة وجود تحركات دولية ضاغطة على إسرائيل، فتأتي الحرب لتخلط الاوراق وتُعيد ترتيب الأولويات ليصبح الأمن سابقا على الملفات الأخرى. وفي جميع الحروب كان الطرفان – إسرائيل وحركة حماس – يخرجان منتصرين كما يزعمان، فيما الانقسام يُكرس ومعاناة اهل غزة تتزايد، والمشروع الوطني يتراجع.
لو تفحصنا توقيت العدوان الإسرائيلي الأخير – صيف 2014 – على أراضي الدولة الفلسطينية وخصوصا على المحافظات الجنوبية، سنجده جاء في وقت تحتاج فيه الحكومة اليمينية لنتنياهو لحالة حرب أو حالة أمنية، لتهرب من مآزقها المتعددة ولتحقيق الأهداف المُشَار إليها. إسرائيل هي التي تحدثت عن اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين، وهي التي قالت إن حماس قامت باختطافهم بينما لم تعلن آنذاك حركة حماس أو أي جهة فلسطينية مسؤوليتها رسميا عن العملية، وإسرائيل هي التي قالت إنها وجدت جثث المستوطنين المختفين، وإسرائيل هي التي قامت ( بردة فعل) كانت مُعَدة مُسبقا على عملية الخطف المفترضة، سواء تعلق الأمر بإعادة اعتقال أسرى محررين ونواب تشريعي وقيادات من حماس، أو بمداهمة البيوت في الخليل وشعفاط والقدس، أو بتشجيع إسرائيليين لخطف وقتل وإحراق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير. [4] عندما تقوم إسرائيل بكل ذلك كانت تعرف أن الشعب الفلسطيني في القطاع لن يسكت عما يجري في الضفة، وأن بعض فصائل المقاومة سترد على ممارسات إسرائيل في الضفة، أو ستوظف ما يجري في الضفة لتحقق بدورها أهدافا خاصة بها في قطاع غزة، وإسرائيل تعرف أنه ستتشكل حالة وطنية متأججة ستدفع كل الفصائل للرد على ما تقوم به. هذا ما جرى حيث شاركت كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منتمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بإطلاق صواريخ على إسرائيل ومحاولات اقتحام لمواقع إسرائيلية، لتقوم إسرائيل بالتصعيد بدورها.
هناك شبه بين هذه الحرب وحرب تموز في لبنان 2006 بين حزب الله وإسرائيل. فبعد قيام حزب الله بعملية خطف لجنود إسرائيليين والرد القاسي والمدمر الذي قام به الجيش الإسرائيلي الذي طال قوات حزب الله ومدن وقرى الجنوب والضاحية الجنوبية للبنان، وهي الحرب التي أدت لإخراج حزب الله من جنوب لبنان ومرابطة قوات دولية والجيش اللبناني على الحدود، آنذاك قال حسن نصر الله لو كان يعرف أن الرد الإسرائيلي كان بهذه القوة لفكر قبل القيام بعملية الخطف.
في الحالة الفلسطينية يبدو أن حركة حماس وخصوصا كتائب القسام كانت تريد حربا مع إسرائيل، حيث كانت تعتقد أن مواجهة محدودة يمكنها ان تعيد الاعتبار لحركة حماس كحركة مقاومة وتخرجها من مآزقها المالية والسياسية والإستراتيجية، وقد تُعطل حكومة التوافق الوطني او على الاقل تجبرها لدفع رواتب لموظفي حماس، بالإضافة إلى تحقيق مطالب الاجندة الخارجية التي تريد توظيف التصعيد العسكري في قطاع غزة لإحراج مصر. إلا أن قوة رد فعل إسرائيل كانت غير متوقعة وخصوصا بالنسبة للفصائل التي شاركت حماس حربها. إلا أن حركة حماس وبقية الفصائل لا تمتلك فضيلة النقد الذاتي لتراجع حساباتها وتبحث عن مواطن الخلل التي ادت لوقوع هذا القدر الكبير من الدمار والقتلى والجرحى.
مع كامل التقدير للمقاومة وبطولات وتضحيات أهلنا في غزة، وللتعاطف والتأييد الكبير لأهلنا في الضفة والشتات مع أهل غزة، إلا أن الحرب الفعلية كانت تدور بين ( قطاع غزة ) وإسرائيل، وحركة حماس هي من أتخذ قرار خوض المعركة وهي من قاد المعركة، وكانت وما تزال تتحكم بقطاع غزة ومستقبله، بمعزل عن أي مرجعية وطنية أخرى. حتى الدول العربية والأجنبية وإسرائيل باتوا يتعاملون بطريقة غير مباشرة، ومباشرة احيانا، مع حركة حماس في كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الحرب والتهدئة. أما منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن والوفد المشترك الذي يفاوض في القاهرة فدورهم شكلي وغير حاسم. قد يكون لهم دور في الاتفاق على وقف إطلاق النار، إلا أن التوصل لهدنة أو إنهاء لحالة الحرب فسيكون لحركة حماس وأطراف إقليمية ودولية الدور الرئيس.[5] لأن إسرائيل لم تقل إنها ستنهي سلطة حماس في غزة، ولأن اطرافا عديدة بالإضافة إلى إسرائيل مستعدة للتعامل مع قطاع غزة تحت سلطة حماس مقابل ضمانات بتجريد القطاع من الصواريخ والأسلحة الثقيلة وإنهاء ظاهرة الأنفاق على الحدود بين القطاع وإسرائيل… فإن هدف الحرب هو فرض تهدئة إستراتيجية وترسيم حدود نهائية بين غزة وإسرائيل، أو هي حرب من أجل توقيع صفقة شاملة ما بين حركة حماس وإسرائيل برعاية وضمانات عربية وتركية وأوروبية وربما أمريكية. صفقة تتضمن التزام من حماس بوقف إطلاق الصواريخ أو حفر الانفاق من القطاع سواء من جهتها أو من أي طرف فلسطيني آخر، وعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المرابطة على حدود القطاع، ونعتقد أن حماس لا تمانع في ذلك مقابل ممر مائي يربط القطاع بالعالم الخارجي، أو فتح معبر رفح البري بشكل كامل لتصبح الحدود المصرية مع غزة حدود دولة بدولة، وتعهد إسرائيلي بعدم استهداف قيادات حماس والمقاومين أو قصف غزة، وإن تمت الأمور بهذا الشكل لن يكون هناك مبررا لاستمرار عمل الأنفاق سواء بين القطاع ومصر او بينه وبين إسرائيل، حيث يتم ردمها أو وقف العمل بها بتوافق مع كل الأطراف.[6]

