الرئيسية / دراسات / تهديدات “داعش” والتحولات الجيو سياسية في الشرق الأوسط
داعش

تهديدات “داعش” والتحولات الجيو سياسية في الشرق الأوسط

عرض: طارق راشد عليان – باحث علوم سياسية
أخفقت المحادثات النووية مع إيران في التوصل إلى اتفاق، لكن المهلة المحددة لإبرام صفقة تم تمديدها دون أية مشكلات. وما كان سيصير أزمة كبيرة منذ سنة مضت، مليئة بالتهديدات والقلق، تم التعامل معه دون أحداث درامية أو صعوبات.
في هذا الإطار، نشر المحللُ السياسي الأمريكي الشهير “جورج فريدمان” على موقع “ستراتفور”، المعني بالشئون الجيواستراتيجية والاستخباراتية الدولية والأمن العالمي، مقالا تحليليًّا رأى فيه أن الاستجابة الجديدة لإخفاق آخر في التوصل إلى اتفاق يؤذن بحدوث تحوّل في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو التحول الذي لا يمكن أن نفهمه دون أن نأخذ في اعتبارنا أولا التحولات الجيوسياسية الهائلة التي جرت في منطقة الشرق الأوسط، وعلى نحو أعاد تعريف الطبيعة الملحة للقضية النووية.
أشار فريدمان إلى أن جذور هذه التحولات تمتد إلى ظهور “الدولة الإسلامية”. فمن الناحية الأيديولوجية، ليس هناك إلا اختلاف ضئيل بين “الدولة الإسلامية” والحركات الجهادية الإسلامية الراديكالية الأخرى، لكن من حيث الوجود الجغرافي، ميزت “الدولة الإسلامية” نفسها عن البقية.
ففي حين أن تنظيم “القاعدة” ربما كان يتوق إلى السيطرة على دولة وطنية ذات شأن، فإنه ظل في المقام الأول تنظيمًا إرهابيًّا ضئيلا، وإنْ كان واسع الانتشار. ولم يحتفظ التنظيم برقعة جغرافية مهمة احتفاظًا دائمًا. أي أن التنظيم كان حركة لا مكانًا. لكن “الدولة الإسلامية” -كما يوحي اسمها- شيء مختلف، إذ ترى نفسها كبذرة يمكن أن تنمو منها دولة إسلامية عابرة للحدود الوطنية، وقد وطدت نفسها في سوريا والعراق ككيان جغرافي. فالجماعة تسيطر على رقعة محددة تحديدًا تقريبًا في بلدَيْن، وهي تملك شيئًا أشبه بجيش تقليدي، وهذا الجيش مصمم للدفاع عن الدولة، وتوسيع نطاق سيطرتها.
وأوضح فريدمان أن “الدولة الإسلامية” احتفظت بشخصيتها حتى الآن، بغض النظر عما شهدته من تقدم وتقهقر. ففي حين أن جزءًا كبيرًا من قوة الجماعة يتركز في تشكيلات مؤلفة من محاربي عصابات، بالإضافة إلى احتفاظها بجهاز إرهابي إقليمي معتبر، فإنها تظل شيئًا جديدًا نوعًا ما على المنطقة، بمعنى أنها تظل حركة إسلامية تتصرف كما لو كانت دولة إقليمية.
وقال إنه من غير الواضح ما إذا كان يمكن أن تستمر “الدولة الإسلامية”، فهي تتعرض الآن لهجمات تشنها الطائرات الأمريكية، كما تحاول الولايات المتحدة تكوين قوة ائتلافية تشن هجومًا على “الدولة الإسلامية” وتدحرها. كما أنه من غير الواضح أيضًا ما إذا كانت الجماعة تستطيع أن تتوسع أم لا، إذ يبدو أن “الدولة الإسلامية” بلغت حدودها في كردستان، وقد بدأ الجيش العراقي (الذي تعرض لهزيمة نكراء في المرحلة الأولى من ظهور “الدولة الإسلامية”) يُظهر بعض أمارات القدرة على شن هجوم مضاد.