النصر والهزيمة بين الحسابات الحزبية والحسابات الوطنية

في آتون الحرب، ومنظر البيوت التي تهدم على رؤوس أصحابها، ومنظر أشلاء الاطفال والنساء والشباب والشيوخ، ومع وضوح التآمر الغربي والعجز العربي…، لا يسع المرء إلا أن يتكلم بلغة العاطفة ويمجد ويُعظِّم كل أفعال مقاوم الجيش الإسرائيلي، بل تمنينا لو أن جبهات عربية أخرى تم فتحها على العدو، من جنوب لبنان وسوريا والأردن وسيناء، ولِمَ لا يكون من إيران والعراق. ولكن هذه الـ (لو) لا مكان لها في عالم عربي لا يفكر إلا بمصالحه، كما أن الحروب لا تُخاض بناء على ما يجب أن يكون بل اعتمادا على موازين القوى الراهنة والمتاحة.
لكن بعد أن تصمت المدافع يجب إعمال العقل، ليس فقط بما جرى أثناء الحرب، وكيف جرت ؟ ولماذا انزلقت فصائل المقاومة لها ؟ ولكن أهم من ذلك التفكير بعقلانية، بعيدا عن أي حسابات حزبية ومصلحية ضيقة، في كيفية مواجهة ما يُحاك لفلسطين من مؤامرات، لأن الدم الذي سال دم كل الفلسطينيين، والدمار الذي جرى مس كل الفلسطينيين في القطاع ولم يقتصر على حزب دون غيره.
حسابات النصر والهزيمة لا تكون أثناء المعركة ولكن بعد أن تصمت المدافع. لا شك أنه في حالة حرب أو مواجهة بين جيش احتلال وشعب خاضع للاحتلال، كما هو حال حرب غزة، يتم تقييم النصر والهزيمة بحسابات غير حسابات الحروب بين الدول، ولكن لا قيمة لنصر إن كان نصرا لحزب وكان ثمنه تكريس الانقسام ونزع سلاح المقاومة مقابل سلطة هزيلة في قطاع غزة بحماية وضمانة أطراف مؤتمر باريس المشئوم.
كما جرى في كل الحروب السابقة، تحدثت إسرائيل عن تحقيق (انتصارات) وإعادة قوة الردع والهيبة للجيش الإسرائيلي نتيجة الدمار والخراب الذي الحقته بقطاع غزة وأهله وخصوصا المدنيين والأطفال، وتحدثت حركة حماس وفصائل المقاومة عن انتصارها على العدو، وعن عدد الصواريخ التي أطلقتها ومداها وبطولة مقاتليها الخ. ولكن بعد صمت المدافع والصواريخ، وبعد خطاب الانتصار من الطرفين، بعد كل ذلك سنجد أمامنا ضفة غربية أكثر استباحة من طرف المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وحالة تباعد ما بين السلطة الفلسطينية والشعب في الضفة الغربية، وتباعد بل ونقمة من الشعب على حركة حماس والفصائل في قطاع غزة، وسنجد قطاع غزة في حالة يرثى لها من الدمار والخراب، وسنسمع عن مزيد من عائلات الشهداء ومن الأيتام والأرامل والجرحى الخ، و فوق كل ذلك والأخطر من ذلك سيعود الانقسام أكثر ترسخا والعداء الداخلي أكثر استفحالا. فكيف يُعقل أن يتحدث حزب أو أحزاب عن انتصارات على أشلاء وطن ومعاناة شعب ؟ كيف تنتصر أحزاب وينهزم الوطن ؟.
ما سيحدد مقاييس النصر والهزيمة، إن لم تكن النتائج المادية المُشاهدة للحرب مقنعة، هي بنود الهدنة القادمة وقدرة الجانب الفلسطيني على توظيف معاناة اهل غزة، إن لم يكن لتحقيق انجازات، فعلى الأقل عدم تقديم مزيد من التنازلات والخسائر السياسية. الانتصارات والهزائم لا تنبني على مفاهيم الحق والباطل، ولا على الشعارات والعواطف، بل على النتائج المادية على الأرض. حتى وإن كانت حرب غزة حربا بين الخير والحق الفلسطيني والشر والظلم الإسرائيلي، فالخير والحق لا ينتصران إلا إذا توفرت شروط موضوعية للنصر. [7] بما أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب معروفة، وهي أهداف غير مقتصرة على غزة وصواريخها، بل تمس مجمل القضية الوطنية، ففي الإمكان مواجهة الحرب الإسرائيلية وما ترمي إليه، من خلال إعادة الحوار الوطني، للتوصل لتفاهمات على مواجهة المخططات السياسية لإسرائيل وربط العدوان على غزة بمجمل القضية الوطنية، والتأكيد على أن المواجة والصراع ليس بين إسرائيل وحماس في غزة، بل بين إسرائيل وكل الشعب الفلسطيني. هذا يتطلب استمرار التمسك بالمصالحة واستكمال بقية بنودها وعدم توظيف الحرب كذريعة للتهرب من المصالحة، ومنع إسرائيل من الاستفراد بحركة حماس وبقية فصائل المقاومة، سواء في الحرب أو في مرحلة التوصل لاتفاق أو تفاهمات هدنة جديدة.
يجب أن تؤسَس أية تفاهمات حول الهدنة على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية، وليس على واقع الانقسام، وخصوصا أن التفاعل الشعبي ما بين الضفة وغزة أكد على وحدة الشعب، وهذا يتطلب أن تستمر المفاوضات حول الهدنة تحت إشراف الرئيس أبو مازن بصفته رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة وهو الجهة الرسمية التي تستطيع مخاطبة العالم والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية، ومع الرئيس يجب أن تكون حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني من العدوان. بهذا يتم إفشال المخطط الإسرائيلي لتكريس الانقسام من خلال سعيه لهدنة مع حركة حماس فقط.
إذا أصرت حركة حماس على استبعاد الرئيس ومنظمة التحرير عن مفاوضات الهدنة وعن إعمار غزة، فهذا معناه أنها تريد تكريس الانقسام، وإذا نأى أبو مازن بنفسه عن الهدنة وعن الإعمار، فهذا معناه التخلي عن مسؤوليته عن قطاع غزة، ولا مشروع وطني ولا دولة بدون قطاع غزة. إذا ما تم توقيع اتفاقية هدنة بين إسرائيل وحركة حماس فقط، بوساطة أمريكية أو مصرية أو غيرها، فهذا معناه توجيه ضربة قاصمة للمصالحة الوطنية وللدولة الفلسطينية الموعودة، وهذا معناه أن إسرائيل نجحت في تحقيق هدف مهم من أهداف الحرب. حتى في هذه الحالة فستكون حربا بلا نصر كامل ونهائي لأي من الطرفين، والهدنة لن تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بل ستؤجله فقط، وسيكون لغزة جولات جديدة من العدوان والحرب والدمار.
بعد وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بعد (حرب الأبراج) [8] أصبحت كل اطراف الصراع والوسطاء والمراقبون والمحللون منشغلون بشكل وشروط الهدنة التي يمكن التوصل لها بين المقاومة في غزة وإسرائيل، وخصوصا أن إعادة إعمار غزة بات مرتبطا بالهدنة، حيث تشترط إسرائيل تجريد غزة من السلاح مقابل إعادة إعمارها. هدنة يتعدد فيها الوسطاء وتتعدد المحاور، وتتضارب المواقف وتتباعد ليس فقط ما بين شروط المقاومة وشروط إسرائيل، بل ايضا ما بين الاطراف الفلسطينية نفسها، وما بين الوسطاء أنفسهم، بحيث بات الأمر يحتاج لهدن أو تفاهمات متعددة ما قبل الهدنة بين المقاومة وإسرائيل. هدنة وتفاهمات ما بين فصائل المقاومة ومنظمة التحرير، وهدنة وتفاهمات ما بين مصر ومحورها من جانب والمحور القطري التركي الإخواني من جانب آخر، وتفاهمات مصرية امريكية، وتفاهمات داخل مجلس الأمن… بعد ذلك يمكن التوصل لصيغة اتفاق هدنة يتم التفاوض عليه مع إسرائيل.
هذا لا يعني استحالة التوصل إلى هدنة، لكن كل هذه الاختلاطات والتداخلات يجعلنا أمام صفقة هدنة سياسية وأمنية وعسكرية وليس مجرد إطلاق نار، مما قد يأخذ وقتا طويلا، ونتمنى التوصل لهدنة مشرفة تحافظ على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية. مع عدم استبعاد أن تتوصل إسرائيل وحركة حماس لتفاهمات أو أتفاق بينهما متجاوزين كل الاختلاطات والتعقيدات السالفة.
نتمنى من القيادات الفلسطينية أن تكون حسبت حسابا لكل الاحتمالات وخصوصا أن لديها دراية وتجربة ومعرفة بالخبث والدهاء الصهيوني. في السياسة، والحرب سياسة بوسائل عنيفة، على القادة أن يفكروا بكل الاحتمالات حتى الأكثر سوءا، ويجب أن يعمل الجميع على الحفاظ على وحدة الشعب التي تحققت في الحرب، لأن هدف العدو من شروطه للهدنة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق فتنة داخلية، ونقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني، ونخشى أن تكون معاناة غزة من فتنة ما بعد الحرب أقصى من معاناتهم من الحرب ذاتها.