تهديد جديد على الأرض:

ويرى فريدمان أن “الدولة الإسلامية” تسببت في دوامة اجتذبت قوى إقليمية وعالمية، معيدة تعريف الطريقة التي تتصرف بها هذه القوى. يجمع وجود الجماعة بين كونه جديدًا واستحالة تجاهله لأنه كيان على الأرض. وقد اضطرت الأمم إلى إعادة تكييف سياساتها وعلاقاتها مع بعضها نتيجة لذلك.
وأشار إلى أن هذا الأمر بات واضحًا داخل سوريا والعراق. فدمشق وبغداد ليستا الوحيدتَيْن اللتَيْن يتعيّن عليهما التعامل مع “الدولة الإسلامية”. فالقوى الإقليمية الأخرى، وأبرزها تركيا وإيران والسعودية، هي الأخرى تحتاج إلى إعادة حساب مواقفها. فأي تنظيم إرهابي يمكنه أن يُلحق وجعًا ويثير اضطرابًا، لكنه يحافظ على بقائه بأن يظل متناثرًا. وبحسب جورج فريدمان، تشتمل “الدولة الإسلامية” على عنصر إرهابي، لكنها أيضًا قوة مركّزة من المحتمل أن تستطيع توسيع رقعتها. وتتصرف هذه الجماعة بطريقة جيوسياسية، وما دامت باقية فإنها تمثل تحديًا جيوسياسيًّا.
وأشار فريدمان إلى أن “الدولة الإسلامية” تمثل عناصر من السكان العرب السُنّة داخل العراق وسوريا. وقد فرضت نفسها على المناطق العربية السُنيَّة العراقية، وعلى الرغم من أنه توجد يقينًا معارضة لقوة “الدولة الإسلامية” بين السُنّة؛ فإن بعضَ المعارضة لأية دولة ناشئة شيء حتمي، وقد تمكنت “الدولة الإسلامية” من التغلب على هذه المعارضة حتى الآن. لكن الجماعة أيضًا ضغطت على حدود المناطق الكردية والشيعية، كما سعت إلى إيجاد صلة جغرافية بقواتها في سوريا، مغيّرة بذلك ديناميكية العراق الداخلية تغييرًا كبيرًا. ففي الوقت الذي كان فيه السُنّة ذات يوم ضعفاء ومبعثرين؛ صارت “الدولةُ الإسلامية” الآن قوة كبيرة في المنطقة الواقعة شمال بغداد وغربها، مما يشكل تهديدًا محتملا لإنتاج النفط الكردي والحوكمة العراقية.
وقد كان للجماعة أيضًا أثر أشد تعقيدًا في سوريا، برأي فريدمان، حيث أضعفت الجماعات الأخرى التي تقاوم حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي قوّت موقف الأسد مع زيادتها قوتها في الوقت نفسه. وتوضح هذه الديناميكية التعقيد الجيوسياسي الذي يتسم به وجود “الدولة الإسلامية”.

التصدي بائتلاف:

ولفت جورج فريدمان النظر إلى أن الولايات المتحدة انسحبت من العراق على أمل أن تطوّر بغداد – حتى إذا كانت عاجزة عن حكم أراضيها بمستوى متسق من السلطة – على الرغم من ذلك فإن توازن قوى في العراق تُمنح فيه درجات مختلفة من الاستقلال، الرسمي وغير الرسمي. وقال: كان هذا هدفًا ملتبسًا على الرغم من أنه لم يكن صعب المنال. لكنّ ظهور “الدولة الإسلامية” أخلّ بالتوازن في العراق إخلالا حادًّا، كما أجبرت مواطنُ الضعف الأولية الموجودة في القوات العراقية والكردية التي واجهت مقاتلي “الدولة الإسلامية” الولايات المتحدة، على التفكير في احتمال هيمنة الجماعة على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا.
وقد أثار هذا الموقف تحدي عدم قدرة الولايات المتحدة على التراجع والانخراط التام. كان حل واشنطن، وفقًا لفريدمان، هو أن ترسل طائرات وقليلا جدًّا من القوات البرية لشن هجمات على “الدولة الإسلامية”، مع سعيها في الوقت نفسه إلى تكوين تحالف إقليمي يتصرف حيال الموقف.
وأوضح أن تركيا باتت اليوم عُنصرًا حاسم الأهمية في هذا الائتلاف؛ حيث صارت أنقرة قوة إقليمية كبيرة. فهي صاحبة أكبر اقتصاد وجيش في المنطقة، وهي الأكثر عرضةً للتأثر بالأحداث الجارية في سوريا والعراق، الواقعين كلاهما على امتداد الحدود الجنوبية لتركيا.
وقد تمثلت سياسةُ أنقرة في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان في تجنب الصراعات مع الجيران، وهو ما تمكنت من فعله بنجاح حتى الآن، برأي فريدمان. وتريد الولايات المتحدة الآن أن تقدم تركيا قوات، لا سيما قوات برية، للتصدي لـ”الدولة الإسلامية”.ورأى فريدمان أن لأنقرة مصلحة في فعل ذلك؛ بما أن النفط العراقي سيساعدها على تنويع مصادرها من الطاقة، ولأنها تريد الحيلولة دون اتساع رقعة الصراع ووصولها إلى تركيا، مشيرًا إلى أن الحكومة التركية سعت جاهدة إلى إبقاء الصراع السوري خارج حدودها، وإلى الحد من ضلوعها هي نفسها في الحرب الأهلية ضلوعًا مباشرًا. كما أن أنقرة لا تريد أيضًا أن تُحدث “الدولة الإسلامية” ضغطًا على الأكراد العراقيين من شأنه أن ينتشر في النهاية ويصل إلى أكراد تركيا.
ويرى فريدمان أن تركيا حاليًّا في موقف صعب. فلو تدخلت ضد “الدولة الإسلامية” بجانب الولايات المتحدة، فسوف يتعرض جيشها لاختبار لم يتعرض لمثله منذ الحرب الكورية، وجودة أدائه ليست بالشيء اليقيني. والمخاطر حقيقية، والنصر أبعد من أن يكون مضمونًا. وسيكون في هذا استئناف من جانب تركيا للدور الذي لعبته في العالم العربي إبّان الإمبراطورية العثمانية، محاولةً تشكيل السياسة العربية على النحو الذي تراه مُرضيًا.
ورأى فريدمان أن الولايات المتحدة لم تُحسن فعل هذا في العراق، وليس هناك ما يضمن أن تنجح فيه تركيا أيضًا. والحقيقة أن أنقرة يمكن أن تنجرَّ رجلُها إلى صراعٍ مع الدول العربية لا تستطيع الانسحاب منه بمثل براعة انسحاب واشنطن.
وأوضح فريدمان أن عدم الاستقرار في جنوب تركيا، وبروز قوة جديدة على الأرض في سوريا والعراق؛ يمثلان تهديدات حيوية لأنقرة. وهناك ادعاءات تقول إن الأتراك يساندون “الدولة الإسلامية” سرًّا، لكن الكاتب شكّك بشدة في هذا الأمر.
وقال فريدمان إنه ربما يكون لدى الأتراك تعاطف مع الجماعات الإسلامية الأخرى، لكن “الدولة الإسلامية” خطيرة، ومن المرجح في الوقت نفسه أن تثير ضغطًا من جانب الولايات المتحدة ضد أي من أنصارها. واستبعد فريدمان تنفيذ الأتراك أوامر أمريكا ببساطة، مشيرًا إلى أن أنقرة لها مصالح في سوريا لا تتقاطع مع مصالح الولايات المتحدة.
وأوضح الكاتب أن تركيا تُريد أن ترى نظام الأسد وقد أُطيح به، لكن الولايات المتحدة راغبة في القيام بهذه الخطوة خشية أن يفتح هذا الباب أمام قيام نظام جهادي سُني (أو على الأقل فوضى جهادية) يستحيل تشكيله في ظل وجود “الدولة الإسلامية”.
ووفقًا لفريدمان، فإن الأتراك يسوقون حاليًّا قضية الأسد كعذر لعدم الانخراط في الصراع، منوّهًا بأن أنقرة تريد رحيل الأسد، وقيام نظام سُني موال لتركيا مكانه. وإذا رفضت الولايات المتحدة الرضوخ لهذا المطلب، فسوف يكون لدى تركيا أساس تستند إليه في رفضها التدخل. وأما إذا وافقت الولايات المتحدة، فسوف تحصل تركيا على المحصلة التي تريدها في سوريا، لكن في مقابل مخاطر أكبر تحيق بالعراق. وبالتالي صارت “الدولة الإسلامية” محور ارتكاز العلاقات الأمريكية التركية، إذْ حلت محل قضايا سابقة مثل علاقة تركيا مع إسرائيل.