المحور الثاني

تداعيات الحرب على المشروع الوطني

إن كان العدوان على غزة يستهدف ماديا ومباشرة قطاع غزة، إلا أنه استراتيجيا يستهدف كل الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني. وبالتالي وكما سبقت الإشارة فإن مفاهيم النصر والهزيمة لا تؤَسَس على الحسابات الحزبية، وحتى لا تؤَسَس على ما قد يتحقق من إنجازات صغيرة لقطاع غزة وأهله، كتوسيع مجال الصيد البحري، تخفيف الحصار أو رفعه، وإعادة إعمار غزة، الخ، بل تؤَسَس على ما تحقق لمجمل القضية الوطنية وللمشروع الوطني.

تراجع استقلالية القرار الوطني لصالح الأجندة والمشاريع الخارجية

بالرغم من أن الدم الذي سال في حروب غزة دم فلسطيني، وبالرغم من وجود نوايا وطنية صادقة لكل مواطن يقاوم الاحتلال بما هو متاح من أشكال المقاومة، إلا أن دولا وجماعات وجدت في فلسطين وتحديدا في غزة الفقيرة والمحاصرة، تربة ملائمة لصناعة حروب بالوكالة، ولتمرير أجندتها المتعارضة والمتصارعة، وكلِّ من أصحاب هذه الأجندة والمحاور يريد أن يسجل هدفا لصالحه تجاه خصمه، على حساب الدم الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية الفلسطينية.
كان الأمر جليا منذ سنوات بأن قطاع غزة بات يدفع ثمن صراع الأجندة والمشاريع الخارجية، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت ثقل وطأة هذه المشاريع على الشعب الفلسطيني والثمن الفادح الذي تم دفعه في الحرب بسبب التدخل الفج لأصحاب هذه المشاريع – خصوصا إيران وقطر وتركيا- في التأثير على مجريات مفاوضات الهدنة في القاهرة. لم تكن مفاوضات الهدنة التي دعت لها القاهرة مجرد مفوضات لوقف إطلاق نار يُوقِف حالة الدمار والخراب التي يُلحقها العدوان بأهل غزة، بل تحولت لصفقة شاملة فيها ما هو عسكري وأمني، وما هو سياسي محلي، وما هو استراتيجي عربي وإقليمي، صفقة أرادت كل الأطراف الفلسطينية والعربية والإقليمية أن تجد فيها موقع قدم وتحقيق مصالح، ليس للشعب الفلسطيني وتمكينه من مقومات الصمود، ومن خلال التنافس على تخفيف المعاناة عن غزة والاستعداد لإعادة إعمارها بعد الحرب، بل لتصفية حسابات متعددة : حسابات بين مصر وحركة حماس كفرع من فروع الإخوان، حسابات بين مصر من جانب وتركيا وقطر وجماعة الإخوان من جانب آخر، والأهم من ذلك تصفية حسابات بين إسرائيل من جانب والمقاومة والشعب الفلسطيني من جانب آخر بحيث أرادت إسرائيل كسر شوكة المقاومة وإذلال الشعب الفلسطيني.
في السياسة وخصوصا الدولية قد تتعدد التحالفات والمحاور وتختلط الأوراق، ودوما كان هذا ديدن القضية الفلسطينية. لم يكن الفلسطينيون يوما أصحاب قرار مستقل تماما فيما يخص قضيتهم، ولكن الإبداع الفلسطيني كان يتبدى في القدرة على توظيف المشاريع والأجندة العربية والإقليمية والدولية ذات المصالح المتصارعة في الشرق الأوسط لصالح القضية الوطنية، والعمل قدر الإمكان لعدم إلحاق المشروع الوطني بأي من أصحاب الأجندات الخارجية.
بات من الواضح أن قوة حضور وتأثير العوامل الخارجية في الشأن الفلسطيني يقابله تزايد تدهور النظام السياسي والمشروع الوطني. فقد وصلت لطريق مسدود كل محاولات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وحال السلطة الوطنية يسير من سيء إلى أسوء، وتتعثر كل محاولات التقدم في ملف المصالحة، وحركة فتح وبقية فصائل المنظمة تفقد فاعليتها وتاثيرها، وتَضُعف تنظيميا، وكلما تعمق فشل حماس في خياراتها السياسية داخليا كلما زادت تبعية للخارج.