دور إيران الإقليمي المتغير:

وأشار جورج فريدمان إلى أن ظهور الدولة الإسلامية أعاد بالمثل تعريف وضع إيران في المنطقة. فطهران ترى وجود نظام حكم موالٍ لإيران يهيمن عليه الشيعة في بغداد شيئًا حاسم الأهمية بالنسبة لمصالحها، تمامًا مثلما ترى في هيمنتها على جنوب العراق أمرًا بالغ الأهمية.

وقد خاضت إيران حربًا مع عراق يهيمن عليه السُنة في الثمانينيات، وتكبّدت خسائر مدمرة، وتجنُّب حرب أخرى من هذا القبيل عنصر جوهري في سياسة الأمن القومي الإيرانية. وتملك “الدولة الإسلامية” -من وجهة نظر طهران- القدرةَ على عرقلة الحكومة الكائنة في بغداد، وربما تقويض مكانة إيران في العراق. وعلى الرغم من أن هذه ليست هي النتيجة الأكثر رجحانًا، فإنها تمثل تهديدًا محتملا يتعيّن على إيران التصدي له، بحسب فريدمان.
وأشار الكاتب إلى أنه تم بالفعل تكوين تشكيلات إيرانية صغيرة في شرق كردستان، كما أن عسكريين إيرانيين قادوا الطائرات العراقية في الهجمات التي شنتها على مواقع “الدولة الإسلامية”. فمحض احتمال هيمنة “الدولة الإسلامية” حتى على أجزاء من العراق أمر غير مقبول بالنسبة لطهران، التي تتقاطع مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة. فكلا البلدَيْن يريد القضاء على “الدولة الإسلامية”. وكلا البلدين يريد لدولاب الحكومة الكائنة في بغداد أن يعمل. ولا مشكلة لدى الأمريكيين في ضمان الإيرانيين الأمن في الجنوب، ولا اعتراض لدى الإيرانيين على وجود كردستانٍ موالٍ لأمريكا ما داموا يواصلون هيمنتهم على التدفقات النفطية الجنوبية.
وأوضح فريدمان أنه بسبب “الدولة الإسلامية” -بالإضافة إلى اتجاهات أكبر طويلة المدى- اقتربت الولايات المتحدة وإيران من بعضهما بفضل مصالحهما المشتركة. فقد خرجت علينا العديد من التقارير التي تتحدث عن تعاون عسكري أمريكي إيراني ضد “الدولة الإسلامية”، في الوقت الذي تم فيه تهميش القضية الرئيسية التي تُسبب انقسامًا بين الجانبَيْن (البرنامج النووي الإيراني). وقال الكاتب إن الإعلان الذي جاء مؤخرًا عن عدم التوصل إلى تسوية في المحادثات النووية أعقبه تمديد هادئ للمهلة المقررة للتوصل إلى اتفاق، ولم يُهدد أيٌّ من الجانبَيْن الآخر، ولا أعطى أية إشارة تنم عن أن هذا الإخفاق غيّر الوفاق العام الذي تم التوصل إليه.
ومن وجهة نظر الكاتب، فإن الحصول على سلاح نووي يمكن إيصاله إلى هدفه أصعب بكثير جدًّا من تخصيب اليورانيوم، وإيران ليست قوة نووية وشيكة. ويبدو أن وجهة النظر هذه صارت الموقف الذي تتبناه أمريكا. فلا واشنطن ولا طهران تريد توتير العلاقات على خلفية القضية النووية، التي تم إرجاؤها مؤقتًا بسبب صعود “الدولة الإسلامية”.
وأوضح الكاتب أن حالة الوئام الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران بطبيعة الحال تجعل السعودية التي تعد القوة الرئيسية الثالثة في المنطقة، تشعر بالخوف. فالرياض ترى طهران منافسًا في الخليج العربي ربما يمكنه زعزعة استقرار السعودية عن طريق سكانها الشيعة. كما يرى السعوديون أيضًا الولايات المتحدة باعتبارها الضامن النهائي لأمنهم القومي، حتى على الرغم من أنهم ظلوا يتصرفون دون مباركة واشنطن منذ الربيع العربي.وإذ تتوجس الرياض خيفة من العلاقة الآخذة في الدفء بين إيران والولايات المتحدة؛ فقد بدأ ينتابها أيضًا القلق المتزايد من اكتفاء أمريكا الذاتي المتنامي في مجال الطاقة، وهو ما قلّص بحدة الأهمية السياسية للسعودية بالنسبة للولايات المتحدة، على حد قول فريدمان.
ولفت الكاتب إلى أنه كانت هناك تكهنات بأن “الدولة الإسلامية” يجري تمويلها من قبل قوى من الجزيرة العربية، “لكن لن يكون من العقلاني أن تكون الرياض ممولا للجماعة”.وأوضح أنه كلما ازدادت قوة “الدولة الإسلامية”، صارت العلاقات أمتن بين الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن لا تستطيع أن تعيش مع خلافة عابرة للحدود الوطنية قد تصير قوية إقليميًّا يومًا ما. وكلما صارت “الدولة الإسلامية” تشكِّل تهديدًا أكبر، ازداد احتياج إيران والولايات المتحدة كل منهما للآخر، وهو ما يتعارض تمامًا مع المصالح الأمنية للسعوديين، برأي فريدمان، الذي أشار إلى أن الرياض تحتاج إلى التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وبغض النظر عن الدافع الديني أو الأيديولوجي، يرى فريدمان أن تحالف طهران مع واشنطن يشكل قوة طاغية تهدد بقاء النظام السعودي الحاكم. كما أن “الدولة الإسلامية” لا تكنّ حبًّا للأسرة المالكة السعودية. ويمكن أن تتوسّع الخلافة في اتجاه المملكة العربية السعودية أيضًا، وقد رأينا من قبل نشاطًا على مستوى القاعدة الشعبية مرتبطًا بـ”الدولة الإسلامية” يجري داخل المملكة.
وأشار الكاتب إلى أن الرياض كانت ضالعة في العراق، مؤكدًا ضرورة أن تحاول السعودية تعزيز القوى السُنيّة الأخرى غير “الدولة الإسلامية” بسرعة، بحيث تتضاءل القوى التي تدفع واشنطن وطهران إلى التقارب.