محاولة تدويل غزة بعيدا عن المشروع الوطني

مفاوضات التهدئة التي بدأت منذ الأيام الأولى للحرب ومتواصلة حتى اليوم والتي تُطبخ على نار هادئة، تختلف عن تهدئة 2012 وتهدئة 2009، بل قد تكون الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية، فلأول مرة في تاريخ العدوان الإسرائيلي وما يعقبه من هدنة أو تهدئة، يتم حديث جاد عن تدويل قضية غزة، وتَكثُر اتصالات ولقاءات اطراف دولية للتداول بشان غزة في ظل جمود مفاوضات التسوية النهائية. مؤتمر باريس يوم السادس والعشرين من يوليو 2014، الذي جمع الأوروبيين والولايات المتحدة وحليفتيهما الاستراتيجيتين قطر وتركيا، مع استبعاد الأطراف المعنية وخصوصا الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لم يكن مجرد مؤتمر لعقد هدنة عادية، أو مؤتمر لجهات مانحة، بل هو أخطر من ذلك بكثير، ويستحضر للذاكرة المؤتمرات الاستعمارية في بداية القرن الماضي حيث كان مصير الشعوب يتقرر في مؤتمرات تغيب عنها الشعوب المعنية وممثلوها.
إذا استحضرنا ما قاله الرئيس الامريكي اوباما في العام الماضي وكرره رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، من أن مفاوضات التسوية تستثني قطاع غزة، وربطنا ذلك بمؤتمر باريس الذي استبعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، تصبح الصورة واضحة وهي إيجاد حل أو تسوية ما لقطاع غزة منفصلة عن الكل الفلسطيني، مما يسمح في حالة العودة للمفاوضات الاقتصار على موضوع الضفة الغربية فقط.
فمنذ ان طرحت مصر مبادرتها، والتي قبلت بها إسرائيل خديعة ومناورة، وتم رفضها من حركة حماس بطريقة فجة ومتسرعة، في مراهنة منها على تحرك تركي وقطري وأمريكي يُخرجها من خطر تفرد مصر بها، وبعد الاتصالات والمباحثات التي أجراها الرئيس أبو مازن مع كل الاطراف، شعرت القيادة الفلسطينية بخطورة ما يحاك ضد المشروع الوطني من طرف اطراف مؤتمر باريس، الأمر الذي دفع الرئيس للعودة إلى رام الله وإلقاء خطابه الذي تبني فيه مطالب المقاومة وأوحى لأهلنا في الضفة بالتحرك لنصرة غزة. [9] التوقيع على وقف لإطلاق النار بعد واحد وخمسين يوما من الحرب لم ينه المشكلة، فهناك فرق بين وقف إطلاق النار والتهدئة والهدنة، فما جرى هي تهدئات لأسباب إنسانية ثم وقف لإطلاق النار دون حل المشكلة. اما الهدنة فهي الاكثر اهمية وخطورة لأنها ستتضمن مواضيع وترتيبات ذات أبعاد سياسية، وعليه فإن اطراف مؤتمر باريس ما زالت تشتغل على تسوية لقطاع غزة نخشى أن تكون على حساب المشروع الوطني.

مستقبل حل الدولتين بعد الحرب

عود على بدء فيما يتعلق بأهداف إسرائيل من الحرب، وارتباط بمفاهيم النصر والهزيمة المُشار إليها اعلاه، يمكن القول لو أن الفلسطينيين انتصروا بالفعل في هذه الحرب لكان من المفترض إفشال المخططات الإسرائيلية، سواء المتعلقة بالانسحاب أحادي الجانب أو بالحصار أو بالانقسام، وفرضنا كفلسطينيين وحدة غزة مع الضفة وإنهاء الانقسام ورفع الحصار. ولكن ولأن مفاهيم النصر والهزيمة ملتبسة كما ذكرنا، ولأن إسرائيل تقول بأنها انتصرت في هذه الحرب، ولأنه حتى الآن لم يتم توقيع هدنة يمكن بمقتضى بنودها استشفاف انجازات النصر، لكل ذلك فإن الخشية أن نتائج هذه الحرب حتى اللحظة لم تخدم فكرة حل الدولتين.
في خضم الحرب حاول الرئيس أبو مازن إحياء عملية التسوية وعودة المفاوضات على اساس حل الدولتين، رابطا بين شروط حماس للهدنة وشروط منظمة التحرير للعودة للمفاوضات وخصوصا إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الاسرى ووقف الاستيطان، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى الآن بسبب الرفض الإسرائيلي، أيضا رغبة حماس بالاقتصار على مشكلة غزة.
كان من الواضح أن إسرائيل لا تريد ان تخسر بالحرب ما أنجزته من خلال خطة الفصل وخطواتها نحو تكريس كيان غزة، وقد تناول اكثر من محلل سياسي إسرائيلي أن المشكلة التي تواجه نتنياهو في الحرب أنه يريد تحقيق انتصار مع بقاء حركة حماس كسلطة في غزة. وحماس لا تريد أيضا أن يتم تجيير نتائج الحرب لصالح أبو مازن حتى وإن كان الامر يتعلق بتحسين إمكانية خيار الدولة في الضفة وغزة، وقد سبقت الإشارة إلى أنه من اهداف حماس بالدخول بالحرب إفشال حكومة التوافق الوطني.
في ظني أنه وبعد كل ما جرى سيكون من الصعب العودة لطاولة المفاوضات ولتسوية تمنح الفلسطينيين دولة مستقلة، ومع افتراض العودة للمفاوضات تحت ضغوط او تدخلات اوروبية – كالمبادرة الفرنسية – فإن نتائج حرب غزة ستكون نقطة ضعف وليس ورقة قوة عند الطرف الفلسطيني. ومع ذلك تستطيع إسرائيل أن تُلحق ضررا بالغا بالشعب ولكنها لا تستطيع أن تكسر أنفته وكرامته الوطنية، أو تفرض عليه إرادتها السياسية.
الحالة الوطنية الجامعة التي ولدها العدوان من حيث لا يدري، توفر فرصة تاريخية أمام الشعب ومنظمة التحرير والفصائل والرئيس أبو مازن لتصحيح مسار العملية السياسية والخروج من عنق الزجاجة، وذلك من خلال خوض معركة الدولة والشرعية الدولية إلى نهايتها، وخروج السلطة من حالة الانتظار والمراهنة على تسوية أو مبادرة أمريكية جديدة، أو على الزمن، أيضا فرصة لحركة حماس للخروج من مأزقها، ولكن في إطار حالة وطنية جديدة وليس بالعودة إلى ما كانت عليه.
الدولة الفلسطينية لن تقدمها لنا الشرعية الدولية على طبق من ذهب، كما أن صواريخ المقاومة لوحدها لن تجلب لنا الدولة والاستقلال. الاستقلال وقيام الدولة يحتاجان إلى إستراتيجية وطنية تجمع ما بين الاشتباك مع الاحتلال ومواجهته على الأرض، وتحرك دبلوماسي على المستوى الدولي والعربي والإسلامي، ونعتقد أن الوقت هو وقت هذه المعركة، إن كانت توجد نوايا حقيقية عند القيادة والنخبة السياسية في رهانها على الشرعية الدولية، والعالم سيتفهم الموقف الفلسطيني وسيدعمه، إذا ما خاض الفلسطينيون معركة الدولة والشرعية الدولية متحدين.

دروس من الحرب يمكن البناء عليها لتصحيح مسار المشروع الوطني

لأن المشروع الوطني ليس وليد اللحظة، وليس حكرا على حزب أو جماعة، ولأنه مشروع كل الشعب، ويستمد شرعيته وقوة حضوره من حقوق تاريخية وقانونية وسياسية، ومِن تمسك الشعب به وبحقوقه، ويستمر ما استمرت فلسطين تحت الاحتلال، فإنه مشروع لا ينتهي بخسارة معركة هنا او هناك، ولا بخلافات بين مكوناته السياسية. لذا فإن حرب غزة وبغض النظر عن تقييمها نصرا او هزيمة بالحسابات الحزبية الضيقة، فإنها كشفت أو انتجت مجموعة من الاستخلاصات يجب البناء عليها في أي عمل يتوخى إعادة بناء وتفعيل المشروع الوطني في إطار منظمة التحرير وفي الأطر الأخرى.

1- كشفت الحرب ان الدم الفلسطيني بات يُوظَف من طرف محاور عربية وإقليمية في صراعها على قيادة وزعامة الشرق الاوسط، وهو ما يعطل التوصل لمصالحة وطنية جادة ولهدنة مشرفة تنقذ أرواح الفلسطينيين وتنقذ المشروع الوطني. الخلافات بين المحاور العربية والإقليمية ليس تنافسا على من يحمي الفلسطينيين ولحماية المشروع الوطني، بل على مستقبل قطاع غزة بعد الحرب، ولأي محور سيخضع ؟.

2- كشفت الحرب أن الانظمة العربية والإسلامية لا يمكنها أن تقدم للفلسطينيين أكثر من بيانات الاستنكار والإدانة وبعض المساعدات المالية والتي تمثل نقطة من بحر اموالها وإمكانياتها المالية الهائلة، ويجب الكف عن مناشدة هذه الانظمة أو المراهنة عليها، وبدلا من ذلك يجب المراهنة على الذات الوطنية.

3- كشفت الحرب فشل جهود المغرضين من سياسيين وإعلاميين عرب، أولئك الذين شيطنوا الشعب الفلسطيني، وحاولوا اصطناع قطيعة بينه وبين الشعوب العرب، حيث تحركت الجماهير العربية مجددا لتؤكد على التحامها بفلسطين وبالمقاومة الفلسطينية، حتى وإن كان التحرك محدودا، وهذا يعني إمكانية إحياء البعد العربي والإنساني للمشروع الوطني.

4- كشفت الحرب أن إسرائيل ليست بالدولة المحصنة من الهزيمة، بل يمكن هزيمتها، ليس بمعنى القضاء عليها، ولكن بما يجبرها على احترام الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم بدولة مستقلة في حدود 1967.