مكان أمريكا في قلب الشرق الأوسط:

فيما يخص واشنطن، يرى فريدمان أن “الدولة الإسلامية” أثبتت أن فكرة رحيل الولايات المتحدة ببساطة عن المنطقة فكرة غير واقعية. وفي الوقت نفسه، لن تنخرط الولايات المتحدة في حرب متعددة الفِرق في العراق.
وأشار فريدمان إلى أن واشنطن أخفقت في تحقيق استقرار موالٍ لأمريكا هناك في المرة الأولى، مستبعدًا تحقيق مثل هذا الاستقرار هذه المرة. ويستعمل سلاح الجو الأمريكي قوة كبيرة ضد “الدولة الإسلامية”، وهو رمز لنفوذ أمريكا وحضورها في المنطقة، وكذلك لحدودها. وأوضح أن استراتيجية الولايات المتحدة المتمثلة في تكوين ائتلاف ضد “الدولة الإسلامية” معقدة للغاية، على اعتبار أن الأتراك لا يريدون الانجرار إلى قتال دون تنازلات كبيرة، والإيرانيون يريدون تخفيض الضغط الذي يمارَس على برامجهم النووية في مقابل تقديمهم المساعدة، والسعوديون على وعي بالأخطار التي تشكّلها إيران.
الشيء الجدير بالملاحظة، برأي الكاتب، هو ما لـ”الدولة الإسلامية” من أثر على العلاقات في المنطقة. فظهور الجماعة وضع الولايات المتحدة من جديد في قلب النظام الإقليمي، كما أجبر ثلاث قوى شرق أوسطية كبيرة على إعادة تعريف علاقاتها مع واشنطن بطرق مختلفة. كما أحيا بشكل أعمق مخاوف تركيا وإيران والسعودية.
وأشار فريدمان إلى أن أنقرة تريد تجنب معاودة الانجرار إلى الكابوس العثماني السابق المتمثل في السيطرة على العرب، في حين أن إيران اضطرت إلى الوقوف في صف الولايات المتحدة من أجل مقاومة صعود عراقٍ سُني وصعود السعودية، وذلك على نحو ما اضطر الشاه إلى فعله ذات يوم.
وفي غضون ذلك، أثارت “الدولة الإسلامية” مخاوف السعوديين من تخلي الولايات المتحدة عنهم لصالح إيران، وصارت رهبة الولايات المتحدة معاودة الضلوع في العراق هي التي تحدد ملامح كل أفعالها.
وفي النهاية، استبعد جورج فريدمان أن تتمكن “الدولة الإسلامية” ذات الرقعة الجغرافية من البقاء. فالحقيقة هي أن تركيا وإيران والسعودية كلها في انتظار الولايات المتحدة كي تحل مشكلة “الدولة الإسلامية” بقوتها الجوية وقليل من القوات الأرضية.
وأوضح الكاتب أن هذه الأفعال لن تدمر “الدولة الإسلامية”، لكنها ستفتت الوحدة الترابية للجماعة، وتجبرها على العودة إلى تكتيكات الكر والفر والأعمال الإرهابية. والحقيقة أن هذا يجري بالفعل حاليًّا، لكن وجود الجماعة -مهما كان مؤقتًا- بغَت المنطقة، فأدركت أن الافتراضات السابقة لم تأخذ الوقائع الراهنة في عين الاعتبار. وأكد أن أنقرة لن تستطيع أن تتجنب زيادة ضلوعها في الصراع، وسوف تضطر طهران إلى التعايش مع الولايات المتحدة، كما ستضطر الرياض إلى إعادة النظر بشكل جاد في مكامن ضعفها. وأما بالنسبة للولايات المتحدة، فيمكنها ببساطة أن تعود إلى ديارها، حتى وإن كانت المنطقة تعمها الفوضى. لكن الأخريات في ديارهن بالفعل، وتلك هي النقطة التي أوضحتها “الدولة الإسلامية” أشد الوضوح.

*عالم اجتماع وسياسة أمريكي، وهو المؤسس والمدير التنفيذي الرئيسي لمؤسسة “ستراتفور” للأبحاث السياسية والاستخباراتية الأمريكية المصدر.. السياسة الدولية