5- كشفت الحرب استمرار التحيز الامريكي والأوروبي الرسمي لإسرائيل. فما كانت إسرائيل تستمر بالوجود، وما كانت تقوم بحروبها العدوانية وجرائمها بما فيها الاخيرة على غزة، لولا دعم الولايات المتحدة والغرب لها، سواء بالمال والسلاح او من خلال التغطية على جرائمها، بتحصينها من أي عقوبات دولية.

6- كشفت الحرب وأكدت تحيز الامم المتحدة لإسرائيل ومحدودية الشرعية الدولية في إنصاف الشعب الفلسطيني، حتى ما سُميَ بانتصار عضوية فلسطين في الامم المتحدة لن تكون له قيمة له دون تحرك شعبي والصدام المباشر مع الاحتلال.

7- كشفت الحرب خطورة الخلافات الفلسطينية، وغياب استراتيجية فلسطينية للمقاومة والتصدي للاحتلال، ولو كانت هناك مصالحة حقيقية لما جرى لغزة ما جرى، أو على الاقل لكانت المعركة أخذت معنى وسياق مختلف.

8- كشفت الحرب ان المصالحة الحقيقية، ووضع حد للانقسام لن يتحققا من خلال جلسات حوار عبثية، او بوساطة هذه الدولة أو تلك، بل من خلال وحدة ميدانية للشعب تفرض الوحدة السياسية على القيادات كما جري خلال تحرك اهلنا في الضفة والقدس وداخل الخط الاخضر وفي الشتات.

9- كشفت الحرب حقيقة الجماعات الدينية التي ترفع شعارات الجهاد، من داعش والقاعدة إلى مئات التنظيمات الاخرى، ومن يقف وراء هذه الجماعات ويمدها بالسلاح. كيف يُعقل أن هذه الجماعات بما تملك من إمكانيات مالية و عسكرية هائلة مكنتها من احتلال مدن في سوريا والعراق وخوض حروب لعدة سنوات، كيف يُعقَل أو يُفهَم أن هذه الجماعات لا تحرك ساكنا تجاه المجاز التي تجري في قطاع غزة وتجاه ما يجري في القدس ؟ ! وهذا يتطلب موقفا حازما بتحرير القضية الوطنية الفلسطينية من أوهام مشروع الإسلام السياسي.

الخاتمة

لأن الحرب المعممة بتفاصيلها المشار إليها غير معلنة فإنها تبدو للمراقب العادي وكأنها ممارسات منفصلة عن بعضها البعض أو تصرفات ارتجالية لا ناظم لها،إلا أنها في حقيقة الأمر تصرفات مرتبطة بعضها ببعض وهناك ناظم يوحدها وعقل مدبر يسيرها،إنها سياسة تعبر عن وتنفذ إستراتيجية صهيونية محل توافق غالبية مكونات المجتمع الإسرائيلي. ما يجري على الأرض تطبيق للرؤية الإسرائيلية للتسوية وشكل السلام القادم الذي تريده إسرائيل، ويبدو أن الإدارة الأمريكية ليست بعيدة عن هذه الرؤية، بل يمكن القول بأن الحرب المعممة التي تمارسها إسرائيل مُستَلهَمَة من سياسة (الفوضى البناءة ) الأمريكية التي تريدها واشنطن للمنطقة العربية، فمن خلال الحرب المعممة تخلط إسرائيل الأوراق لتُدخل خصومها في حالة من الفوضى والإرباك والحرب الداخلية،وتخلق حالة من الإرباك عند العالم الخارجي،الأمر الذي يساعدها على إعادة بناء الحالة السياسية كما تريد.
ما تقوم به إسرائيل من حرب معممة وخلط للأوراق وإثارة الفوضى في الساحة الفلسطينية يحتاج لرد على نفس المستوى ومن نفس المستوى، يحتاج لسياسة فلسطينية تعمل على تجميع الأوراق الفلسطينية المبعثرة بتوحيد الرؤية والهدف وإنهاء حالة الانقسام. ما لم يحدث ذلك فستفرد إسرائيل بقطاع غزة ومقاوميه حصارا وتدميرا واغتيالا، وستنفرد بالضفة الغربية والقدس استيطانا وتهويدا.لا شك أن المقاومين في القطاع واجهوا وسيواجهون العدوان كما هو عهد الشعب الفلسطيني، ولكن من الخطورة أن نختزل الحرب بما يجري في غزة، ومن الخطأ أيضا اشتقاق مفاهيم النصر والهزيمة انطلاقا من المعركة التي جرت في غزة.
وأخيرا، ما دام الاحتلال قائما دون حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما دام الانقسام الفلسطيني قائما، وحتى مع وجود وقف لإطلاق النار أو تهدئة او هدنة… فإن انزلاقا جديدا نحو التصعيد العسكري في القطاع قد يحدث في أية لحظة. قد يحدث التقاء مصالح طرفين عدوين ولكن لهما مصلحة في خلط الأوراق : طرف فلسطيني مأزوم سياسيا ويشعر بنفسه محاط بأعداء، ومتمسك بالسلطة في قطاع غزة ومتخوف من تصفيته في حالة فقد السلطة، أو مدفوعا بحسابات خارجية، ومن جانب ثان، إسرائيل المعنية بإبعاد الأنظار عن الضفة والقدس وعن فشل المفاوضات والمعنية باستمرار فصل غزة عن الضفة. ليس المهم إن أسميناها حربا أو عدوانا ولكنها في النتيجة ستسبب مزيدا من المعاناة لأهلنا في القطاع ولمجمل القضية الوطنية.

————
[1] – مع أن إسرائيل كانت راغبة بالحرب وفي هذا التوقيت بالذات إلا أن اطرافا فلسطينية وإقليمية كانت تريدها أيضا، كل منهما لأغراض خاصة به.
[2] – بعد إعلان وقف إطلاق النار انتقد الامين العام لحزب الشعب بسام الصالحي حركة حماس متهما إياها بتنزيل سقف المفاوض الفلسطيني بإصرارها على بحث مشكلة غزة بمعزل عن مجمل القضية الوطنية. ورد القيادي الحمساوي محمود الزهار بشدة على الصالحي مفندا مزاعمه.
[3] – عند اندلاع الحرب كانت توجد حكومة توافقية ويُفترض أن قرارات الحرب والسلم من اختصاص الحكومة التوافقية ومن اختصاص الرئيس، ومع ذلك قررت حماس خوض الحرب مع إسرائيل أو الرد على ممارسات إسرائيل بدون علم او تنسيق مع الحكومة التوافقية.
[4] – بالرغم من عدم تبني حماس المسؤولية عن العملية إلا أن مظاهر الفرحة التي عمت جمهور حماس وتأييد قيادات حمساوية للعملية دون تبنيها وتأكيدهم ان خطف جنود حق مشروع، كل ذلك كان يشي بعلاقة ما لحماس بالعملية، ولاحقا وتحديدا في 20 /8 صرح القيادي الحمساوي صالح العاروري في مؤتمر في استنبول عن مسؤولية حماس عن عملية الخطف، وإبعادا للحرج صرح السيد خالد مشعل إن الذين نفذوا العملية مجاهدون من حماس إلا أنهم قاموا بالعملية دون علم القيادة.
[5] – صرح نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق يوم 11 سبتمبر بعد أيام من وقف إطلاق النار وفي خضم الحديث عن إعادة الاعمار، إن المفاوضات مع إسرائيل ليست محرمة وأن حماس قد تضطر للتفاوض المباشر مع إسرائيل.
[6] – نًذكر هنا بأن اتفاقية الهدنة بين حماس وإسرائيل التي اعقبت حرب 2012 وكانت بإشراف وضمانة الرئيس المصري محمد مرسي نصت في بندها الاول على ( وقف الاعمال العدائية بين الطرفين ) مقابل تحسين عمل معبر رفح وزيادة عمق المياه الإقليمية المسموح بالصيد بها والسماح للمواطنين بالعودة لأراضيهم في الشريط الحدودي.
[7] – كشفت الحرب عن خلل استراتيجي في اداء فصائل المقاومة، حيث فقدت الصواريخ والأنفاق قيمتها بانكشاف محدودية تأثيرها على العدو، أيضا فقدت قيمتها بفقدانها ما كانت تخبئه من مفاجآت، ولكن خلل وفشل فصائل المقاومة لا يعني فشل المقاومة بشكل عام، كما لا يجوز ترويج خطاب هزيمة المقاومة في مواجهة إسرائيل، لأن القول بهزيمة المقاومة وهزيمة غزة، معناه انتصار إسرائيل، وإسرائيل لم تنتصر ما دامت عجزت عن كسر إرادة الفلسطينيين ولم تدفعهم للاستسلام. ولكن على فصائل المقاومة عمل مراجعة استراتيجية لأسلوب ممارستها للمواجهة مع إسرائيل وجدوى وتداعيات التفرد بالمقاومة خارج إطار استراتيجية وطنية.
[8] – في الأسبوع الأخير من الحرب وبعد إطلاق صواريخ من غزة بعد تهدئة الخمسة أيام قامت إسرائيل باستهداف أبراج سكنية ضخمة، حيث مقابل كل صاروخ فلسطيني يتم استهداف برج، وهو ما شكل حالة ضاغطة على حركة حماس وعجل بحسم الحرب وسرعة التوقيع على وقف إطلاق نار مفتوح لم يأخذ بعين الاعتبار المطالب الفلسطينية.
[9] – لم يكن سبب موقف الرئيس في خطابه المشار إليه يعود فقط لتخوفه من دسائس أطراف مؤتمر باريس، بل أيضا شعوره بتحركات مريبة من أطراف من داخل السلطة ومنظمة التحرير تريد ركوب موجة التعاطف الشعبي مع غزة لحسابات داخلية، ولم يخرج خطاب السيد ياسر عبد ربه قُبيل خطاب الرئيس عن هذا السياق.

* – تم نشر البحث في مجلة سياسات الفلسطينية، رام الله، العدد الثلاثون، نوفمبر 2014.